الفنّ والذّاكرة في لوحات سلفادور

 
” استمرار الذّاكرة”… هي ساعات رخوة أرهقتها دقّات الزّمن المتتالية باستمرار فانصهرت وارتخت وضيّعت شكلها عمدا وسالت اعتباطا تحت ريشة دالي…
لماذا تُصرُّ الذّاكرة على الاستمرار وكلّ شيء حولها في حالة سيلان وانسياب أبدي؟ هل أراد دالي المحافظة على الذّاكرة أم أراد تذويبها وتمييعها عبر رسمها؟ سوف نرصد في هذه المداخلة أكثر من ذاكرة في رسومات دالي : ثمّة ذاكرة مطبخيّة وذاكرة ايروسيّة وذاكرة حربيّة وذاكرة دينيّة… وثمّة حظّ سعيد لتخليد الأطعمة والفواكه واللحوم… ذاكرة الجبن الطريّ الذي “يشبه المسيح” وذاكرة الفاصوليا التي تشبه الحرب (1936) وذاكرة الخنزير المشوي الذي يشبه جالا، وذاكرة للخبز، خبز دالي نفسه… (1932) وثمّة ذاكرة ايروسيّة حول “لغز الرّغبة”(1929)… وثمّة أيضا ذاكرة للحرب بوجهها في شكل جمجمة مسكونة بثلاث جماجم فظيعة (1940) أو بجمجمتها التي تضاجع آلة بيانو (1934)… وثمّة أيضا ذاكرة دينيّة كاثوليكيّة تشتدّ بدالي إلى حدّ إعلانه عن نفسه بوصفه : “من أعاد إحياء التصوّف الإسباني نفسه”… إلى جانب ذاكرة أخرى متمرّدة على الأب بوجه لينين مرسوم بلسان طويل أبله وبمؤخّرة مشوّهة وعكاكيز… وعلى بيكاسو بلسان طويل قادر على لحس كلّما اعترضه… 
وعلى فرويد الذي اختزل اللّاوعي في صناديق نشتمّ منها دوما رائحة نرجسيّتنا الفظيعة… ذاكرة سريّالية تبعثر كلّ أشكال الذّاكرة الجامدة… وتدفع بالفنّ إلى اختراع ذاكرة مضادّة للزّمن القاتل وللموت الفظيع…
لوحة استمرار الذّاكرة لدالي بتاريخ 1931 : هي لوحة ميتافيزيقية ترسم لغز الزّمن : هل يستمرّ أم يفنى و يزول؟ هل ثمّة ماضي يمضي وآخر لا يمضي؟ استمرار الذّاكرة لوحة تخترق الزّمن كتوقيت رياضي صلب وأحمق تزحزحه وتعبث بحدوده… الموت ههنا هو الخصم اللّدود ودالي يهزمه بتمييع الوقت وتذويب السّاعات بتشويه أشكالها الهندسيّة الفجّة… دالي يعبث بالدّائرة التي تبتلع الجميع في دورها المفرغ وتلفظهم كلّما انتصر الموت… ثمّة أشكال مختلفة من الانتصار على الوقت : برميه كيفما اتّفق على طاولة من الخشب الأصمّ… أو بشنقه على جذع زيتونة ضيّعت شبابها منذ دهر… وثمّة أمل في تنويم الوقت فوق رؤوسنا حين نخلد إلى النّوم تاركين الوقت يمرّ وحيدا.
