ملفّات الأوان : مائويّة كلود لفي-ستروس (7) الإسلام والمسلمون من منظور كلود ليفي ستراوس. تقديم وترجمة: العادل خضر

هذه ترجمة للصّفحات الأخيرة من فصل “تاكسيلاTaxila ” من كتاب كلود لفي ستراوس “المداران الحزينان” الّذي ألّفه في سنتي 1954-1955. وقد استرعت انتباهنا لأنّها ترسم صورة un portrait للإسلام والمسلمين في الهند نجد فيها ما نجده في كتابات رحّالي الغرب، مزيجا من ملاحظات ومواقف تشي بضرب من التّمركز (الأوروبيّ). ولعلّ القارئ سيفاجأ كثيرا حين يفتقد تلك التّحليلات اللاّمعة الّتي وسمت عمل الإتنغرافيّ المحترف وهو يدرس نمط عيش القبائل البرازيليّة بالأمازون مثل البرورو ونبكوارة. فملاحظاته عن الإسلام والمسلمين لا تذكّرنا فحسب بالرّؤية الاستشراقيّة الشّائعة في ذلك الوقت وإنّما تثير الاستغراب بحدّة لهجتها. وربّما احتاج القارئ إلى قراءة الصّفحات الأولى من الفصل الأخير ” زيارة إلى كيونغ” من هذا الكتاب حتّى يقف على الأسباب الّتي حملت كلود لفي ستراوس على أن يتّخذ من الإسلام هذا الموقف. فهو يعترف بأنّ القلق الّذي يشعر به وهو في جوار الإسلام متأتّ من أنّه يجد فيه (أي الإسلام) الكون الّذي انحدر منه. فليس الإسلام عنده سوى “غرب الشّرق” على حدّ تعبيره. وربّما كان عليه أن يلاقي الإسلام ويعترضه حتّى يقيس الخطر الّذي يحدّق بالفكر الفرنسيّ اليوم (زمن تأليف الكتاب). ولذلك لم يغفر المؤلّف للإسلام أنّه عكس له صورة فرنسا الّتي اعتبرها بوجه من الوجوه بصدد التّحوّل إلى بلاد مسلمة.

إذا استثنينا الحصون لم يشيّد المسلمون في الهند إلاّ المعابد والقبور. غير أنّ الحصون كانت قصورا مسكونة بينما كانت القبور قصورا مهجورة. ها هنا أيضا نشعر بالصّعوبة الّتي تعترض الإسلام في التّفكير في الوحدة. فالحياة عنده هي قبل كلّ شيء الجماعة، والميّت يستقرّ دائما بين ظهرانَي جماعة قد أعوزها المشاركون.

يوجد تعارض شديد بين روعة الأضرحة وضخامة أحجامها وبين التّصوّر الضّيّق لشاهدات القبور الّتي تُؤوي [الموتى]. فهي قبور غاية في الصّغر لا بدّ أن نشعر فيها بضيق المكان. تُرى ما الجدوى من هذه القاعات والأروقة المحيطة بها الّتي يتمتّع المارّة لوحدهم بها؟ فالقبر الأوروبيّ قُدَّ على قياس الميّت، والضّريح نادر وإنّه لعلى القبر ذاته يُزاول الفنُّ والمهارة حتّى يكون فاخرا مريحا للرّاقد.

