عيد المرأة.. يأيّة حال يعود؟

في أعقاب العقد الأوّل من هذا القرن الجديد ومن هذه الألفيّة الجديدة، ما زالت القوانين في أغلب بلدان العالم العربيّ تمييزيّة وما زالت مصائر عشرات الملايين من النّساء موكلة إلى أحكام الفقه وإلى المحاكم الشّرعيّة، وما زال الكثير من السّياسيّين والبرلمانيّين بل وبعض نشطاء المجتمع المدنيّ يغلّبون الحسابات السّياسيّة والانتخابيّة والتّمويليّة على قضايا الحقّ، فيتّجرون بالنّساء وبمعاناتهنّ على طريقتهم الخاصّة، وينطقون بضروب من الحكمة المشبوهة : ليس هذا أوان طرح هذه القضايا، قضيّة المرأة لا تحلّ إلاّ في إطار شامل، خصوصيّاتنا الدّينيّة والثّقافيّة لا تسمح لنا بهذا…

 

ما زالت تونس استثناء يشار إليه بالبنان استنكارا أو إعجابا أو تعجّبا، لأنّها البلد الوحيد الذي يمنع تعدّد الزّوجات ويجرّمه، ولا يكتفي بتقييده، ويمنع الزّواج العرفيّ ويجرّمه، ولا تخضع فيه النّساء لمظلمة التّطليق أو لضريبة الخلع، ولا تحرم فيه المرأة من شتّى مظاهر الكرامة والمساواة والسيّادة على الجسد..

ما زالت النّساء في بعض مناطق هذا العالم يعاملن كالقاصرات أو المحجور عليهنّ لسفه أو جنون، فيمنعن من الحقّ في التّنقّل والسّفر بدون محرم، ويمنعن من حقّ اختيار القرين، ويمنعن من الولاية على أبنائهنّ.. ما زال بينهنّ وبين الرّجال جدار عازل من المهانة والهوس وانعدام الثّقة …

ما زالت النّساء في بعض المناطق يقعن تحت طائلة الزّواج العرفيّ الذي ينتهي في أحيان كثيرة إلى عدم اعتراف الزّوج بالزّواج وبالطّفل الذي رزقه، وما زالت قضايا إثبات النّسب تشرّد آلاف الأطفال والأمّهات.. ما زالت المرأة في بعض المناطق تعاقب لزواجها من أجنبيّ، ويعاقب أبناؤها بحرمانهم من الجنسيّة..

ما زالت قوانين وممارسات العذر المخفّف تحوّل جرائم الشّرف إلى جرائم شريفة.. وما زالت النّساء والطّفلات يرجمن إلى الموت في حدّ “الزّنا” في المناطق التي تطبّق أحكام الفقه..

ما زالت ممارسة الجنس قبل الزّواج تعدّ عارا فاضحا وما زال النّفاق الدّينيّ ينهش الأجساد والقلوب والأعمار، وما زال حظّ الكثير من الشّبّان والشّابّات حرمانا جنسيّا مكبّلا أو بؤسا جنسيّا وعاطفيّا لمن يبحث عن عكّازات من الفتاوى والأحكام الدينيّة التي تشرّع البغاء المقنّع.

ما زال الزّواج المبكّر يختطف طفولة البنات، وعلى ضفاف النّيل ما زالت الكثيرات من الطفلات يشوّهن ويشارك في تشويههنّ أطبّاء يغلّبون اعتبارات المال والكسب على اعتبارات شرف المهنة واعتبارات الحقّ في السّلامة الجسديّة والكرامة..

وفي كلّ هذه المناطق بلا استثناء، ما زال نصيب الزّوجة من ميراث زوجها الثّمن، وما زال للذّكر حظّ الأنثيين، وما زال حظّ النّساء من الفقر والفاقة أكبر من حظّ الرّجل..

ما زال باب التّرميمات الفقهيّة مفتوحا، وما زال النّصّ القرآنيّ يحتكم إليه وكأنّه نصّ قانونيّ، وكأنّ الأحكام التي جاء بها يمكن أن تقفز على التّاريخ ويمكن أن تنظّم حياة النّاس في كلّ عصر.. ما زالت الجامعات الدّينيّة تخرّج جيوشا من الفقهاء لمستقبل غائم، وما زالت حكوماتنا تتحفّظ على اتّفاقيّة اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة على نحو يلغي فلسفتها وأبجديّاتها…

لكلّ بلدان هذا العالم النّاطق بالضّاد حظّوظ متفاوتة من قمع النّساء وإغماط حقوقهنّ. فليكن يوم المرأة عيدا للحقوق لا للمجاملات وللّغات الخشبيّة فحسب. ولتكرّم المرأة لأنّها امرأة، ولأنّها كائن مستقلّ جدير بالكرامة، لا لأنّها أمّ أو أخت أو زوجة.. ولتكن اعتبارات الحقّ الإنسانيّ مرجعيّتنا الأولى في نصرة قضايا الحقّ.