
(على الصفحة الأخيرة من أحد أعداد جريدة الأنوار اللبنانية(1) تطالع القارئ صورتان لوزيرة الدفاع الإسبانية الشابة: “كارمن تشاكون” التي تبلغ السابعة والثلاثين من عمرها. و”تشاكون” واحدة من ضمن التشكيلة الوزارية في الحكومة الاشتراكية الجديدة برئاسة خوسيه لويس ثاباتيرو (وتضمّ التشكيلة للعلم تسع وزيرات وثمانية وزراء). في الصورة آنفة الذكر تستعرض الوزيرة الجديدة القوّات الإسبانية، المتمركزة في غرب أفغانستان، وهي ترتدي فستانَ حملٍ أبيضَ وسترة كحلية اللون فوقه لا تخفي، بل إنها تزيد من إظهار، بطن الوزيرة المكوّر، فيما سيماء وجهها تجمع بين ملامح وزيرة دفاع تستعرض الجيش وامرأة حامل في شهرها السابع. في الوقت الذي كان فيه الضبّاط الإسبان يطلعون “تشاكون” على الوضع الصعب على الأرض، ويدرسون معها الخطط العسكرية المحتملة، كان طبيبها النسائيّ ملتصقاً بها وخلفه كاست طبيّ كامل في حال حدث أيّ طارئ للأمّ المقبلة في تلك الرحلة!!).
من الممكن قراءة تلك الصورة سيميائياً كمثل أعمق دلالة على أشكال الفكر النسويّ الجديد الذي اجتاح العالم في السنوات الماضية، ورغم أنّ (الإيديولوجيا النسوية) كانت وعلى الدوام ضدّ فكرة الحرب ورصّ الجيوش، واعتبرت أنّ الحروب عموماً من صنع الفكر البطريركيّ الذكوريّ العدوانيّ، وأنّها لم تكن موجودة لولا صراع الذكورة على ملكياتها ومحمياتها الثيوسيسيولوجية، إلا أنّ الزمن أثبت أنّ شرط وجود ذلك الفكر النسويّ على أرض الواقع (كحقيقة)، وليس بقاؤه كفكر نظريّ طوباويّ، يحتّم عليه أن يغيّر من أدواته، وربما كانت دلالات تلك الصورة أكبر اعتراف بقدرة الأنوثة على زجّ مميزاتها في أعتى المؤسّسات الذكورية: الجيش، ولكن بتغيير طفيف ألا وهو حقن الذكورية المطلقة بشحنة أنثوية عالية، وربما لن يختلف جوهر الأمر في شيء، على المدى المنظور على الأقل، ستظل الحرب حرباً والخراب خراباً، لكن المشهد، الذي اختلف برمّته، قد يسبب اختلافاً حقيقياً مع الزمن المديد لا يمكن أن نتكهّن بأبعاده، وذلك حين يجاور عبوس وجوهَ الضباط وقتامَتهم و(ذكوريتهم التقليدية المفترضة) بطنٌ مكوّرٌ ينضح أنوثة وخصباً.
{{إنها باختصار صورة نسوية جديدة بامتياز.}}
لكن الفكرة النسوية، التي راحت تنضج أبعادها في النصف الثاني من القرن العشرين، أتت بداية كثورة مضادة للنظرية، مضادة للمطلق والسلطات والمغلق والثابت، وعمل كلّ تنظير نسويّ في مختلف المجالات، الإبداعية والسياسية والاجتماعية والقانونية، تحت ظلّ تلك المسلّمة النسوية القائلة بأنّها فكرة مضادّة لجمود النظرية. لكنّ مرور الزمن قاد الفكر النسويّ إلى المطب المهلك الذي انقادت إليه معظم الأفكار والتيارات والمعتقدات الثورية عبر التاريخ، أي قادها للتحول إلى نظرية ثابتة ومغلقة، وبالتالي انتفت القاعدة الأساسية التي قامت عليها ألا وهي: الثورة ضد النظرية. لذلك كان على الموجة النسوية الأخيرة، تلك التي تتلخص في الحركة النسوية الملوّنة التي خرجت كردّ فعل على المركزية النسوية البيضاء، أن تقلب أداءها وتغيّر من أدواتها تغييراً جذرياً، بل حتى أن تتعاطى مع الكثير من المسلّمات النسوية باعتبارها أفكاراً قابلة للنقاش والاختلاف معها.
الحركة النسوية الإبداعية بدورها راحت تقع في المطبّ ذاته من حيث تحوّلها أحياناً إلى مناشير نسوية وليس إلى إبداعات، أو إلى مقاصل تعاقب كلّ من هو مضادّ لها، مما جعلها أقرب إلى الآداب التعليمية والتربوية الأخلاقية. وإذا عدنا بالذاكرة قليلاً نرى بأنّ أوائل الروائيات الإنكليزيات اللواتي اعتنقن حقوق المرأة بشراسة، حيث مدارس النقد النسوي الأنكلوساكسونية هي من أشرس المدارس النسوية، هن اللواتي كتبن روايات يمكن تصنيفها كواقعية سحرية، مثل روايات ميلان كونديرا وغونتر غراس، ومنهن فاي ولدن وأنجيلا كارتر وجانيت ونترسون. أنجيلا كارتر مثلاً كتبت روايتها ليال في السيرك عن بهلوانة لها جناحان يتيحان لها أن تطير. لذلك فقد استطعن أن يلعبن بذكاء على فكرة أنّ الآداب مزيج من الأساليب والأصوات وينبغي التعامل معها كأشكال أدبية ديمقراطية مناهضة للشمولية، كما يرى باختين، حيث لا يكون هناك أيّ موقف إيديولوجيّ أو أخلاقيّ معصوماً عن الطعن فيه ومخالفته.
