
* “سورة يوسف وسورة مريم يتفكّه بهما أهل الجنة في الجنة”
خالد بن مَعْدان 104هـ، ؟ – 722؟م
1- كلام اللّه أم صوته؟
إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ: يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ
قَالَ: يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ
إِذْ قَالُواْ: لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ
اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ
قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ: لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ
قَالُواْ: يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ
أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ
قَالَ: إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ
قَالُواْ :لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ
قَالُواْ: يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ
قَالَ: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ
قَالَ: يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ
وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ: أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا
وَقَالَتْ: هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ
قَالَتْ: مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
قَالَ: هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي
قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ
وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ: امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ
وَقَالَتِ: اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ …وَقُلْنَ: حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ
قَالَتْ: فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ
قَالَ: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ
قَالَ أَحَدُهُمَا: إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ: إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
قَالَ: لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ
يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ
مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ
وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا: اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ
وَقَالَ الْمَلِكُ :إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ
قَالُواْ: أَضْغَاثُ أَحْلامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلامِ بِعَالِمِينَ
وَقَالَ: الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ
يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ
قَالَ: تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ
ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ
ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ
وَقَالَ الْمَلِكُ :ائْتُونِي بِهِ …قَالَ :ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ الَّلاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ
قَالَ: مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ: الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ
ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ
وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ
وَقَالَ الْمَلِكُ: ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ
قَالَ: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ
قَالَ: ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ
فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ
قَالُواْ: سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ
وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ: اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
قَالُواْ: يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ
قَالَ: هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
قَالُواْ: يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ
قَالَ: لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ
قَالَ: يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُون
قَالَ: إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ
قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم: مَّاذَا تَفْقِدُونَ
قَالُواْ: نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ
قَالُواْ: تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ
قَالُواْ: فَمَا جَزَاؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ
قَالُواْ: جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ
قَالُواْ: إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ …قَالَ: أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ
قَالُواْ: يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
قَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُون
قَالَ كَبِيرُهُمْ :أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ
ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ
وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ
قَالَ: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
قال: يا اسفي على يوسف
قَالُواْ: تَاللَّه تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ
قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ
قَالُواْ: يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ
قَالَ :هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ
قَالُواْ: أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنَّ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
قَالُواْ: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ
قَالَ :لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ
قَالَ أَبُوهُمْ: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ
قَالُواْ: تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ
قَالَ: أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
قَالُواْ: يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ
قَالَ: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
وَقَالَ: ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ
وَقَالَ: يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ..
تخيّرنا “سورة يوسف” إذ هي تكاد تتسع كلّها لكلام ذوات غير الذات الإلهيّة، كما يدلّ على ذلك فعل القول الذي يفتتح كلّ آية من هذه الآيات. فمن هو المتلفظ فيها؟ بل أنحن إزاء متلفظ واحد أم متلفظين؟بل صوت من هذا الصوت السردي الذي يسند القول إلى “الشخصيّة” ثمّ يحتجب، ليعود فيملأ فعل القول”قال”؟ أهو “القاصّ” أي “الذي يتبع الآثار ويأتي بالخبر على وجهه” كما جاء في مدوّنة التفسير؟
الحق أنّ الصوت السردي في النصّ القرآني، ليس بالذي نسمعه دائما، بل ربّما نحن نستمع إليه مخالسة؛ وكأنّنا نسترق السمع،فهو متكتّم صامت وكأنّه يطوي سرّا،أو كأنّ شأنه شأن الحرف الذي لا يلفظ،أو هو صوت أخرس.
ومهما يكن من أمره فهو لا يتلاشى تماما، بل هو صوت يرتدّ على هيئة صدى؛أشبه ما يكون بحرف اللين أو المدّ الذي يـُمدّ به الصوت. (الصدى لا يُرجع سوى هذه الأصوات). والسؤال هو كيف نستدلّ على هذا الصوت؟
قد يكون بنفينيست خير من نترسّم في السياق الذي نحن به، وهو الذي صرف عنايته إلى الخطاب والتلفّظ والملفوظ. ودونما خوض في نظريّته وهي مبذولة في أكثر من بحث ودراسة، نرصد ما يعنينا منها في السياق الذي نحن به أي ما يتعلّق بالمتكلّم (أنا/أنت…) وسمات التلفظ في الخطاب مثل ظرف المكان وظرف الزمان وأسماء الإشارة وأزمنة الفعل التي ميّز على ضوئها بين نظامين يكشفان عن خطتي تلفظ مختلفتين : الخطاب، من جهة والسرد القصصي والسرد التاريخي، من أخرى. (1)
فالسرد التاريخي قوامه استعمال “الماضي البسيط “وغياب الذات المتلفّظة. ومردّ ذلك إلى أنّ مثل هذا القصّ كثيرا ما ينحو إلى استدعاء شخصيّة، من ناحية من نواحي الماضي القريب أو البعيد، مترسّما جانبا من حياتها أو كاشفا عن مطارح أفكارها وخوالج نفسها. ولذلك يتميّز بحضور ضمير الغيبة (هو) حضورا مكثفا.
