العودة إلى الأصل… انسحاب من العالم:محاولة لتشخيص “الماليخوليا” الإسلاميّة

لعلّ ما يميّز الأزمنة الحديثة عن كلّ ما سبقها من الأزمنة أنّ الحداثة الفكريّة فيها قد استحوذت بصفة تكاد تكون كلّيّة على الشّأن الدّينيّ، وافتكّته من قبضة رجال الدّين، فلم تبق شيئا لـ”موظّفي الله” (1) سوى إدارة المقدّس ومؤسّسات الاعتقاد لتنظيم طقوس الدّين الاجتماعيّة. ورغم أنّ هذا الاستحواذ قد جرى بنقد حادّ لأصحاب الشّأن الدّينيّ منذ عصر الأنوار (2)، فإنّ ردود الفعل الدّينيّة لم تتأخّر. ففي كتاب تشسترتون Chesterton “الأرثودكسة” نجد هجوما حادّا على نقّاد الدّين من أنصار الحرّيّة والإنسانيّة، جاء فيه: “النّاس الّذين يتهجّمون على الكنيسة باسم الحرّيّة والإنسانيّة قد انتهي بهم الأمر إلى التّنازل عن الحرّيّة والإنسانيّة لمحاربة الكنيسة على نحو أفضل (…) لقد عرفت إنسانا كان يبدي الكثير من الحماسة لنفي كلّ وجود شخصيّ بعد الموت حتّى أنّه توصّل إلى نفي وجوده الرّاهن (…) وعرفت أناسا كانوا يبرهنون على أنّه لا يمكن أن يوجد حكم إلهيّ ببيان أنّه لا يمكن أن يوجد حكم بشريّ (…) لسنا من المعجبين، ولا ممّن يجد البتّة الأعذار للمتعصّب الّذي يدمّر هذا العالم بدافع محبّة الآخر. ولكن ماذا نقول للمتعصّب الّذي يدمّر هذا العالم من كراهية الآخر؟ فهو يضحّي بوجود الإنسانيّة ذاته لفائدة عدم وجود الله. وهو لا يقدّم ضحاياه على المذبح، وإنّما يضحّي بهم ليثبت تفاهة المذبح وخيّلاء العرش (…) فبشكوكهم المشرقيّة إزاء [الأمور] الشّخصيّة، لا يقدّمون لنا اليقين بأنّه لن تكون لنا حياة شخصيّة في الغيب، ولكنّهم يقدّمون لنا اليقين بأنّنا لن نجد حياة ممتعة جدّا ولا مثاليّة جدّا في الدّنيا (…) فالعلمانيّون لم يدمّروا الأشياء الإلهيّة، العلمانيّون دمّروا أشياء هذا العالم. فأيّ راحة وجدوها في ذلك؟” (3).

بيد أنّ هذا النّقد الّذي وجّهه تشسترتون للعلمانيّين يمكن أن يصدق على ممثّلي الدّين اليوم من الّذين اتّخذوا الدّين ذريعة لا لتدمير الأشياء الإلهيّة، وإنّما لتدمير أشياء هذا العالم أيضا، وذلك بمهاجمة الثّقافة اللاّئكيّة المعاصرة على نحو أفضى بهم إلى هجران الدّين بخسران معنى التّجربة الدينيّة ذاتها. هذا الخسران قد تُرجم بإفراط شديد في التّديّن، فأدّى ذلك إلى تفريط في الدّين. وقد تجلّى ذلك الإفراط والتّفريط كلاهما في أشكال متنوّعة من الانسحاب من العالم، ترتّب عليها انتقال التّجربة الدّينيّة من مجال الدّينيّ إلى مجال المقدّس. وقد اتّخذ هذا الانتقال في الإسلام السّياسيّ اليوم شكلا فريدا تمثّل في “العودة إلى الأصل” (4)، بما هي تكرار هذيانيّ للتّجربة الدّينيّة الأولى، ونعني هاهنا تجربة الوحي ومغامرة الرّسول في التّاريخ الّتي انتهت بنهاية مؤسّسة الخلافة وسقوطها. إنّ ما تتشوّق إليه كلُّ عودة إلى الأحداث التّأسيسيّة، وكلّ تكرار للـتّجارب الكبرى، وكلّ استحضار للشّخصيّات العظيمة، إنّما هو إكراه التّاريخ على أن يعود من جديد ليُعيد نفسه. ومعلوم أنّ التّاريخ إن عاد بأيّ شكل من أشكال القسر والإكراه لا يكرّر نفسه على نحو تراجيديّ كما في المرّة الأولى، وإنّما يعود في شكل مهزلة أو كوميديا. إنّ ملهاة اليوم اسمها “عودة الأصل” (كعودة الأشباح والأرواح وظهورها من جديد)، أو “العودة إلى الأصل”، في زمن انتهت فيه كلّ التّراجيديّات وأصبح تكرارها مستحيلا، هذا إن لم يكن تكرارها هو المستحيل ذاته. واستحالة هذا التّكرار هو ما يلخّص أزمة المسلم الأخير في هذا الزّمان. فهو إنسان “متأزّم”. وقد جاء في اللّسان أنّ “المُتَأَزِّم المُتَأَلِّم لأَزْمةِ الزّمان” (5).

وهذا غير بعيد عن معنى اللّفظ الإغريقيّ. فلفظ crise الفرنسيّ منحدر من لفظ krinô الإغريقيّ الّذي يعني “تبيّن وميّز وحكم” قبل أن ينقلب في السّجلّ الطّبّيّ الأبقراطيّ hippocratique إلى krisis، وهو لفظ يعني حالا من الاضطراب ووضعيّة جسد حادّة (6). فالأزمة هي في اللّسانين العربيّ والإغريقيّ ألم داخليّ يصيب الجسد في حال المرض، فيتركه عليلا، أو ألم خارجيّ (من الزّمان) يصيب المرء، فيتركه قلقا، أو على قلق، “والقَلَقُ أن لا يستقرّ في مكان واحد” (اللّسان)، بل القلق “هو الاضطراب” الّذي يترك المرء في حال من “الانزعاج” شبيهة باضطراب الجسد في المرض. هذا “الانزعاج” هو حال المسلم الأخير في زمان الأزمة، أي الزّمان الّذي تتّخذ فيه “عودة الأصل” و”العودة إلى الأصل” شكل مهزلة قلقة لم يتحدّد شكلها بعد: أهي ملهاة إلهيّة (دانتي) أم هي ملهاة بشريّة (بلزاك)؟

لنذكّر بخلفيات هذه العودة عند كارل ماركس، فهو ينزّلها في سجلّ الأجناس المسرحيّة وفنونها. فقد بدأ بعض كتبه السّياسيّة بتصويب فكرة لهيغل ذهب فيها هذا الفيلسوف إلى أنّ التّاريخ يعيد نفسه بالضّرورة. فالأحداث الكبرى والشّخصيّات التّاريخيّة يتكرّر ورودها في التّاريخ مرّتين. ويعلّق ماركس على هذه الفكرة بقوله “لقد نسي (أي هيغل) أن يضيف أنّها ترد مرّة بوصفها تراجيديا، وترد في المرّة الموالية بصفتها مهزلة.” (7). وهو يكرّر الفكرة نفسها بألفاظ قريبة في معرض نقده لفلسفة الحقّ عند هيغل، وفي سياق انتقاده للأنظمة السّياسيّة. فهو يرى أنّ “النّظام القديم الحديث l’Ancien Régime moderne إنّما هو ممثّل مسرحيّ في نظام اجتماعيّ قد مات أبطاله الحقيقيّون. والتّاريخ لا ينجز شيئا غير مكتمل، فهو يمرّ بأطوار كثيرة حين يريد أن يقود شكلا اجتماعيّا قديما إلى مثواه الأخير. والطّور الأخير لشكل تاريخيّ، إنّما هو الكوميديا.” (8).

