
كان عالم الاجتماع الألماني الشهير ماكس فيبر قد طرح هذا السؤال الذي لا يقل شهرة : لماذا لم يسر التطور العلمي والفني والسياسي والاقتصادي على طريق العقلنة إلا في أوروبا، هذه العقلنة التي تمثل خصوصية الغرب المميزة له عن كل النطاقات الحضارية الأخرى؟ (1). قد يبدو كلام ماكس فيبر مغرورا ومنتميا إلى ما ندعوه بالعرقية المركزية الأوروبية. فالعقلانية لم تكن غائبة عن النطاقات الحضارية الأخرى. ولكن ينبغي الاعتراف بأن العقلانية العلمية والفلسفية لم تشهد كل هذا الازدهار والانتصار المدوي على التراثات الدينية إلا في أوروبا الحديثة. فلا العالم الصيني ولا العالم الهندي أو العربي الإسلامي ولا حتى الروسي والمسيحية الأرثوذكسية الشرقية أتيح له أن ينتصر على نفسه ويقطع مع تراثه الأسطوري أو عقليته الغيبية أو تراكماته الماضوية كما فعل الأوروبيون. والعقل لم يتح له أن يغامر في شتى المجالات حتى وصل إلى التخوم التي لا تخوم بعدها إلا عندهم، على الأقل حتى الآن. ربما كانت الشعوب الأخرى وبخاصة الصين والهند وروسيا سائرة الآن على نفس الطريق. وقد حققت مؤخرا نجاحات لا تنكر. ولكن بالنسبة للعالم الإسلامي فإنّ العكس هو الصحيح. بمعنى أنّه سائر إلى الوراء بدلا من أن يتقدم إلى الأمام، ومن المسؤول عن ذلك؟ الجهل المقدّس الذي عمّمته على العالم الإسلامي في العصر الحديث حركتان : الأولى سنّية بقيادة الإمام حسن البنا وحركة الإخوان المسلمين المؤسسة عام 1928، والثانية شيعية بقيادة الإمام الخميني عام 1979. فالعقلانية بحسب هذا التوجه الطاغي العارم لا يمكن أن تحشر أنفها في مجال الدين والمقدسات. ولكننا نعلم أنّ أوروبا لم تنطلق ولم تقلع حضاريا إلا بعد أن دخلت معركة مكشوفة مع الجهل المقدس المسيحي أو التراث اللاهوتي الأصولي المهيمن عليها منذ مئات السنين.
كل هذا صحيح. ولكن ماكس فيبر لو عاش فترة أطول وشهد كيف انحرفت العقلانية الأوروبية المستنيرة عن مسارها الصحيح وارتكبت كل هذه الجرائم إبان مرحلة الفاشية والنازية والستالينية لربما أصبح أكثر تواضعا.
لكن رغم كل ذلك فلا ينبغي التراجع عن خط التنوير ولا ينبغي التضحية بفكرة الحضارة والحداثة. أقول ذلك خاصة وأننا نعيش مرحلة سلفية أصولية تكاد تجرف في طريقها كل شيء. وبالتالي فإذا كان الغرب يسمح لنفسه بترف نقد التنوير والحداثة بعد أن تخلص من الأصولية المسيحية وتحرر من رهبتها وإرهابها الذي كانت تمارسه على الأرواح والنفوس وتمنع العقل الغربي من الانطلاق، فهذه ليست حالتنا نحن على الإطلاق.
يضاف إلى ذلك أن الغرب غربان لا غرب واحد : هناك مثلا الوجه اليميني الصهيوني الحاقد لخوسيه ماريا أثنار والحزب الشعبي، وهناك الوجه الإنساني المضيء لخوسيه لويس ثاباتيرو والحزب الاشتراكي. فلماذا أشطب على الثاني بحجة الأوّل؟ لا، لن “أرمي الطفل مع الغسيل الوسخ” كما يقول المثل الفرنسي.
