آسية جبّار: لن أسمح لأحد أن يقرر عوضا عني كيف أعيش إيماني – حاورها: فريديريك لو نوار وكازيف رابييود – ترجمة: كمال بوعجيلة

آسيا جبار

كانت تقول دائما – وباعتزاز – أنّ مصدر إلهامها كامرأة وخاصة ككاتبة هي الثقافة الإسلاميّة، بشِعرِها، وبروائعها الأدبية، وكذلك بلغتها التي ترتكز عليها أحيانا في كتابتها بالفرنسية.

امرأة أدبٍ وفنونٍ من طرازٍ رفيعٍ، وعضو بالأكاديمية الفرنسية منذ 2005، بدأت آسيا جبار مشوارها الأدبيّ ككاتبة سنة 1957 بالجزائر عندما ظهرت أولى رواياتها: العطش Le soif ومن المدرسة الصغيرة بقريتها في الجزائر قادها مشوارها إلى المدرسة العليا  Ecole normale وكانت بذلك أوّل امرأة جزائرية تسجّل بها.

درست التاريخ الحديث بجامعة الجزائر، حين جاءت فترة إصلاح التعليم والذي فرضت بموجبه اللغة العربية في الجامعة، عندها وفي سنة 1965 رحلت آسيا إلى فرنسا، دون أن تغادر الجزائر نهائيا، فقد كانت لها زيارات متواصلة وقد صورت هناك عدة أفلام طويلة ووثائقية، نالت بعض الجوائز في مهرجانات مختلفة.

وقد كانت شاهدا على ما أسمته هي: “الانحرافات السياسية الأولى…” والتي تركت الساحة الشاغرة للأصوليين، مع ما تبع ذلك من رعبِ عشرية العنف اللاحقة.

وفي هذه الفترة بالتحديد، أمضت عامين كاملين في بحث ودراسة نصوص المؤرخين العرب، ومن ضمنهم المؤرخ المعروف” الطبري”، وذلك لتبيّن الدور الذي لعبته المرأة في فجر الإسلام، وقد كان ثمرة ذلك مؤلفا استثنائيا بعنوان: بعيدا عن المدينة، سنة 1991. والآن تعيش آسيا جبار بين باريس ونيويورك حيث تدرس الأدب الفرنسيّ بالجامعة. ومن أهمّ أعمالها:

La Soif 1957 – Rouge l’aube 1969 – L’amour, la fantasia 1985 – Loin de Médine 1991 – Les voix m’assiègent 1999 –La disparition de la langue française 2003 – Nulle part dans la maison de mon père 2007.
 عندما نتحدث عنك، تحضر الكلمات التالية: مقاومة وملتزمة؟؟

 تماما، ولكن هناك الكثير من النساء المناضلات والملتزمات في الجزائر، وبالتأكيد هنّ أكثر منّي نشاطا وحركية، إنّي أخشى دائما أن يظنّ الناس في بلدي، أنني أنا من أقدّم نفسي هكذا.. وهذا غير صحيح، فأنا أقدّم نفسي دائما من خلال الكتاب الذي أؤلّفه، والذي يكون عادة سبب استضافتي.. إنّني أتألّم دائما لهذا المناخ الفرنسيّ الذي يدعوكم مباشرة للحديث في السياسة حالما يُتفطّن إلى أنك قادم من المستعمرات القديمة، حتى وأنت تكتب أدبا لأنك تحبّ ذلك، وهو الشيء الذي تستطيع وتريد أن تفعله، دون تورّطك في خطاب سياسيّ.

فالاهتمام لا يكون بالنصّ الذي تكتبه، بل بتسارع الصحفيين للنبش في حقل تمايزك.. لهذا أنا مرتاحة في نيويورك..
 تسكنين نيويورك، لكنك تعيشين في فرنسا أيضا، لقد دخلت سنة 2005 إلى الأكاديمية الفرنسية، ما هو تأثير ذلك عليك؟

 بصراحة كانت الأكاديمية بالنسبة لي حادثا، إنني أعمل ما في وسعي لأحضر الحصص المبرمجة.. وأخيرا اكتشفت أنه يمكن أن نجد في هذا المجمع من العلماء كما في أي مجمع آخر، أناسا يحبّون الأدب.