فهل تكون أزمة المسلم الأخير بجميع وجوهها أعراضا تُؤذن بنهاية أشكال التّديّن القديمة الّتي بلغت طورها الأخير المعاصر في شكل كوميديّ؟ أليس هذا الشّكل الكوميديّ الأخير هو الطّور الأخير من “تجربة دينيّة” فقدت بمرّ الزّمان والتّكرار امتلاءها الرّوحيّ وثراءها التّراجيديّ؟ إنّ ما تتميّز به التّجربة الرّوحيّة هو هذا الثّابت فيها: القطيعة، وتحديدا ما يطلق عليه ميشال دو سرتو Michel de Certeau اسم القطيعة المؤسّسة La rupture instauratrice (9). فالقطائع المؤسّسة هي لبّ كلّ تجربة روحيّة ونواتها الصّمّاء. إلاّ أنّ القطيعة المؤسّسة في التّجربة الدّينيّة إذا بلغت طورها الكوميديّ الأخير تنقلب إلى قطيعة لا تؤسّس لأيّ شيء سوى دمارها الذّاتيّ ممّا ينقلها بالضّرورة إلى دائرة المقدّس. فبأيّ وجه جرى ذاك الانتقال؟

****

إذا كان الشّيطان يسكن في التّفاصيل كما يُقال، فإنّ الإلهيّ المقدّس، بما هو اسم من أسماء الكينونة، هو ما ينبثق في الأحداث وبها. فالأحداث الّتي تنفجر هنا وهناك في أصقاع المعمورة، وتزفّها إلينا كلّ يوم الأخبار السّيّئة، إنّما هي في الاعتقاد الدّينيّ سفور يكاد يكون يوميّا لوجه الإله الغاضب في العالم. هذا الانتقال من “التّفاصيل” إلى “الأحداث”، قد ترجمته، في مطلع هذا القرن من هذه الألفيّة الجديدة، عودة الدّينيّ العنيفة، وإن كانت هذه العودة قد سجّلت قبل ذلك بعقود. فإذا سلّمنا بـ”أنّ ما هو مقدّس، إنّما هو الحدث، وأنّ ما هو دينيّ، إنّما هو التّكرار” (10) فإنّ انبثاق الأحداث تمثّل في حدّ ذاتها استحالة التّكرار. فما يميّز الدّينيّ اليوم هو أنّه ما فتئ يعود في هيئة المقدّس. يصدق هذا كثيرا على الإسلام اليوم. فهو يعود إلى المسرح المحلّي والعالميّ بقوّة لمّا انتقل من موضع الدّينيّ إلى موقع المقدّس. ولكن كيف حدث ذلك؟

إن تأمّلنا في تاريخ الإسلام الطّويل وجدنا أنّ أحداث هذا التّاريخ نادرة. فالحدث التّدشينيّ هو ظهور الله الواحد الأحد الّذي أعلن “القرآن” عن حضوره بتعاليه واستحالة بلوغه إذ “لا تدركه الأبصار”. وعلى هذا التّصوّر للإلهيّ المخالف جذريّا للتّصوّرين اليهوديّ والمسيحيّ نهض الإسلام وكان (11). وهو دين جعل العرب، أو المسلمين الأوائل، يمثّلون صنف الإنسان الدّينيّ بوفائهم للحدث التّدشينيّ، أي إيمانهم بما أعلن عنه القرآن من حقيقة تتعلّق بالواحد الأحد. أمّا الحدث الثّاني فهو حدث “الخليفة” الّذي جسّمته الفتنة الكبرى، وهو الحدث الّذي أصاب عقد المسلمين الاجتماعيّ ووحدتهم الدّينيّة السّياسيّة في الصّميم، لمّا انتقل وفاؤهم للحدث التّدشينيّ إلى وفاء لصاحب الرّسالة، رسول الإسلام (12).

فسؤال الفتنة المحوريّ هو: من يخلف الرّسول؟ وقد انجرّت عن هذا السّؤال إجابات مختلفة (وفاء للرّسول وهو جواب أهل السّنّة، وفاء للإمام وهو جواب الشّيعة، وفاء للكتاب وهو جواب الخوارج…) كانت سببا في ظهور الأحزاب الدّينيّة المتناحرة المتصارعة إلى اليوم. أمّا الحدث الثّالث فهو حدث “الخلافة” بما هي المؤسّسة السّياسيّة الّتي يتوجّب على ممثّلها أن يخلف الرّسول ويهيمن على مؤسّسات المعنى الّتي تمثّلها مؤسّسات الدّين. وهي لا محالة مؤسّسات تسهر على إنتاج معنى النّصّ ومراقبة استقامته من كلّ التّأويلات المنحرفة والمحرّفة الّتي تنتجها الفرق المناوئة. فالصّراع (الدّمويّ) على المعنى القرآنيّ المقدّس بالهيمنة على المؤسّسات الدّينيّة الّتي كانت تنتجه هو ما كان يحرّك التّاريخ في الإسلام السّياسيّ. وما ظهور الفرق والملل والنّحل والمذاهب المتكاثرة مع الأيّام سوى قرينة من القرائن على ديناميكيّة هذا الصّراع الّذي كثيرا ما انقلب فيه “نزاع التّآويل”، للاستحواذ على المعنى ومؤسّساته، إلى خلاف سياسيّ حادّ بين الفرق والأحزاب المختلفة. إنّ الوفاء لهذا الحدث أو ذاك، أي الوفاء للحدث الإلهيّ (القرآن) أو الوفاء للرّسول (الخليفة) أو الوفاء لكليهما (الخلافة) هو ما جعل من الوقائع التّاريخيّة الموالية كظهور الدّول والعائلات الحاكمة، واندلاع الثّورات، وظهور الفرق الدّينيّة، مجرّد تكرار مُنْهَكٍ للأحداث التّأسيسيّة الثّلاثة: “حدث الرّسالة”، و”حدث الخليفة”، و”حدث الخلافة” (13). وطرائق تكرار هذه الأحداث المختلفة هي الّتي كانت تؤسّس الاختلاف الدّينيّ بين الفرق والملل في الإسلام في فترات “اللاّحرب”، هذا إذا اعتبرنا مفهوم “السّلم” ابتداعا حديثا (14).