سوف أقسم هذه الدراسة إذن إلى عدة لحظات أو أقسام : الأولى مكرسة للتحدث عن العقلانية التنويرية إبان صعودها الرائع في أوروبا طيلة قرنين أو أكثر. والثانية مكرسة للتحدث عن الانحراف الخطير الذي طرأ عليها وحوّلها من عقلانية تنويرية إنسانية، إلى عقلانية أدواتية، إجرائية، انتهازية، بل وإجرامية أحيانا. انظر التجربة الكولونيالية : من استعمار الجزائر وحتى استعمار فلسطين الذي لا يزال متواصلا تحت أنظار العالم كله حتى هذه اللحظة..وفي مثل هذه الأحوال تكون العقلانية الغربية مفرغة من كلّ إحساس أخلاقيّ أو إنسانيّ. تكون باردة، فعالة، استئصالية، لا ترحم. وأكبر مثال عليها الحركة الصهيونية التي هي النتاج المباشر للعقلية الاستعمارية والاستعلائية الغربية. انظر ما قاله الفيلسوف الكبير جيل ديلوز عن الموضوع أو ما لا يزال يتجرأ على قوله وريثه في الساحة الفرنسية آلان باديو. وبالتالي فليكفّوا عن إعطائنا دروسا في الديمقراطية وحقوق الإنسان وليكنسوا أمام بيتهم أولا. انظر الحملة الشعواء التي شنوها على باسكال بونيفاس رئيس معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس عندما أصدر كتابه الشهير : هل من المسموح نقد إسرائيل في فرنسا؟ (2) فقد تلقى عشرات التهديدات على تلفونه المحمول من طرف غلاة الصهاينة. وقد ردّ قائلا بما معناه : إنّ إسرائيل تتمتع في فرنسا بمكانة استثنائية خاصة لا تتمتع بها أي دولة أخرى في العالم. فلو أني انتقدت بوش لما اتهمني أحد بمعاداة الشعب الأميركي ككلّ. ولو أنّي انتقدت بوتين لما فكر أحد بأنّي عدو للشعب الروسي. ولكنّ أيّ انتقاد لشارون أو نتنياهو يعتبر فورا معاداة للسامية : أي بمثابة كره للشعب اليهودي ككلّ. انتهى كلام بونيفاس.
شيء مخيف. أصبحت معاداة الصهيونية العدوانية التوسعية الإجرامية تعني حرفيا معاداة السامية! أقول ذلك وأنا أفكّر بغلاة الصهاينة بالطبع أو ما يدعى “اللوبي” وليس بالطائفة اليهودية الكبيرة ككل. فهي تنقسم إلى تيارات شتى وفيها شخصيات محترمة تخشى الله وتعترف بالحقّ. وعلينا نحن العرب أن نعدّل خطابنا ونميّز بين الغلاة المتطرفين والعقلانيين المعتدلين سواء داخل إسرائيل أو في العالم اليهودي ككلّ(3).
والسلام مع هؤلاء ممكن وضروري. أيا يكن من أمر أتمنى أن يصبر القارئ قليلا ويؤجل حكمه حتى أكون قد وصلت نهاية الشوط في هذه الرحلة العسيرة الشاقة التي قد تستغرق عدة مقالات نظرا لخطورة الموضوع.
يمكن القول بأن العقلانية الحديثة انبثقت في أوروبا إبان عصر النهضة وظلت متصاعدة، فاتحة، منذ القرن السادس عشر. في حين أنّ العقلانية العربية الإسلامية ضمرت وماتت بعد العصر الذهبي : أي منذ ثمانية قرون. وبالتالي فالمسار معكوس بيننا وبينهم. ولم تنفع معها كل محاولات الإنعاش أو ضخّ الدم في العروق حتى الآن. وذلك لأن من نام على التاريخ مدة ثمانمائة سنة لا يمكن أن يستيقظ بسهولة بين عشية وضحاها. يضاف إلى ذلك فرق أساسي آخر : هو أن عقلانيتنا الفلسفية أو نزعتنا الإنسانية التنويرية كانت دائما هشة ومهددة من قبل الفقهاء اللاهوتيين، هذا في حين أن عقلانيتهم ظلت متصاعدة بشكل صاروخي طيلة أربعة قرون وحتى اليوم مكتسحة في طريقها كل اعتراضات اللاهوتيين المسيحيين ومفككة لها..أيا يكن من أمر فإنّ العطالة الذاتية وتراكمات الماضي الرهيبة لا تزال تغطّسنا إلى أسفل كلما حاولنا التحلحل والنهوض إلى أعلى. ولكن المستقبل يظل مفتوحا، فنحن لم نقل كلمتنا الأخيرة بعد..