وتتّسع اللّوحة أيضا إلى ساعة لم تعد صالحة إلاّ للأكل فيتهافت عليها النّمل في نهم فظيع… كيف تصرّ الذّاكرة على الاستمرار وكلّ شيء من حولها في حالة ذوبان وسيلان متواصلة؟ دالي سيتهكّم طويلا على الذّاكرة… سيتذكّر ما يحلو له أن يأكل وسينسى ما لا يرغب في أكله ولا في رسمه… ضحك من الذّاكرة وعبث بصلابة إلحاحها كلّما أصرّت على البقاء كما هي في حين أنّ كلّ العالم الذي يمضي من حولها يكون قد تخشّب وتصحّر ودخل عصره الأخير… 
أيّ معنى للذّاكرة في رسومات دالي؟ هل هي ذاكرة الشّخص أم ذاكرة الجماعة الثقافية؟ هل هي ذاكرة اللّوحة؟ أم هي ذاكرة المعدة؟ هل هي ذاكرة الماضي أم هي ذاكرة المستقبل؟ علينا أن ننبّه بادئ الأمر أنّ كلّ الألعاب اللغويّة مُباحة في هذه الباحة الرّخوة لذاكرة تتميّز في كلّ مرّة بقدرتها على تشويه الأحداث وعلى العبث بالموضوعات بتمطيطها وتهويلها وتغيير شكلها… ثمّة ذاكرة تتذكّر وثمّة ذاكرة تنسى وثمّة ذاكرة لا تصلح إلاّ للذّكرى الباهتة بعد زوال الحدث وغيابه من دائرة الحديث… ههنا تلعب ريشة الرسّام بالذّكريات فتحولها إلى ذاكرة لا تدوّن فقط الذّكريات الشخصيّة للفنّان بل تصلح للتّذكير بزمن الحرب وبزمن اللّاهوت وبزمن الايديولوجيات… تذكير بأشباح لينين وبعيادة فرويد التي تعبق برائحة نرجسيّة فظيعة وبتكعيبيّة بيكاسو الذي يمتدّ لسانه للحسّ كلّ ما يعترضه من أجل تكعيبه…
سوف ننطلق من تذكير بزمنيّة اللّوحات كما ظهرت تحت ريشة دالي في الزّمان الرّياضي المستقرّ لها… ربّما يمكننا الحديث عن الفترات التالية:
 1) طعم العسل ألذّ من طعم الدّماء : وهو عنوان أهمّ لوحات دالي في فترة أعماله الأولى التي امتدّت إلى 1929… وهي فترة جرّب فيها دالي كلّ أساليب المدارس الفنيّة أي التكعيبيّة والانطباعية والتوحّشية والمستقبليّة 
2) السّاعات الرّخوة : تمتدّ من 1929 تاريخ لقائه الأوّل مع غالا إلى 1940… وتميّزت هذه الفترة بثرائها وتعدّد اللّوحات في اتّجاهات مختلفة… بدأت بلغز الرّغبة 1929 أي برحم الأمّ الضخم وبتكييف الرّغبة أي بذكرى غالا وهي تحرّره من انفعالاته المرضية… ثمّ استمرار الذاكرة… وأشباح لينين 1931 وجه الحرب 1940.
3) مرحلة اللّوحات المتصوّفة التي تبدأ بعد انفجار قنبلة هيروشيما وتمتدّ من إغراء القدّيس أنطوان التي تفتح دالي على علاقة مع السّماء 1946، وتمرّ عبر الشّيطان المنطقي 1951 حول كوميديا دانتي ثمّ الصّليب النوي1952 ولوحات أخرى لإعادة تنشيط التصوّف الإسباني على حدّ تعبير دالي نفسه…
لكن سوف لا نعيد عبور هذه اللّوحات عبر الزّمن الرّياضي الصّلب بل عبر ذاكرة الرّسم الرّخوة العابثة بزمن الموت والرّاسمة لزمنيّة خلود لا يمضي ولا يموت بل يستمرّ في شكل ديمومات رخوة سائلة مثل سيلان الألوان على اللّوحة… إنّ الخيط الإشكالي الذي نسعى إلى رسمه في هذه المداخلة هو التّالي : أنّ ثمّة علاقات عنكبوتيّة حميمة بين الذّاكرة وفنّ الأكل والبعد الرّوحي وفنّ الرّسم معا… ليس ثمّة ذاكرة واحدة، ثمّة ذاكرات بقدر الذّكريات وثمّة ذاكرات بقدر الإبداعات ثمّة ذاكرات بقدر صمودنا في وجه الذّاكرة الجمعيّة النمطيّة الجاثية سلفا على أقدارنا تحت راية الانتماء إلى جماعة أو ثقافة أو تراث ما… وثمّة ذاكرات بقدر قدرتنا على بعثرة الزّمن الرّياضي الذي يدفع بالجميع كلّما انقضت لحظة ما إلى الموت… عند دالي ثمّة ذكريات زائفة أو مغلوطة وذكريات حقيقية… لكنّ الزائفة أكثر إشراقا وأكثر حقيقية من الذّكريات الحقيقيّة نفسها…
ثمّة في أعمال دالي ميتافيزيقا للذّاكرة من نوع خاصّ جدّا : ميتافيزيقا تنسج بين المعدة والفنّ والجبن والمسيح واللّحم وغالا علاقات لا يحدّ استمرارها حتّى الزّمن… ذاكرة الرسّام وذكرياته التي تنسج عالما سرياليّا قوامه كوجيتو مغاير تماما لكوجيتو ديكارت : أنا آكل إذن أنا أرسم… بقدر ما أتذكّر ما في أحشائي أصيّر الأشياء في لوحاتي ما يحلو لأحلامي لأن تكون… لا حدّ للإبداع ولا حدّ للعبقريّة… حتّى الموت ينهزم ههنا… لأنّ الرّسم يبقى خالدا حتّى وإن اندثر الرسّام…
سلرفادور دالي : كلّ من يعرف قصّته يعرف جيّدا أنّها بدأت منذ اسمه.