ينقسم القبر في الإسلام إلى ضريح فخم لا يستفيد الميّت منه شيئا ومسكن حقير (قد توزّع بدوره بين نُصب تذكاريّ مرئيّ ولَحْد مخفيّ) قد بدا الميّت فيه أسيرا. وتجد مسألة الرّاحة الأبديّة حلاّ متناقضا مرّتين. فمن ناحية نجد الرّفاهية الباذخة غير المجدية، ومن ناحية أخرى نجد ضيقا واقعيّا، فالأوّل يعوّض ما نقص من الثّاني. أليست تلك صورة الحضارة الإسلاميّة الّتي تقرن بين لطائف نادرة جدّا كقصور من الحجارة الكريمة، وعيون من ماء الورد، ومآكل مغطّاة بأوراق من ذهب، وتبغ للتّدخين ممزوج بهشيم الدّرر، استخدمت لتغطية خشونة الأخلاق والتّزمّت الّذي اكتنف الفكر الأخلاقيّ والدّينيّ؟

على الصّعيد الجماليّ اكتفت الطّهريّة الإسلاميّة، وقد عدلت عن إبطال نزعتها الحسّيّة، بأن اختزلتها في أشكال صغرى كالعطور والدّنتيلا والمطرّزات والحدائق.

ونصطدم على الصّعيد الأخلاقيّ بالالتباس نفسه لتسامح علنيّ رغم أنّه يبشّر بدين يبدو طابعه الإكراهيّ بديهيّا. وبالفعل يثير اتّصال [المسلمين] بغير المسلمين جزعهم. فطريقة عيشهم الرّيفيّة مازالت مستمرّة استمرارا تهدّدها ضروب أخرى من العيش أكثر حرّيّة من طريقة عيشهم وأشدّ مرونة منها، وتعرّضها للتّبدّل بمجرّد مجاورتها.

وبدل الحديث عن التّسامح، يجمل بنا أن نقول إنّ هذا التّسامح، إن سلّمنا بوجوده، إنّما هو انتصار مستمرّ على أنفسهم. وبالمناداة به يكون النّبيّ قد زجّ بـ[المسلمين] في وضع من الأزمة دائم، ناتج من التّناقض بين مدى الوحي الكونيّ وقبول تعدّد العقائد الدّينيّة. ونجد ها هنا وضعا من “المفارقة” بالمعنى البافلوفي، مولّدة للقلق من جهة، والرّضا عن الذّات من جهة أخرى، بما أنّ [المسلم] يعتقد في قدرته، بفضل الإسلام، على تجاوز نزاع كهذا. ولكن لا طائل من ذلك، فالمسلمون يتفاخرون، مثلما لاحظ لي يوما فيلسوف هنديّ، بمجاهرتهم بالقيمة الكونيّة للمبادئ الكبرى كالحرّيّة والمساواة والتّسامح، ولكن يبطلون ثقتهم في ما يدّعون حين يؤكّدون بنفس الاندفاع أنّهم وحدهم من يُمارسها.

ذات يوم بكاراتشي وجدت نفسي في صحبة حكماء مسلمين، جامعيّين أو متديّنين. وقد أذهلني، وأنا أسمعهم يتباهون بتفوّق نظامهم، أن أكتشف بأيّ إصرار كانوا يعودون إلى نفس الحجّة: بساطته. فالتّشريع الإسلامي في مجال الميراث أفضل من التّشريع الهندوسيّ لأنّه أبسط. فإن أرادوا تجنّب التّحريم التّقليديّ للرّبا بالفائدة يكفي أن يُبرم عقدُ شركة بين المؤتمن والصّيرفيّ، فتنقلب الفائدة إلى مساهمة الأوّل في مشاريع الثّاني. أمّا في ما تعلّق بالإصلاح الزّراعيّ فتطبّق الشّريعة الإسلاميّة في توارث الأراضي الصّالحة للزّراعة إلى أن تبلغ في تقسيمها مبالغها، فيُعطّل بعدئذ تطبيقها، إذ هي ليست ركنا من أركان العقيدة، حتّى يُتجنّب شطط التّقسيم: “توجد مخارج ومعاني كثيرة” (1).

