العراق من ثورة العشرين إلى الدّمى الخزفيّة

“ألا تعتقد أن الجبن يكتسي كلّ يوم وجها جديدا، قناعا جديدا، وإلّا كيف نفسّر هذا الفرق الهائل بين ما يقع كل يوم، وعلى مرأى من الآلاف، ولا نجد ما يوازيه من وقائع مكتوبة؟ ولماذا يكتفي النّاس في بلادنا بهذه الذاكرة الشفويّة وحدها طريقة للتعلم والتّواصل ثم التاريخ ؟”1

ما كان يشغل عبد الرّحمن منيف هو هذا الكم الهائل من الأحداث والوقائع المرعبة والجنونيّة، وليس هناك ما يوازيه على صعيد الكتابة. يستغرب هذا الصّمت المدقع القاتل، والاستسلام المجاني إزاء آلة الموت، وهي تطحن كل شيء دون رحمة ولا شفقة، وبعيدا عن سؤال الضمير الأخلاقي. ولا تستثني هذه الآلة الرهيبة للإمبراطوريات الاستعمارية، بالتعاون مع الدمى الخزفية “الوطنية” ذاكرة الشعوب. لذلك تكن الحقد لفعل الكتابة والتدوين لتشكيل ذاكرة إضافية للناس، لأنه سرعان ما تنزلق الكثير من الوقائع والأحداث والمواقف والأفكار في الظلمة وتغيب بشكل نهائي.

فيأتي مزورو التاريخ – كما تفعل اليوم أمريكا – ليكتبوا تاريخ الشعوب وفق أهوائهم ومصالحهم وحاجاتهم الدنيئة، بناء على أنهم الأقوياء المنتصرون بترسانتهم الحربية على قيم الحياة وحرية وعدالة وكرامة الإنسان. هكذا تدفع الشّعوب الثّمن بصورة مزدوجة ومضاعفة: أولا لأن التسلط والاستبداد والقهر قلل في نظرة وعي النّاس من قيمة التاريخ، وثانيا لأن الشّعوب تنازلت عن الكتابة واستسلمت أمام ما يسميه الناس ببلادة الشروط والظروف الموضوعية، متجاهلين تفاعل كل هذا مع فعلهم الذاتي الذي يميزهم كإرادة ووعي فاعل، وليس فعلا مقيدا فقط بصخرة انفعالات عذاب التكرار السيزيفي لنمطية الحياة.

“المهم الكتابة أما توقيت نشرها فإنه يخضع لاعتبارات كثيرة، وهذا ما ينساه الكثيرون، فالذاكرة مهما كانت قويّة، فإنها أشبه بالغربال، والظروف مثل الفصول تتقلب وتتفاوت كثيرا، ولذلك لا يستطيع الإنسان التوفيق بين ما يريده وما يقدر عليه، وهنا يقع الخطأ الكبير، إذ يتصور الكثيرون أن الوقت المناسب سيأتي، إن عاجلا أو أجلا، وعندها سوف يدلون بشهاداتهم الكاملة دون خوف وأظن أن أغلب هؤلاء لن يعيشوا لكي يدلوا بهذه الشهادات.. سيذهبون وتذهب معهم وقائع كثيرة وهامة كان يفترض أن تبقى، وهذا بسبب خوفهم أو لأن توقيتهم سيء كما هو الحظ السيئ.”2