لقد وُلد هذا الاسم من ذكرى لأجل تخليد ذاكرة تتطلّب الاستمرار إلى الأبد، هي ذكرى أخيه الذي وُلد ومات قبل أن يستمرّ… دالي ههنا اسم لأخيه الذي هزمه الموت باكرا وقبل سنة من ولادة سلفادور دالي الثّاني… وُلد من ذكرى وظلّ طيلة حياته استمرارا لذاكرة أخرى جعلها ذاكرته الخاصّة… عاش بجسد واحد لكنّه تعدّد بلوحاته وانفعالات ألوانه وضحكات شخوصه الرّخوة وموضوعاته اللّاحمة إلى حدّ فظيع… استطاع أن يهزم الموت الذي هزم أخاه قبل الأوان فعمّر طويلا إلى أن مات بعد الأوان محترقا بذكرى غالا حبيبته التي بدونها لم يكن ليُشفى من ذهانه ومن ضحكاته القاتلة… عاش بجسد واحد لكنّه حمل دوما في أعماقه أحشاء مرحة فكانت معظم لوحاته لوحات أكولة ملهوفة على مصّ السّوائل والتهام القشريّات بأنواعها… من سائل الحلزون إلى سائل نابليون كما يحلو له أن يحدّث عن نفسه… سلفادور دالي عاش بأشباح متعدّدة : شبح أخيه وشبح أبيه وشبح غالا وشبح لينين وفرويد وبيكاسو والمسيح والقدّيس أنطوان. لكنّه عاش بحلم إسبانيا… دالي هو إسبانيا نفسها حين تنهض من عمق أسلافها الذين أكلوها من فرط إثارتها لشهوة القرم فيهم، لقد أراد دالي أن يرتقي بالنّهار الإسباني المتوجّع من الحرب إلى عزّ الظّهيرة… هي إسبانيا التي رسمها دالي في أوجه أوجاعها قائلا : “من كلّ إسبانيا تنبعث رائحة اللّحم المحروق. لحم روحي مقطّع يختلط بالرّائحة اللغويّة لعرق الحشود التي تزنى مع بعضها البعض و تزنى مع الموت معا”…
اللّوحة الأولى : بورتري لغالا حاملة لحما مشويّا على كتفيها… هذه اللّوحة تجمع بين المرأة والأكل وبعد ديني إبراهيمي… هذه اللّوحة تعني كما تأوّلها صاحبها : أنّ دالي كان يرغب في أن يأكل غالا حبيبته… وبدلا عن أكل غالا رسم لحما مشويّا معلّقا على كتفيها… لقد قرّر أن يأكل لحم الخروف بدلا عن لحم المرأة غالا… إنّ هذا الرّسم يذكّر حسب تأويله هو نفسه بواقعة إبراهيم الذي استبدل ذبح ابنه اسماعيل بذبح خروف… هذه اللّوحة تحمل رمزيّة طقس توحيدي قديم فترسمه على نحو سريالي خاص جدّا… 
لقد قدّم دالي في كتابه المذكور أعلاه هذا التّأويل الذّاتي للوحته بورتري لغالا في سياق مثير لنا اليوم : هو سياق إحالته على علاقة مخصوصة بالعرب يقول في ذلك الصّيف (أي صيف 1933 ) : “كنت أرغب في أكل كلّ شيء… ولكنّي كنت أيضا على عطش شديد… لقد شعرت فجأة بسلالتي الشّمال افريقيّة، إنّ عطش العرب هذا هو الذي جعلهم يتهافتون على إسبانيا ويخترعون الظلال وفوّرات الماء… متعطّش أنا إذن مثل العرب، ولقد كنت أيضا مقاتلا مثلهم”…
هذا النصّ وهذه اللّوحة ترسمان معا تارة بالحرف وأخرى باللّون شكلا من الذّاكرة الفنيّة التي تجمع بين الايروسي (غالا) والأسلاف (عرب الأندلس ) والذّكرى التّوحيديّة ( كبش إبراهيم )… دالي إذن سيستمرّ هكذا مثل العرب متعطّشا دوما وملهوفا دوما على الغزو والأكل… أكل كلّ ما يحلو له : أكل غالا المرأة، وعلى أكل الخبز (المسيح) وعلى أكل الرّسم نفسه من أجل طقوس تصوّف نووي قادر على اختراق الجوهر الحميم للكون نفسه…
