
في اليوم الثّامن والعشرين من نوفمبر من سنة 2008 يكون عالم الأنتروبولوجيا الفرنسي كلود لفي ستروس Claude Levi-Strauss قد بلغ تمام المائة. ويمكن لموسوعة غينيس للأرقام القياسيّة أن تتهيّأ لتسجيل رقم جديد هو أطول العلماء عمرا، أو أطول المعمّرين من العلماء عمرا. ولد هذا العالم ببروكسال في 28 نوفمبر من سنة 1908 من أب فنّان رسّام يدعى ريمون ليفي ستروس Raymond Levi-Strauss وأمّ هي آمّا ليفي Emma Lévy. كان جدّه لأبيه كبير الحاخامات بفرساي. وقد انتقلت العائلة للسّكن عنده طيلة الحرب العالميّة الأولى. وفي سنة 1918 عادت العائلة إلى مقرّ سكناها بباريس، حيث زاول كلود ليفي ستروس تعليمه الثّانوي إلى أن تحصّل على شهادة الباكالوريا. وفي سنة 1927 التحق بكلّيّة الحقوق بساحة البنتيون Panthéon، وكان في الآن نفسه يدرس الفلسفة بالسّربون على أيدي أشهر الأساتذة في ذلك الوقت مثل ليون برنشفيك Léon Brunschvicg وإميل بريهييه Emile Béhier وسيلستان بوقلي Célestin Bouglé الّذي أعدّ تحت إشرافه مذكّرة الدّراسات العليا بعنوان ” المسلّمات الفلسفيّة للمادّيّة التّاريخيّة”. وفي نفس السّنة تحصّل على إجازته في الحقوق.
وابتداء من سنة 1928 شرع في إعداد التّبريز، وكان من بين زملائه موريس مرلو بنتي Maurice Merleau-Ponty وسيمون دي بوفوار Simone de Beauvoir، وتحصّل عليه سنة 1931، وكان من زملاء دفعته فردنان ألكيي Ferdinand Alquié وسيمون فايل Simone Weil. وفي سنة 1932 أدّى واجبه العسكري بسترازبورغ ثمّ بوزارة الحرب بباريس، وفي السّنة نفسها تزوّج بالفيلسوفة دينا دريفوس Dina dreyfus. ومنذ التحاقه بسلك التّدريس سنة 1933 بمعهد لاون Laon بدأ يشعر بالملل وبرغبة شديدة في رؤية العالم، إلى أن اطّلع على كتاب روبار لووي Robert Lowie “المجتمع البدائي” الّذي صدر سنة 1920، فكان بمثابة الشّرارة الّتي غيّرت مساره الفكريّ ونقلته من مجال الفلسفة إلى الأنتروبولوجيا. وهو انتقال قد حصل بالفعل لمّا تلقّى في خريف ذات أحد من سنة 1934 على السّاعة التّاسعة مكالمة هاتفيّة من سيلستان بوقلي يقترح عليه أن يترشّح لخطّة أستاذ السّوسيولوجيا بجامعة ساو باولو بالبرازيل. وقد التحق بتلك الجامعة سنة 1935 وظلّ يشغل منصب السّسوسيولوجيا إلى سنة 1938. ولكنّه خلال هذه المدّة قام بنشاط كثيف في مجال الإتنولوجيا. ففي نهاية سنته الجامعيّة الأولى بالبرازيل سافر كلود ليفي ستروس صحبة زوجته في مهمّة في أعماق البرازيل، داخل الماطو قروسو Mato Grosso. وقد كان ذلك له أوّل فرصة للقيام بأوّل بحث عن هنود الكادويفو Caduveo والبرورو Bororo. وقد شغل وصف هذه الرّحلة جانبا كبيرا من كتابه “المداران الحزينان”، فقد كانت بمثابة “التّعميد الإتنغرافيّ” إذ درّب فيها نفسه بنفسه على اختصاص لم يتلقّ في شأنه أيّ تعليم جامعيّ أو إعداد مهنيّ. وفي سنة 1936 عاد إلى فرنسا، ونشر مقالا عن هنود البرورو لفت انتباه ألفراد مترو Alfred Métraux وروبار لووي، وهو ما كان حاسما في مسيرته الأمريكيّة بعدئذ.