وحين يمتنع التّكرار فإنّ هذا الاختلاف différence الدّينيّ سرعان ما يتحوّل في غالب الأحيان إلى خلاف différend سياسيّ لا يحسم إلاّ بحدّ السّيف وبالثّورات والانتفاضات والانقلابات والمكائد والدّسائس، أي بالحرب بوصفها مواصلة للخلاف الدّينيّ بوسائل حربيّة (15). فإذا وضعت الحرب أوزارها انتقل الخلاف السّياسيّ من جديد إلى مجال الاختلاف الدّينيّ. فعندما ننظر مليّا في المنظومات الفقهيّة والأصوليّة والكلاميّة والتّفسيريّة والتّصوّفيّة… في نسختها السّنّيّة بمذاهبها، أو الشّيعيّة بفرقها، أو الاعتزاليّة بنحلها… (16)، نجد أنّ الاختلاف بينها يسكن في التّفاصيل المتعلّقة إمّا بالعقائد أو العبادات أو المعاملات. وهي تفاصيل محكومة بآليات التّكرار الدّينيّ المتنوّعة. فما تنتجه هذه التّفاصيل على اختلافاتها المذهبيّة هو التّكرار، أي تكرار الحدث (“حدث الرّسالة”، و”حدث الخليفة”، و”حدث الخلافة”) بإعادة تمثيله في الخطاب أو في الطّقوس. فإذا كان الحدث الأوّل المؤسّس هو ركام من الوقائع، كنزول القرآن، وأقوال الرّسول وأفعاله وأعماله وسيرته، وأعمال الصّحابة ومآثرهم، فإنّ “السّنّة” هي تمثيل للحدث الأوّل بما يجعله معقولا مقروءا، وهي في الآن نفسه ضبط لقواعد تكراره. فليست منظومة الحلال والحرام، والمحظور والمباح، والمندوب والمكروه، سوى قواعد عمل تجعل المسلم في كلّ الأزمنة يعيد إنتاج التّفاصيل، وقد انقلبت بواسطة عمل المؤسّسة الدّينيّة إلى معايير. وتمكّن هذه المعايير المسلم من تكرار السّنّة والسّيرة المحمّديّة وسير أصحابه ونقلها في الحاضر الرّاهن في صور مختلفة، بحيث يصبح الزّمن التّاريخيّ تكرارا، وعودا مستمرّا لا ينقطع إلى الأزمنة الأولى، أزمنة الحدث الأوّل. وبذلك ينقلب التّاريخ إلى زمن دينيّ. وهو زمن ينفي التّاريخ الّذي لا يكون بالتّكرار، وإنّما بانفتاح الممكن على كلّ الاحتمالات. فتكرار الحدث التّأسيسيّ هو نفي لأفق المستقبل كما في المسيحيّة (مجيء المسيح)، وعود مستحيل (لأنّه هذيانيّ) إلى الماضي المثاليّ البعيد والمتباعد مع الأيّام (17).

فالإسلام في تاريخه الطّويل، بكلّ اختلافاته وخلافاته، هو عمل نقل للسّنة بتكرارها في أدقّ تفاصيلها، وتكرارها لنقلها عبر الأجيال حتّى لا تنقطع الصّلة بالحدث التّأسيسيّ. فالدّينيّ هو هذا الوفاء للحدث بتكرار التّفاصيل والإمعان في تفصيلها على نحو يمنع انبثاق الأحداث (والحوادث)، أي الخلافات والاختلافات، الّتي تعطّل نسق التّكرار، فتعلّق الدّينيّ. ففي أزمنة الفتن والمحن يفقد الدّينيّ كامل نجاعته الرّمزيّة، فينبثق المقدّس (في شكل حروب مقدّسة) بوصفه نفيا للتّكرار وللدّينيّ أيضا، ويجعل تمثيله وإدراجه في طاحونة الشّيء المعتاد مستحيلا. فإذا أمكن ترويض الأحداث بتمثيلها، وتحويلها إلى مجرّد تفاصيل في الخطاب، يعود الدّينيّ إلى الاشتغال كما كان أو أشدّ ممّا كان. فمؤسّسات الدّين اليوم قد جدّدت من وسائلها وطرائقها في إنتاج الدّينيّ، وذلك بتقوية منظومة الحلال والحرام وترسيخها في الضّمائر حتّى تجعل المسلمين اليوم يكرّرون الحدث التّأسيسيّ على نحو لا يخلو أحيانا من إفراط. والمفارقة أنّ هذا الإفراط في التّكرار لم ينشأ عنه الدّينيّ، وإنّما تولّدت منه أحداث عطّلت بمثولها présentation في المسرح المحلّي والعالميّ وحضورها فيهما كلّ تمثيل représentation. فإن كانت التّفجيرات الانتحاريّة في حدث 11 سبتمبر تجد في الخطاب الإسلامويّ تمثيلا لها في خطاب الشّهادة وسجلّ الشّهيد الدّينيّ، فإنّها لا تجد في الخطاب الغربيّ بكلّ تنويعاته الفلسفيّة والقانونيّة والأدبيّة… أيّ تمثيل (18)، لأنّه حدث فريد خارق للعادة بسبب خروجه عن المعتاد، ومن ثمّة كان عنيفا رهيبا. إنّ هذه الأحداث تعطّل بعنف انبثاقها عمل التّفاصيل الّتي يسكن فيها الدّينيّ بتكرارها وإنتاج قواعد تكرارها، فتجعل الدّينيّ يعود، ولكنّه يعود في هيئة المقدّس، أي يعود وهو يسكن في قلب الحدث.

وإذا كان سائر المسلمين ينتجون الدّينيّ بتكرار السّنّة ونقلها لتكرارها باستمرار، فإنّ المسلم الأخير في هذه الأزمنة هو الّذي يكرّر ولكن بإفراط شديد. هذا الإفراط هو الّذي يولّد أحداثا لا تنتج الدّيني، وإنّما تنتج الرّهيب والهلع والفزع والخوف والقلق بما هي تسميات متدرّجة للوَقْع الّذي يخلّفه الحدث الصّادم (19). فما يسمّى اليوم باسم “الإرهاب”، إنّما هو الوَقْع الّذي خلّفته الأحداث العنيفة حين تنبثق (عكس الحرب) دون سالف إنذار ولا توقّع ولا حسبان. إنّها أحداث مباغتة، تنفجر بخرقها للمعتاد، فيقلبها ذلك الانفجار أحيانا إلى كارثة بعد أن فقدت التّمثيل الّذي كان يجعلها معتادة وداخلة في مجرى العادة. فالمعتاد هو الّذي يمكن تكراره، والدّينيّ هو تكرار المعتاد بتمثيله عبر التّفاصيل الّتي تنتج شروط تكرّره وعودته. أمّا إذا استحال التّكرار انبثق المقدّس، هذا الشّيء العنيف الّذي يخرق كلّ تمثيل، ويمتنع على كلّ تمثيل، فلا يترجم على الصّعيد الرّمزيّ، وحينئذ فحسب يمكن أن نتكلّم عن الحدث لأنّنا في حضرته، وفي مثوله عاريا دون وسائط تمثّله. فالحدث له بنية الاغتصاب (20)، بل له سمات الفظيع الّذي لا يطاق ولا يحتمل. ووقع الحدث الصّادم الّذي لا يحتمل هو ما يرفض الغرب مثوله بوصفه تهديدا مادّيّا للحياة اليوميّة، ولذلك لا يريد مواجهته إلاّ في التّمثيل، أي في الخياليّ، بواسطة الفنون (كأفلام الرّعب) والملاهي والألعاب، حيث يجد فيها المستهلك أو المتفرّج ما يثير من الانفعالات أشدّها قربا من الخوف الأصليّ (21).