كان منيف في كل كتاباته ولقاءاته بالآخرين يلح ويحرض على الكتابة دون التذرع بانتظار الظروف المناسبة. يقول ويكرّر بنوع من التحفيز والتّشجيع على أنّ المهم أن نقول اليوم ما ينبغي أن نقوله بعد شهور أو سنوات، ونسجله كتابة لأن كل يوم يمر دون أن نكون على موعد مع الكتابة يؤدي إلى نضوب أحد ينابيع الحياة. لأن الذاكرة مهما كانت قويّة وقادرة على الضبط والدقة والتخزين، فهي لا تمنحنا ضمانة استمرارها، حتى لو تناقلها بحرص مسؤول الأبناء عن الآباء، أو الأحفاد عن الأجداد، ففي هذه الأساليب الشفويّة تتعرّض فيها الوقائع والأحداث والمواقف وعلاقات الناس للكثير من الحذف والإضافة والتعديل، كما تغيب الخلفيات الضروريّة، والسّياقات المضيئة لما يتم تداوله بشكل مبتور، ومليء بالشقوق والثغرات، وبذلك تختفي الحقيقة وتنشأ مكانها حقائق تناسب أهواء ومصالح المحتل الجديد الذي يتحرك خلف الدمى الخزفية.

انسجاما مع هذه الإستراتيجية في وعي ضرورة تحريض الناس للكتابة، واستفزاز الذاكرة على استحضار المحطات الايجابية المضيئة للشعب العراقي، كتب منيف كتابه المجاز “العراق هوامش من التاريخ والمقاومة” ليبين على أن ما يحدث اليوم ليس جديدا في علاقة الشعوب بقوى الاستعمار. فهذا الجدل الدموي قد اتخذ صيغا متنوعة للسيطرة والنّهب والتحكّم في المستقبل والمصير، عبر آليات عسكريّة وماليّة واقتصاديّة وسياسيّة مجحفة وظالمة، وفيها الكثير من الغبن والوصاية والتبعيّة. فالعراق في تاريخه الحديث والمعاصر عبارة عن صيغ دموية، فرضها الاستعمار الانكليزي ثم الأمريكي المتستر وراء حكامه المحليين “الوطنيين” لتسهيل السيطرة والهيمنة، ووضع أيديهم على كل الوطن بما فيه ومن عليه.

كما عرفت هذه الصيغ الدمويّة امتدادها إبّان حكم القوى السياسيّة والاجتماعيّة العراقيّة، التي عجزت عن قراءة شاملة لتاريخ شعبها في واقع سيرورته المحلية والظروف الإقليمية والدوليّة التي أحاطت به إلى درجة التدخّل والتحكّم في حركة تطوّر منطقه الداخلي، ممّا أعاق بناء وطن يسع الجميع ويفتح ذراعيه لكل أبناء وبنات العراق، ودون أن تزجّ بهم تلك القوى السياسيّة بأفكارها الأحاديّة العمياء في مستنقع التفتيت والخراب والدّمار والمجازر اليوميّة المروّعة، من تفجير السيّارات إلى تفجير العمارات على ساكنيها. ونتيجة غياب تلك القراءة الشّاملة التي يؤسّسها النّضج والوعي بضرورة الاعتراف المتبادل بين جميع مكوّنات الشعب، عبر حوار وطني ديمقراطي يؤسّس للتوافق بالأساليب الوطنيّة، بعيدا عن الأساليب الدينيّة والعرقيّة والطائفيّة، ترك الباب مفتوحا لكل الأعداء، مستغلين مرض كيان الوطن الذي انهارت مناعته بفعل الإجهاز الكامل لدكتاتورية صدام ومن معه على قيمة واعتبار ومكانة وحياة الوطن والإنسان العراقي. فأجرمت الطبقة السياسية الحاكمة ولا تزال إلى اليوم في حق الشعب والوطن.

وامتدت بصورة مرعبة الأساليب الطائفية والعصبية والدينية التي مارستها دكتاتورية البعث إلى الدمى الخزفية التي أنتجتها أمريكا. “وأصبحت هذه المعارضة التي تجتمع في أوربا وأمريكا، وفي فنادق الخمسة نجوم، من أقبح وأوقح أنواع المعارضة في العالم، إذ لا تتعدى الدكاكين التي تبيع الأوهام والأكاذيب، ويتباهى قادتها في المظاهر والترف والسّفر، بحيث كانت المطارات، في بعض الأوقات، هي الأمكنة التي يلتقي فيها هؤلاء المعارضون بعد أن قاموا بالتنسيق مع مخابرات الدول المحليّة وقدموا لها التقارير والمعلومات.”3

ونحن نرى الآن هنا مدى مصداقية ما كتبه منيف وحقيقته، من خلال ما تفعله اليوم كل هذه الدمى حكومة ومعارضة.