أمّا في تلفظ الخطاب، فينتفي استعمال الماضي البسيط ، ويُفسح المجال، في الملفوظ، لظهور آثار تلفـّظه: الإشارات الدالّة على ضمير التكلّم و ضمير الخطاب(أنا/أنت)، وظروف المكان والزمان (هنا/الآن)، واسم الموصول واسم الإشارة،والفعل المضارع أو “الحال” كما كان يسمّيه العرب… وما إليها من “المؤشرات” التي يصعب تأوّلها إلاّ إذا انتقلنا من الملفوظ إلى مقام التلفّظ ،أي إلى الضمير المتكلّم وإلى مكان قوله وزمانه.من ذلك مثلا أنّه يتعذّر علينا في النصّ الذي نحن به
أن نفهم الملفوظ بلسان أخوة يوسف:” يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ أرسلْهُ معنا غذاً يرتعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون” بمعزل عن المتكلّم في صيغة الجمع “نحن” وعن زمان قولهم هذا.
وبما أنّنا في نصّ مكتوب فإنّ الخطاب ينشأ لحظة ينقل السارد أو الراوي كلام الشخصيّات(يوسف ويعقوب وأخوته والعزيز وامرأته…) أو هو يعزوه إليهم،أوهو يعقّب على الأحداث ويفسّرها. وفي قوله:
“نحنُ نقصُّ عليكَ أحسنَ القـَصَصِ بما أوحينا إليكَ هذا القرآنَ وإنْ كنتَ من قبله لمن الغافلين ” وهو ينطوي على حكم قيمة أو حكم معياريّ تبين عنه صيغة التفضيل”أحسن”، فإنّ المضارع أو الحال “نقصّ” هو الذي يدلّ على تدخّل السارد.
يقول الطبري : “يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : “نحن نقص عليك” يا محمد ، “أحسن القصص” بوحينا إليك هذا القرآن ، فنخبرك فيه عن الأخبار الماضية ، وأنباء الأمم السالفة والكتب التي أنزلناها في العصور الخالية ( وإن كنت من قبله لمن الغافلين ) ، يقول تعالى ذكره : وإن كنت يا محمد من قبل أن نوحيه إليك لمن الغافلين عن ذلك ، لا تعلمه ولا شيئا منه…”
ويذكر الطبري بإسناد، أنّ هذه الآية نزلت على الرسول لمسألة أصحابه إياه أن يقصّ عليهم:
“حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي ، قال : حدثنا حكام الرازي ، عن أيوب ، عن عمرو الملائي ،عن ابن عباس، قال : قالوا : يا رسول الله ،لو قصصتَ علينا؟ قال : فنزلت : ” نحنُ نقصُّ عليكَ أحسن القـَصَصِ”…
حدثنا ابن وكيع ، قال : حدثنا أبي ، عن المسعودي ، عن عون بن عبد الله ، قال : مل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملة ، فقالوا : يا رسول الله حدثنا ! فأنزل الله عز وجل : ( الله نزل أحسن الحديث ) [ سورة الزمر : 23 ] . ثم ملوا ملة أخرى فقالوا : يا رسول الله حدثنا فوق الحديث ودون القرآن ! يعنون القصص ، فأنزل الله : ( الر تلك آيات الكتاب المبين إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين ) ، فأرادوا الحديث فدلهم على أحسن الحديث ،وأرادوا القصص فدلهم على أحسن القصص.” (2)
وقد يستخلص من هذه الرواية ـ وهذا ليس موضوع بحثنا ـ أنّ النصّ القرآني ليس كلّه قرآنا،إنّما هو ثلاثة “أجناس” أو “أنواع” تتراتب تفاضليّا: القرآن فالقصص فالحديث. وتنهض لذلك قرينتان في قول الطبري هما: “فوق” وهي ظرف مكان وظرف زمان يدل على الزيادة والفضل”هذا فوق ذاك أي افضل منه” و”دون” وهي نقيض فوق.
2- قول على قول، ذاتيّة السارد/الله مخبرا عن القول:
يفترض في الخطاب المنقول كلّما توخّى المتلفّظ فيه أسلوبا مباشرا، أن ينهض بنقل كلام الشخصيّات كما تلفّظت به، وأن يضفي على القصّة حياة، ويجعلها أشدّ أثرا، وأكثر صدقا وأصالة وعفويّة. ولعلّ هذا ممّا يقتضي إعادة ضبط المصحف ،على مقتضى قواعد التنقيط المتبعة في مثل هذا الخطاب مثل: المطة أو الخط الصغير أو الهلالين المزدوجين أي ما يشير إلى توقّف السرد وانسحاب السارد مؤقتا من خطابه، وإفساح المجال للشخصيّة. والحقّ أنّ النصّ القرآني يستبدل ذلك بفعل القول “قال” التي تتصدّر الجواب أو الردّ عليه، وبقرائن التلفظ النحويّة مثل الضمائر وظروف المكان والزمان؛ حيث تكاد علامة التلفظ أو الدليل عليه أو وسمه، لا تعدو كلمة أو عبارة، تبين عن حضور الذي يتكلّم في الجملة.