وفي باريس سنة 1937 انغمس في الإعداد لبعثة جديدة إلى البرازيل. وفي بداية سنة 1938 عاد إلى البرازيل وشرع في الإعداد المادّي للبعثة الّتي دامت عدّة أشهر، وقد كانت تتألّف من أربعة أفراد منهم دينا دريفوس زوجة كلود لفي ستروس الّتي انفصل عنها سنة 1939. وهي السّنة الّتي عاد في مطلعها إلى فرنسا وعرض المجموعات الّتي حملها معه من البرازيل. وفي سنة 1940 لم يتمكّن بسبب الحرب وتقدّم الجيوش الألمانيّة من مزاولة مهنة أستاذ الفلسفة بمعهد منبوليي Montpellier بسبب قوانين فيشي العرقيّة. ولكنّه سرعان ما تلقّى دعوة من الولايات المتّحدة للتّمتّع بمخطّط إنقاذ العلماء الأوروبيّين الّذي نظّمته مؤسّسة روكفيلار. فقد تمكّن ألفريد مترو وروبار لووي وماكس أسكولي من الحصول له على دعوة من المعهد الجديد للدّراسة السّوسيولوجيّة بنيويورك. وفي سنة 1941 غادر فرنسا بعد أن تحصّل على تأشيرة الخروج إلى الولايات المتّحدة، ولم يبلغ نيويورك إلاّ بعد مشاقّ حيث استقرّ وسكن في منزل بقرينويتش فيلاج Greenwich Village. وقد كتب في نفس السّنة (بالإنكليزيّة) “الحياة العائليّة والاجتماعيّة لهنود نمبكوارة” وهو كتاب سيصدر سنة 1948 بالفرنسيّة ويكون أطروحته التّكميليّة. وكانت السّنوات الّتي أمضاها بنيويورك (- 431941) كلّها نشاط علميّ صُرف معظمه في القراءات الإثنوغرافيّة والتّدريس وملاقاة العلماء من قامة بواس Boas أكبر الأساتذة في اختصاص الإتنوغرافيا، وخاصّة رومان جاكبسون الّذي كشف لكلود لفي ستروس وجود علم هو اللّسانيات. وقد انعقدت بين الرّجلين صداقة استثنائيّة أثمرت فيما بعد تحليلهما المشترك لقصيدة بودلير “القطط”. وفي سنة 1941 شرع في تحرير أطروحته الشّهيرة “بنى القرابة البسيطة”. واستدعي في سنة 1944 إلى فرنسا من قبل إدارة العلاقات الثّقافيّة. ولكنّه لم يبلغ باريس عبر لندن إلاّ سنة 1945 حيث شغل منصبا في إدارة العلاقات الثّقافيّة بصفته سكرتير المدرسة الحرّة للدّراسات العليا بنيويورك. وقد كلّف بإرشاد كلّ من يرغب في الذّهاب إلى الولايات المتّحدة. وقد عيّن بعد ذلك مستشارا ثقافيّا في سفارة فرنسا بواشنطن مع إقامة في نيويورك. وقد شغل هذا المنصب طيلة ثلاث سنوات. وفي نفس السّنة تزوّج بروز ماري أولمو Rose-Marie Ulmo، ومن هذا الزّواج الثّاني أنجب ابنه لوران Laurent. وفي نهاية سنة 1947 عاد إلى فرنسا. وقد عيّن سنة 1948 أستاذا باحثا في CNRS (المركز الوطني للبحث العلمي) ومديرا مساعدا في متحف الإنسان Musée de l’Homme. ومنذ ذلك التّاريخ أصبحت حياته ذات نسق واحد تقريبا هو نسق الحياة العلميّة الحافلة بالكتابة والنّشر وشغل المناصب العلميّة والدّعوات والأسفار والتّكريم، يمكن أن نوجزها في التّواريخ التّالية:
1949 نشر أطروحته الأساسيّة بنى القرابة البسيطة” في المطبوعات الجامعيّة بفرنساPUF . وفي نفس السّنة دعاه عالم النّفس هنري بيارون Henri Pièron أستاذ بالكوليج دي فرانس إلى تقديم ترشّحه في نفس المؤسّسة، غير أنّ مطلبه رفض بسبب النّزاعات الحادّة بين هيئة التّدريس والمعارضين الإداريّين. وسيتكرّر الرّفض مرّة أخرى في سنة 1950 رغم مساندة دوميزيلDumézil وبنفنيست Benveniste.
