
قرأت تقريبا كلّ ما كتبت السيّدة أحلام مستغانمي، من “ذاكرة جسد” إلى ” عابر سرير”، وكنت أعجب من أمر هذه السيّدة التي لم تستطع أن تتحرّر من سطوة نزار قبّاني، حتى أنّها تكاد لا تفعل سوى إعادة تسويقه، بضرب من الكتابة لا أتردّد لحظة في نعتها بـ”الكيتشيّة” سواء من خلال محاولة تجميل الواقع وإدانته في ذات الآن، أو على أساس من تجميع الكلمات بطريقة الكيتش، حيث كلمة من الشرق وأخرى من الغرب، فمحاولة صهرهما في تركيب بالنعت أو بالإضافة : “أحزاب البكاء/لغم الحب /منصة السعادة/مساء الولع/ شهقة الفتحة / ذريعة من الموسلين/ أنغام الرغبة/فتيل قنبلة الغيرة/ كمين الذاكرة/ مرمى خدعة/ ضيافة المطر /فاجعة الضوء/ ضوء ظهر/ مقبرة الذاكرة/حفريات رغباتها/ كبريت حزنك/ قعر محيط النسيان/رماد الكلمات… وما إلى ذلك وهو كثير(انظر النصّ المصاحب : من عابر سرير، وقد سطرنا فيه أكثر التراكيب الإضافيّة بما فيها التراكيب المألوفة) ناهيك عن التراكيب النحويّة المختلّة الناجمة عن جهل بأصول العربيّة وصيغها المخصوصة أو عن أثر الفرنسيّة مثل :
ـ السجاد الكهربائي للأمتعة وصوابه : سجّاد الأمتعة الكهربائي.
ـ هي ما تعودت أن تخلع الكعب العالي لضحكتها. وصواب التعبير : هي ما تعوّدت أن تخلع كعب ضحكتها العالي.
ـ وهي تخلع قفازيها السوداوين الطويلين من الساتان. والصواب: وهي تخلع قفّازيْ الساتان الأسودين الطويلين.
ـ في ذلك الزمن الجميل للسينما. والصواب : في ذلك الزمن الجميل زمن السينما أو : في زمن السينما، ذاك الجميل.
ـ رتّبت لهما المصادفة موعدا خارج المدن العربية للخوف : والصواب :… خارج مدن الخوف العربيّة
ـ أعرف الطبقات السفلية لشهوتها : والصواب : أعرف طبقات شهوتها السفليّة…
فهذا وغيره يضعنا إزاء لغة لا لون لها ولا طعم ولا رائحة، بل لا شيء فيها من “ماء اللغة” بل هي ورد بلاستيكيّ لا غير. إنّ من حقّ الكاتبة أن تنأى عن المألوف السّائغ إلى “إخبار غير مألوف”، لكن شريطة أن يتسنّى إدراكه والاستدلال عليه في حيّز الخطاب نفسه. ونشير منذ البداية إلى أنّنا نقرأ هذه الصور في سياق النص حتّى لا يطوّحنّ الظنّ بالقارئ بعيدا، فيحملها على نوع من التباعد المنطقي الخاصّ، فيما هي محكومة بتباعد اعتباطيّ، لا سند له من الحكاية التي تحكيها؛ ذلك أنّ الصّورة عند السيّدة أحلام تظلّ، على “نزاريّتها”، ثمرة ولع بالتراكيب الإضافيّة التي أفسدت نصّها ونسخته عالما استعاريّا كما هو الشأن في نماذج غير قليلة من الشعر العربي الحديث الذي ينضوي إلى “الكيتش”، ويكتبه كلّ من هبّ ودبّ من العرب، و حتّى من لم يهبّ ولم يدبّ.
وليكن واضحا أنّنا نستثني تجارب شعريّة قد تكون قليلة مثل تجربة سعدي يوسف أو محمود درويش بدءا من “سرير الغريبة”، حيث يَدخل الشاعر قصائده بمفردات وقعتْ للتّوّ من الأشياء التي كانت عالقة بها أو التي يحتفظ بها وهو يقشّر وقائع المعيش وأحداثه ويأخذ أغلفتها إلى نصّه ليعيد تركيبها في الميديوم/الوسيط الشّعريّ.
ولا يتعلّق الأمر ههنا بكبير تنظير لما يمكن أن يتمفصل من علائق بين الفعل الفنّي واليوميّ، وإنّما يطالعنا النّصُّ كما لو أنّه واحد من اللّوازم التي يعود بها شاعر مثل سعدي أو محمود إلى بيته، في سلّة، ويبسطها على المنضدة إلى جانب الجريدة ومعلّبات الفقاع والسّردين وقارورة الفودكا.. فهذا ممّا بسّطنا فيه القول في غير هذا الموضع، مظهر من مظاهر جماليّة “المبتذل”، تلك التي يستعيرها الشاعر من جنسيْن فنّييْن آخريْن: الرّواية والفنون التّشكيليّة، في تباين عن حكم في الشّعر بدا يستقرّ منذ عقود على أنّه من البداهات؛ ومفادُه أنّ القصيدة تُعْقَدُ أساسا على التّكثيف اللّغويّ. أمّا الرواية فلا، لأنّها تعبير كنائيّ بالأساس.
ولا يعنينا ههنا أن نُسفّه هذا الحكمَ أو أن نمكّنَ له في النّقد الأدبيّ؛ وإنّما يعنينا الانتباه إلى أنّه إذا كان المطلوب في بناء النصّ توفّر تكثيفٍ لغويّ من شأنه أن يتولّى الاقتصادَ في العبارة، فإنّ ذلك لا يسوق إلى القول بتبذير الكلمات في استعارات لا قادح لها من سياق النصّ أو من طبيعة الشخصيّة، أو من ملابساتها، على نحو ما نجد عند السيّدة أحلام. فهذه الاستعارات لا تنمّ عن احتفاء باللّغة كما قد يُظنّ؛ وإنّما تكشف عن استخفاف بها.
ولقد أفضى بها ذلك إلى زهد في تسمية التّفاصيل وترفّع عن دقائق الأشياء ورقائقها. وربّما حملنا ذلك على بعض سمات الكيتش حيث كلّ شيء في هذا العالم يفضي إلى النسيان : نسيان الطبيعة ونسيان التاريخ ونسيان الإنسان نفسه، كما هو الشأن عند ميلان كونديرا في “الكائن الذي لا تحتمل خفته”. لكن شتّان بين كونديرا والسيدة أحلام التي لا تعي”الكيتش” من حيث هو حجاب يخفي الحقيقة وتعقّد العالم، أو هو تراسل أو تجاوب بين الكائن والنسيان؛ حتى أنّني أكاد أقرّر متعجّلا غير متريّث إنّ كاتبة كصاحبتنا “منقـبة” أو هي “متحجّبة” من حيث لا تدري ولا تعي.
***
لغة السيّدة أحلام لا تقول تفاصيل اليوميّ، ولا تفاصيل الشخصيّة. بل هي تقتصد فيهما أيّما اقتصاد؛ ونكاد لا نقف في نصّها على أيّ تشكيل بصريّ، بل هي تقف مدفوعة مصدودة إزاء أيّ وصف أو تصوير هو من مقتضيات النصّ السردي. فما الذي يحوزه القارئ من صورة “حزام زلازل” هذه المرأة أو من “مياهها الجوفيّة” أو من “سلّم ريختر الشبقي”… وما إليها ممّا هو أمسّ بفنّ الكيتش، فالذي يتكلّم في هذا النصّ وتحديدا في مثل هذه التعابير ليس الشخصيّة كما تحاول أن يوهمنا السارد وإنّما “الكاتبة” التي لم تستطع أن تنفصل عن شخصيّاتها فإذا هي تتملّى نفسها أو جسدها في مرآة “لغتها”.