فلا أحد يرغب في خوف حقيقيّ ماثل في الواقع، ولذلك تسعى الحضارة الغربيّة إلى حماية أفرادها من هذا اللّقاء الواقعيّ بالأحداث الصّادمة الّتي تبعث على الخوف، فتعمد إلى تعويض الخوف الأصليّ بخوف ثانويّ يمكن العثور عليه في الفنون والملاهي. أمّا في المجتمعات الّتي يكون الخوف فيها ماثلا بسبب تهديد الأنظمة الدّيكتاتوريّة فهي تفتقر لثقافة إنتاج الخوف بالفنون والملاهي والألعاب، أي الأعمال الّتي تهدف إلى التّخويف بإنتاج الخوف بواسطة تمثيله. فالذّات الغربيّة هي الذّات الّتي تطرد الخوف وتقصيه بمنع مثوله وحضوره، ولكنّها تسترجعه على صعيد التّمثيل. ولذلك حين ينبثق الحدث دون وساطة، يُحدث بالضّرورة وقعا عنيفا صادما من أسمائه الشّائعة اليوم “الإرهاب” (22). وهي تسمية للخوف الغربيّ من هذا الّذي ينجم من الفراغ ليفجّر الحدث الرّهيب. وهو الحدث المرتقب الّذي مافتئت وسائل الإعلام المرئيّة تحاول ترويضه بالصّورة. وهذا الارتباط الجديد بين الحدث الرّهيب وصورة الحدث المرعب، وبين الحدث العنيف ووسائل الإعلام المرئيّ خاصّة (23)، هو الّذي جعل من الإرهاب ظاهرة مشهديّة في مجتمع الفرجة. وقد تحقّق ذلك بتحويل الهلع الأصليّ النّاجم من الحدث إلى خوف ثانويّ قد تولّت الصّورة صناعته. أمّا أبطال الأحداث فيوجدون خارج الأستديوات المغلقة حيث يهيمنون على قطاع العنف الواقعيّ. وهم، بخلاف صنّاع الصّورة، لا يكرّرون الحدث بتمثيله في الصّورة، وإنّما يعيدونه بعودتهم إلى الدّائرة المقدّسة، دائرة الإلهيّ. هذه “العودة إلى الأصل” مافتئت تجري اليوم بالانسحاب من العالم، أي بالانسحاب من دائرة المعتاد اليوميّ، ومن دائرة الدّنيويّ، ومن الحضور في العالم. بل إنّ هذه العودة هي نقيض التّكرار، لأنّ تكرار الحدث يهدف إلى إنتاج الدّينيّ، أي جعل الإنسان الدّينيّ مرتبطا بجسم الجماعة السّياسيّ باسم الله، فيد الله مع الجماعة، مادام الله هو ضمانة عقدهم الاجتماعيّ. فالعودة بهذا المعنى هي نقض للتّكرار لأنّها تفصل الإنسان الدّينيّ عن جسم الجماعة، إذ بذلك الفصل فقط ينشأ فضاء المقدّس ويتكوّن. فالمقدّس هو المنفصل، بل هو كالمتميّز، اسم من أسمائه (24).

وبذلك يكون الإنسان المقدّس ذاك الّذي دخل في حوزة الإلهيّ بانسحابه من الفضاء العموميّ، وانفصاله عن فضاء الجماعة الدّينيّ. وقد تجسّم هذا الانفصال بتحويل هذا الانسحاب من دائرة الدّنيويّ إلى مشهد، ومَسْرَحَتِه بواسطة الجسم الفرديّ الّذي لا يمكنه أن يكون مسلما إلاّ إذا وضع على جسمه خَتْم الانسحاب وإمضاءه، فأنتج بجسده وفي جسده العلامات الدّالّة على انسحابه. فالمسلم الأخير هو الّذي يعرض على جسمه، وينشئ بجسمه، آيات انسحابه من العالم بطرق شتّى. من هذه الطّرق عرض الأصل في فضاء مشهديّ يكون مسرحه جسم الإنسان المقدّس، فيضحي مرئيّا باللّباس، أو مبذولا للنّظر بالّطقس (عاشوراء)، أو معروضا بانفجاره كحدّ أقصى للفرجة. فتحويل الجسم إلى فضاء مشهديّ يَعرض فيه المسلم الأخير خروجه من العالم، ولا وجوده فيه، إنّما يترجم شوق المسلم الأخير إلى الإلهيّ أو إلى الأصل المقدّس، بانسحابه من العالم الدّنيويّ، أو خروجه العلنيّ من الدّنيا. هذا الانسحاب هو ما تسعى الصّورة اليوم إلى اقتحامه. وهي تقتحمه لتعيد كلّ ما هو مقدّس إلى دائرة الاستعمال اليوميّ الدّنيويّ. فالصّورة تكرّر، وتستنسخ وتنسخ، تزيل وتبقي، لأنّها تعيد تمثيل ما لا يمثّل في المشهد المرئيّ اليوميّ. فالصّورة في عصر الإنتاج الرّقميّ دينيّة بامتياز، لأنّها بنت التّكرار. فهي تروّض ما لا يمثّل باستعادته في طاحونة الشّيء المعتاد. ومن الطّبيعيّ أن يُعادِيَها الإسلاميّون لأنّها تنتهك انسحابهم، وتخترق فضاءهم المقدّس، ومن الطّبيعيّ أيضا أن يَعْقِد معها أصحاب البزنس الدّينيّ حلفا شيطانيّا، لأنّ الصّورة كالتّكرار الدّينيّ يسكن كلاهما في التّفاصيل.