1952 نشر كتاب “العرق والتّاريخRace et histoire “، وهو نصّ كتب في السّنة السّابقة بطلب من قسم العلوم الاجتماعيّة باليونسكو.
1953 انتخب كاتبا عامّا للمجلس الدّولي للعلوم الاجتماعيّة، رافضا في الآن نفسه منصبا في هارفارد.
1954 يتزوّج بمونيك رومان Monique Roman بعد طلاقه من روز ماري أولمو، وينجب منها ابنه ماتيو Matthieu.
1955 نشر كتابه “المداران الحزينان/Tristes tropiques” بطلب من جون مالوري Jean Malaurie الّذي أسّس في دار بلونPlon سلسلة “أرض بشريّة Terre humaine”. وقد استقبل النّقد هذا الكتاب بحفاوة بالغة وعرف فورا نجاحا كبيرا في المكتبات. وقد ساهم هذا الكتاب في شهرة مؤلّفه في أوساط جمهور عريض من القرّاء. وقد أعربت لجنة تحكيم أكاديميّة قنكور Goncourt عن أسفها البالغ لأنّه لا يمكن أن تسند جائزتها إلاّ للأعمال الرّوائيّة.
1958 نشر كتابه “الأنتروبولوجيا البنيويّة” (منشورات بلون).
1959 انتخب في الكوليج دو فرانس ليشغل كرسيّ الأنتروبولوجيا الاجتماعيّة. وهذا الانتخاب يعود الفضل فيه إلى جهود مرلوبنتي. وفي سنة 1960 ألقى في الكولاج درسه الافتتاحيّ وأسّس فيه مخبر الأنتروبولوجيا الاجتماعيّة. وفي سنة 1961 أسّس رفقة بعض معاونيه مجلّة “الإنسان/L’Homme” المجلّة الفرنسيّة للأنتروبولوجيا. وفي سنة 1962 صدر له كتابان هما “الطّوطميّة اليوم Le Totémisme aujourd’hui” و”الفكر المتوحّش La Pensée sauvage”.
1964 نشر الجزء الأوّل من أثره الكبير “مثيولوجيّات: النّيّئ والمطبوخ ـ Mythologiques: Le Cru et le cuit “. وفي سنة 1966 تحصّل من شيكاغو على الميداليّة الذّهبيّة أسندتها له بعد تصويت دوليّ مؤسّسة الفيكينق للأنتروبولوجيا. أمّا في سنة 1967 فقد أصدر الجزء الثّاني من كتابه “مثيولوجيّات: من العسل إلى الرّماد ـ Mythologiques: Du Miel aux cendres “. وأتبعه في سنة 1968 بالجزء الثّالث “مثيولوجيّات: أصل آيِين المائدة ـ Mythologiques: L’Origine des manières de tables “. وفي نفس السّنة تلقّى الميداليّة الذّهبيّة من المركز الوطني للبحث العلمي. وهي أيضا السّنة الّتي اندلعت فيها أحداث ماي 68 الشّهيرة. وقد سئل ما الّذي تمثّل له هذه الأحداث ؟ فأجاب: ” تمثّل لي أحداث ماي 68 نزول مسيرة إضافيّة في سلّم الانحطاط الجامعيّ الّذي بدأ منذ مدّة… لا أظنّ أنّ ماي 68 قد دمّرت الجامعة، ولكن بدل ذلك لم تقع أحداث ماي 68 إلاّ لأنّ الجامعة قد دمّرت نفسها”. ولئن تفرّغ تماما في سنتي 1969-1970 لتحرير كتابه عن الأساطير فإنّه لم يصدر الجزء الرّابع من كتابه الكبير “مثيولوجيّات: الإنسان العاري ـ Mythologiques: L’Homme nu “. إلاّ سنة 1971. ويقول في شأنه ” طوال عشرين سنة، عشت حقّا وأنا أنهض في الفجر، سكران من الأساطير، في عالم آخر.”
1971 انتخب في الأكاديميّة الفرنسيّة شاغلا مكان هنري دو منترلان Henry de Montherlant، وقد أثارت هذه العضويّة دهشة أصدقائه الّذين كان إليهم يوجّه خطاب الاستقبال.