وربّما حملنا ذلك على نوع من التكثيف البصري، ولكنّ التعبير الاستعاري على النحو الذي تجريه “الكاتبة”محدود يفلت من الحقل البصريّ، ولا يحفل بالجزئيات والتفاصيل التي قد لا ننتبه إليها في معهود سلوكنا اليوميّ.
ولا أحبّ أيضا أن أقول إنّ هذه “الكتابة” التي تتمحّل على السرد، رواية مكثّفة أو قصّة قصيرة؛ وإن كنتُ أجدُ بينها وبين أسلوب القصّ المبتسر وشائج وأواصر، فلا أثر فيها لجماليّة اليوميّ. وعليّ ها هنا أن أبدي ملحوظة وهي أنّ هذه الجماليّة لا تعني تحويلَ اليوميّ إلى موضوع جميل، فمن أشدّ خصائص اليوميّ التصاقا به خاصّية المعاودة والتّكرار بنفس الوتيرة تقريبا. وقد لا يكون هذا في حدّ ذاته مفيدا للنّصّ السردي شأنه شأن الشّعري، وإنّما يغنَمُ النص من اليوميّ نبض الحياة، وهذه “كتابة” لا حياة فيها.
ربّما هي ـ وهذا ما أرجّحه استئناسا بكلّ ما قرأت لها ـ لا تملك لغة السارد التي تثني الجسد، وتبسطه وترقّقه وتكثّفه أو تكشطه وتصبغه بما يفصح عن القصد الأيروسيّ الطّاغي لاعتبارات تتعلّق أساسا بحيويّة الجسد الجنسيّة الطّبيعيّة .
فـ”الكاتبة” تلاعب نفسها على نحو ما، تلاعب لغة نزار قبّاني ذات الاستعارات “الجماليّة” الزائدة عن اللزوم، في عزلة عن شخصيّاتها. فلا شيء سوى ذكرى غائمة أو لحظة حنين حارق، كان يمكن أن تكون منفذا إلى مسارب الشخصيّة ودخائلها لولا هذا التكثيف الاستعاري الذي يعالق بعضه بعضا أو يراوغه، دون سند من سياق النصّ. ولولا هذا التّشكيل اللّغويّ الذي لا يلبث أن يقذف بالقارئ في مسار الكيتشيّة لا السرد، فينقطع حبل المعنى.
***
قد نسلك إلى مثل هذه الصّور من معنى معجميّ مباشر أو من ظاهر اللّفظ، ونتدرّج إلى المعنى الحافّ، على أساس أنّ الأوّل هو الأصل، والثّاني هو الفرع. وقد نسلك إليها من المعنى الحافّ الذي يمكن أن يستغوينا ويكون له وقع خاصّ من أنفسنا؛ حتّى ليحلّ لدينا محلّ الأصل، أو نحن نعتاض به عنه.
وربّما رأى البعض أنّ مردّ هذه الصور إلى المعاني الحافّة التي تغتذي من التّجارب الفرديّة الخاصّة والتّجارب الجماعيّة العامّة أو المتعارفة المرتبطة بتعلّم اللّغة حيث يكون للكلمة وقع عند بعض، هو غيره عند بعض. وهذا كلام فيه مقدار كبير من الصواب. غير أنّ أكثر هذه الصور إن لم تكن كلّها، لا ترجع إلى معان حافّة خاصّة بالكاتبة أو إلى “فضل معنى” في المقول، قد يتقبّله قارئ، وقد يشيح عنه آخر؛ وإنّما إلى أثر نزار قبّاني في “الكاتبة” من جهة، وإلى قصيدة “الكيتش” التي تطغى على مشهد الشعر العربي المعاصر، من أخرى.
إنّ هذا الفضل ” فضل المعنى” وهو ما نسمّيه الدّلالة التي هي عمل المتلقّي أكثر منها عمل المنشئ، إذ ربّما وهب النصّ معنى، وجاء المتلقّي وأضفى عليه دلالة، وبخاصّة ما تعلّق الأمر بمجاز، فالمجاز يقتضي التّأويل أوّلا وأخيرا؛ لا يبين في النصّ الذي نحن به، مهما احتشدنا له، ومن أيّ مسلك أتيناه، حتى لو حملنا الصورة على “الاعتباطيّة”.
وشتّان بين صورة تتمثّل أعلى درجة من الاعتباطيّة أو المصادفة التي تتعارض والقصد أو النيّة، وتضع طريقة جديدة في تدبّر العلاقات بين اللّغة والذّات، أو بين اللّغة والمجتمع، كما هو الشّأن في السّرياليّة عند كبار روّادها، وصورة متصنّعة يتسمّى فيها الشّيء باسم شيء آخر أو هو يصبح شيئا لغويّا، ولا مسوّغ لها سوى عجز “الكاتبة” عن فعل التسمية، وأخذها بـ”استراتيجيا المجانبة”، أو سوى هوس لغويّ، لا نخاله يتمثّل عالم الشخصيّة القصصيّة.
ففي المستوى الأوّل الذي لا تستطيعه السيّدة أحلام المنصرفة إلى “أدب الكيتش”، تتحوّل الكلمة في العالم وعنه، إلى خيال تتراسل فيه وبه الأشياء والكائنات؛ وما يمكن أن يتيحه ذلك للقارئ من تبصّر في العلاقة بين الشّيء وتسميته، وبعيد تأمّل واستقصاء نظر، سواء استرسل إلى الصّورة واستأنس، وعدّها موافقة أو مناسبة استعاريّة أو استهجنها وعدّها من فظّ الكلام أو من غريبه أو من الخشونة الاستعاريّة .
وقد يعترض علينا البعض متذرّعا بكلامنا السالف وبالشواهد التي سقناها، فيرى في هذه التراكيب بالإضافة، أو في التراكيب النعتيّة وهي “نزاريّة” المنحى مثل سابقاتها، ما يلحقها بأشباه لها ونظائر في قول “ما لا ينقال” إلاّ بهذه الطريقة. على أنّ هذه الخشونة أو ما يسمّى بالتّنافر المنطقي في الصّورة، ليس إلاّ مظهرا خادعا، ذلك أنّ مناط الأمر فيها تقنين استعاريّ، وطريقة خاصّة في تحويلها إلى نظام منطقيّ لا سند له من داخل الخطاب، وما يمكن أن ينهض به من إضاءة التّماثلات القائمة في منظومة القيم أو في سلوك الشخصيّات.
فهذه صور وتهويمات استعاريّة، لا يتولّد منها أو بها أيّ مدلول ولا أيّ معنى حافّ ـ وهو أساس في الرواية التي تنزع إلى الإيهام بالواقع.
إنّ الرواية ـ أيّة رواية ـ تضع معنى الكائن موضع سؤال، في سياق العالم القصصي المتخيّل. والروائي يضيء لغز الشخصيّة أو باطنها أو وجودها. وفي هذا ما يعزّز القول إنّ المعاني الحافّة تعبّر عن علاقة بين الدالّ والمتكلّم أكثر ممّا تعبّر عن علاقة بين الدالّ والمدلول. والمتكلّم في نصّ السيّدة أحلام هو نزار قبّاني لا غير.