****

غير أنّ بذل الأصل بعرضه في مشهد قد تجلّى اليوم في الفضاء الإسلاميّ الرّحيب بطرق مختلفة، هي عندنا أعراض “الماليخوليا” الإسلاميّة. وهي أعراض إذا ظهرت دلّت على فشل عمل الحداد travail de deuil وإخفاقه حسب العبارة الفرويديّة (25). فالماليخوليا هي، بهذا التّصوّر الفرويديّ ذاك التّشبّث المفرط بالأصل، عبر العودة إليه، دون وساطة العمل التّأويليّ أو الاستعارة، فهي هذا التّمسّك المُشطّ بموضوع الفقد. وهو تمسّك يمنع كلّ تأويل بوصفه عملا من شأنه أن يحرّر الذّات من الرّوابط الّتي تشدّها إلى الأصل الفقيد. فالتّحرّر من موضوع الفَقْد لا يكون إلاّ إذا تحقّق عمل الحداد واكتمل. أمّا إذا أخفق هذا العمل النّفسيّ في حالة المقاومة، بالتّشبّث بموضوع الفقد، فإنّ تلك المقاومة دالّة على إخفاق العمل التّأويليّ، لأنّ الذّات مازالت تتمسّك بالرّوابط الّتي تشدّها إلى الأصل على نحو يقلب عمل الحداد إلى ماليخوليا. وبذلك يصبح العمل التّأويليّ، بما هو عمل حداد، محاولة مؤلمة للخلاص من ذهان psychose الماليخوليا الرّهيب. بيد أنّ هذا التّصوّر الفرويديّ يصدق تماما لو كانت “الماليخوليا” الإسلاميّة تتعلق بذات فرديّة. فالانتقال من البعد الفرديّ إلى البعد الجماعيّ لا يخلو من مصاعب. ومع ذلك يمكن تذليلها إذا قرّبنا هذا الذّهان، ذهان الماليخوليا، من الوظيفة الجنائزيّة المتمثّلة في تجديد الفراغ. فهذه الوظيفة الخاصّة بالجماعة مخالفة لعمل الحداد الخاصّ بالفرد. “فلدى الفرد يتمثّل عمل الحداد في قتل الميّت (لاغاش). وفي الزّمرة يتمثّل الفقد في إعادة إحيائه. ففي المسار الأوّل، يجهد الشّخص في أن يقطع رباطه بما كان موضع ارتباطه المشبوب، وفي الثّاني يجهد (النّحن) في أن يرتبط مجدّدا بالشّيء الّذي كان قد انفصل عنه انفصالا خفيفا. فالفرد يسير نحو النّسيان، والزّمرة نحو النّدم.” (26).

إنّ هذا التّشبّث بموضوع الفقد يدفعنا إلى أن نطرح السّؤال التّالي: هل يمكن أن نقرّب أعراض “الماليخوليا” الإسلاميّة (27) من تجربة الفقيد؟ ذلك أنّ ما يخوضه المسلم الأخير في أزمته ليس تجربة الموت، وإنّما تجربة الفقيد. ففي هذه التّجربة لا يتجلّى لنا الموت على نحو سافر، وإنّما نجابه فقط محنة المقاومة، وهي مقاومة الموتى لنا (28). فما يقلقنا في هذه التّجربة ليس موتنا الخاصّ، وإنّما موت الآخر الّذي يزعجنا أكثر من موتنا (29). وإذا كان الفقيد في “الماليخوليا” الإسلاميّة هو الأصل، صار التّشبّث بالأصل في تجربة الفقيد تمسّكا بموضوع الفقد. وبهذا المعنى نحدّد تصوّرنا لمفهوم “الماليخوليا” الإسلاميّة. فهذا المفهوم نجريه على المستوى الجماعيّ لا الفرديّ بكونه عملا يرمي إلى إحياء الفقيد وإعادة إحيائه، لا بالتّخلّص منه شأنَ عمل الحداد. ولمّا كان الأصل هو هذا “الفراغ العلاميّ”، صار لا يمثّل بأيّ علامة من العلامات إلاّ إذا تحوّل إلى مشهد مبذول للفرجة على “شاشة” الجسد الخاصّ الفرديّ. فالمقصود من عبارة “تجديد الفراغ” هو عرض الأصل في مشهد الجسد باستبدانهsomatisation . ذاك هو أسلوب المسلم الأخير في إحياء الفقيد. ومشهد الفراغ هو الّذي يجعل من المسلم الأخير إنسانا مقدّسا، لأنّه اضطلع بوظيفة إفراغ الأصل من كلّ ما يمكن أن يمثّله، بطرق متنوّعة من الانسحاب من العالم. هذه الطّرق هي عندنا أعراض “الماليخوليا” الإسلاميّة، ويمكن أنّ نشخّصها في عدّة أشكال من الخسران هي: خسران الوجه، ويمثّله الحجاب (30)، وخسران الوقت، ويمثّله التّسبيح بما هو انفتاح على زمنيّة أخرى تجعل المسلم فردا في علاقة بالله individu-en-relation-à-dieu وفردا خارج العالم individu-hors-du-monde في الآن نفسه، وخسران الجسد، وصورته اليوم ماثلة في الانتحار/الشّهادة، وخسران المعنى، ومن آياته القصوى الامتناع عن التّأويل، وتكفير كلّ من يقدم على التّأويل (قضيّة نصر حامد أبو زيد) بالتّشبّث بظاهر الحرف وعبادته على نحو فيتيشيّ، ثم خسران الكلمة، وقد تجلّى في تقديس الموتى من خلال تكرار كلامهم وأقوالهم على نحو مأثور يمنع إبداع كلّ كلام جديد، منعا يصل أحيانا إلى إهدار الدّم (سلمان رشدي)، ومحاولة القتل (نجيب محفوظ)، ثمّ خسران الآخر، لا بابتداعه في صورة عدوّ أو صديق، وإنّما بتدمير الآخر وجعله يصاحبني، أو في صحبتي، إلى الموت، ثمّ خسران الاتّجاه، حيث صار العالم عند المسلم الأخير بلا “قبلة” حين جعل من العِلم الحديث بَوْصَلَته بدل الدّين.

إنّ هذه الأعراض ليست أحداثا، وإنّما هي وليدة الإفراط في الإفراغ، وفي تجديد الفراغ. فهي مواقع الحدث، كلّ “موقع حدثيّ” site évènementiel منها هو “على حافة الفراغ au bord du vide” على حدّ عبارة باديو Badiou (31). ويمكن اختزال هذه الأعراض بإرجاعها إلى الإجراءات المولّدة procédures génériques للحدث، وهي أربعة: الحبّ والفنّ والعلم والسّياسة. ولمّا كان الدّين عند باديو هو الحدث بامتياز بصفته طراز الإيديولوجيا، فإنّ حدث الدّين لم يندمج في أيّ إجراء من هذه الإجراءات الأربعة، إلاّ أنّه يمثّل العنصر الّذي يربكها (32). فالحدث في خسران الوجه هو نتيجة تحويل الدّين الحبَّ إلى حائط يمنع بالحجاب تلاقي الوجوه وتبادل النّظرات والعلامات بين الذّوات العاشقة (33). والحدث في خسران الكلمة هو منع الدّين كلّ ما يمكن أن يبدع الكلام ويجدّد طاقة العبارة الإبداعيّة في الفنّ أو الأدب، وذلك بتحريم الإبداع الّذي لا يعترف بأيّ تحريم (34). والحدث في خسران الآخر هو تحويل الدّين الفضاءَ العموميّ الّذي تنتج فيه العلاقات السّياسيّة بين الصّديق والعدوّ إلى فضاء مشهديّ يتحوّل فيه الآخر إلى رهينة منذورة للموت. فالدّين يقلب السّياسة إلى بيوسياسة biopolitique رهانها هو الوجود هنا في العالم بإقصائها من العالم، أو الخروج العنيف منه. أمّا الحدث في خسران الاتّجاه فيتمثّل في تحويل الدّين وجهةَ العلم بمحاولة أَنْسَنَتِه واستخدامه لجعله آليّة من آليات إنتاج المعنى، وتحديد “القبلة”، مدمّرا بذلك الاستخدام جوهر الدّين نفسه بوصفه تجربة روحيّة عميقة من تجارب الاعتقاد، تجري في أعماق النّفس لا في العالم.

