عن العيد تحدّثني نفسي

تحدّثني نفسي، في مثل هذا الوقت من كلّ عام، أحاديث السوء، وتهمس: هل من الحكمة أن ننفق أعمارنا جيلا بعد جيل وناسا بعد ناس، كما أنفق أجدادنا، في افتداء “الذبيح” منذ أن نجّاه ربّه قبل آلاف السنين، ولا نفتدي أبناءنا وأحفادنا القادمين، فنعدّ لهم أسباب حياة أفضل من حياتنا: جوع أقلّ، عنف أقلّ، مرض أقلّ، ظلم أقلّ، جهل أقلّ، تخلّف أقلّ..

تحدّثني نفسي بأنّه لا توجد استمراريّة في هذا العالم تُعاش بمثل هذه الكثافة كما يحدث في هذا المثلث الإبراهيميّ، وأنْ لا فرق بين هذه الحشود المتدافعة المتضرّعة إلى ربّها على جبل عرفة، وبين أسلافهم المتحلّقين على المذبح خاشعين فيما السادن يلطّخ بالدماء راس النصب. لا فرق بين وقفتهم وبين وقوف اليهود على جبل سيناء، ليتجلّى لهم معبودهم في البرق والرعد.

لا بدّ أنّهم، وقد أفاضوا إلى المزدلفة، سينحدرون، مع طلوع شمس الغد، إلى مِنى يرجمون الشيطان، ويغطّون أرضها بالحجارة خوف أن يزرعها أهل مكّة في العام التالي. ولا بدّ أنّ أسلافهم – ولعلّ أحفادهم سيفعلون – قد صعّدوا، مثلهم، وانحدروا بين شعاب هذه الجبال السوداء الموحشة.

على حافة هذا المثلّث الطوطميّ قامت حضارات، ونفقت أفكار وتيّارات. تغيّرت الدنيا، وتغيّر الناس. ولكنّ هذه الجموع التي أراها كلّ عام في مثل هذا الأضحى تواصل الطواف والتلبيات والنحر، تماما كما كانت تصنع قريش، وتميم، وثقيف، ونزار.

تحدّثني نفسي، أمام مشاهد النحر على طول أرض الإسلام، عن جدوى استعادة خوف إبراهيم ورِعدته أمام محنة تعبير الرؤيا. وأتساءل عن محلّ الحقول الدلاليّة لمفاهيم من قبيل الأضاحي والتضحية، والآثام والمحن والفداء في المجازر الدمويّة، كلّ عام، لثروة أجيالنا القادمة.

أتساءل كيف لهذه الطقس التأويليّ لمسألة العنف الناشب بين الأخ وأخيه، (كقابيل وهابيل ) أو بين الأب وابنه ( كحالة إبراهيم وإسحاق أو إسماعيل ) أن يهاجر من سياق تداوليّ إلى سياق آخر، ومن عصر إلى عصر، وأن يحافظ، مع ذلك، على اشتغاله واستمراره، وكيف لهذه النماذج أن تترحّل من سرديّة إلى أخرى سواء كان الذبيحُ إسماعيل أو إسحاق أو كان يسوعَ المسيح.

في ذكرى أبينا الذي خلّفنا بوادٍ غير ذي زرع، أقف، كلّ عام، مستذكرا صوتا هائما في البرّيّة، صوت الشيخ الأكبر محي الدين بن عربيّ متحيّرا في إله مكفهرّ قاس يمتحن الآباء بنحر الأبناء، وفي حدَث إبراهيميّ أوشك، نتيجة خطإ تأويليّ، أن يجعل من التضحية ضربا من القتل، وأتفكّر في الأنساغ التي تمدّ هذه المَسْرَحَة الدوريّة لفعل الذبح بأسباب الاستمرار.

جريا على “السنّة الإبراهيميّة” أقول لكم: عيد مبارك !