إنّ جملة مثل :” الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ” (سورة يوسف / 1 ) لا تحوي علامة تلفظ، فالمتكلّم لا يُظهر بأيّ شكل من الأشكال أنّه بصدد التكلّم، خاصّة أنّ هذه الجملة(الآية) عامّة، وكان يمكن أن تتصدّر أيّة سورة،إذ هي تنضوي إلى ما يسمّيه المعاصرون “الخطاب الواصف” أو “القرآن على القرآن” في السياق الذي نحن به.
وممّا يعزّز من وجاهة هذا الطرح أنّ “الر” من الحروف المقطَّعة في أوائل السور التي تشير إلى إعجاز القرآن،أو هي طريقة مخصوصة في تنبيه المتلقي للاستماع، لتميّز جرسها، لا تختصّ بها سورة يوسف وحدها، بل هي تستوقفنا في سور أخرى مثل سورة هود”الر كتاب أحكمت آياته ثمّ فصّلت من لدن حكيم خبير” أو سورة يونس “الر تلك آيات الكتاب الحكيم” أو سورة الحجر”الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين” أو سورة ابراهيم”الر كتاب أنزلناه إليك…” (3)
وبالمقابل فإنّ قوله:
قَالُواْ[اخوة يوسف] : سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ
قَالَ[يعقوب]: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
يكشف مدى حضوره بواسطة:
ـ حضور كلّ من ضمير التكلّم وضمير الخطاب
ـ المستقبل القريب في الفعل ” سنراود” الذي يظهر كون المتكلّم(المتكلّمون) يلمّح إلى المستقبل، بالنسبة إلى اللحظة الحاضرة التي هو فيها. والسين حرف يدخل على المضارع فيخلصه للاستقبال، فيما سوف في الخطاب المنقول عن يعقوب أطول زمانا من السين.
ونلاحظ في النصّ الذي نحن به أنّ السارد لا يظهر في كلّ الآيات، بل هو يحتجب في الفعل “قال” الذي نعود إليه في ما يأتي بشيء من التفصيل. فالسارد لا يمّحي، وإنّما يفسح المجال لشخصيّات القصّة متجاذبة متدافعة في محاوراتها ، وفي العلائق التي تنتسج بينها،أوهو”يُخبرعنها” بعبارة السلف.
يقول ابن كثير في تفسير الحوار بين يوسف وأبيه[ يعقوب](4)
يَقُول تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قَوْل يَعْقُوب لِابْنِهِ يُوسُف حِين قَصَّ عَلَيْهِ مَا رَأَى مِنْ هَذِهِ الرُّؤْيَا الَّتِي تَعْبِيرهَا خُضُوع إِخْوَته لَهُ وَتَعْظِيمهمْ إِيَّاهُ تَعْظِيمًا زَائِدًا بِحَيْثُ يَخِرُّونَ لَهُ سَاجِدِينَ إِجْلَالًا وَاحْتِرَامًا لَا إِكْرَامًا فَخَشِيَ يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام أَنْ يُحَدِّث بِهَذَا الْمَنَام أَحَدًا مِنْ إِخْوَته فَيَحْسُدُونَهُ عَلَى ذَلِكَ فَيَبْغُونَ لَهُ الْغَوَائِل حَسَدًا مِنْهُمْ لَهُ وَلِهَذَا قَالَ لَهُ ” لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاك عَلَى إِخْوَتك فَيَكِيدُوا لَك كَيْدًا ” أَيْ يَحْتَالُوا لَك حِيلَة يُرْدُونَك فِيهَا…
وَيَقُول تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ قَوْل يَعْقُوب لِوَلَدِهِ يُوسُف إِنَّهُ كَمَا اِخْتَارَك رَبّك وَأَرَاك هَذِهِ الْكَوَاكِب مَعَ الشَّمْس وَالْقَمَر سَاجِدَة لَك ” كَذَلِكَ يَجْتَبِيك رَبّك” أَيْ يَخْتَارك وَيَصْطَفِيك لِنُبُوَّتِهِ ” وَيُعَلِّمك مِنْ تَأْوِيل الْأَحَادِيث ” قَالَ مُجَاهِد وَغَيْر وَاحِد يَعْنِي تَعْبِير الرُّؤْيَا” وَيُتِمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْك ” أَيْ بِإِرْسَالِك وَالْإِيحَاء إِلَيْك . وَلِهَذَا قَالَ ” كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْك مِنْ قَبْل إِبْرَاهِيم” وَهُوَ الْخَلِيل ” وَإِسْحَاق ” وَلَده وَهُوَ الذَّبِيح فِي قَوْل وَلَيْسَ بِالرَّجِيحِ “إِنَّ رَبّك عَلِيم حَكِيم ” أَيْ هُوَ أَعْلَم حَيْثُ يَجْعَل رِسَالَته كَمَا قَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى…