من هم أبطال هذه العقلانية الأوروبية الذين حلموا بعالم أفضل وخططوا لكل هذا المشروع التحريري الكبير؟من هم هؤلاء الرؤيويون الذين نظروا إلى البعيد وشقوا الطريق وجعلوا الغرب ينتصر على كل الحضارات الأخرى؟ لن أستطيع بالطبع التحدث عنهم كلهم هنا ولكني سأتوقف عند بعض اللحظات. ولكن قبل الدخول في صلب الموضوع ينبغي العلم بأنه لا يمكن تشخيص المرض العضال الذي أصاب العقلانية الغربية أو الحداثة إن لم نعد إلى الجذور الأولى لتشكل العقلانية وانطلاق الحداثة. كما أنه لا يمكن فهم الأصولية الظلامية بدون العودة إلى بدايات الإسلام لمعرفة متى توقفت العقلانية العربية الإسلامية ذات المحتوى التنويري الإنساني وانقضى العصر الذهبي ودخلنا في عصور الانحطاط الطويلة. فالحفر عن البدايات ضروري لفهم النهايات. لماذا كانت الحداثة الغربية تحريرية في بداياتها فأصبحت قمعية، أنانية، في نهاياتها؟ هذا هو السؤال الذي يشغل كتاب مفكر فرنسي كبير مثل آلان تورين(انظر: نقد الحداثة). فلكي نعرفها مريضةً ينبغي أولا أن نعرفها صحيحةً: أي قبل أن تمرض وتنحرف وتخون رسالة التنوير والتحرير. من هنا أيضا ذلك الكتاب الجميل لجان كلود غيبو بعنوان : خيانة التنوير(4). فالسؤال المطروح هو التالي : كيف كانت العقلانية بريئة، صادقة، تسعى لخير الإنسان أينما كان وذلك قبل أن تنحرف عن مسارها الصحيح وتتحول إلى شيء آخر : أي إلى عقلانية جهنمية إجرامية لا تعبأ بأي قيمة أخلاقية أو إنسانية ما عدا الربح وتجميع الرساميل والجشع والتوسع وعقد الصفقات التجارية حتى ولو على حساب الشعوب الجائعة. انظر الأزمة المصرفية الأخيرة التي فضحت العقلية الغربية وعبادتها للعجل الذهبي أي للمال وكشفت عن المرض العضال الذي ينخر فيها من الداخل.
أخيرا فإن آلان تورين يحذرنا في كتابه الهام من المبالغة في نقد الحداثة قائلا ما معناه : لا ينبغي أن يصل هذا النقد إلى الحد الذي قد يعيدنا إلى ما قبل تاريخ الحداثة ذاتها : أي إلى المرحلة الكهنوتية الأصولية التي فككتها الحداثة التنويرية ودمرتها وحررتنا منها (5). هذا خط أحمر لا ينبغي تجاوزه وإلا فإننا سنقضي على كل مكتسبات العصور الحديثة : هذه المكتسبات التي تسعى الشعوب الأخرى إلى التوصل إليها بشق النفس.