إنّ المعنى الحاف مفعول ظواهر لغويّة جماعيّة على قدر ما هو مفعول ظواهر لغويّة فرديّة؛ لأنّ الفرد كثيرا ما ينتج معانيه الحافّة أي تلك التي يستوحيها من خواصّ علاقته بالأشياء أو من ذكرى طفولته البعيدة. ومع ذلك فأيّ معنى أو دلالة يحوزها القارئ من مثل هذه الصور:
“كيف لي أن أعرف قياس امرأة ما سبرت جسدها يوما الا بشفاه اللهفة؟ امرأة أقيس اهتزازاتها بمعيار ريختر الشبقي. أعرف الطبقات السفلية لشهوتها. أعرف في أي عصر تراكمت حفريات رغباتها، وفي أيّ زمن جيولوجي استدار حزام زلازلها، وعلى أي عمق تكمن مياه أنوثتها الجوفية“…
***
نكاد نسلّم أنّ المجاز مجاز لاحتماله وجوه التّأويل. والتّأويل يكاد لا يعدو صرف النّص عن ظاهر ممتنع إلى مرجوح أو محتمل، سواء تقيّد بأعراف اللّغة وأنساقها أو تحرّر منها. وهذا التّأويل إنّما هو مطلب نصوص أو صور تحمل في مطاويها النّقيض. على حين أنّ الصّور التي سقناها لا تنهض على مواءمة بين الكلمات والأشياء، حيث تنغلق صور الكلمات وتنفتح صور الأشياء. إنّما هي صور مجازيّة تّجريديّة منغلقة على نفسها، ولا تسبر حالة أو تتمثّل مشهدا واقعيّا أو حتى غير واقعيّ. وربّما سوّغ بعضنا هذا الضرب من التّجريد كلّما صرفه صاحبه إلى استخراج إمكانات مجازيّة مسجّلة في أشياء طبيعيّة أو مصنوعة أو بحثا في هذه الأشياء عن علاقات مشابهة أو مماثلة أو قرابة. وربّما أمكن أن ننظر في هذه العلاقات من زاوية أخرى : فالشّيء يظهر بما ليس هو. والصّورة قد تكون طريقة من بين طرائق يظهر فيها الشّيء كيانا قائما بنفسه، ولكن دون أيّ إمكان لمثوله، ما دام ينضوي إلى الغريب اللاّمتصوّر أو إلى المحال المحض. والحقّ أنّه لا تبادل بين الأشياء في هذه الصور، وإنّما تبديل أو ضرب من “قلب الأعيان” يخدع القارئ ويستغويه. وهو أشبه بطقوس السّحر حيث يمّحي الشّيء في صورة شيء آخر، وقد “أنّسه” المجاز وقيّده إلى إسمه. وما حضوره إلاّ في غيابه أو هو يظهر بما ليس هو في ذاته.
توهمنا الكاتبة بأنّها تملي على الشّيء قواعدها المجازيّة الخاصّة، لا تلك التي وضعها النّقد أو البلاغة، أو لأنّ الشّيء محكوم سلفا في رؤيتها اللغويّة بتأويل مجازيّ. وهذا حقّها الذي لا ننازعها فيه؛ فليس المجاز مجازا لاحتماله وجوه التّأويل، كما يقول البلاغيّون؛ وإنّما هو مجاز لأنّه مؤوّل أصلا، ما دامت الأشياء ليست هي الأشياء أو ما دام شيء يقول شيئا آخر. ولكن هل أفلحت السيّدة أحلام في جعل الصّورة تتمثّل “تمثّل” الذّات.
قد لا نتمحّل ولا نتعسّف على نصّها إذا قلنا إنّ الصورة عندها ليست صورة شيء، على قدر ما هي “رسم” شيء أو تصميمه.
وعسى أن يكون واضحا أنّنا لا نصدر عن قواعد ملزمة أو “حقائق” لا ينبغي أن يحرّفها الكاتب أو أن يغيّرها عن مواضعها. ونحن لا نطالبها أن تتوافق والممكن ولا أن تضع قارئها في هيئة انعطاف على الحقيقة.
بل نأخذ بالحسبان أنّها صور ومجازات لا تبرح بنيتها، “مؤوّلة” قبل أن تطولها القراءة وتعالجها، أو أنّها فعل لغويّ مخصوص بإعادة تسمية الأشياء أي تدخّل الذّات اللّغويّ في العالم وطريقتها في إدراكه. غير أنّ الذي يتدخّل في كتابات السيّدة أحلام، أنّما هو نزار قبّاني.
***
وربّما حملنا هذا “التهويم الاستعاري” منها على شعريّة الخطإ. والخطأ يمكن أن يُحدّ ـ ونحن نجرّده من كلّ حكم معياريّ أو قيميّ ـ على أنّه مَشيج لا غنى عنه في بناء الصّورة من حيث هي مخالفة بطبعها وانتهاك وخرق وتجاوز، وليست احتذاء أو عملا على مثال.
ومن حقّ الأدب علينا أن يحتفظ بقليل أو كثير من غموضه الذي لا ينضب، وأن تلتوي طرقه وتشكل على سالكها، ولكن دون أن يسوق ذلك إلى استنتاج متعجّل كأن نقرّر أنّ من شرائط الأدبيّة أو الشعريّة أن تبهم الكلام وتزيده إغماضا وتعمية. فلعلّ الأصوب أنّ الصورة تفصح عن المعنى الغامض محتفظة له بكامل حقيقته الغامضة دون أن يكون قابلا ضرورة للتّرجمة النّثريّة.
لكن شتّان بين الصّورة في ذاتها قارّة في خطابها، والطّريقة التي يحتذيها المنشئ في الوصف والتّصوير. وقد يصعب، ما لم نميّز بينهما، أن ننفذ إلى معنى ونستحوذ على دلالة. وهل تستتبّ القراءة إذا اقتصرت على الصّورة في ذاتها أي دون حوافّها؟ وإذا قبل القارئ أن ينهج هذا المنهج، أفلا يجرّه إلى عالم من الغرابة، ويزجّ به في متاهة من الصّور التي ليست ممّا يقدر الخاطر أن ينالها بسرعة ولا هي ممّا يقع في الوهم من مجرّد النّظر.
إنّ الخطأ قد يكون اضطراريّا. ولا مسوّغ له في تقديرنا سوى الإرادة في قول “ما لا ينقال” أو ما يدقّ عن القول والوصف. وهي إرادة تكاد تبدهنا في كلّ مسالك النصّ. ولكن تعذّر على “الكاتبة” أن تظفر بضالّتها ممّا “لا ينقال” لقصور لغويّ أو لأنّ اللّغة لا تعرف كيف تؤدّيه؛ أو لأنّ الذّات تريد من اللّغة أن تبلّغها ما ليس تبلغه اللغة من نفسها.
***
ليس لنا إذن أن نحمل هذه التّراكيب الإضافيّة على معانيها الأوائل، ونلحقها بها في الحكم. بل لعلّ الأصوب أن لا نرى فيها إلاّ المعاني الثّواني التي هي ضالّة الشّعر، مادام للفظ في كل تركيب طبيعته وخصائصه، وله أثره ورسمه في الاسم الثّاني المضاف إليه، بل سيولته وتدفّقه؛ بل تولّده منه ونشأته عنه. غير أنّ الآصرة التي تنعقد بين الاسمين الأوّل والثاّني، أو بين المضاف والمضاف إليه، في هذه التّراكيب الإضافية “المجازيّة” لا تكسب الاسمين معا تعيينا وتخصيصا لم يكونا فيهما.