إنّ حضور السارد يمكن أن يُكتنهَ من أكثر من زاوية في الملفوظ. من ذلك أنّ الواقعة أو الحادثة ترد في صيغة الماضي. وهي من ثمّة سابقة على فعل القول الذي ينتجها، ويتميّز عنها بذلك، في ذات الآن؛ إذ يفترض ـ استئناسا بأسباب نزول السورةـ أنّ كلام السارد المتلفظ لاحق على كلام الشخصيات المتحاورة. وهذا ممّا يعزّز من وجاهة رأي القائلين قديما ب”خلق” القرآن، مثل المعتزلة وغيرهم ممّن سلفت الإشارة إليهم. كما أنّ بعض طرائق التلفظ مثل السجع[ الفاصلة القرآنيّة] والاستفهام والتعجّب والنعوت التي يتعذّر إلحاقها بشخصيّة من الشخصيّات، ليست إلاّ إحالات مضمرة على ذاتيّة السارد. وكذلك الشأن في سمات النصّ الأدائيّة مثل “نغميّته الوجدانيّة” الراجعة إلى المعرفة الحدسيّة في رؤيا يوسف وقد انتظمت في سلسلة من استعارات شعريّة تنتظمها حجاجيّة سرديّة قد تفيدنا عن قول يوسف ورؤياه أو نبوءته، وربّما عن بنيات دلاليّة في عربيّة القرن السادس والسابع للميلاد. والغاية من ذلك إنّما هي احتواء المخاطـَب احتواء تامّا،فقد لا تكون الرؤيا سوى أداة من أدوات السيطرة عليه،عبر استطلاع الغيب أو التنبؤ بالمستقبل. (5)
ومن سمات النصّ أيضا “نغميّته المعياريّة” الراجعة إلى ضرب من الإيقاع الذي يمكن أن يضبط ويُقاس؛ ومثاله الفاصلة القرآنيّة التي هي في تقديرنا أشبه ما تكون ب”نقطة الإطالة” أو العلامة الموسيقيّة التي توضع على نغمة موسيقيّة لإطالة مدتها. Point d’orgue
وثمّة غير حديث يدعو إلى التغني بالقرآن .من ذلك قول النبي: زيّنوا القرآن بأصوتكم.و: ما أذنَ اللهُ لشيء ما أذن لنبيٍّ يتغنّى بالقرآنِ. وقد حمله الشرّاح على أنّ الله ما استمع لشيء من كلام الناس، ما استمع لنبي يتغنى القرآن.
ورووا نقلا عن البراء ـ : “سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ: { والتين والزيتون } في العِشاء، وما سمعت أحداً أحسن صوتاً منه، أو قراءة”.
وروى أنّ عبد الله بن المغفل قال:” رأيت رسول صلى الله عليه وسلم يوم الفتح على ناقة له يقرأ سورة الفتح. قال: فرّجع فيها”. والترجيع في القراءة إنّما هو ترديد الصوت في الجهر بالقول مكرراً بعد خفائه.
ورووا أنّ النبي مرّ بـ أبي موسى الأشعري وهو يقرأ القرآن، فسُرَّ بصوته،وقال له: لو رأيتني وأنا أسمع قراءتك البارحة، لقد أوتيتَ مزماراً من مزامير آل داود “. وقال الشرّاح إنّ المراد بالمزمار في هذا السياق هو الصوت الحسن، وأصل الزمر الغناء. وفي رواية أخرى: لو كنت أعلم أنك تسمعه، لحبرته لك تحبيراً أي : حسنته وزينته بصوتي تزيينًا.(6)
فهذه وغيرها أمارات على ذاتيّة السارد،وعلى أنّنا إزاء متلفظ واحد ،حتى وإن أوهمنا ظاهر النصّ بغير ذلك؛إذ لا يوسف كان يتكلّم العربيّة ولا يعقوب، ولا كلّ هؤلاء الذين يظهرون على مسرح القصّة،وإنّما هذا من عمل “الذات المتلفّظة” المتمكّنة من عربيّة شعر ما قبل الإسلام ،العالمة بلطائفها،المتحكّمة في الخطاب. ونحن ندرك منذ أن تطرق أسماعنا الآية الأولى:”الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ”، أنّ هذه الحركة “ين” سترافقنا إلى آخر آية. وعليه فهي ليست إلاّ من عمل هذا المتلفظ الذي تخيّر هذا الضرب من الإيقاع،لما له من وقع في نفوس سامعيه أي إطراب المستمع بحسن الصوت والغناء.
3- زمن القصّ:
لا نظنّ أنّ هناك من يماري في أنّ السرد أو القـَصَص( بفتح القاف، وهو مصدر وليس جمعا،فذلك إنّما يقال في قِصص بالكسر) مهما يكنْ نصيبه من الواقع، أو من الإيهام به، لا يعدو كونه تخيّلا أو اختلاقا. وخير دليل لذلك هو اقتصاص أثر اللغة نفسها في هذا النمط من الخطاب،والعلائق المعقودة بين القصّ أو الإخبار في السياق الذي نحن به، والقصّة أو الحكاية. فثمّة صلات وثيقة بين الإخبار والحكاية سواء في المستوى الزمني أو في مستوى الشخصيّة. ففي المستوى الأوّل يمكن أن نرصد علاقة التسلسل التاريخي أو الترتيب الزمني المعقودة بين فعل السرد أو الإخبار والأحداث المنقولة، على ضوء الطريقة التي تُروى بها. والسرد المتوخّى في سورة يوسف أو في نصّها الحاف( تفسير الطبري وغيره من النصوص التي أسهبت في شرح أسباب نزول السورة) يتخذ هيئتين متلازمتين:
ـ فهو سرد تالِ أو لاحق، تتمثّله الجملة” نحن نقصّ عليك” حيث ترتسم علاقة أولى بين مُرسِل قاصٍّ أو ساردٍ(الذات الإلهيّة) ومرسَل إليه مرويّ له(النبي).