اللحظة الأولى:
فرانسيس بيكون وانبثاق العقلانية الحديثة
1561-1626
الجميع متفقون على أن هذا المفكر الانكليزي لعب دورا كبيرا في رسم الملامح الأولى للعقلانية الفلسفية أو للحداثة العلمية التي صنعت مجد الغرب لاحقا بعد أن تطورت ونمت وترعرعت على أيدي مفكرين آخرين. فقد كانت أول بلورة لفكرة التقدم قد حصلت في القرن السادس عشر على يده بالدرجة الأولى. كانت أوروبا قد ابتدأت تتحلحل وتخرج بصعوبة بالغة من براثن العصور الوسطى. ومعلوم أن فكرة التقدم في تلك العصور كانت تعتبر شيئا عبثيا لا معنى له. بل كانت بمثابة التحدي للقدرة الإلهية أو التطاول عليها. كان المثال الأعلى ليس التقدم إلى الأمام وإنما العودة إلى الخلف : أي إلى لحظة النبوة والرسالة والحواريين وآباء الكنيسة، أو السلف الصالح والأئمة الأطهار فيما يخص الإسلام. لم يكن المثل الأعلى نيل السعادة على هذا الأرض وإنما الزهد في كل أطايب الحياة الدنيا ومتعها وشهواتها تمهيدا لنيل مرضاة الله في الدار الآخرة ودخول الجنة حيث النعيم الأبدي. وبالتالي فمشروع الحداثة مناقض كليا لمشروع القرون الوسطى المسيحية اللاهوتية بل كان يعتبر كفرا وفسوقا بالنسبة لها. وفي الإسلام ساد الشيء ذاته. انظر حركات التزمت والانغلاق وكره الشراب والاختلاط والحب بل والرغبة في الانسحاب من العالم.
وإذن لكي تظهر فكرة التقدم، لكي تنبثق من تحت ركام العصور الكهنوتية الغيبية الخائفة والانهزامية، كان ينبغي أن يحصل شيء جديد يعطي للإنسان الثقة بنفسه والجرأة على الحلم بتحقيق السعادة على هذه الأرض. وهذا الشيء هو الاكتشافات العلمية والجغرافية التي تأكدت من خلالها المقدرات التكنولوجية للإنسان : أي مقدرته على تغيير واقعه ومحيطه الفقير. وكذلك مقدرته على أن يسجل بشكل محسوس من خلال المطبعة والكتاب طرائق هذا التقدم ومناهجه. ومعلوم أن المطبعة ظهرت في القرن السادس عشر. هذا بالإضافة إلى مخترعات تكنولوجية أخرى عديدة.
إذن كان أول من نظّر لفكرة التقدم بشكل واضح ودقيق هو الفيلسوف الانكليزي فرانسيس بيكون. بل كان يعتقد بأن التقدم البشري مفتوح إلى ما لانهاية أو لا حدود له. ففي كتابه “أطلنطا الجديدة” أو القارة الجديدة راح يتخيل في المستقبل ظهور مدينة فاضلة مكرسة لنهضة العلم والتكنولوجيا. وكان يقول ما معناه : نحن نهدف إلى معرفة الأسباب العميقة التي تكمن وراء الأشياء. نحن نريد أن نعرف سرّ الأشياء ونكتشف القوانين التي تتحكم بالطبيعة. ونبتغي من وراء ذلك كله إلى توسيع نطاق سيطرة الإنسان على الأشياء وظواهر الطبيعة توصلا إلى تحقيق كل الأشياء الايجابية الممكنة على هذه الأرض.
ما هي هذه الأشياء التي كان يحلم بها فرانسيس بيكون؟ في كتابه غير المكتمل “التحف الطبيعية” راح يتحدث لنا عما يمكن أن تقدمه التكنولوجيا للإنسان من خدمات جلى : شباب دائم تقريبا، شفاء من الأمراض المستعصية، تحسين الإمكانيات الدماغية أي العقلية للإنسان، فبركة أنواع حيوانية جديدة، وإنتاج أنواع تغذية جديدة مفيدة لصحة الإنسان، الخ..