****

وإذا كان الدّين اليوم، نعني التّديّن المفرط في هذا الزّمان، هو الّذي يربك الإجراءات الأربعة المولّدة للحدث، وهي كما أسلفنا: الحبّ والفنّ والعلم والسّياسة، وكانت جميع الأحداث المتولّدة من هذا الإرباك هي في حدّ ذاتها أعراض “الماليخوليا” الإسلاميّة، بما هي أشكال من الخسران، أضحى من البديهيّ أن نعتبر هذه الأحداث من طبيعة أعراضيّة symptomatique تنبثق من العدم، أو من العماء chaos ، أو من لا شيء، أو من الكينونة بما هي فراغ.

إنّ تصوّر الحدث على هذا النّحو يستند إلى بعض التّصوّرات الفلسفيّة الّتي صاغها آلان باديو في تنظيراته الثّريّة المتعلّقة بـ”الحدث ” و”الموقع الحدثيّ” و”الوضعيّة” و”المثول ” و”التّمثيل” والكينونة بما هي فراغ… وليست الفوضى أو العماء أو الفراغ سوى تصوّرات مختلفة للكينونة l’Être، الّتي بمجرّد مثولها في الوجود l’existence تنبثق الفوضى والفراغ، فتنشأ بذلك الأحداث بطرق مختلفة. فالحدث، بالمعنى التّامّ لكلمة حدث عند باديو، إنّما هو الحدث الكونيّ الفريد الّذي يكون ماثلا في الوجود وغير ممثّل présenté et non représenté، ولا يمكن تكراره بتمثيله (35). ومثول الفراغ في كلّ ما يوجد هو الحدث. وكلّ ما هو نفي للكينونة ليس بكينونة، فهو إذن كلّ ما يوجد. وكلّ ما يوجد هو تاريخيّ، ولكنّه في جميع الأحوال لا ينبثق بعلّة من العلل، ولا بسبب من الأسباب، ولا بتأسيس جنيالوجيا له، ولا بالسّفر في الأزمنة الغابرة، ولا بالنّبش في أطلال التّاريخ (36). ولذلك كان الحدث شبيها باللاّشعور حين يتجلّى في الأعراض، وزلاّت اللّسان، والأحلام على نحو ملتوٍ. فالحدث عند باديو “التواء أعراضيّ une torsion symptomale”، من قرائنه اليوم هي هذه العودة المفرطة إلى الأصل.

إنّ السّؤال الّذي تدور عليه “أزمة المسلم الأخير” هو: لِمَ عادت هذه الأعراض، أي أعراض “العودة إلى الأصل” اليوم، في زمان المابعد إيديولوجيّ، بما هو زمان عودة الإيديولوجيات بنفي الإيديولوجيا (فنفي الإيديولوجيا هو في حدّ ذاته إيديولوجيا)؟ هل هي عودة شبيهة بعودة المكبوت، أم هي عودة كوميديّة فرضها التّاريخ في رأي ماركس، ليقود أشكال التّديّن المفرطة في تديّنها إلى مثواها الأخير؟ إنّ هذه العودة هي عند بعض مفكّرينا اليوم “ريمايك” باعث على الضّحك الشّديد، ولكنّه يحذّرنا من خطورته البالغة في هذه الفقرة المكثّفة. يقول: “يمكن للإنسان أن يستلقي من الضّحك جرّاء هذا “الرّيمايك” الواقعيّ، إلاّ أنّ الضّاحك سرعان ما يتبادر إلى ذهنه الطّابع الخطير لهذا الشّغف بالأصل، لأنّه يحمل في ثناياه مشاعر الضّيم والإهانة والحقد، وموجات عارمة من الضّغائن المتنامية. إنّ الرّغبة المفرطة إلى هذا الحدّ في اللّحاق بالأصل لا يمكن أن تخلو من الرّغبة في الانتقام المريع من الأزمنة الحاضرة. لقد تمّ ردّ البؤس الاجتماعيّ والنّفسيّ إلى الارتداد عن الأصل، الّذي أُسيء إليه نتيجة تعريض مجراه إلى الانقطاع. ولذلك فإنّ الإسلاميّين كانوا يحاولون إقناع النّاس بأنّ انفصالهم عن الأصل يعني مساهمتهم في تجفيف منابعه، وبأنّ مآسيهم الحاضرة ليست سوى جزاء عادل لجريمة الابتعاد عن البدايات.” (37).

 الهوامش:

1-  أصل العبارة مأخوذ من عنوان لكتاب: Drewermann, Eugen, (1993) Fonctionnaires de Dieu, Albin Michel.

2-  انظر كتاب: Sloterdijk, Peter, (1987) Critique de la raison cynique, Traduit de l’allemand par Hans Hildenbrand, Christian Bourgeois Éditeur, p.p47-60.

3-  انظر: Chesterton, Gilbert Keith: (1984) Orthodoxie. Traduction française d’Anne Joba, Paris, Gallimard, «Idées», p.p212-213.

4-  انظر بصفة خاصّة الفصل الأوّل “همّ الأصل” من كتاب، بن سلامة، فتحي، الإسلام والتّحليل النّفسيّ، ترجمة وتقديم رجاء بن سلامة، رابطة العقلانيّين العرب، دار السّاقي، بيروت – لبنان، الطّبعة الأولى، 2008، ص27-147.

5-  جاء في اللّسان، في مادّة [ء.ز.م] ما يلي: “الأَزْمُ شدَّةُ العَضِّ بالفَمِ كلِّه، وقيل بالأَنْياب. والأَنْيابُ هي الأَوازِمُ. وقيل: هو أَنْ يَعَضَّه، ثمّ يكرِّر عليه ولا يُرْسِله. وقيل: هو أَن يَقْبِض عليه بفيه (…) والأَزْمُ القطعُ بالنّاب والسِّكِّين (…) الأَزْمة الشّدّة والقَحْط (…) وفي الحديث: اشْتَدِّي أَزْمَة تَنْفَرِجي (…) الأَزْمَة السَّنة المُجْدِبة (…) والمُتَأَزِّمُ المُتَأَلِّم لأَزْمةِ الزّمان (…) والأَزْمُ الإِمساك. أَبو زيد: الآزِمُ الّذي ضَمَّ شفتيه، والأَزْمُ الصّمْت، والأَزْمُ تركُ الأَكل، وأَصله من ذلك (…)”.

6-  انظر: Mondzain, Marie-José, (2003) Le commerce des regards, Éditions du Seuil, Paris, p143.

7-  انظر: Marx, Karl, (1994) Le 18 Brumaire de Louis Bonaparte, dans Politique1, Gallimard, coll «Bibliothèque la Pléiade».، نقلا عن Žižek, Slavoj, (2010) Après la tragédie, la farce! ou Comment l’histoire se répète, Traduit de l’anglais par Daniel Bismuth, Bibliothèques des savoirs Flammarion, Paris, p8.