اللّوحة الثاّنية : هي لوحة بيضات على طبق بلا طبق… وهي لوحة تنتمي إلى سلسلة أخرى من اللّوحات التي تعيدنا إلى ذاكرة الرّحم… المنبت الأوّل للوجود نفسه… سلسلة من اللّوحات الرحميّة أهمّها : لغز الرّغبة (1929) وبيضة على طبق بلا طبق ( 1932) والطّفل الجيوسياسي..(1943)
في الفصل الثّاني من كتابه “الحياة السريّة لسلفادور دالي” يكتب دالي تحت عنوان مثير”، ذكريات داخل الرّحم”، قائلا : “أعتقد أنّ قرّائي لا يتذكّرون البتّة، هذه الحقبة الهامّة جدّا من وجودهم التي تسبق مجيئهم إلى العالم… لكنّي أنا أتذكّر ذلك الأمر جيّدا كما لو كان قد حدث الآن…”يخبرنا دالي في هذا الفصل أنّ ثمّة قرابة ما بين ذكريات الرّحم والجنّة المفقودة… إنّ هذه الذّكريات الرحمية هي” شيء ما إلاهي… بل هي الجنّة”… لكن ماذا تشبه الجنّة لديه إذا كانت الجنّة هي ما عاشه داخل الرّحم من ذكريات ؟ يجيبنا ” إنّها لون النّار : حمراء، برتقاليّة وصفراء تميل نحو الزّرقة .إنّها رخوة، متحرّكة، متناظرة، مضاعفة ولزجة”
ذلك ما كان يراه وهو في رحم أمّه وذاك هو ما سجّلت ذاكرة اللّوحة لديه لقد “كانت البيضتان ضخمتين فسفوريّتين مفصّلتين بوضوح في طيّهما وإعادة طيّهما للّون الأبيض الميّال قليلا إلى الزّرقة”.
 
علينا أن نذكّر بأنّ مبحث الأكل والمأكولات هو مبحث قارّ في جماليّات دالي وفي رسوماته وبخاصّة تلك التي امتدّت بين 1929 إلى 1940… من ذلك خاصّة خبز أنتروبومور في 1932 وتجسيدات رخوة 1936…
لا نستطيع أن نجعل هذه اللّوحة تمرّ هكذا مرّ الفرجة السلبيّة… هذه اللّوحة من أفظع اللّوحات وأكثرها استفزازا وفضحا للحرب الأهليّة في إسبانيا… 
مشهد مرعب يزدحم فيه بشر وحيوانات في حالة هروب فزعا من مسخ عملاق شاهرا نبضتيه في وجه السّماء… وفي قاع اللّوحة فاصوليا مسلوقة وفضلات كريهة الرّائحة… وكائن غريب نصف امرأة ونصف رجل أو هو مسخ بصدد الانتحار… وفي قلب اللّوحة سماء ملبّدة بالغيوم هي خريطة إسبانيا نفسها. يقول دالي عن هذه اللوحة : “…لوحة أعرض فيها حشد ضخم من الأيادي والأرجل التي تخنق بعضها بعضا في ضرب من الهذيان… ولقد أحطت هذه البنية اللزجة لهذا الكمّ من اللّحم في الحرب الأهليّة بالفاصوليا المسلوقة لأنّه ليس بوسعنا أن نتخيّل إمكانيّة ابتلاع كلّ هذا اللحم العبثي دونما مصاحبة له ولو بشكل أخرق ببعض الخضر الكئيبة والمطحونة “…
تلك هي ذاكرة الحرب أفظع من الحرب نفسها… واقعيّة إلى حدّ فظيع في لوحة سرّيالية تجعل من الرّسم أشدّ واقعيّة وأفظع من الواقع نفسه…
 
سنتوقّف هنا عند لوحة الخبز الأنتروبومرفي ( 1932): 
ماذا يعني أن يرسم دالي خبزا ؟ وهل خبز دالي هو خبز من أجل الجياع أم من أجل الفنّ للفنّ ؟ بلى خبز دالي هو “خبز مفترس مضادّ للإنسانوية، هو خبز أرستقراطي استطيقي ذهاني سفسطائي مسيحي…” (ص249).