إن من حقّ “الكاتبة” أن لا ترى في الإضافة مجرّد نسبة اسم إلى اسم على وجه يكون فيه تخصيص أو تعيين أو تعريف، لكن شريطة أن تمتلك لغة قادرة على استحداثٍ أو إنشاءٍ أو إعادةِ تسمية تبين عن تدخّل الذّات اللّغويّ في العالم وسبيلها إلى إدراكه. وليس الأساس النّحويّ إلاّ منطلقا إلى رحاب الصّورة ومغامرة الذّات المنشئة ” الكاتبة”، بل هي الصّورة نفسها حيث وَصْـلُ اسم باسم هو أكثر من وصْـل معنى بمعنى لاعتبارات جماليّة. وإنّما هو طريقة في توليد “معنى المعنى” أو المعاني المتعدّدة، أو هذا “الشيء الثالث” الذي يتولّد من شتيتين متباعدين تجمعهما اللّغة في بنية واحدة. فإذا كلّ منهما رَكيبُ الآخر، حتى لا يبين هذا من ذاك، ولا هو ينفكّ، ولا إبرامه ينحلّ. وهذا ما لم تقدر عليه السيّدة أحلام حتى وهي توهمنا بأنّ الصّورة في مواضع من نصّها “أوكسيمور”[ضديد] أو تركيب بالإضافة “خلاسيّ” أو “هجين” كقولها “ضوء العتمة”، فهذا من مبذول المتن الرومنطيقي عند شاعر مثل فيكتور هيغو.
المشكل في هذه الصّور المنتظمة في هيئة تراكيب إضافيّة هو في جانب منه، مشكل بلاغيّ مردّه إلى الوجه في تسميتها استعارة من الوجه في تسميتها حقيقة. السّؤال إذن هو كيف نميّز في هذا النصّ “إضافة مجازيّة” من “إضافة حقيقيّة”؟ أهي إضافة تؤدّي عن نظام لغويّ مرتّب سلفا، يعلم به أنّ حقّ الاسم أن يضاف إلى اسم دون آخر على ما يقتضيه الانسجام المنطقي بينهما، ويدلّ عليه، أم هي إضافة لا مرجع لها إلاّ ذاتيّة الخطاب الذي يقتدّها على مقتضى منطق نصّيّ خاصّ ووجهة نظر لغويّة ذاتيّة خالصة مقحمة بقوّة في النّصّ تفترض أحكامها على الأشياء وتتلعب بأسمائها ومسمّياتها ؟
أمّا إذا سلّمنا بضرورة الانسجام المنطقيّ في أيّ تركيب بالإضافة، فلا سبيل إلى الصّورة سوى التّعلّق بالمقولات النّحويّة من تعريف وتخصيص وتعيين وأخذ الحكم منها. ولن تكون الصّورة عندئذ أكثر من صدفة نتحيّل لها، حتّى تنشقّ عن ثمرةٍ عاقدٍ أحكم الشّاعر أو الكاتب نظم أجزائها، فهي تتقشر وتلين وتنفتح عمّا فيها من معنى خفيّ، هو ليس إلا المعنى الأصل على نحو ما لاحظنا في أكثر هذه الصور.
أمّا إذا سلّمنا بمنطق الخطاب فلا مناص من أن نسلك سبيلا أخرى، ومن الإقرار بأنّ الصّور عمل في حقل التّمثّل اللّغويّ، يبيّن أنّ العالم هو قبل كلّ شيء خطاب في العالم، وقول وكلمة، وأنّ معناه ليس معطى سلفا من لدن ذات مفارقة، أو هو مجرّد مجلي أو كتاب “غير مكتوب” هو “كتاب الطّبيعة” الذي نتعرّف فيه إلى الخالق ونتملّى قدرته وحكمته. وهذه نظرة تتصوّر أنّ التّنوّع والاختلاف في الطّبيعة يمكن أن يتجمّع ويتآلف في بنية واحدة كلّية؛ إذا توصّل الإنسان إلى معرفتها أمكنه أن يضاهيها في عمله، وأنّ العالم يطوي في علاماته الظّاهرة على دلالات خفيّة مضمرة، تنطق بها لغة خرساء سحريّة ذات أجراس وإشارات خافية تتسمّى فيها، ما أفلحنا في الإصغاء لها وفكّ معمّياتها. أنما لا معنى ولا فضل معنى في هذه التراكيب الإضافيّة، كما تدلّ عل ذلك مختلف الشّواهد التي أوردناها. فهي ليست سوى دلالة على أنّ “المعاني الحافّة” هي هذه الدّلالات المتتاخمة المتجاورة التي تستحضرها “الكاتبة” أو هي تدور بخلدها لا على مقتضى تجربتها الخاصّة، وإنّما تحت وطأة نزار قباني. قد نشبّه هذه المعاني بـ “طرر دوالّ، انفعاليّة شخصيّة” ولكن دون أن يترتّب على ذلك إقرار بأنّ المعنى الحافّ يمكن أن يحصر في نتاج فرديّ؛ فلعلّ الأقرب إلى الصّواب أنّه في النصّ الذي نحن به مفعول لغتين : لغة قباني و”لغة” الكاتبة.
***
لعلّ في بعض هذا الذي سقنا ما يستدعي قراءة النصّ على ضوء “الليدولوجيّة” (اللعبيّة) حيث يتيح اللعب للذات الكاتبة أن تتحوّل في نصّها إلى “كوجيطو لاعب” على نحو ما بيّنّا في غير هذا المقام. وإذا كان يمكن أن نعمّم بحيث نعتبر الذّات اللاّعبة هي الذّات الإنسانيّة في مطلقها وهي تلاعب الوجود؛ فإنّ الإنشاء الإبداعيّ، بما هو إنشاء فرديّ، إنّما يقتضي التّركيزَ على “أنا” الكاتب دون أن يعني ذلك بالضّرورة انفصالا بين ذاتيّته الفرديّة والذاتيّة الإنسانيّة الكلّية، مثلما يقتضي في العمل السردي خاصّة إفساح المجال للشخصيّة. وليس لنا في هذا المقام أن نستغرق في التّنظير للعبيّة الفنّ، وإنّما نكتفي بالقول إنّ التّعويل على “الكوجيتو اللّعبيّ” في قراءة علاقة الذات الكاتبة بنصّها من شأنه أن يحافظ على منزلة الذّات في فكّ مغالق الأثر، ولكن في انزياح عن المنظور الرّومنطيقيّ الذي يُعلي من شأن الذات، ويغفل عن أنّها ذات لكونها تتحرّك في فضاءٍ هي مشروطة بمفرداته وما ينعقد بينها من أواصر قابلة للتّنويع والتّبديل لا محالة. وذلك شرط من شروط لعبيّتها. وربّما يجدر بنا أن نشير إلى أمر آخر هو في حقيقته من قبيل البداهة إشارة على سبيل التّذكير، ليس إلاّ: وهي أنّ اللّعب نشاط جادّ، وليس نقيضا للجدّية كما قد يتبادر إلى الفهم السّاذَج. أمّا في النصّ الذي نحن به، فإنّ “اللعبيّة” محدودة وتكاد لا تتعدّى التنويع على تراكيب نزار قبّاني الإضافيّة.
*********
كنا مساء اللهفة الأولى، عاشقين في ضيافة المطر، رتبت لهما المصادفة موعدا خارج المدن العربية للخوف
نسينا لليلة أن نكون على حذر، ظنا منا أن باريس تمتهن حراسة العشاق.