ولعمري يبدو الإسلام برمّته، نهجا في إذكاء نزاعات لا تقهر في ذهن المؤمنين حتّى يمكن إنقاذهم بعدئذ بأن تقترح عليهم حلول غاية (بله في منتهى) البساطة. فبهذه اليد نلقي بهم (في التّهلكة) وباليد الأخرى نمسك بهم على شفير الهاوية. هل تشغل بالك عفّةُ أزواجك وبناتك حين تكون في الرّيف؟ الحلّ أبسط ما يكون، اضرب عليهنّ الحجاب، واحبسهنّ عن النّاس. وعلى هذا النّحو نصل إلى البرقع burkah الحديث، وهو شبيه بجهاز تقويم علاجيّ، بتفصيلته المعقّدة، وكُواه المزركشة بجدائل للرّؤية، وأزراره الضّاغطة وخيوطه المزخرفة، نسيج ثقيل صُنع ليلائم بالضّبط محيط الجسد البشريّ بما أمكن إخفاؤه تمام الإخفاء. ولكن بهذا الصّنيع، ما انتقل إنّما هو حاجز الانشغال فحسب، لأنّه يكفي الآن أن يُحتكّ بامرأتك حتّى يُمسّ شرفك، فيتعاظم عذابك. لقد أرشدتني محادثة صريحة مع شبّان مسلمين إلى أمرين: أنّه قد استبدّ بهم مشكل العذريّة قبل القران والوفاء بعد الزّواج، وأنّ الحجاب purdah بعد ذلك، أي عزل النّساء، كان يمثّل بمعنى من المعاني عقبة للمغامرات الغراميّة، إلاّ أنّه على صعيد آخر كان يحضّ عليها حين جعل للنّسوة عالما خاصّا لا يعرف أحد سواهنّ خفاياه. ولمّا كانوا أيّام الشّبيبة من الّذين يسطون على الحريم كانت الأسباب الّتي تدعوهم إلى أن ينقلبوا حرّاسا وجيهة بمجرّد أن يصبحوا متزوّجين.

يأكل الهندوس ومسلمو الهند بأصابعهم. يتناول الأوّلون طعامهم بلطف وخفّة في قطعة من الشّباتي chapati، فكذلك كانت تسمّى هذه الفطائر العريضة المنضّجة إنضاجا سريعا ببسطها على الجانب الدّاخلي من جرّة دفنت في الأرض وملئت إلى الثّلث بالجمر. ويغدو الأكل بالأصابع عند المسلمين نظاما، إذ لا أحد يمسك بعظم اللّحمة ليقضم اللّحم. فباليد الوحيدة المستعملة (اليُسرى نجسة لأنّها جعلت للطّهارة الحميمة) نعجن ونمزّق القطع، وحين نشعر بالعطش تقبض اليد المتدسّمة على الكأس. وحين نعاين آيين المائدة الّتي تضاهي الآيين الأخرى، لكنّها من زاوية نظر غربيّة تبدو كأنّها تتباهى دون حرج، فإنّنا نتساءل إلى أيّ حدّ لم تكن العادة، أو الأثر الباقي القديم، نتيجة إصلاح أراده النّبيّ ” لا تصنعوا صنيع الأمم الأخرى، تلك الّتي تأكل بالسّكّين ” مستوحى من نفس الشّاغل، اللاّشعوريّ بلا ريب، والطّفوليّ على نحو نسقيّ، وبفرض من الجماعة ذي طابع جنسي مثليّ بسبب الاختلاط النّاجم من طقوس النّظافة بعد تناول الطّعام حين يغسل كلّ النّاس أيديهم ويتغرغرون ويتجشّؤون ويبصقون في نفس الحوض، جاعلين، في لامبالاة مريعة انطوائيّة autiste، الخوف نفسه من النّجاسة مقترنا بنفس حبّ الظّهور. وكما كانت إرادة الاختلاط تصاحبها فوق ذلك كلّه الحاجة إلى التّفرّد كمجموعة فكذلك هي مؤسّسة الحجاب purdah ” فليضرب على نسائكم الحجاب حتّى يعرفهنّ الآخرون “.