 هل تعتقدين بخلود الروح؟ هل تعتبرين نفسك مؤمنة؟

أنا ولدت في بيئة مسلمة، والدين الإسلاميّ يربطني بأسلافي، جدّتي، أمّي، أبي.. ولفترة طويلة لم أحاور نفسي حول هذا الموضوع، ولكنّي مؤمنة، مؤمنة ضعيفة ربما، وذات خطايا كثيرة، الدين بالنسبة لي قضية شخصية جدّا، وحتى وإن خرقت بعض القواعد فإنّني لا أسمح لأيّ إنسان أن يقرّر عوضا عني كيف أعيش وكيف أمارس إيماني.

ولا اعتراف كما في الكاثوليكية.. العلاقة بين المؤمن وربه تكون مباشرة ودون وسائط.

عندما كنت طفلة، هل قرأت القرآن؟

 بالطبع، وقد ذهبت إلى المدرسة القرآنية أيضا. إنّ حفظ القرآن هو ما صَقَلَ جزءا من شخصيتي، والجزء الآخر وسمه شعراء فرنسيّون..

الدّين هو ما يربطني بوالدي، لكنّ القرآن بالنسبة لي هو نصّ شعريّ ممتاز، لقد بهرني جماليا تماما كما تأثّرت ببودلار ورامبو.. إنّ للقرآن إيقاعا يذكّرني بأمّي وجدّتي.. بأجواء العائلة هناك.. في طفولتي كنت أشاهد خاصة جدّتي تصلّي كلّما زرتها في بيتها الكبير حيث عادة ما أجد كلّ قريباتي.

 فالدين إذن هو قبل كلّ شيء مسألة نساء؟

 حين تكون طفلة صغيرة، قابعة في المنزل مع النساء سترى بالطبع النساء وهن يصلّين، خمس مرّات في اليوم، في تلك الفترة، كنت ترى خاصّة النساء المسنّات والرجال يقيمون الصلاة بانتظام خلافا للشباب، وفي عائلتي، ما تلاحظه هو التركيز أكثر على الشعائر الجماعية، كرمضان، ومنع لحم الخنزير والخمر.. رائحة الخمر ولحوم الخنزير تبعث فيّ دائما نوعا من الاشمئزاز والقرف.

هل تذكرين اليوم بعض السّور التي حفظتها في المدرسة القرآنية؟؟

أحفظ سورتين أو ثلاثا، بعد فترة وأنا أزاول تعليمي الثانويّ، تساءلت ما هي الفائدة من حفظي للقرآن دون فهمه، بما أنّي أتكلم العربية الدارجة فقط، والنصّ مكتوب بالعربية الفصحى.. اليوم أحتفظ دائما بنسختين من القرآن، واحدة بالعربية والأخرى مترجمة، أنا عاجزة عن فهم النصّ بالعربية.. ومن المغالطة أن أقول لك إنني أقرأ كلّ يوم سورة، ولكن أعود إلى النصّ بين حين وآخر.

هل ربّيت ابنتك على الإسلام؟

بالطبع.. وعربيتها أفضل بكثير من عربيتي.. الآن لا أدري إن كان الدين شيئا مهمّا بالنسبة لها إننا لا نتحدّث في هذا الموضوع الأمر يهّمها لوحدها.

هل تصومين رمضان؟

 حسب الظروف لقد كنت ولفترة طويلة أصومه بصرامة أما اليوم فقد لا أصوم وخاصة عندما أكون منهمكة في الكتابة وحين أرى أنّ الصوم سيمنعني من مواصلة عملي وخاصة وأنني من مدمني القهوة ، أتصوّر أنّ عملي أهمّ رغم أنّي أحيانا أحسّ بحنين جارف إلى التقاليد كما عشتها مع عائلتي.