هكذا نجد أنّ التقدم البشري بالنسبة لفرانسيس بيكون يكمن في تحقيق كل الأشياء الممكنة. ويصل الأمر بهذه الطوباوية التكنولوجية إلى حد الأمل بالانتصار على الشيخوخة والموت! وهكذا يحقق الإنسان حلمه الكبير : أن يعيش خالدا مخلدا على هذه الأرض كما في جنة عدن! هكذا نلاحظ أن ثقة بيكون بالتقدم كانت لا حدود لها. وسيتابعه على نفس الخط تلميذه ديكارت، أستاذ الغرب الثاني بعده. ومعلوم انه كان يحلم بأن يعيش خمسمائة سنة فمات وهو في الخمسين أو أكثر قليلا! وبالتالي فلم تنطبق حسابات الحقل على حسابات البيدر كما يقال. لكن لنعد إلى بيكون. لا ريب في أنه لعب دورا كبيرا في بلورة فلسفة العلوم : أي الفلسفة التي لا تضيع وقتها في تهويمات الفراغ التجريدية أو الأشياء الميتافيزيقية الغيبية وإنما تبني تنظيراتها على نتائج العلوم الطبيعية المحسوسة وتستخلص منها الدروس والعبر والقوانين العامة، ولذلك قالوا عنه بأنّه نبيّ الحقائق التي جاء نيوتن فيما بعد كي يكشف سرّها للبشر. بمعنى أنه أرهص بنيوتن ومهد له الطريق كما وأرهص بديكارت أيضا. لقد كان الرائد الأول بعد كوبرنيكوس.
نعم لقد كان فرانسيس بيكون رائد العلم الحديث، فقد حرر العلم من هيمنة اللاهوت الديني الذي كان يخنقه ويمنع تفتحه وتقدمه. وكان يقول هذه العبارة المدهشة : إنّ اللاهوت الديني الغيبي جعل العقل البشري عقيما كراهبة! والآن ما الذي يمنع العقلية العلمية المستنيرة من الانبثاق في العالم الإسلامي؟ أليس الشيوخ والفقهاء؟ انظر الشيخ البوطي أو خضير الخزاعي وزير التربية في العراق الجديد والذي يريد أن يفصل الطلاب عن الطالبات في معهد الفنون الجميلة كما يقول لنا رشيد الخيون في مقال ممتاز(6). ولا غرو في ذلك فهو خريج جامعات الملالي والقرون الوسطى..من هذه الناحية لا يوجد أي فرق بين السنة والشيعة : على العكس كلهم يزاودون على بعضهم البعض من حيث التشبث بالماضي والانغلاق والتحجر والتحجب ومعاندة الحداثة والعصر. ويمكن أن نقول الشيء ذاته عن معظم كهنة المسيحية الشرقية المتأخرين كثيرا عن كهنة المسيحية الغربية الذين هضموا العلم الحديث وجددوا اللاهوت الديني بشكل مدهش ورائع. وبالتالي فالعقلية اللاهوتية القروسطية الظلامية هي سبب تأخر الشرق عن الغرب. إنها تشد دائما إلى الخلف.هذه حقيقة أصبحت مؤكدة لا جدال فيها. انظر الأهمية المضخمة المتفاقمة التي يحتلها رجال الدين في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.انظر كيف يصولون ويجولون على شاشات التلفزيون والفضائيات و يحشرون أنفهم في كل شاردة وواردة وكأنهم علماء نفس او فيزياء أو فلك أو سياسة أو حتى فلاسفة كبار! وهم في الواقع علماء بالجهل مع احترامي لهم او جهلاء بالعلم.إنهم علماء “بالجهل المقدس” (7)..لا غير. أستثني منهم رجال الدين المستنيرين العقلاء كمفتي سوريا الدكتور أحمد بدر الدين حسون أو أمثاله من الشيوخ الكبار في بقية البلدان العربية والإسلامية الأخرى.