8-  نقلا عن، Žižek, Slavoj, Après la tragédie, la farce, op.cit, p9

9-   Certeau, Michel de, (1987-2003) La faiblesse de croire, Points-Esais, p.p187-226.

10-  انظر:Belhaj Kacem, Mehdi : (2009) L’esprit du nihilisme. Une ontologie de l’Histoire. Ouvertures Fayard, p49 الّذي يقول: « Ce qui est sacré, c’est l’évènement ; ce qui est religieux, c’est la répétition. »

11-  انظر: Belhaj Kacem, Mehdi, L’esprit du nihilisme, op.cit, p403.  الّذي قدّم تحليلات أنطولوجيّة لامعة في شأن إله الإسلام.

12-  من الطّريف أن تكون ألفاظ “الخلاف” و”الاختلافات” و”الشّبهة” والشّبهات” و”التّنازع” هي التّسميات اللاّهوتيّة لمفهوم الحدث évènement. ففي كتاب (الشّهرستاني، أبو الفتح محمّد بن عبد الكريم، الملل والنّحل، تحقيق محمّد سيّد كيلاني، دار المعرفة، بيروت – لبنان، (د.ت)، المجلّد الأوّل، ص23) يستعرض المؤلّف في مقدّمته عدّة أنواع من الأحداث الأسطوريّة والتّاريخيّة السّياسيّة، منها ما يسمّيه “الخلاف الثّالث”، وهو موت الرّسول. فهذا الحدث التّأسيسيّ قد قسّم النّاس إلى فريقين، فريق أعرب عن وفائه للرّسول (وقد مثّله عمر)، وفريق آخر أعرب عن وفائه لحدث الرّسالة (وقد مثّله أبو بكر). هذا الوفاء لهذا الحدث أو ذاك نجده في هذا النّصّ: “الخلاف الثّالث في موته عليه الصّلاة والسّلام، قال عمر بن الخطّاب: من قال إنّ محمّدا قد مات قتلته بسيفي هذا، وإنّما رفع إلى السّماء كما رفع عيسى عليه السّلام. وقال أبو بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه: من كان يعبد محمّداً فإن محمّداً قد مات، ومن كان يعبد إله محمّد فإنّ إله محمّد حيّ لم يمت ولن يموت…”.

13-  انظر: Belhaj Kacem, Mehdi, (2004) Évènement et répétition, Préface d’Alain Badiou, Éditions Tristram, p23. حيث بيّن في عبارات حاسمة قاطعة أنّ “الحدث يقطع التّكرار، ولكنّ التّكرار لا يكرّر إلاّ الحدث…L’évènement interrompt la répétition. Mais la répétition ne répète que l’évènement”، “الحدث يقطع تكرار ما هو كائن. L’évènement interrompt la répétition de ce qui est. “،  “كلّ تكرار للحدث، ليس سوى حدث قد أُنهك. فالحدث لا يتكرّر. Chaque répétition de l’évènement n’en est que l’émoussé. Un évènement ne se répète pas. “.

14-  انظر: Howard, Michael, (2004) L’invention de la paix et le retour de la guerre, traduit de l’anglais par Sébastien Viguier, Buchet-Chastel.

15-  واضح أنّنا قد تصرّفنا في تعريف كلاوزفيتس الشّهير للحرب في قوله: « la guerre est la continuation de la politique par d’autres moyens » “الحرب هي مواصلة للسّياسة بوسائل أخرى”.

16-  فان أس، جوزيف، علم الكلام والمجتمع في القرنين الثّاني والثّالث، ترجمة د. سالمة صالح، الجزء الأوّل، منشورات الجمل، بغداد – بيروت، الطّبعة الأولى، 2008.

17-  انظر، بن سلامة فتحي، الإسلام والتّحليل النّفسيّ، ترجمة وتقديم رجاء بن سلامة، رابطة العقلانيّين العرب، دار السّاقي، بيروت – لبنان، الطّبعة الأولى، 2008، ص69. وقد بيّن في خصوص اعتقاد الحركة الإسلاميّة الرّاسخ في كمال الأصل بأن “ليس لها مستقبل طوباويّ، ليس لها أفق يمكن أن ينبثق منه أيّ شيء. فليس بالإمكان أبدع ممّا كان، والأوج قد وصل إلى أوجه وانقضى وفات. كلّ ما كان ممكنا قد مُنح في ماض عظيم لا يمكن للمصير إلاّ أن يُلحق به تغيّرا وفسادا. شمس الشّريعة في كبد السّماء منذ نزول الوحي، وهي الّتي تزيل كلّ ظلّ على وجه الأرض. ولذلك فإنّ الماليخوليا هي الإمكانيّة الوحيدة لانتظار يوم القيامة، إلاّ في صورة حصول تسارع يكون رعبا ودمارا. فالحركة الإسلاميّة هي بالأحرى قلبٌ للتّبشيريّة، بل هي اللاّتبشيريّة الّتي تكون يأسا من الزّمان”.

18-  انظر: بودريار، جان، روح الإرهاب، ترجمة بدر الدين العرودكي، الفكر العربي المعاصر، العدد 120-121، خريف 2001/شتاء2002.

19-  انظر:Belhaj Kacem, Mehdi, (2004) L’affect, Éditions Tristram, p.p30-31.  الّذي يميّز بين أحوال متدرّجة من الخوف تختلف باختلاف طريقة ظهور موضوع الخوف. فالفزع  horreurيكون حين يداهمنا موضوع الخوف ويكون على وشك الوقوع دون أن يتجسّم على نحو ملموس، ويصيبنا الرّعب  frayeurحين يكون موضوع الخوف شاذّا غريبا لا نعرف هويّته ولا يمكن توقّع ردود فعله، كما في أفلام الرّعب، أمّا الرّهيب terreur فهو خوف يتملّكنا لا لأنّ موضوع هذا الخوف ينبثق حذونا فحسب، وإنّما لأنّ انبثاقه كان على نحو مفاجئ طارئ لم يترك لنا الوقت لنفعل شيئا أو نردّ الفعل.

20-  انظر:Belhaj Kacem, Mehdi, L’affect, op.cit, p93.

21-  يتعارض هذا الموقف مع ما ذهب إليه (Sloterdijk, Peter, (2000 – 2003 ) La mobilisation infinie, Vers une critique de la cinétique politique, Points-Essais, p90.) حين طرح هذا السّؤال: ما الّذي تعنيه عبارة “حضارة الهلع civilisation de la panique “؟ هل تقتضي حياة الهلع حضارة؟ أليس من شروط وجود الحضارة غياب، بله إقصاء عنصر الهلع  l’élément panique؟ ويجيب زلوترداك بأنّه بفضل الاحتكاك بتجارب الهلع صارت الحضارات الحيّة ممكنة.

22-  انظر: Belhaj Kacem, Mehdi, L’affect, op.cit, p30

23-  انظر كتابه: Sloterdijk, Peter, (2006) Le palais de cristal, À l’interieur du capitalisme planétaire, Traduit de l’allemand par Olivier Mannoni, Maren Sell Éditeurs, p259.