إن حبا عاش تحت رحمة القتلة، لا بد أن يحتمي خلف أول متراس متاح للبهجة. أكنا إذن نتمرن رقصا على منصة السعادة، أثناء اعتقادنا أن الفرح فعل مقاومة؟ أم أن بعض الحزن من لوازم العشاق؟
في مساء الولع العائد مخضبا بالشجن. يصبح همك كيف تفكك لغم الحب بعد عامين من الغياب، وتعطل فتيله الموقوت، دون أن تتشظى بوحا.
بعنف معانقة بعد فراق، تود لو قلت ” أحبك” كما لو تقول ” ما زلت مريضا بك”.
تريد أم تقول كلمات متعذرة اللفظ، كعواطف تترفع عن التعبير، كمرض عصي على التشخيص.
تود لو استطعت البكاء. لا لأنك في بيته، لا لأنكما معا، لا لأنها أخيرا جاءت، لا لأنك تعيس ولا لكونك سعيدا، بل لجمالية البكاء أمام شيء فاتن لن يتكرر كمصادفة
التاسعة والربع، وأعقاب سجائر
وقبل سيجارة من ضحكتها الماطرة التي رطبت كبريت حزنك
كنت ستسألها، كيف ثغرها في غيابك بلغ سن الرشد؟
وبعيد قبلة لم تقع، كنت ستستفسر: ماذا فعلت بشفتيها في غيبتك؟ من رأت عيناها؟ لمن تعرى صوتها؟ لمن قالت كلاما كان لك؟
هذه المرأة التي على إيقاع الدفوف القسنطينية، تطارحك الرقص كما لو كانت تطارحك البكاء. ما الذي يدوزن وقع أقدامها، لتحدث هذا الاضطراب الكوني من حولك؟
كل ذاك المطر. وأنت عند قدميها ترتل صلوات الاستسقاء. تشعر بانتمائك إلى كل أنواع الغيوم. إلى كل أحزاب البكاء، إلى كل الدموع المنهطلة بسبب النساء
هي هنا. وماذا تفعل بكل هذا الشجن؟ أنت الرجل الذي لا يبكي بل يدمع، لا يرقص بل يطرب، لا يغني بل يشجى
أمام كل هذا الزخم العاطفي، لا ينتابك غير هاجس التفاصيل، متربصا دوما برواية
تبحث عن الأمان في الكتابة؟ يا للغباء
ألأنك هنا، لا وطن لك ولا بيت، قررت أن تصبح من نزلاء الرواية، ذاهبا إلى الكتابة، كما يذهب آخرون إلى الرقص، كما يذهب الكثيرون إلى النساء، كما يذهب الأغبياء إلى حتفهم؟
أتنازل الموت في كتاب؟ أم تحتمي من الموت بقلم؟
كنا في غرفة الجلوس متقابلين، على مرمى خدعة من المخدع. عاجزين على انتزاع فتيل قنبلة الغيرة تحت سرير صار لغيرنا
لموعدنا هذا ، كانت تلزمنا مناطق منزوعة الذكريات، مجردة من مؤامرة الأشياء علينا، بعيدة عن كمين الذاكرة. فلماذا جئت بها إلى هذا البيت بالذات، إذا كنت تخاف أن يتسرب الحزن إلى قدميها؟
ذلك أن بي شغفا إلى قدميها. وهذه حالة جديدة في الحب. فقبلها لم يحدث أن تعلقت بأقدام النساء
هي ما تعودت أن تخلع الكعب العالي لضحكتها، لحظة تمشي على حزن رجل
لكنها انحنت ببطء أنثوي، كما تنحني زنبقة برأسها، وبدون أن تخلع صمتها، خلعت ما علق بنعليها من دمي، وراحت تواصل الرقص حافية مني
أكانت تعي وقع انحنائها الجميل على خساراتي، وغواية قدميها عندما تخلعان أو تنتعلان قلب رجل؟
شيء ما فيها، كان يذكرني بمشهد ” ريتا هاورث” في ذلك الزمن الجميل للسينما، وهي تخلع قفازيها السوداوين الطويلين من الساتان، إصبعا إصبعا، بذلك البطء المتعمد، فتدوخ كل رجال العالم بدون أن تكون قد خلعت شيئا
هل من هنا جاء شغف المبدعين بتفاصيل النساء؟ ولذا مات بوشكين في نزال غبي دفاعا عن شرف قدمي زوجة لم تكن تقرأه
في حضرتها كان الحزن يبدو جميلا. وكنت لجماليته، أريد أن أحتفظ بتفاصيله متقدة في ذاكرتي، أمعن النظر إلى تلك الأنثى التي ترقص على أنغام الرغبة، كما على خوان المنتصرين، حافية من الرحمة بينما أتوسد خسارات عمري عند قدميها
هي ذي، كما الحياة جاءت، مباغتة كل التوقعات، لكأنها تذهب الى كل حب حافية مبللة القدمين دوما، لكأنها خارجة لتوها من بركة الخطايا أو ذاهبة صوبها
اشتقتها! كم اشتقتها، هذه المرأة التي لم أعد أعرف قرابتي بها، فأصبحت أنتسب الى قدميها
هي ذي . وأنا خائف، إن أطلت النظر إلى العرق اللامع على عري ظهرها، أن يصعقني تيار الأنوثة
هي أشهى، هكذا. كامرأة تمضي مولية ظهرها، تمنحك فرصة تصورها، تتركك مشتعلا بمسافة مستحيلها
أنا الرجل الذي يحب مطاردة شذى عابرة سبيل، تمر دون أن تلتفت. تميتني امرأة تحتضنها أوهامي من الخلف. ولهذا اقتنيت لها هذا الفستان الأسود من الموسلين، بسبب شهقة الفتحة التي تعري ظهره، وتسمرني أمام مساحة يطل منها ضوء عتمتها
أو ربما اقتنيته بسبب تلك الإهانة المستترة التي اشتممتها من جواب بائعة، لم تكن تصدق تماما أن بإمكان عربي ذي مظهر لا تفوح منه رائحة النفط، أن ينتمي إلى فحش عالم الاقتناء
كنت أتجوّل مشيا قادما من الأوبرا، عندما قادتني قدماي إلى ” فوبور سانت أونوريه”. ما احتطت من شارع تقف على جانبيه سيارات فخمة في انتظار نساء محملات بأكياس فائقة التميز، ولا توجست من محلات لا تضع في واجهاتها سوى ثوب واحد أو ثوبين. لم أكن أعرف ذلك الحي، أصلا
عرفت اسم الحي في ما بعد، عندما أمدتني البائعة ببطاقة عليها العربون الذي دفعته لأحجز به ذلك الثوب
بتلك الأنفة المشوبة بالجنون، بمنطق” النيف” الجزائري تشتري فستان سهرة يعادل ثمنه معاشك في الجزائر لعدة شهور، أنت الذي تضن على نفسك بالأقل. أفعلت ذلك رغبة منك في تبذير مال تلك الجائزة التي حصلت عليها، كما لتنجو من لعنة؟ أم لتثبت للحب أنك الأكثر سخاء منه؟
أن تشتري فستان سهرة لامرأة لم تعد تتوقع عودتها، ولا تعرف في غيابك ماذا فعل الزمن بقياساتها، أهي رشوة منك للقدر؟ أم معابثة منك للذاكرة؟ فأنت تدري أن هذا الفستان الذي بنيت عليه قصة من الموسلين لم يوجد يوما، ولكن الأسود يصلح ذريعة لكل شيء.