وهذا إنّما يُدرك في سياق مفهوم “الوحي “حيث المرسل مرسلان : فالوحي في معتقدات المسلمين وفي متخيّلهم الدّيني، رسالة أوحتْ بها ذات متعالية مفارقة (الذّات الإلهيّة) إلى متقبّل أوّل (النبيّ). وهذا المتقبّل مرسل ثان ينقل الرّسالة إلى متقبّل ثان لا يحدّ ولا يصنّف أو هو متحرّر من رقّ الزّمان والمكان، لأنه(الإنسان) في كل زمان وفي كلّ مكان، أو هو بعبارة معاصرة “المخاطـَب المتخيّل” أو “المفترَض” الذي يسعى المتلفظ إلى التحكم في أنساقه الفكريّة، واستباق ردود أفعاله، واستنهاضه إلى فعل ما. (7)وقد لا يخفى أنّ هذا “المخاطـَب” هو عمدة نجاح بلاغة السرد الحجاجيّة في النصّ القرآني، وبخاصّة عندما يكون غائبا عن ناظر المتلفظ. ومن هنا يتّخذ السرد هيئته الثانية.
ـ فهو سرد سابق يناسب القصّ الذي أساسه التنبّؤ أو الإخبار بالمستقبل، وهذا ما تنطوي عليه رؤيا يوسف في مفتتح السورة وتعبيرها أو تأويلها في خاتمتها:
” ” إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ: يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ
“وَقَالَ: يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ”. والمستقبل، في هذا الضرب من القِصص،إنّما يُروى وكأنّه حدث أو وقع، أو أنّ أساسه ” كان ماسوف يكون”.
إنّ اللجوء إلى الماضي في أكثر هذا النوع من القِصص، ممّا يسلبه قيمته الزمنيّة، ويجعل منه مجرّد علامة على “التخيّليّة”. بل إنّ دلالة الفعل الماضي، في هذه السورة إنّما هي على الحال والاستقبال معا، مثلما هي على حدوث شيء قبل زمن التكلّم: إذْ قال(ماض لاحق)/ إنّي رأيتُ(ماض سابق).
والسورة إنّما هي “حكاية حال ماضية” بعبارة القدامى (الزمخشري في تفسير كن فيكون). و لكنّها ـ وفد قامت على رؤيا هي أشبه باللغز أو الأحجية ـ طريقة في ابتعاث المستقبل وتصويره فى صورة الذى يحدث فى الحال،أو كأنه يحدث الآن فى زمن التكلم.
4- الفعل “قال” ومداراته:
إنّ العلاقة بين الإخبار والحكاية حاسمة في تحديد الشخصيّة. وقد تُعاين من زاوية نحويّة، فيكون الكلام على حكايات وقِصص،ترد بضمير التكلّم أو بضمير الغيبة. وهذا عيار غير كاف،ذلك أنّه ليس بميسور السارد، أن يتدخّل في سياق الحكاية، إلاّ بواسطة ضمير التكلّم، وبخاصّة كلّما كان من شخوصها.وهذا ممّا يثير إشكالا في كثير من القـَـصص القرآني. ومثاله هذا الحوار المباشر بين موسى والذات الإلهيّة، من دون وسيط ، ولكن من وراء حجاب :
“وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ. قَالَ: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ: لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي. فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ.) قَالَ: يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ”
فمن الواضح أنّ هذا “المشهد” يتأدّى بواسطة أسلوب الالتفات: عدول من التكلّم(لميقاتنا) إلى الغيبة (كلّمه)، وهذا من لطائف العربيّة؛ ولا إشكال فيه. إنّما يبدأ الإشكال لحظة ينشأ الحوار،إذ يدور بين الطرفين، في سياق الغيبة (قال)؛ فيما هو بين: أنا (الذات الإلهيّة)/ هو(موسى)،بحيث يتوقّع القارئ أن يرد الفعل”قال” المسند إلى الذات الإلهيّة في صيغة ضمير المتكلّم ،مادامت ـ في اعتقاد المسلم ـ هي الذات المتلفظة والمشاركة في هذا الحوار: قال:ربّ أرني أنظرْ إليك،[قلت]: لن تراني…
ومثال ذلك أيضا “المحاورة” ـ وهي في جانب منها، أشبه بمناجاة ـ بين زكريّا والذات الإلهيّة:
“كهيعص
ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا
إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا
قَالَ: رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا
يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا
ـ يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا
ـ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ…
فقد توخّى”المتلفّظ” أسلوب الحذف، في الآيتين الأخيرتين: حذف “قال”.