24-  يرى نانسي أنّ المتميّز le distinct والمنفصل كلاهما من سمات المقدّس. انظر كتاب: Nancy, Jean-Luc, (2003) Au fond des images, Éditions Galilée, p.p11-16.

25-  انظر مقالة “الحداثة والحداد”، ضمن كتاب، بن سلامة، رجاء، بنيان الفحولة، أبحاث في المذكّر والمؤنّث، دار المعرفة للنّشر، تونس،2006، ص.ص 165-198.

26-  دوبريه، ريجيس : نقد العقل السّياسيّ. ترجمة عفيف دمشقيّة، منشورات دار الآداب، بيروت، الطّبعة الأولى 1986، ص397.

27-  يمكن أن نتساءل أيضا: هل يمكن تأويل أعراض “الماليخوليا” الإسلاميّة في منطق الفيتيشيّةfétichisme ؟ يرى (Žižek, Slavoj, Après la tragédie, la farce, op.cit, p.p103-104) أنّ الإيديولوجيا في العصر “المابعد إيديولوجيّpostidéologique ” تشتغل على نحو فيتيشيّ fétichiste يناقض الصّيغة الأعراضيّةsymptomal  التّقليديّة الّتي كانت تشتغل بها من قبل. ففي السّابق كانت الإيديولوجيا تلك الأكذوبة الإيديولوجيّة الّتي تهيكل إدراكنا للواقع، والمهدّدة دوما بظهور الأعراض الّتي تمثّل عودة المكبوت، أي تلك العوائق الّتي تمزّق نسيج الأكذوبة الإيديولوجيّة. بينما كان “الفيتيش le fétiche” يمثّل قَفَا العارض le symptôme، فهو الاستثناء الّذي ينبثق ليربك السّطح الزّائف للمظهر، وهو أيضا نقطة انبثاق المشهد الآخرl’autre scène  المكبوت. فالفيتيش يتقمّص الأكذوبة بما يمكّننا من تحمّل الحقيقة الّتي لا تحتمل. ففي وضعيّة موت شخص عزيز، نكبت هذا الموت في حالة العارض. أمّا في حالة الفيتيش فنقبل هذا الموت، ولكن نتعلّق رغم ذلك بالفيتيش، أي ببعض المظاهر الّتي تمثّل جَحْدًا  désaveuلهذا الموت. وبهذا المعنى يمكن للفيتيش أن ينهض بدور بنّاء متمثّل في جعلنا نواجه هذا الواقع القاسي.

28-  انظر: Sloterdijk, Peter, (2002) SphèresI, Bulles. Traduit de l’allemand par Olivier Mannoni, Hachette Littératures, coll Pluriel Philosophie, p54.

29-  انظر: Levinas, Emmanuel, (2006) Dieu, la mort et le temps, Établissement du texte, notes et postface de Jacques Rolland, Le livre de poche, biblio essais, p121. حيث بيّن أنّ محبّة الغير، إنّما هي الانفعال الجزع، أو الانزعاج، من موت الآخر. “إنّ استقبالي للغيرautrui ، لا القلق من الموت الّذي ينتظرني، هو مرجع الموت. إنّنا نلاقي الموت في وجه الغير.”.

30-  خضر، العادل، في الصّورة والوجه والكلمة، مقالات ميديولوجيّة، دار ميسكلياني للنّشر والتّوزيع، تونس، 2008، ص.ص67-120.

31-  انظر: Badiou, Alain, L’être et l’évènement,op.cit, p195.

32-  انظر: Žižek, Slavoj, (2007) Le sujet qui fâche, Le centre absent de l’ontologie politique, Éditions Flammarion, p188.

33-  خضر، العادل، في الصّورة والوجه والكلمة، م.م، ص 118.

34-  بن سلامة، فتحي، تخييل الأصول، الإسلام وكتابة الحداثة، تعريب شكري المبخوت، دار الجنوب للنشر، تونس، 1995.

35-  انظر: Badiou, Alain, (1988) L’être et l’évènement, Seuil, L’ordre philosophique, p.p109-119.  الّذي يقدّم تصنيفا طريفا للعلاقة بين المثول والتّمثيل. فالفريد le singulier  هو ما هو ماثل حاضر ولكنّه غير ممثّل، كالحدث الّذي يستحيل تكراره، أمّا المعتاد le normal فهو كلّ ماثل أمامنا وممثّل كالأشياء الّتي أمامنا ويمكننا تسميتها، والزّائد l’excroissant هو الّذي يكون ممثّلا وغير ماثل لا يمكن أن يُرى رأي العين كالدّولة، والله.

36-  انظر: Meddeb, Abdelwahab, (2002) La maladie de l’islam, Éditions du Seuil, La couleur des idées. الّذي انطلق في هذا الكتاب من أطروحة تتمثّل في أنّ “الأصوليّة l’integrisme” هي “مرض الإسلام”. ولفهم نشأة هذا المرض لجأ المؤلّف إلى السّفر في التّاريخ الإسلاميّ بالعودة إلى الإسلام المبكّر في المدينة (ق7م)، ومدينة بغداد زمن العبّاسيّين (ق9م)،، ودمشق بعد نهاية الحملات الصّليبيّة وانحسار المدّ المغوليّ، ثمّ الجزيرة العربيّة في ق18م وظهور الوهّابيّة. هذه العودة إلى التّاريخ هي في الواقع بحث عن أحداث معيّنة تنقلب في قراءة المؤلّف إلى علل بواسطتها نفهم أسباب “مرض الإسلام” الدّاخليّة، وكذلك الأسباب الخارجيّة الّتي فجّرته كعدم اعتراف الغرب بالإسلام وإقصائه له. هذه الطّريقة في الفهم محكومة بمبدإ الفهم السّرديّ للحدث الّذي صاغه ريكور في عبارته التّالية “لنفهم حقّ الفهم، ينبغي أن نقصّ أكثر”. وهو مبدأ ساري المفعول في الكتابة التّاريخيّة، إلاّ أنّ المشكل في استخدامه لفهم الأحداث الرّاهنة كحدث 11 سبتمبر هو ضرب من ضروب الاختزال لأنّه يفسّر الحدث بأحداث أخرى غريبة عنه ببعدها التّاريخيّ واختلافها الجذريّ. فما يحدث اليوم لا يمكن أن يفسّر بما مضى، لأنّ هذا التّفسير قائم على مسلّمة وهي إمكان تكرار الحدث في التّاريخ، وقائم أيضا على مبدإ المتّصل الّذي يقلب التّاريخ إلى جنيالوجيا متّصلة الحلقات، ولا يقوم على مبدإ المنفصل والقطائع الّذي يتصوّر هذه الحلقات كأحداث منبثقة خارج كلّ جنيالوجيا، لا سابق لها ولا لاحق. فـ”مرض الإسلام” اليوم لا أصل له في الماضي ولا فصل، ولا يمكن أن يفهم إلاّ بصلته مع أصوليّة اليوم لا مع “أصوليات” الأمس الدّابر.

37-  بن سلامة، فتحي، الإسلام والتّحليل النّفسيّ، م.م، ص42.