تنهض الأخوّة الإسلاميّة على أساس ثقافيّ ودينيّ. فليس لها طابع اقتصاديّ أو اجتماعيّ. إذ لمّا كان لنا الإله نفسه صار خير المسلمين منْ اقتسم الهوكا hooka مع الكنّاس. فالسّائل هو في واقع الأمر أخي، خاصّة بهذا المعنى الّذي نشترك بكلّ أخويّة في نفس الرّضا بعدم المساواة الّتي تفصل بيننا. ومن ثمّة كان هذان النّوعان الشّديدا الرّوعة: المسلم المشايع للألمان والألمانيّ المنضمّ إلى الإسلام. وإن أمكن لمركز حراسة أن يكون متديّنا فإنّ الإسلام سيبدو دينه الأمثل: تقيّد صارم بالنّظام (خمس صلوات كلّ يوم، كلّ واحدة تقتضي خمسين ركوعا) (2)، وفحص دقيق، وحرص على النّظافة (الطّهارة الطّقوسيّة)، واختلاط ذكريّ في الحياة الرّوحيّة كما في تأدية الوظائف الدّينيّة، ولا وجود للنّساء.

هؤلاء القلقون هم أيضا رجال العمل. فهم يعوّضون، وقد استبدّت بهم أحاسيس متضاربة، شعورهم بالنّقص بأشكال تقليديّة من التّسامي كانت تنسب دائما وأبدا إلى الرّوح العربيّة كالغيرة والأنفة والبطولة. غير أنّ هذه الإرادة في أن يكونوا معا، هذه الرّوح العصبيّة قرينة انبتات مزمن (فالأوردو لغة يطلق عليها بحقّ لغة “المخيّم”)، وقد كانت سببا في نشأة باكستان، تفسّر تفسيرا غير تامّ بكونها طائفة ذات عقيدة دينيّة وسنّة تاريخيّة. إنّه حدث اجتماعيّ راهن وينبغي أن يؤوّل على هذا النّحو: هو مأساة وعي جماعيّ أرغم ملايين الأفراد على أن يختاروا اختيارا لا رجعة فيه، أن يتخلّوا عن أراضيهم وثرواتهم في أغلب الأحوال، وعن آبائهم أحيانا، وعن مهنهم ومشاريعهم في المستقبل، وعن أراضي أجدادهم وعن قبوهم، حتّى يظلّوا بين المسلمين، لأنّهم لا يشعرون بأيّ ارتياح إلاّ بين المسلمين.

هذه الدّيانة العظيمة لم تتأسّس على بداهة الوحي وإنّما على عجزها عن عقد روابط في الخارج. فأمام رفق البوذيّة الكونيّ وتشوّق المسيحيّة إلى الحوار يتّخذ التّعصّب الإسلاميّ شكلا لاشعوريّا عند الّذين يقرّون بذنبهم، ذلك أنّهم إن لم يسعوا دائما، وعلى نحو فظّ، إلى حمل الغير على مشاركتهم في حقيقتهم، فإنّهم مع ذلك (وهذا أخطر) غير قادرين على تحمّل وجود الغير بما هو غير. فالسّبيل الوحيد عندهم ليكونوا في مأمن من الشّكّ والخزي يتمثّل في “إفناء” néantisation » «الغير الّذي يعتبر شاهدا على عقيدة أخرى وسلوك آخر. فالأخوّة الإسلاميّة هي عامل صدّ ضدّ الكفّار لا يمكنها أن تعترف بهم، بما أنّه، في اعترافها بنفسها على ذلك النّحو، ما يكافئ اعترافها بهم على أنّهم موجودون.

-*الهوامش:

-**العبارة بالأنكليزيّة في النّصّ:there are so many ways and means (م.م).

-**هذا رقم مبالغ فيه إذ لا يمكن لحركات الرّكوع والسّجود في جميع الصّلوات أن تبلغ الخمسين (م.م).