هكذا يحلو لدالي أن يصف خبزه السرّيالي ملوّحا بشعار جديد للرّسم المعاصر هو شعار “الخبز ولا شيء غير الخبز” 
إنّ خبز دالي ليس خبزا لأنّه لا يصلح للأكل، بل يصلح للفنّ ويصلح لتدوين ذاكرة وهويات وتوقيعات تتعايش جميعها في خبز واحد : فهو خبز سفسطائي ضاحك من كلّ الحقائق السقراطية، وهو خبز أرستقراطي ساخر من الخبز الايديولوجي للشيوعيّة وهو خبز ذُهاني يجسّد اللّامعقول الجمالي وهو رغم كلّ ذلك خبز مسيحي لمسيح هو نفسه خبز ونبيذ وجبال من الجبن السّائل على لوحة سرّيالية…
يقول دالي : “إنّي أعرف جيّدا ما آكل لكنّي لا أعرف ما أفعل”، ويقول أيضا : “… يتعلّق الأمر بنوع جديد من الكوجيتو الاستطيقي السّريالي : أنا آكل إذن أنا موجود… وأنا آكل إذن أنا أحوّل مأكولاتي إلى رسومات وهلوسات فنيّة عابثة بكلّ أشكال المنطق اليومي والتّاريخي للحشود التي تأكل أيّ شيء وكأّنها بصدد واجب محض… وثمّة أيضا لدى دالي فلسفة الأشداق : إنّه يعتبر أنّ ” فكّي الإنسان أو شدقيه هي أفضل وسيلة فلسفيّة للتفلسف”.10 وهو ما رسمه في لوحة الجمجمة التي تضاجع غنائيّة البيانو 1934.
التصوّف النووي: 
منذ 1946 ستدخل ذاكرة سلفادور دالي في حقبة جديدة هي حقبة التصوّف أو ما سمّاه بالتصوّف النووي في بيان كتبه تحت هذا العنوان سنة 1951… وذلك حصل إثر انفجار القنبلة الذريّة في هيروشيما ونهاية الحرب العالميّة الثّانية. وهي مرحلة يستعيد فيها دالي الموضوعات الدينيّة الكاثوليكيّة ويوجّه لوحاته نحو مباحث سماويّة ومقدّسة معلنا أنّه جاء “كي يعيد تأهيل التصوّف الإسباني”… في هذه المرحلة الأخيرة سيدخل فنّ الرّسم في ذاكرة دينيّة لكنّها من نوع خاصّ جدّا، إنّها تمزج بين الماضي المسيحي والمستقبل النووي… وهو ما نراه مثلا في لوحة “غواية القدّيس سانت أنطوان” 1946 وهي لوحة تستحضر صورة القدّيس سانت أنطوان المؤسّس لتقليد حياة الرّهبنة في مشهد للعصر النووي وإمكانيّة حرب النّجوم… وفي اللّوحة نتعرّف على القدّيس أنطوان عاريا في الصّحراء شاهرا الصّليب في وجه أحصنة وفيلة بأرجل عملاقة وبين ساقيه جمجمة مجهولة الهويّة ملقاة أرضا… لوحة تحضنها سماء ملبّدة بالغيوم السّوداء وبعض من الأصفر وأزرق ورمادي.. ألوان تستبق على كارثة ممكنة… في صحراء وحيدة هاجرها الرحّل إلى الأبد… والقدّيس أنطوان لا زال يحمل ذاكرته في شكل صليب مسيحي ولا زالت غواية حياة الدّير تغريه بالصّمود في وجه كلّ أشكال الغزو التّكنولوجي والنووي… سانت أنطوان هو دالي نفسه في قصّة أخرى وفي ذاكرة هي نفسها تستمرّ لكنّها لا تبقى أبدا على حالها لأنّها تغيّر من زمانها ومن أشكال تمثّلها للماضي وللمستقبل معا… هل بوسع القدّيس أنطوان أي سلفادور دالي أن يواجه العصر النووي بصليب قديم وبجمجمة مجهولة الهوية وبعرائه المتوحّش ؟ لوحة تغوي بالتصوّف النووي لكنّها لا تغوي بالهرب إلى الكنائس… لا شيء من التنسّك التّقليدي ولا من ذاكرة الوعي البائس المثقل بالخطايا والذّنوب…
لا اعترافات ولا بكائيّات… فقط هو الرّسم وهو أهواء اللّوحة وإغراءاتها وهي تتعرّى في نوع من العرس التّشكيلي العابث بالماضي النّائم في أحشائنا، كلّ شيء يتبخّر ولا يبقى غير اللوحة وغير دالي وغير ذاكرة الفنّ… إنّ الذّاكرة ليست الماضي الذي لا يمضي إنّما هي المستقبل وهو يهمّ بأن يأتي… ما علينا إلاّ أن نغريه بالفنّ والحبّ والرّسم…