إذ قدموا جميعا خدمة جليلة لثقافة الموت، ونزيف الدم، واحتراق وخراب الوطن، من قبل عصابات المرتزقة والمجرمين، المدربين على تدمير الحياة وكره الإنسان تحت لافتة اخضرار واحة الديمقراطية وحقوق الإنسان.”يجب أن نكون شديدي الحذر من الشعارات الكبيرة ومظاهر التقوى. علينا أن ننظر إلى الأشياء الصغيرة والبسيطة قبل أن ننظر إلى الكلمات الكبيرة واللافتات، لأن هذه الأخيرة غالبا ما تخفي الأعمال الرّديئة والأكاذيب. وإلا كيف نفسر كل ما يقع تحت أبصارنا وسمعنا في كل لحظة؟ كيف نفسّر السجون والقتل والسرقة وغيرها، في ظل الشعارات الكبيرة ومظاهر التقوى؟ “4

مرّة أخرى “غلطتنا” الخاتون أمريكا، كما فعلت مس بيل التي أنشأت دولة ونصبت ملكا. القليل منا كان يعرف أن المقصود بالبحث عن أسلحة الدمار الشامل هي الصراعات الدينية والمذهبية والعرقية والطائفية، قصد تخريب النسيج المجتمعي، وتدمير اللحمة الوطنية، والإجهاز الكامل على تاريخ الشعب العراقي وحضارته، بهدف السيطرة على خيرات الوطن والتحكم في مستقبله ومصيره، إلى جانب استغلال الاحتلال لموقع العراق الجيو استراتيجي، والهيمنة على الفرشة النفطية التي تتيح للمحتل ابتزاز دول العالم المتقدمة والصاعدة. ولتحقيق هذا الهدف الحيوي والاستراتيجي، كإرهاب دولة لا يخلو من جرائم ضد الإنسانية، قامت أولا على مستوى الإنسان بقتل الملايين من الأطفال والنساء والرجال، إلى جانب الملايين من الجرحى والمعوقين، وانتشار أمراض فتاكة، بسبب الكم الهائل من القنابل السامة والفسفورية…

ثانيا على المستوى الايكولوجي حيث دمرت الحيوية العضوية الطبيعية للتربة ولوثت المياه وسممت الأشجار والحيوانات، وساد التعفن والتلوث والموت البطيء كل شيء.

ثالثا تم تخريب جميع المعالم الحضارية، وعلى رأسها المتحف العراقي، الذي تم نهبه بصورة أقرب إلى أسلوب العصابات الإجرامية، وبما ينم عن عداء ليس تجاه العراق فحسب، بل أيضا تجاه البعد الإنساني للتراث الحضاري الكوني. “لجأ الرّعاع المسخرين إلى نهب المتحف العراقي وتحطيم ما عجزوا عن حمله، وحين أحرقوا مركز الوثائق في بغداد، وكذلك المكتبة الوطنية، وما فاتهم حمله، أو تأخروا في ذلك، لجأوا إلى إحراقه في المكتبة. كذلك فعلوا بالنسبة إلى مكتبة الأوقاف، والتي تعتبر من المكتبات الهامة، لأن كثيرين كانوا يوصون بمكتباتهم الخاصة إلى هذه الجهة، وكانت هذه المكتبات تحوي عددا كبيرا من المخطوطات الهامة والنادرة…

وما عدا عدد محدود من ذوي الضمائر اليقظة الذين احتجوا على هذه الأفعال، فإن معظم الناس في العالم صموا آذانهم أو تظاهروا أنهم لم يروا. وهكذا بعد أسابيع سوف تطوى هذه الصفحة السوداء في التاريخ، وكأنها لم تكن، لأن الذي قام بهذه الفعلة الشنعاء ليس الرّعاع واللصوص وإنّما الولايات المتحدة الدولة المحتلة، وإن استعملت أيدي الآخرين.”5 وكل ذلك نتيجة عقدة النقص التي تنهض عليها أسسها الوجودية التاريخيّة بناء على ماضيها اللاإنساني في بدائيته، من خلال التطهير والإبادة للسكان الأصليين.