ولذا هو لون أساسي في كل خدعة
أذكر يوم صادفتها في ذلك المقهى، منذ أكثر من سنتين، لم أجد سوى ذريعة من الموسلين لمبادرتها. سائلا ان كانت هي التي رأيتها مرة في حفل زفاف، مرتدية ثوبا طويلا من الموسلين الأسود.
ارتبكت. أظنها كانت ستقول”لا” ولكنها قالت “ربما” .
أحرجها أن تقول ” نعم “.
في الواقع، لم نكن التقينا بعد. لكنني كنت أحب أن أختلق، مع امرأة ، ذكريات ماض لم يكن. أحب كل ذاكرة لا منطق لها
بدأنا منذ تلك اللحظة نفصل قصة على قياس ثوب لم يوجد يوما في خزانتها
عندما استوقفني ذلك الفستان قبل شهرين في واجهة محل، شعرت أنني أعرفه. أحببت انسيابه العاطفي. لكأنه كان يطالب بجسدها أن يرتديه، أو كأنه حدث لها أن ارتدته في سهرة ما ، ثم علقته على ” الجسد المشجب” لامرأة أخرى، ريثما تعود
عندما دخلت المحل ، كنت مرتبكا كرجل ضائع بين ملابس النساء. فأجبت بأجوبة غبية عن الأسئلة البديهية لتلك البائعة المفرطة في الأناقة قدر فرطها في التشكك بنيتي
Dans quelle taille voulez-vous cette robe Monsieur?
كيف لي أن أعرف قياس امرأة ما سبرت جسدها يوما الا بشفاه اللهفة؟ امرأة أقيس اهتزازاتها بمعيار ريختر الشبقي. أعرف الطبقات السفلية لشهوتها. أعرف في أي عصر تراكمت حفريات رغباتها، وفي أي زمن جيولوجي استدار حزام زلازلها، وعلى أي عمق تكمن مياه أنوثتها الجوفية. أعرف كل هذا… ولم أعد ، منذ سنتين ،أعرف قياس ثوبها
لم تفاجأ البائعة كثيرا بأميتي، أو ألا يكون ثمن ذلك الثوب في حوزتي. فلم يكن في هيئتي ما يوحي بمعرفتي بشؤون النساء، ولا بقدرتي على دفع ذلك المبلغ
غير أنها فوجئت بثقافتي عندما تعمدت أن أقول لها بأنني غير معني باسم مصمم هذا الفستان، بقدر ما يعنيني تواضعه أمام اللون الأسود، حتى لكأنه ترك لهذا اللون أن يوقع الثوب نيابة عنه، في مكمن الضوء، وأنني أشتري ضوء ظهر عار بثمن فستان
قالت كمن يستدرك:
– أنت رجل ذواقة
ولأنني لك أصدق مديحها، لاقتناعي أن الذوق لمثلها يرقى وينحط بفراغ وامتلاء محفظة نقود، قلت:
– هي ليست قضية ذوق، بل قضية ضوء. المهم ليس الشيء بل إسقاطات الضوء عليه. سالفادور دالي أحب Gala وقرر خطفها من زوجها الشاعر بول ايلوار لحظة رؤيته ظهرها العاري في البحر صيف 1949
سألتني مندهشة لحديث لم يعودها عليه زبائن ، شراء مثل هذا الثوب ليس حدثا في ميزانيتهم.
– هل أنت رسام؟
كدت أجيب ” بل أنا عاشق” . لكنني قلت:
– لا … أنا مصور
وكان يمكن أن أضيف أنني مصور ” كبير” ، مادمت موجودا في باريس لحصولي على جائزة أحسن صورة صحافية عامئذ. فلم يكن في تلك الصورة التي نلتها مناصفة مع الموت، ما يغري فضول امرأة مثلها. ولذا هي لن تفهم أن يكون هذا الثوب الأسود هو أحد الاستثمارات العاطفية التي أحببت أن أنفق عليها ما حصلت عليه من تلك المكافأة
من قال إن الأقدار ستأتي بها حتى باريس، وإنني سأراه يرتديها؟
هاهي ترتديه . تتفتح داخله كوردة نارية. هي أشهى هكذا، وهي تراقص في حضوري رجلا غيري، هو الحاضر بيننا بكل تفاصيل الغياب.
لو رأى بورخيس تلك المرأة ترقص لنا معا، أنا وهو، لوجد ” للزاندالي” قرابة بالرقص الأرجنتيني، كما التانغو، انه ” فكر حزين يرقص” على إيقاع الغيرة لفض خلافات العشاق
في لحظة ما ، لم تعد امرأة . كانت الهة إغريقية ترقص حافية لحظة انخطاف
بعد ذلك سأكتشف أنها كانت الهة تحب رائحة الشواء البشري، ترقص حول محرقة عشاق تعاف قرابينهم ولا تشتهي غيرهم قربانا
لكأنها كانت قسنطينة، كلما تحرك شيء فيها ، حدث اضطراب جيولوجي واهتزت الجسور من حولها، ولا يمكنها أن ترقص إلا على جثث رجالها
هذه الفكرة لم تفارقني عندما حاولت فيما بعد فهم نزعاتها المجوسية
ماالذي صنع من تلك المرأة روائية تواصل ، في كتاب، مراقصة قتلاها؟ أتلك النار التي خسارة بعد أخرى، أشعلت قلمها بحرائق جسد عصي على الاطفاء؟
أم هي رغبتها في تحريض الريح، باضرام النار في مستودعات التاريخ التي سطا عليها رجال العصابات؟
في الواقع كنت أحب شجاعتها، عندما تنازل الطغاة وقطاع طرق التاريخ، ومجازفتها بتهريب ذلك الكم من البارود في كتاب. ولا أفهم جبنها في الحياة، عندما يتعلق الأمر بمواجهة زوج.
تماما، كما لا أجد تفسيرا لذكائها في رواية، وغبائها خارج الأدب، الى حد عدم قدرتها، وهي التي تبدو خبيرة في النفس البشرية، على التمييز بين من هو مستعد للموت من أجلها، ومن هو مستعد أن يبذل حياته من أجل قتلها. انه عماء المبدعين في سذاجة طفولتهم الأبدية
ربما كان عذرها في كونها طفلة تلهو في كتاب. هي لا تأخذ نفسها مأخذ الأدب، ولا تأخذ الكتابة مأخذ الجد. وحدها النار تعنيها.
ولذا، قلت لها يوما: ” لن أنتزع منك أعواد الثقاب، واصلي اللهو بالنار من أجل الحرائق القادمة”
ذلك أن الرواية لم تكن بالنسبة لها، سوى آخر طريق لتمرير الأفكار الخطرة تحت مسميات بريئة
هي التي يحلو لها التحايل على الجمارك العربية، وعلى نقاط التفتيش، ماذا تراها تخبئ في حقائبها الثقيلة، وكتبها السميكة؟
أنيقة حقائبها. سوداء دائما. كثيرة الجيوب السرية، كرواية نسائية ، مرتبة بنية تضليلية، كحقيبة امرأة تريد إقناعك أنها لا تخفي شيئا
ولكنها سريعة الانفتاح كحقائب البؤساء من المغتربين
أكل كاتب غريب يشي به قفل، غير محكم الإغلاق، لحقيبة أتعبها الترحال، لا يدري صاحبها متى، ولا في أي محطة من العمر، يتدفق محتواها أمام الغرباء، فيتدافعون لمساعدته على لملمة أشيائه المبعثرة أمامهم لمزيد من التلصص عليه؟ وغالبا ما يفاجأون بحاجاتهم مخبأة مع أشيائه
الروائي سارق بامتياز. سارق محترم. لا يمكن لأحد أن يثبت أنه سطا على تفاصيل حياته أو على أحلامه .السرية. من هنا فضولنا أمام كتاباته، كفضولنا أمام حقائب الغرباء المفتوحة على السجاد الكهربائي للأمتعة
أذكر، يوم انفتحت حقيبة تلك المرأة أمامي لأول مرة ، كنت يومها على سرير المرض في المستشفى، عندما خطر على بال عبد الحق، زميلي في الجريدة، أن يهديني ذلك الكتاب.. كتابها
كنت أتماثل للشفاء من رصاصتين تلقيتهما في ذراعي اليسرى، وأنا أحاول التقاط صور للمتظاهرين أثناء أحداث أكتوبر 1988
كانت البلاد تشهد أول تظاهرة شعبية لها منذ الاستقلال، والغضب ينزل الى الشوارع لأول مرة، ومعه الرصاص والدمار والفوضى.