وكانت 1982 سنة تقاعده وفيها انتقلت إدارة مخبر الأنتروبولوجيا الاجتماعيّة إلى فرنسواز إيرتييFrançoise Héritier، ولكنّه ظلّ عضوا من أعضاء المختبر.
ولكن قبل التّقاعد وبعده كان كلود لفي ستروس يصدر كتبه بانتظام. ففي 1975 أصدر كتابه “سبيل الأقنعة La Voie des masques” (في جزأين، منشورات سكيرا، ثمّ بلون في طبعة ثانية مزيدة 1979)، و”الأسطورة والمعنى/Myth and Meaning” (طبع جامعة طورنطو 1978)، وهو في الأصل سلسلة من خمس محاضرات ألقاها بالأنقليزيّة في إطار (قراءات ماسي/Massey Lectures) سنة 1977. وفي سنة 1983 أصدر كتابه “نظرة بعيدة Regard éloigné” ضمن منشورات بلون، وهو مؤلَّف جمع فيه لفي ستروس النّصوص الّتي ظهرت بين سنوات 1971-1983 باستثناء نصّ مقال “العائلة” الّذي يعود تاريخ تحريره إلى سنة 1956. وفي سنة 1984 أصدر كتاب “عهود Paroles données” عن منشورات بلون. وفي السّنة الموالية 1985 نشر كتابه “الخزّافة الغيورة La Potière jalouse” عن منشورات بلون، وهو دراسة جديدة في مجموعة من أساطير الأمريكتين. وفي سنة 1988 صدر كتاب هو عبارة عن مجموعة من المحادثات أجراها معه ديديي إيريبون Dédier Eribon عنوانه “من قريب ومن بعيد De près et de loin” منشورات أوديل جاكوب Odile Jacob.
في1989 نظّم متحف الإنسان بمبادرة من جون قيار Jean Guiart معرضا بعنوان “أمريكيّات كلود لفي ستروس/Les Amériques de Claude Levi-Strauss ” عرض فيه قطعا من المجموعات الّتي حملها لفي ستروس معه من البرازيل سنة 1936. كما جمع مختارات من نصوصه عن الفنّ نشرت في كتاب بمناسبة هذا المعرض بعنوان “الرّموز وقرائنها/ Des Symboles et leurs doubles “.
وفي سنة 1991 أصدر كتاب “حكاية الوشق/ Histoire de Lynx”، وكتاب “النّظر والسّماع والقراءة/Regarder Ecouter Lire” عن منشورات بلون سنة 1993.
في سنة 1994 أصدر كتابا عنوانه “أشواق البرازيل/Saudades do Brazil” منشورات بلون، وهو مؤلّف يحتوي عددا كبيرا من الصّور غير منشورة من قبل التقطها لفي ستروس أثناء إقامته بالبرازيل بين سنتي 1935-1938. وفي سنة 1996 أصدر كتابا مماثلا عنوانه “أشواق ساو باولو/Saudades de São Paulo” وهو عبارة عن مجموعة من الصّور الفوتغرافيّة عن مدينة ساو باولو التقطت بين 1935-1937.
سنة 1998 احتفل كلود لفي ستروس بعيد ميلاده التّسعين. وفي السّنة الموالية ألقى كلمة بالكولاج دو فرانس في ملتقى نظّمته مجلّة “نقد/Critiaue” احتفاء ببلوغه سنّ التّسعين. وقد نشرت المجلّة بهذه المناسبة عددا خاصّا به.
وفي سنة 2003 نشر الكثير من المجلاّت والدّوريّات مثل (أرشيف الفلسفة Archives de philosophie وإسبري Esprit وكرّاسات الآرن Cahiers de l’Herne) ملفّات خاصّة بأعمال كلود لفي ستروس بمناسبة بلوغه سنّ الخامسة والتّسعين.