هذا الاقتضاب أوالحذف أوالإضمار إن شئنا، فراغ أو صمت قائم في الخطاب نفسه، ومن شأنه أن يضفي على الجملة دلالة مقدّرة مضمرة في حيّز ما يسمّى ” القابل للوقوع”. والصّمت إنّما يكون ـ على الأرجح ـ لحظة تتعطّل اللّغة، أوهي تقصّر عن قول ما “لا ينقال”. فإذا لم يكن كذلك، فهو اختياريّ ينشد المتكلّم أو المتلفّظ ، منه مقاصد؛ قد يكون منها اجتذاب المخاطب أو استمالته وفتنته. وسواء أكان هذا أم ذاك، فإنّ القارئ يتسنّى له أن يلحظ في الحالين كليهما: حالي الاضطرار والاختيار،موقف المتلفظ من اللّغة، وما عسى أن يكون لهذا “الصّمت” من أثر في خطابه.والحقّ أنّ مواقع الصّمت من الوفرة والغنى في النصّ القرآني،إذ نقف عليها في بنية الجملة والآية، وما يعتريها من حذف واقتضاب وبتر وإضمار وإيجاز،وما إليها مما صنّف القدامى بعضه في باب “عيوب الشّعر” و”ما تجب معرفته من صنعة الشّعر”مثل التّضمين والتّتميم والتّفريع والتّنبيه والمواربة.
إنّ الصّمت مفهوم إشكاليّ، إذ هولا ينهض على حامل لغويّ محسوس، فهو فراغ نصّيّ وخواء وفضاء براح، قد يتّسع في الخطاب، وقد يضيق. وهو اسم بلا مسمّى وانقطاع في الكلام لا معنى له في الظّاهر. ومع ذلك فإنّ هذا الفراغ إشارة شأنه شأن الكلمة.فالصّمت”يتكلّم” و”بلاغته ” يمكن أن تنهض بوظيفة رئيسة في التّخاطب، حتّى لو كان حاملها هذه الإشارة” إلى “معدوم” أو “غير معلوم” بعبارة القدامى. وسؤالنا هو : بم نفسّر هذا الاقتضاب أو محو العلامة اللّسانيّة؟
قد لا يكون لذلك من جواب، في “المحاورة” بين زكريّا والذات الإلهيّة، سوى أنّها محاورة مباشرة ، أو هي من دون واسطة إذ يواجهنا خروج على قاعدة الحوار المتبعة في مثل هذا القــَـصص ومواضعاته ،فيصلنا صوت الذات الإلهيّة من دون وساطة الفعل “قال” أو أيّة صيغة إسناديّة أو مقدّمة بيانيّة، أي هو يتحرّر من سلطة السارد،فيما هو خطاب منقول يقتضي ناقلا، يقدّم للحوار.وربّما ،أمكن بسبب من ذلك ،أن نعدّه خطابا مباشرا يمّحي فيه السارد، لتحلّ محلّه الشخصيّة. والسؤال: هل السارد في هذا السياق، هو الذي يتكلّم بخطاب الشخصيّة أم هل الشخصيّة هي التي تتكلّم بصوت السارد؟
ومثال ذلك أيضا هذا “المحاورة” بين ابراهيم والذات الإلهيّة:
وإذ قال إبراهيم: ربِّ أرِني كيف تحيي الموتى قال: أو لم تؤمن؟ قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي…”
ف”قال” [الله] تقوم مقام”قلتُ”،لكن دون مسوّغ من التفات؛إلاّ أن يكون الأمر تجريدا،أي انتزاع أمر من آخر مطلقاً، تفننا في الأسلوب، بعبارة البلاغيّين الذين يرون أنّ مبني الالتفات على اتحاد المعنى،في حين أنّ مبني التجريد على التغاير بينهما بحسب الاعتياد. وقد يجتمع هذان الأسلوبان ،وقد ينفرد الالتفات، وقد ينفرد التجريد. وفي التجريد عند البلاغيّين فائدتان: طلب التوسع في الكلام، وتمكين المخاطب من إجراء الأوصاف المقصودة من مدح أو غيره على نفسه، إذ يكون مخاطباً بها غيره، فيكون أعذر له. (8)
فهذا وغيره ممّا يستوقفنا في غير سورة، ويسوق إلى إحكام التمييز بين ذات متلفّظة وذات ملفوظة، عسى أن ندرك أنّ التلفظ في النصّ القرآني عمليّة مزدوجة أو أنّ هناك ساردا ثانيا يندسّ في فعل “قال”.
إنّ لوصف مختلف العبارات أو الجمل التي مدارها على الفعل “قال” ما يسوّغه داخل الخطاب القرآني، خاصّة أنّها تثير إشكالا لا يخفى كلّما تعلّق الأمر ب”الكلام الإلهي”؛ وهي التي يديرها هذا الفعل المسند إلى أكثر من شخصيّة كما في سورة “يوسف”، على أكثر من معنى مثل تلفـّظ وتكلـّم وحكم واعتقد وزعم وعزم وجزم وأشار وخاطب وأحبّ واختصّ وظنّ، وتهيّأ للفعل واستعدّ له. فلابدّ من اكتناه مدلولات هذا الفعل المعجميّة والنحويّة وطرائق اشتغاله في الخطاب.