هل صادف وصليت؟

عندما أكون منفعلة عندما أخاف شيئا ما أو أكون في لحظة نكوص، أتصوّر أنّ أيّ امرأة يهودية أو مسيحية ستقول لك نفس الكلام؟

هل اهتممتِ بمفكّرين أو متصوّفة مسلمين أو من ديانات أخرى؟

 نعم أنا مؤرّخة والتاريخ بوابّة لولوج عالم الديانات، لقد أحببت دائما مطالعة نصوص المتصوّفة في الأدب الفرنسيّ، المتصوّفة المسيحيين الكبار، ومنذ 25 سنة وجّهت اهتمامي إلى الدراويش الجوّالة إنهم يذكّرونني بالأفارقة الذين كانوا يعبرون قريتنا وأنا طفلة، ويرقصون تلك الشطحات الطقوسية كرقصة القناوة المغربية لقد بهرني مؤسّس ظاهرة الدراويش جلال الدين الرومي خاصة بقوة شعريته الخارقة.

 أبوك كان معلما ذا ثقافة لائكية اشتراكية، ماذا أورثك؟

 في تلك الحقبة، كان المعلّمون الأهليّون INDIGENES”  مثل أبي، الوحيدين الذين يتركون بناتهم يتابعن دراستهن بعد سنّ 11، فتحْتَ الاستعمار، استعمل الجزائريون الإسلام كحاجز لمنع زواج الجزائريات بغير المسلمين كما لو أننا نحمي طهارة ونقاء البنات، والنساء والأمهات، بعد أن خسرنا كلّ شيء..

لحماية الهوية تعلّقنا بكلّ ما هو انغلاق في الإسلام، وبما أنّ النساء هن اللواتي يحمين الذاكرة فإنّه يتوجّب أن ينغلقن بأكبر قدر ممكن داخل سياج اللغة البربرية أو العربية وبالتالي يبقين خارج دائرة الحياة الاجتماعية..

إنّ الخوف المبالغ فيه والحرص العميق على حماية الهوية لم يزد الشعب إلا انغلاقا وتقوقعا. لم يكن الإسلام هو المسؤول عن ذلك بل الهاجس القويّ الذي سيطر على الشعب للحفاظ على ثقافته.

وكلما كانت الطبقات الاجتماعية مترفة كلّما زاد الحرص على حماية المرأة وعزلها.

عائلة أمي عاشت هذا الوضع مباشرة، جدّها كان قائدا ثورة 1871 وأبوه عيسى البركاني ” كان وزير حرب الأمير عبد القادر.

 صعود الإسلاميين إذن هو لنتيجة المباشرة للاستعمار؟

 الأسباب عديدة ولكنّ الجزائر هذا البلد الذي أعرفه جيدا قد عاش 130 عاما من الاستعمار الفرنسي قد وصمت في العمق المجتمع الجزائري. أضف إلى ذلك أنّ إخفاقات دولة الاستقلال أشعلت الأحقاد والضغائن ضدّ الغربيين وأصبح الدّين الملجأ الأقوى للهوية لعدم توفّر الأفضل للأسف الشديد.

 
هل تعتقدين في صدام الحضارات؟

 منذ مأساة 11 سبتمبر 2001 والتي مازلنا لم نعرف حقيقتها بعد، وخاصّة منذ تدمير العراق لم نعد بصدد مواجهة بين مسيحيين ومسلمين، هذا وهم، ولو كان كلّ هذا النفط في الصّين لكان النقاش الآن دائرا حول هذا البلد وليس حول الشرق الأوسط والإسلام الذي أصبح أحاديّ الجوهر.

هل تنوين العودة إلى الجزائر …يوما؟

 لا أعرف. لست متأكدة أصلا أنني سأواصل  إقامتي في فرنسا أنا كما تعرف أعيش في عزلة الكتابة.
المصدر:
مجلة: Le Monde des religions

العدد28، مارس – أفريل: 2008

أجرى الحوار: Frederic Lenoir et Kasive Rapillaud