في ماي 2008 وباقتراب بلوغه المائة سنة، نشر جزء من أعماله بمكتبة البلياد Bibliothèque de la Pléiade. كلّ هذا دون أن نذكر خطابات الاستقبال الّتي كتبها لاستقبال آلان بيرفيت Alain Peyrefitte (نشر في 1977) وجورج دوميزيل Georges Dumézil (نشر في غاليمار1979) بالأكاديميّة الفرنسيّة، وأسفاره إلى كولمبيا البريطانيّة (1973-1974)، وكوريا الجنوبيّة (1981) واليابان للمرّة الثّالثة بدعوة من مركز الإنتاج الياباني(1983) ، وإسرائيل في الملتقى الدّولي للفنّ بوصفه وسيلة اتّصال (1984)، وجولته في المركّبات الجامعيّة بكاليفورنيا الّتي ألقى فيها جملة من المحاضرات ببركلي ودايفس وسان فرانسيسكو ولوس أنجلوس (1984)، أو سفره إلى البرازيل سنة 1985 بعد غياب امتدّ منذ سنة 1939 رفقة رئيس الجمهوريّة فرنسوا ميتران الّذي كان يقوم بزيارة رسميّة، أو سفرته إلى اليابان للمرّة الرّابعة (1986) بدعوة من مؤسّسة إيشيزاكا، ومرّة خامسة سنة 1988 بمناسبة بلوغه الثّمانين.
—
من يتمعّن في مسيرة كلود لفي ستروس لا بدّ أن يلاحظ أنّ الحدثين الهامّين اللّذين غيّرا مسيرته العلميّة على نحو عميق هما دعوته إلى تدريس السّوسيولوجيا بالبرازيل. فقد جعلته هذه الدّعوة يتخلّى عن تدريس الفلسفة ويهتمّ بصفة نهائيّة بعلم الإتنوغرافيا. أمّا الحدث الثّاني فهو ملاقاته لعالم اللّسانيات رومان جاكبسون. فقد تابع دروسه وناقشها، إذ وجد فيها الصّياغة المتناسقة والمنظّمة لمبادئ المنهج الّذي كان يبحث عنه في إطار بحوثه الخاصّة، ونقصد مفهوم البنية. وهو مفهوم بدأ يتحكّم في كتابة أطروحته “بنى القرابة البسيطة”. وقد ظهر هذا الكتاب سنة 1949 وكان له في البداية وقع كبير في دوائر المتخصّصين مافتئ يتعاظم إلى اليوم. ولكن بعد ظهور كتاب “المدارات الحزينة” سنة 1955 انتبه الجمهور العريض من القرّاء لأعمال كلود لفي ستروس. وقد كان كتاب “الأنتروبولوجيا البنيويّة” بمثابة البيان لكلّ من كان يروم الفكاك من قبضة الوجوديّة والظّواهريّة. ويبدو أنّ المجابهة بين سارتر ولفي ستروس لم تتأخّر كثيرا. ففي الفصل التّاسع من كتاب “الفكر المتوحّش” بعنوان “التّاريخ والدّيالكتيك” ينتقد لفي ستروس سارتر بهذه العبارات ” من بين الفلاسفة المعاصرين ليس سارتر الوحيد الّذي يعلي من قيمة التّاريخ على حساب سائر العلوم الإنسانيّة، ويجعل منه متصوّرا شبه روحانيّ. فالإتنوغرافيّ يقدّر التّاريخ، ولكنّه لا يوليه قيمة متميّزة. فهو يتصوّره مثل مبحث يكمّل بحثه: الأوّل يعرض مجموع المجتمعات البشريّة في الزّمان والآخر في الفضاء.” وينهي نقده بأنّ عقيدة الفيلسوف في التّاريخ إنّما هي أسطورة حديثة. وقد ردّ سارتر في حواراته على هذا النّقد بأنّ كلّ مجتمع حتّى إن بدا جامدا باردا له تاريخ ولو كان هذا التّاريخ يجري في آجال بعيدة أبعد من المجتمعات الحارّة. وقد استخلص سارتر من نقد لفي ستروس أنّ رجل الإتنوغرافيا لا يدرس الإنسان لأنّه لا يحيط به إلاّ بوصفه موضوعا لا بصفته ذاتا.