لم أعرف يومها ، أتلقيت تينك الرصاصتين من أعلى أحد المباني الرسمية ، عن قصد أم عن خطأ؟ أكان العسكر يظنون أنني أمسك سلاحا أصوبه نحوهم، أم كانوا يدرون أنني لا أمسك بغير آلة تصويري، عندما أطلقوا رصاصهم نحوي قصد اغتيال شاهد إثبات
تماما، كما سوف لن أدري يوما: أعن قصد، أم عن مصادفة جاءني عبد الحق بذلك الكتاب.
أكان ذلك الكتاب هدية القدر؟ أم رصاصته الأخرى؟ أكان حدثا أم حادثا آخر في حياتي؟ ربما كان الاثنان معا
ليس الحب، ولا الاعجاب، بل الذعر هو أول احساس فاجأني أمام ذلك الكتاب .” ليس الجمال سوى بداية ذعر يكاد لا يحتمل” . وكنت مذعورا أمام تلك الرؤى الفجائية الصاعقة، أمام ذلك الارتطام المدوي بالآخر
أي شيء جميل هو في نهايته كارثة. وكيف لا أخشى حالة من الجمال.. كان يزمني عمر من البشاعة لبلوغها.
كنت أدخل مدار الحب والذعر معا، وأنا أفتح ذلك الكتاب. منذ الصفحة الأولى تبعثرت أشياء تلك المرأة على فراش مرضي.
كانت امرأة ترتب خزانتها في حضرتك. تفرغ حقيبتها وتعلق ثيابها أمامك، قطعة قطعة، وهي تستمع الى موسيقى تيودوراكيس، أو تدندن أغنية لديميس روسوس.
كيف تقاوم شهوة التلصص على امرأة، تبدو كأنها لا تشعر بوجودك في غرفتها ، مشغولة عنك بترتيب ذاكرتها؟
وعندما تبدأ في السعال كي تنبهها الى وجودك، تدعوك الى الجلوس على ناصية سريرها، وتروح تقص عليك أسرارا ليست سوى أسرارك، واذ بك تكتشف أنها كانت تخرج من حقيبتها ثيابك، منامتك، وأدوات حلاقتك، وعطرك، وجواربك، وحتى الرصاصتين اللتين اخترقا ذراعك.
عندها تغلق الكتاب خوفا من قدر بطل أصبحت تشبهه حتى في عاهته. ويصبح همك، كيف التعرف على امرأة عشت معها أكبر مغامرة داخلية. كالبراكين البحرية، كل شيء حدث داخلك. وأنت تريد أن تراها فقط، لتسألها ” كيف تسنى لها أن تملأ حقيبتها بك؟”
ثمة كتب عليك أن تقرأها قراءة حذرة
أفي ذلك الكتاب اكتشفت مسدسها مخبأ بين ثنايا ثيابها النسائية، وجملها المواربة القصيرة؟
لكأنها كانت تكتب لتردي أحدا قتيلا، شخصا وحدها تعرفه. ولكن يحدث أن تطلق النار عليه فتصيبك. كانت تملك تلك القدرة النادرة على تدبير جريمة حبر بين جملتين، وعلى دفن قارئ أوجده فضوله في جنازة غيره. كل ذلك يحدث أثناء انشغالها بتنظيف سلاح الكلمات!
كنت أراها تكفن جثة حبيب في رواية، بذلك القدر من العناية، كما تلفلف الأم رضيعا بعد حمامه الأول.
عندما تقول امرأة عاقر: ” في حياة الكاتب تتناسل الكتب”، هي حتما تعني “تتناسل الجثث” وأنا كنت أريدها أن تحبل مني ، أن أقيم في أحشائها، خشية أن أنتهي جثة في كتاب
كنت مع كل نشوة أتصبب لغة صارخا بها: ” احبلي .. إنها هنيهة الإخصاب”
وكانت شفتاي تلعقان لثما دمع العقم المنحدر على خديها مدرارا كأنه اعتذار.
أحاسيس لم أعرفها مع زوجتي التي كنت لسنوات أفرض عليها تناول حبوب منع الحمل، مهووسا بخوفي أن أغتال فتتكرر في طفلي مأساتي. فكرة أن أترك ابني يتيما كانت تعذبني، حتى انني في الفترة التي تلت اغتيال عبد الحق، كنت أستيقظ مذعورا كما على صوت بكاء رضيع
مع حياة ،اكتشفت أن الأبوة فعل حب، وهي التي لم أحلم بالإنجاب من سواها. كان لي معها دوما “حمل كاذب”.
لكن، إن كنا لا ننجب من “حمل كاذب”، فإننا نجهضه. بل كل إجهاض ليس سوى نتيجة حمل تم خارج رحم المنطق، وما خلقت الروايات إلا لحاجتنا الى مقبرة تنام فيها أحلامنا الموءودة
إن كنت أجلس اليوم لأكتب ، فلأنها ماتت.
بعدما قتلتها، عدت لأمثل تفاصيل الجريمة في كتاب
كمصور يتردد في اختيار الزاوية التي يلتقط منها صورته، لا أدري من أي مدخل أكتب هذه القصة التي التقطت صورها من قرب، من الزوايا العريضة للحقيقة.
وبمنطق الصورة نفسها التي تلتقطها آلة التصوير معكوسة، ولا تعود الى وجهها الحقيقي الا بعدما يتم تظهيرها في مختبر، يلزمني تقبل فكرة أن كل شيء يولد مقلوبا، وان الناس الذين نراهم معكوسين، هم كذلك، لأننا التقينا بهم، قبل أن تتكفل الحياة بقلب حقيقتهم في مختبرها لتظهير البشر.
إنهم أفلام محروقة أتلفتها فاجعة الضوء، ولا جدوى من الاحتفاظ بهم. لقد ولدوا موتى.
ليس ثمة موتى غير أولئك الذين نواريهم في . اذن يمكننا بالنسيان، أن نشيع موتا من شئنا من الأحياء، فنستيقظ ذات صباح ونقرر أنهم ما عادوا هنا.
بامكاننا أن نلفق لهم ميتة في كتاب، أن نخترع لهم وفاة داهمة بسكتة قلمية مباغتة كحادث
سير، مفجعة كحادثة غرق، ولا يعنينا ذكراهم لنبكيها، كما نبكي الموتى. نحتاج أن نتخلص من أشيائهم، من هداياهم، من رسائلهم، من تشابك ذاكرتنا بهم. نحتاج على وجه السرعة أن تلبس حدادهم بعض الوقت، ثم ننسى
لتشفى من حالة عشقية، يلزمك رفاة حب، لاتمثالا لحبيب تواصل تلميعه بعد الفراق، مصرا على ذياك البريق الذي انخطفت به يوما. يلزمك قبر ورخام وشجاعة لدفن من كان أقرب الناس اليك.