لقد كان فرانسيس بيكون منظّر التجريب العلمي والمشيد بالفائدة الاجتماعية للعلم والتقدم التكنولوجي. وقد استفاد منه لاحقا ديدرو ودالامبير في تدبيج البيان الافتتاحي للموسوعة الشهيرة التي أدخلت فرنسا في الحداثة. ومن أهم كتبه “المنطق الجديد” أي المنطق المضاد لمنطق أرسطو. فالكتاب يبلور منهجية جديدة لقيادة روح الإنسان وفكره من أجل تحقيق التقدم في مجال العلوم. وقد فسروا هذا الكتاب على أساس انه إعلان حرب على فلسفة أرسطو. فالمعرفة لا تُستنبط بشكل تجريدي من أفكار القدماء وهيبتهم الكبرى حتى ولو كانوا في حجم أرسطو. وإنما تُستنبط من التجربة العملية المحسوسة التي نجريها على ظواهر الطبيعة. فالتجربة هي وحدها التي توصلنا إلى معارف جديدة وليس فلسفة أرسطو الممزوجة باللاهوت الديني المسيحي(أي الفلسفة السكولائية). كفانا تكرارا واجترارا لأفكار القدماء التي عفى عليها الزمن. فالعلم ينبغي أن نستمده من نور الطبيعة لا من ظلاميات العصور القديمة أيا تكن عظمتها وعظمة مفكريها..الطبيعة بكل ظواهرها هي أستاذنا الأول والأخير. وهي أهم من أرسطو وغير أرسطو. فالعلم لا يتوقف ولم يختمه أرسطو. وما لم يُكتشف بعد أهم مما اكتشف حتى الآن. والعلم الحقيقي هو علم الأسباب أو المسببات : أي اكتشاف أسباب الظواهر والقوانين التي تتحكم بظواهر الطبيعة كالبرق والرعد والثلوج والأمطار والزلازل والرياح الخ. باختصار فإنّ فرانسيس بيكون كان يعتبر أنّ المعرفة الصحيحة ما هي إلا ثمرة للتجربة العملية. وبالتالي فهو مؤسس العقلانية التجريبية المحسوسة في مجال الفكر والبحث العلمي. وهو الذي تجرأ على إحداث القطيعة مع أكبر هيبة علمية في ذلك الزمان : أي فلسفة أرسطو بالذات. نقول ذلك ونحن نعرف أن هيبة المعلم الأول سيطرت على البشرية المسيحية كما الإسلامية طيلة ألفي سنة. ولكن بيكون لم يستطع أن يفعل كل شيء! كان نقطة البداية فقط. فبعده جاء فيلسوف آخر سار على نفس النهج وقام بأكبر ثورة فكرية في وقته ودشن العقلانية الحديثة بالفعل. إنّه رينيه ديكارت الذي سيكون موضوع حديث آخر..
الهوامش:
1- انظر كتابه : الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية.الترجمة الفرنسية.باريس.1964 .ص 23
Max Weber :L’Ethique protestante et l’Esprit du capitalisme.Paris.1964.p.23
2- Pascal Boniface :Est-il permis de critiquer Israel ? Robert Laffont.Paris.2003
3- أكتب هذا الكلام بعد ان قرأت للمرة الثانية ذلك الكتاب الهام الذي أصدره بعض المثقفين اليهود المستنيرين بعنوان : معاداة السامية : الابتزاز الذي لا يطاق. منشورات لاديكوفيرت باريس.2005
Antisemitisme :L’intolerable chantage.Editions La Decouverte Paris.2003
وفيه تشريح دقيق لتركيبة اللوبي الصهيوني الفرنسي وكيفية ممارسته للارهاب الفكري ليس فقط على الآخرين وانما ايضا على المثقفين اليهود الأحرار أنفسهم.بعد قراءته تشعر بالحاجة الماسة الى القطع كليا مع الايديولوجيا الأصولية المعادية فعلا لليهود كيهود وليس للصهيونية فقط:أي المعادية للسامية.
4- جان كلود غيبو: خيانة التنوير. تحريات حول الهلع المعاصر في الغرب.منشورات سوي.باريس.1996
Jean-Claude Guillebaud :La trahison des Lumieres.Enquete sur le desarroi contemporain.Seuil.1996
5- انظر:آلان تورين: نقد الحداثة.منشورات فايار.باريس.1992.ص 48
Alain Touraine.Critique de la modernite.Paris.Fayard.1992.P.48
6- انظر مقاله في جريدة الاتحاد الاماراتية بعنوان شديد الدلالة:أنقذوا التعليم من الظلامية.وقد أعيد نشره هنا في “بوابة الأوان” حيث اطلعت عليه
لحسن الحظ ان هذا الوزير طار في الحكومة الجديدة كما تأمل الخيون.
7- انظر شرح هذا المصطلح الذي خصص له أوليفييه روا مؤخرا كتابا كاملا بعنوان: الجهل المقدس:زمن التدين المفرغ من كل ثقافة او فكر.منشورات سوي.باريس.2008
Olivier Roy :La sainte ignorance :Le temps de la religion sans culture.Paris.Seuil.2008