الرقابة بوجوهها وأقنعتها المختلفة(16) عفواً سيّدي الرقيب

لم أكن أتوقّع يوما أنني سأفاجأ  بحالة من حالات الرقيب الأدبيّ التابع بدوره لرقابة خفية تفصح عن نفسها من خلال الرقيب الأدبيّ/ الأداة.

إذ كنت أعرف الكثير عن غباء الرقابات العربية والمحلية، من خلال ما تعرّض له أصدقائي الذين سبقوني إلى مهنة الجنون، ومن خلال ما نشرته مجلة الآداب اللبنانية في ملفّ الرقابات العربية ومنها الرقابة السورية، إذ علمنا أن قرار المنع والسماح يأتي من خارج السلطة الأدبية، وفقا لأمزجة “الرقباء” ولمدى الخطوط المسموح لهم بتجاوزها.

منذ أن طرد أغلب المؤسّسين لاتّحاد الكتاب منه، والمتطفّلون يخرّبون الذائقة الأدبية بشكل ممنهج ومدروس، بالتعاون مع سلطة سياسية أمنية لا تسمح إلا بما يلمّع وجهها، ويعزّز إنجازاتها  المتمثّلة  في الحذف والرقابة والمنع والسجن والتغييب، لذلك ليس عجبا أن نجد مؤسّسي اتّحاد الكتاب قد طلّقوا اتّحادهم إلى غير رجعة، من حيدر حيدر إلى أدونيس إلى الراحل ممدوح عدوان وغيرهم ممّن لا يتّسع المجال لذكرهم، ليبقى المخرّبون الجدد في ساحات الوغى الشعرية،لا يسمع بهم أحد ولا يعرفهم أحد.

ولكن ما حصل معي يضع العقل في الرجل، وليس في الكفّ وفق تعبير القاص حسن م يوسف، إذ كنت حصلت على موافقة لنشر ديواني الشعريّ

( حوارية البقاء والأمل) بتاريخ 13/2/2005 برقم 2424. ولكن بعد ذهابي إلى الناشر ومشاورة بعض الأصدقاء، اقترحوا عليّ إضافة بعض القصائد إلى الديوان لأنّ حجمه صغير، وكان الأمر أن تقدّمت بالديوان إلى وزارة الإعلام للحصول على موافقة جديدة، وكانت المفاجأة بعدم الموافقة على النشر، ومن الطبيعيّ في هذه الحالة أن يكون الاعتراض على القصائد الجديدة المضافة، ولكن بالعودة إلى ملاحظات الرقيب المبعثرة على صفحات الديوان تبيّن لي أنّ أغلب الاعتراضات كانت على القصائد السابقة التي كان الرقيب قد وافق عليهاسابقاً، وإليكم بعض الأمثلة التي أزعجت حارس الثقافة المصون، واقتراحاته الجوهرية عليها.

مثلا كتبت في قصيدة تتحدّث عن فتاة عاشقة تقف على الشبّاك بانتظار حبيبها:

تبني مدناً وخيولاً/

لقاء غرامٍ لن يولدْ/

-الحبّ هو الوهم…

فكانت ملاحظة السيد الرقيب الممهورة بجانب المقطع” كيف تبنى الخيول؟”

هل أقول لك إنّني أكتب الشعر يا سيّدي لا مقالة علمية، وفي الشعر هناك شيء اسمه الحلم والمجاز، وهل هناك أكثر حلما ومجازا من فتاة عاشقة!

وفي قصيدة أخرى كتبت :

فعشق النهد آلهتي

وفيه أرى إذا ما تهت

بوصلتي

وكانت ملاحظة حارس الأخلاق العتيد : ما هذه الآلهة؟

يا سيّدي العزيز هل تحاكمني على اعتقاداتي وآلهتي في القرن الواحد والعشرين؟ وهل مهمتك مراقبة النص اعتقادياً أم فنيا وجماليا؟؟

وفي مكان آخر من قصيدة كانت قد نشرتها مجلة الآداب العريقة، يدّون الرقيب العلمي هذه المرة الملاحظة التالية: الدم لا يكون من المدامع بجانب عبارتي التالية: 

لنا تاريخنا العاصي على الكذب

كتبناه بدم من مدامعنا.

هذا الكلام يا سيّدي الرقيب يقوله مدرّس مادة العلوم لطلابه، ولا يقوله شاعر لهاوي شعر مثلي، ومن قال لك إنّا لا نبكي دما يا سيّدي ؟

من قال لك إّن ما يتهرهر( آسف لهذه الكلمة التي أتوقّع أنها لن تعجبك) من عينيّ دمعا وليس دما يا سيّدي؟

هل تعتقد أنّ الدموع تكفي للتعبير عن حالة طفل يموت في حضن والده برصاصة قنّاص إسرائيليّ  يحمل في قلبه كلّ أحقاد الكون..

وإذا كانت الدموع تكفيك ، فأنا لا يا سيّدي . وهنيئاً لك..

سأكتفي بهذا القدر من الملاحظات التي تقع في خانة الجنون، وأنتقل إلى ما يقع في خانة الجهل التامّ وغياب القراءة الصحيحة، كتبت:

تململ مني انتظاري

وغادر قلبي إواري

نستني

وعافت خطاي دياري

فكلمة نستني تعود هنا إلى الخطى والديار وليس إلى الحبيبة، ولكن الرقيب العشقي يصرّ على أن الحبيبة هي التي نستني، فيصحّح لي بكلمة نسيتني، دون أن يعلم أنّ هذه الكلمة تكسر الوزن، ذلك الوزن الخليليّ الفراهيديّ الذي يلاحقني به من بداية الديوان حتى نهايته، وفجأة ينساه هنا..

ما ذنبي إذا كنت تقرأ بالمقلوب يا سيّدي؟

هذا ولم نتطرّق بعد إلى الثالوث المحرّم ( الدين والجنس والسياسة)، فأمام كلّ كلمة نهد علامة استفهام، وتحت كلّ كلمة قادة إشارة تعجّب بالخطّ الغليظ، وفوق كلّ كلمة إله مظلّة لتحميه من كلماتي أنا العبد الفقير له( لله وليس للرقيب طبعا).

وتلكم قائمة بالكلمات الممنوعة، لا لشيء فقط كي يحذف الشعراء السّوريون هذه الكلمات من قاموسهم الشعريّ إن أرادوا لنصّهم النجاة من سيّافي الشعر:( سلطان الآيات، جور، نهد، ، سينزل الإله راقصا مع البشر،  تزلزل السماء غيمها، تراقصت أميرا بين نهديها، أنا نبيذٌ خمر أقداح، نهدك مثل غليونٍ، بترونة هي الحياة، قيء وقمامة، شيطان أتبعه، هكذا كنا نعوي، القادة الكسلة)

سيّدي الرقيب شكرا لك على ملاحظاتك القيّمة، وأعلن اعتزالي كتابة الشعر، طالما تريدني أن أكون نسخة شعريّة عنك، وخصوصا أنّ دواوينك الشعرية تكتسح الأسواق وتفيض عن حاجة القراء. وأعتذر منك لأنّي تجرّأت وتطفّلت على مهنة الشعر الجميلة التي تحتكرها أنت وموزّعو شهادات الشعر بالمجّان على كلّ أفّاق، مدّاح، نهّاب، أسوة بموزّعي شهادات الوطنية على الرّعاع الذين لم يتح لهم التتلمذ على أيدي المبشّرين الجدد بربيع دمشقيّ موؤود.