أنت من يتأمل جثة حب في طور التعفن، لا تحتفظ بحب ميت في براد الذاكرة، أكتب ، لمثل هذا خلقت الروايات.
أذكر تلك الأجوبة الطريفة لكتاب سئلوا لماذا يكتبون. أجاب أحدهم ” ليجاور الأحياء الأموات”، وأجاب آخر ” كي أسخر من المقابر” ، ورد ثالث ” كي أضرب موعدا” .
أين يمكنك، الا في كتاب، أن تضرب موعدا لامرأة سبق أن ابتكرت خديعة موتها، مصرا على إقحام جثتها في موكب الأحياء، برغم بؤس المعاشرة.
أليس في هذه المفارقة سخرية من المقابر التي تضم تحت رخامها ، وتترك الأموات يمشون ويجيئون في شوارع حياتنا .
وكنت قرأت أن (الغوليين) سكان فرنسا الأوائل، كانوا يرمون الى النار الرسائل التي يريدون إرسالها الى موتاهم. وبمكاتيب محملة بسلاماتهم وأشواقهم وفجيعتهم.
وحدها النار، تصلح ساعي بريد. وحدها بإمكانها إنقاذ الحريق. أكل ذلك الرماد، الذي كان نارا، من أجل صنع كتاب جميل؟
حرائقك التي تنطفئ كلما تقدمت في الكتابة، لا بد أن تجمع رمادها صفحة صفحة، وترسله الى موتاك بالبريد المسجل، فلا توجد وسيلة أكثر ضمانا من كتاب.
تعلم اذن أن تقضي سنوات في انجاز حفنة من رماد الكلمات، لمتعة رمي كتاب الى البحر، أن تبعثر في البحر رماد من أحببت، غير مهتم بكون البحر لا يؤتمن على رسالة، تماما كما القارئ لا يؤتمن على كتاب.
فكتابة رواية تشبه وضع رسالة في زجاجة والقائها في البحر. وقد تقع في أيدي أصدقاء أو أعداء غير متوقعين. يقول غراهام غرين، ناسيا أن يضيف أنه في أغلب الظن ستصطدم بجثث كانت لعشاق لنا يقبعون في قعر محيط النسيان. بعد أن غرقوا مربوطين الى صخرة جبروتهم وأنانيتهم. ما كان لنا الا أن نشغل أيدينا بكتابة رواية، حتى لا تمتد آلة حتف إنقاذهم. بإمكانهم بعد ذلك، أن يباهوا بأنهم المعنيون برفاة حب محنط في كتاب
ام حبا نكتب عنه، هو حب لم يعد موجودا، وكتابا نوزع آلاف النسخ منه، ليس سوى رماد عشق ننثره في المكتبات.
الذين نحبهم، نهديهم مخطوطا لا كتابا، حريقا لا رمادا. نهديهم ما لا يساويهم عندنا بأحد
بلزاك في أواخر عمره، وهو عائد من روسيا، بعد زواجه من السيدة هانكسا، المرأة الأرستقراطية التي تراسل معها ثماني عشرة سنة ومات بعد زواجه منها بستة أشهر، كان يقول لها والخيول تجر كهولته في عربة تمضي به من ثلوج روسيا الى باريس:
” في كل مدينة نتوقف فيها، سأشتري لك مصاغا أو ثوبا. وعندما سيتعذر علي ذلك، سأقص عليك أحدوثة لن أنشرها ”
ولأنه أنفق ماله للوصول اليها، ولأن طريق الرجعة كان طويلا، قد يكون قص عليها قصصا كثيرة.
حتما، أجمل روايات بلزاك هي تلك التي لم يقرأها أحد، وابتكرها من أجل امرأة ما عادت موجودة هنا لتحكيها
ربما لهذا، أكتب هذا الكتاب من أجل الشخص الوحيد الذي لم يعد بإمكانه اليوم أن يقرأه، ذلك الذي ما بقي منه الا ساعة أنا معصمها، وقصة أنا قلمها
ساعته التي لم أكن قد تنبهت لها يوما كانت له، والتي مذ أصبحت لي، كأني لم أعد أرى سواها. فمنه تعلمت أن أشلاء الأشياء أكثر ايلاما من جثث أصحابها.
هو الذي أجاد الحب، وكان عليه أن يتعلم كيف يجيد موته. قال ” لا أحب مضاجعة الموت في سرير، فقد قصدت السرير دوما لمنازلة الحب، تمجيدا مني للحياة”. لكنه مات على السرير اياه. وترك لي كغيره شبهة حب، وأشياء لا أدري ماذا أفعل بها.
ساعته أمامي على الطاولة التي أكتب عليها. وأنا منذ أيام منهمك في مقايضة عمري بها. أهديه عمرا افتراضيا. وقتا اضافيا يكفي لكتاية كتاب. تائها في تقاطع أقدارنا، لا أملك الا بوصلة صوته، لأفهم بأية مصادفة أوصلنا الحب معا الى تلك المرأة
أستمع دون تعب الى حواراتنا المحفوظة الى الأبد في تلك الأشرطة، الى تهكمه الصامت بين الجمل، الى ذلك البياض الذي كان بيننا، حتى عندما كنا نلوذ بالكلام. صوته! يا اله الكائنات، كيف أخذته وتركت صوته؟ حتى لكأن شيئا منه لم يمت. ضحكته تلك!
كيف ترد عنك أذى القدر عندما تتزامن فاجعتان ؟ وهل تستطيع أن تقول انك شفيت من عشق تماما من دون أن تضحك، أو من دون أن تبكي!
ليس البكاء شأنا نسائيا.
لا بد للرجال أن يستعيدوا حقهم في البكاء، أو على الحزن إذن أن يستعيد حقه في التهكم.
وعليك أن تحسم خيارك: أتبكي بحرقة الرجولة، أم ككاتب كبير تكتب نصا بقدر كبير من الاستخفاف والسخرية! فالموت كما الحب أكثر عبثية من أن تأخذه مأخذ الجد.
لقد أصبح ، لألفته وحميميته، غريب الأطوار. وحدث لفرط تواتره، أن أفقدك في فترات ما التسلسل الزمني لفجائعك، فأصبحت تستند الى روزنامته لتستدل على منعطفات عمرك، أو على حادث ما، معتمدا على التراتب الزمني لموت أصدقائك. وعليك الآن أن تردع نزعتك للحزن، كما لجمت مع العمر نزعتك الى الغضب،أن تكتسب عادة التهكم والضحك في زمن كنت تبكي فيه بسبب امرأة، أو بسبب قضية، أو خيانة صديق.
مرة أخرى،الموت يحوم حولك إيغالا بالفتك بك، كلؤم لغم لا ينفجر فيك، وإنما دوما بجوارك. يخطئك، ليصيبك حيث لا ترى، حين لا تتوقع. يلعب معك لعبة نيرون، الذي كان يضحك، ويقول انه كان يمزح كلما انقض على أحد أصحابه ليطعنه بخنجره فأخطأه
اضحك يا رجل، فالموت يمازحك ما دام يخطئك كل مرة ليصيب غيرك.
أحلام مستغانمي: عابر سرير