كثيرا ما تساءل الباحثون: ألم تكن هذه المواجهة بين الرّجلين قد آذنت بنهاية الوجوديّة واندثارها من الحياة الفكريّة الفرنسيّة؟ يذهب البعض كفرنسوا دوس François Dosse مؤلّف كتاب “تاريخ البنيويّة” في جوابه عن هذا السّؤال إلى اعتبار انتصار البنيويّة قد قام كما في التّراجيديا على القتل. وقد كان الأب القتيل هو سارتر الوجه الفكري اللاّمع بعد الحرب، فهو النّجم الآفل. ومهما يكن الأمر فإنّ البنيويّة سرعان ما تماهت في شخص كلود لفي ستروس الّذي مابرح تأثيره في الفكر الفرنسيّ يتزايد مع الأيّام في جميع المجالات الفكريّة: في النّظريّة اللاّكانيّة، وفي النّقد الأدبي، خصوصا مع بارط في طوره البنيويّ، وفي أبحاث جون بيار فرنان Jean-Pierre Vernant المعتنية بالمثيولوجيا في بلاد الإغريق القديمة، وفي أعمال بورديو Bourdieu الشّابّ لمّا كان إتنولوجيّا متخصّصا في المجتمع القبايلي بالجزائر، أو في كتاب “الكلمات والأشياء” لميشال فوكو. فهذا الكتاب بصفة خاصّة ينزّله مؤلّفه على نحو صريح في خطّ لفي ستروس. فمشروع فوكو قد تحدّد في العنوان الفرعي من الكتاب “أركيولوجيا العلوم الإنسانيّة”. ومعلوم أنّ مشروع الكتاب هو بيان أنّ علوم الإنسان قد تكوّنت في إطار تشكّل معرفيّ تجلّى في تاريخ الثّقافة الغربيّة الحديث. وهي علوم قد جعلت الإنسان في مركز اهتماماتها. هذا التّشكّل المعرفي بدأ يندثر داخل حركة العلم الحديث حيث بدأ سؤال الإنسان، (أو السّؤال عن الإنسان)، يمّحي، ذلك أنّه لا اللّسانيات ولا التّحليل النّفسيّ ولا الإتنوغرافيا تتحدّث عن الإنسان وإنّما عن القواعد اللاّواعية الّتي لا يمثّل الإنسان سوى اتّجاهها. وعن هذه العلوم قال فوكو ما قاله لفي ستروس عنها “إنّها تذوّب الإنسان”. ومن ثمّة أمكن لفوكو أن يتحدّث في عبارة شهيرة عن “موت الإنسان”، وهي عبارة أسيء فهمها، ولكنّها في الصّميم صياغة بأسلوب نيتشويّ لجملة لفي ستروس السّابقة. وفي كلّ الأحوال يتنزّل عمل فوكو فيما يمكن تسميته بالكوكبة البنيويّة الّتي يمثّل عمل لفي ستروس نجمها السّاطع.
ينبغي أن نضيف في هذا المقام أنّ كلود لفي ستروس لم يكن دائما سعيدا بهذا الانتشار الواسع ولا بتأثيره الفكريّ الكبير الّذي كان ينسبه إلى سوء الفهم. فللبنيويّة عنده معنى دقيق جدّا ومحدّد على نحو صارم. فهي منهج في التّحليل قد أثبت صلاحيته في اللّسانيات والإتنوغرافيا والميثيولوجيا. أمّا في باقي المجالات فقد كان لا يُخفي تبرّمه من زجّ كتبه بكتب لاكان وبارط وفوكو وألتوسير، فهؤلاء الكتّاب لا يرى لفي ستروس بينه وبينهم أيّة قرابة، ولا رابط يجمعه بهم سوى ظاهرة الموضة الزّائلة.
لقد كان لفي ستروس صديق لاكان لفترة من الزّمن، ولكنّه يعترف بأنّه لم يفهم، بل لم يحاول أن يفهم معنى خطاباته المشفّرة قليلا، كما يصرّح بأنّه لم يقرأ نصّا من نصوص ألتوسير، واكتفى بقراءة ما ألحقه بها ريمون آرون من دمار. وأكثر من ذلك، لقد كان يكره كلّ ما كان يكتبه بارط، ولم يحبّ قطّ كتاب “الكلمات والأشياء” إلى حدّ أنّه لم يصوّت لفائدة فوكو لمّا ترشّح لخطّة التّدريس بالكوليج دو فرانس رغم تدخّلات دوميزيل الّذي كان يكنّ له لفي ستروس في المقابل إعجابا كبيرا. ويمكن أن نفسّر كلّ هذا النّفور بأنّ العائلة الفكريّة البنيويّة عند كلود لفي ستروس تنحصر في عدّة أسماء على رأسها ينبغي ذكر اسم رومان جاكبسون ودوميزيل Dumézil وبنفنيست Benveniste وفرنان Vernant.