إذاً هل تكون أمواج النسوية التي راحت تطرق شاطئ المؤسسات العسكرية الذكورية انتفاضة في سبيل عدم الوقوع في فخّ الجمود؟ ربما، خصوصاً إذا لاحظنا أنّ الأمر لم يعد يقتصر على الدخول في تلك المؤسسة كدلالة فيزيائية مباشرة، بل راح الأمر يتخطّى ذلك إلى الكتابة عن المؤسّسة العسكرية، وبالتالي الكتابة عن الحروب كتفكيك لغويّ دلاليّ لها، أو لنقل اختراقها كفكرة عصيّة على النسوية، وفي أحسن الأحوال فكرة مضادّة وعدوّة، ومناقشتها وتحليلها وتدوينها للتاريخ من وجهة نظر النساء، جنباً إلى جنب معهنّ وليس تقابلاً ولا مضادّة كما كان الأمر على مرّ الوقت. هذا الذي يفسح المجال إلى الدخول إلى أعماق المسألة لتغييرها وتقويضها، وليس مواجهتها من الخارج السطحيّ فحسب، كما غيّرت وزيرة الدفاع الإسبانية دلالة مشهد الجيش كلّه ببطنها المكوّرة وقوّضت تلك الذكورية الصارمة لصفوف الضباط بأنوثتها.
بالنسبة للنسوية العربية، وكجملة أكثر تحديداً الفكر النسائيّ العربيّ، فقد كانت بحاجة ماسّة للدخول إلى معترك المؤسسات العسكرية، بسبب من عسكرة المجتمعات الثالثية عموماً، وإلى سيطرة وهيمنة الفكر العسكريّ والحروب على التاريخ الثالثيّ أيضاً بالعموم. ورغم تأخّر الحركة النسوية العربية عن الفعل المباشر، إن كان سيسيولوجياً أم قانونياً أو سياسياً، إلا أنها تفوّقت على ذلك بالفعل اللغويّ الدلاليّ، وذلك واضح من هيمنة الأسماء النسائية الفاعلة على حركة الإبداع العربيّ. وبالعودة قليلاً إلى الوراء من الممكن ملاحظة أنّ الروايات النسائية العربية افتقدت دوماً إلى الفكر النسويّ، أو على أقل اعتبار إلى الحسّ النسويّ، باعتباره فكراً ينتصر للهامش والبريّ والمنفتح. والذي كان يسم تلك الآداب هو الميل عموماً إلى رؤية واحدة أو تفسير واحد تفرضه على العالم عن طريق أسلوب وحدويّ مفرد. والتعددية، بما هي نقيض للأحادية التي تقوم عليها بنية المجتمع البطريركي القائم على مركزية الكلمة الذكورية، هي الفكرة التي تستطيع قبول الآخر دون تقابلات وخارج منطق الضدّية والتضادّ. فالاندفاعات المتطرّفة التي شهدتها الآداب النسائية منذ منتصف القرن العشرين حاولت نقض الأدب الذكوريّ، برؤيته الاقصائيّة، بطريقة المحاكاة الضدّية، والانكفاء المغلق على الأنوثة. وسوف نجد تنوّعاً في النتاج الإبداعيّ النسائيّ العربية بين مواقف شديدة الاتصال بالأنوثة المجردة، ومواقف تحيل تلك الأنوثة إلى تبعات الثقافة الذكورية، وأخرى تسعى لتطوير شيء أشبه بشراكة.
يمكنني اعتبار كتابة المرأة عن الحرب والمؤسسات العسكرية (إبداعياً)، ومحاولاتها، كما قلت، تفكيك تلك المؤسسات من الداخل، وتفكيك فكرة الحروب لتقويضها بعيداً عن الأداء المباشرة، أمرا ليس بقليل البتة على الحركة النسوية وتطورها. أستطيع أن أذكر على سبيل المثال الروائيات العراقيات اللواتي كانت حياتهن مسرحاً خصباً للكتابة عن الحروب، فكتبت بتول الخضيري روايتها: “كم بدت السماء قريبة” وجنان جاسم حلاوي روايتها: “ليل البلاد” وإنعام كجه جي روايتيها “سواقي القلوب” و”الحفيدة الأميركية” حيث كانت الرواية الأخيرة سبّاقة في محاولتها تفكيك الحرب الأميركية الأخيرة في العراق وصراع اليقين مع الطارئ والمتبدّل. كما كتبت غادة السمّان روايتيها “كوابيس بيروت” و”بيروت 75″ وكتبت اللبنانيتان هدى بركات وحنان الشيخ خصوصاً في روايتها: “حكاية زهرة” عن أعماق الحرب وانعكاسها على الإنسان. والأمثلة كثيرة بالتأكيد خصوصاً فيما يخصّ الأجيال النسائية الجديدة التي راحت تجترح أساليب جديدة للكتابة عن هذا الأمر.
لنقل نهاية إنها أشبه بلعبة أوانٍ مستطرقةٍ، حيث ينتقل الفكر من موقع الخارج/ الضدّيّ إلى الداخل/ التفكيكيّ، أي بمعنى آخر من محاولات فاشلة للتدمير من الخارج إلى محاولات سحرية في تغيير المشهد الذكوريّ السائد وتقويض صفاته من عمقها تلك الصفات التي سلّحته على مرّ الزمان.
هامش:
1- جريدة الأنوار اللبنانية العدد 16784 السنة 48 يوم الأحد 20/4/2008