وأوّل ما نلاحظه في هذا الفعل إنّما هو معناه الصوتي: ف”قال” تعني أصدر أصواتا ونطق و لفظ وتلفّظ وفاه وتفوّه ونبس (وإن كان أكثر استعمال هذا الفعل في النفي: لم ينبس ببنت شفة) وكتب، فيحيل بذلك على شفويّ مثلما يحيل على مكتوب.ويمكن أن يُحمل في سياق مخصوص على معنى همس (همس الصوت أي أخفاه) ووشوش وباح وسارّ ( كلّمه بسرّ أو كلّمه في أذنه) وبدا ولاح وظهر وتضرّع وصاح وصرخ… ويمكن أن يُخرج غير هذا المُخرج، ف”قال” يمكن أن يعني: عبّر وأبان وحدّد وشرح ووضّح وأعرب بواسطة الكلام، ونقل وأبلغ وأخبر وأفاد وأفشى وأذاع وأطلع وعترف وقصّ وروى وحكى وكرّر وأعاد وجدّد… وأكّد وأثبت وأقرّ وأيّد وأثبت وصدّق ووافق وصمّم وقضى وحكم…
أمّا في المستوى النحوي والصرفي ف”قال” فعل متعدّ وحمليّ أو إسناديّ وهويتّسع لمجموع الصيغ الصرفيّة.
وأمّا تداوليّا ـ وهو الأفق الذي تخيّرناه لهذا المبحث حيث صرفنا عنايتنا إلى الرموز دون معانيها وإلى مستخدمي اللغة وسياق استخدامها ـ فإنّ “قال” يتّسع لشتى مدلولات الفعل “التام “كما تدلّ على ذلك معانيه المعجميّة الطقوسيّة أو الدينيّة،وهي ذات غنى ووفرة لا نخالهما يخفيان؛ وبخاصّة في النصوص التأمليّة أو الاستبطانيّة، والتي يُسند فيها الكلام إلى المتكلّم بصيغة المفرد أو الجمع.
ويمكن اعتبار “قال” بمثابة نصّ الافتتاح، أو ما يشبه “الوصلة اللغويّة” الراجعة إلى المتكلّم من حيث هو المسؤول عن التلفظ.
وغايته من ذلك أن يعرض وجهة نظره بخصوص التفاعل القائم بينه وبين مخاطبه، على نحو ما نجد بين الأب[يعقوب] والابن[يوسف]:
ـ إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ: يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ …
قَالَ: يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ…
فإذا كان فعل “قال” الأوّل المسند إلى يوسف محكوما بضرب من المعرفة الوجدانيّة أو الحدسيّة التي مردّها إلى الرؤيا وما يمكن أن تتمثّله في هذه الحال من دهشة أو مفاجأة،فإنّ فعل”قال” الثاني المسند إلى يعقوب: طلب أو نهي يبطن تخويفا. بل هو فعل إدراكيّ أيضا أو هو قابل لأن يُدرك كلّما أدرج المتكلّم معلومة مصدرها الذاكرة أو التذكير”الاستدلاليّ” الذي يتوسّل المنطق لا الحدس، في صيغة تفسير أو إيضاح وإبانة: تذكير الابن بكيد أخوته ومكرهم وسوء طويّتهم، في سياق التلميح بأنّ رؤياه بشارة.
وهو فعل دعوة أيضا ورغبة أو غواية: “وغلقتِ الأبوابَ وقالت: هيت لكَ.” فهذا علامة تحادثيّة مضمرة.
أو سياق عاطفيّ أو وجدانيّ يتمثّل حالة دهشة أو إعجاب أو مفاجأة .و قد يكون غير ذلك في سياق آخر: سخط أو نقمة أو خشية من عمل شائن وسلوك معيب: موقف يوسف من امرأة العزيز مثلا:”قَالَ :مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ”.
خاتمة:
إنّ الوحي نصّ “يُملى”، ولا يُرتجلُ. وكلّما كان إملاء كانت كتابة. ووضعيّة الإملاء تتيح للمتلفظ أن يتعهّد نصّه المثبّت في الذّاكرة، حذفا أو زيادة أو تغييرا وأن يمليه دونما استئناس بنصّ مخطوط. وربّما وقع في الظّن أن وضعيّة الإملاء تنطوي على عناصر الاتّصال “الجاكوبسونية” جميعها من سياق ومرسل ومتلقّ، وأنّ النّصّ ينضوي، من ثمّة، إلى الأداء الشّفهيّ وليس إلى الأداء الكتابيّ حيث لا يظهر المرسل أو المتلفظ ولا يملك المتلقّي سوى الرّسالة وحدها. وهذا في تقديرنا من مدخول الظّنّ وخادع الانطباع، فالوحي محكوم بازدواجية مثيرة: ازدواجية المرسل أو المتلفّظ وازدواجية المتقبّل. ومردّ ذلك في تقديرنا إلى أنّ سياقه سياقان: سياق غائب يرجع إلى “الخطاب الصامت” السّابق على لحظة الإملاء حيث يكون المرسل أو المتلفظ قد تعهّد نصّه وثبّت الكلمات ومبناها في ذاكرته. وسياق حاضر يرجع إلى مواقيت إملائه ومواقعها أي أنّ هذا العالم إنّما هو عالم الذات المتلفظة وهي تعقد أكثر من علاقة بين ملفوظها وفعل تلفظها،حيث
في القصص القرآني بنى غير بنى الجملة. وهذا ما يستدعي مدارسته من زاوية التلفظ،خاصّة أنّه قصص يشحذ الخطاب
موجّه غايته التحكم في الآخر،على أساس من إسناد الكلام إلى متلفّظ أو راوٍ أو ناقل لا يُشكّ في صدقه ولا في صحّة الأحداث التي ينقلها ومن المناسبة التي يعقدها بين الحجّة والموضوع.
ولعلّ هذا ممّا يسوّغ القول إنّ المؤلّف كلّما تعلّق الأمر بالنصّ القرآني ، مسرب من مسارب التأويل، أو هو آخر ما يرتسم من آفاق القراءة، أو هو” نقطة التهارب” في التأويل؛ إذا توسّلنا لغة الرسم حيث مثل هذه النقطة هي نقطة تتلاقي فيها الخطوط وكأنّها متهاربة.
هوامش:
1-Benveniste,
les Problèmes de linguistique générale, chapitre XIX,
2 ـ ـتفسير الطبري
3- هذا المتلفظ ـممّا يسوّغ طرح قضيّة التلفظ في القرآن مقارنة بالتوراة مثلا أو”الكتاب المقدّس”،فالتوراة مجموع نصوص ألّفها مؤلّفون كثر،حيث يروون “أحداثا تاريخيّة “،بأساليب مختلفة، ماعدا بعض المواضع التي تُفتتح بمثل هذه العبارة”و دعا الرب موسى وكلّمه من خيمة الاجتماع قائلا…” الاصحاح الأوّل ،أو ما بشبهها ممّا يطلق على ما يتلقاه النبي من الرب بواسطة “روح الربّ ” أو “ملاك” أو “رؤيا “؛فيما القرآن نصّ إملاء مُسند إلى الذات الإلهيّة، أي أنّه عمل أو نصُّ ُ ُ فردٌ، وهو يحيل على نفسه في أكثر من سورة وآية، في سياق ما يُسمّى حديثا ب”الخطاب الواصف” الذي ينهض به المتلفظ نفسه أو”السارد”.
وهو ما لا نقف عليه في التوراة أو الكتاب المقدّس؛ماعدا إشارة يتيمة في خاتمة سفر الرؤيا ـ الإصحاح الثاني والعشرون ـ في آيتين اثنتين : “لاني أشهد لكل من يسمع أقوال نبوة هذا الكتاب إن كان أحد يزيد على هذا يزيد الله عليه الضربات المكتوبة في هذا الكتاب”أو “وإن كان أحد يحذف من أقوال كتاب هذه النبوة يحذف الله نصيبه من سفر الحياة و من المدينة المقدّسة من المكتوب في هذا الكتاب.”
انظر في ما يخصّ التلفظ
* Rabatel, A. (1998), La construction textuelle du point de vue. Lausanne: Delachaux et Niestlé.
4- تفسير ابن كثير
5ـ قد تنطوي رؤيا يوسف على ما يسمّيه خليل أحمد خليل”الاحتفاليّة الكوكبيّة عند العرب” وما نجم عنها من عبادة الكواكب. فالشمس كانت بمثابة بعل عندهم،حتى أنّهم تسمّوا بأسمائها: عبدشمس، امرؤ الشمس… والقمر بمثابة ربّ عبده الحميريّون و سواهم من سكّان جنوب الجزيرة العربيّة، وتسمّوا باسمه، فكان منهم بنو قمر وبنو قمير…مضمون الأسطورة في الفكر العربي،دار الطليعة ، بيروت ط 1/1973 ص.41 وما بعدها
6- انظر مدوّنة الحديث مثل الصحيحين
7-Traité de l’argumentation
6e édition
Lucie Olbrechts-Tyteca, Chaïm Perelman
Editions de l’Université de Bruxelles
2008ـ
8ـ جواهر البلاغة
الالتفات هو نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب آخر من التكلم أو الخطاب أو الغيبة إلى آخر منها تطرية واستدراراً للسامع وتجديداً لنشاطه وصيانة لخاطره من الملل والضجر بدوام الأسلوب الواحد على سمعه.
يقول الطاهر ابن عاشور:وفي ضابط أسلوب الالتفات رأيان لأئمة علماء البلاغة: أحدهما رأي من عدا السكاكي وهو: أن المتكلم بعد أن يعبر عن ذات بأحد طرق ثلاثة من تكلم أو غيبه أو خطاب ينتقل في كلامه ذلك فيعبر عن تلك الذات بطريق آخر من تلك الثلاثة،وخالفهم السكاكي فجعل مسمى الالتفات أن يعبر عن ذات بطريق من طرق التكلم أو الخطاب أو الغيبة عادلاً عن أحدهما الذي هو الحقيق بالتعبير في ذلك الكلام إلى طريق آخر منها، ويظهر أثر الخلاف بين الجمهور والسكاكي في المحسن الذي يسمى بالتجريد في علم البديع
([3]) التحرير والتنوير 1/61.
([4]) التحرير والتنوير 1/65.