قلت لتحقيق هدفها الجنوني في السطو والنّهب تزينت بشعارات خلق واحة الديمقراطية التي ستولد على أنقاض الشعب العراقي، فأدخلت معها على الدبابات الكثير من المعارضين الأشاوس الذين تربوا في أحضان أجهزة المخابرات.

ونحن نرى اليوم كيف يدمّرون العراق وطنا وشعبا، باعتمادهم الأساليب الدينية والعرقية والطائفيّة، ليس حبا ودفاعا عن الدّين والعرق والطائفة، بل هي مجرّد أقنعة لتحقيق مآربهم الخاصة الضيقة والأنانيّة في سياق خدمتهم للأجندة الخارجيّة الإقليميّة والدّوليّة بما يخدم سياسة الاحتلال و واستراتيجية الدولة الصهيونية.

عندما تصل هذه الدمى الخزفية إلى هذا المستوى البشع من تفتيت السيادة الوطنية وتفجير النسيج المجتمعي، من خلال خلق حالة من الرعب والقتل والخوف بين مكونات المجتمع كأسس للسيطرة وديمومة الحكم الهمجي والدموي لصيغ الاحتلال، وعندما يباع المواطن والوطن في سوق السمسرة الأمريكية والإيرانية والتركية والقطرية والسعودية…

هنا والآن إزاء هذا الوضع لابد أن يستحضر الشعب ثورة العشرين وغيرها من الثورات، من أجل معرفة كيف تكتل الشعب شمالا وجنوبا، وشرقا وغربا، لمقاومة المحتل الانكليزي بعيدا عن الأساليب الدينية والطائفية التي تسوقها اليوم الحكومة والمعارضة بصورة بذيئة مقززة ميدانيا وسياسيا وإعلاميا. ومعرفة أيضا كيف التحمت المدينة بالبادية إلى جانب دور زعماء القبائل ورجال الدين الحقيقيين في التعبئة والتحريض على الثورة. ” ورغم أن الانجليز طوال فترة وجودهم في العراق، لجأوا إلى كل الأساليب التي من شأنها إدامة سيطرتهم لأطول فترة ممكنة، بما في ذلك افتعال المعارك بين الفئات العرقية والمذهبية، إلا أن الوعي الشعبي، والوطنية الحقة، كانا ينأيان بالجماهير عن الانحدار إلى هذا المستنقع، وهذا يفسر التضامن المتين الذي ظهر في ثورة العشرين، وفيما بعدها من أحداث، إذ أبعدها عن الانزلاق إلى الفخ الطائفي، ولعل في موقف قوى وسط العراق والبادية الغربية ثم الشمال من هذه الثورة ما يؤكد ذلك. لقد كان العراق بعيدا عن الوقوع في المنزلق الطائفي، وفي هذا أحد أهم أسرار قوته، عكس مجتمعات أخرى كانت سهلة الانجرار إلى المناخ الطائفي، وبالتالي استهلكها هذا المناخ وجعلها تنسى أو تؤجل معركتها مع العدو الرئيسي.”6 الذي يختبئ الآن وراء هذه الدمى الخزفية التي تتقنع بالدين والعرق والطائفية، مستهدفة جماهير العراق في فرض الوصاية والتمثيل السياسي عليها، ومنعها بكل الوسائل الدينية والاثنية والطائفية من حق الوجود السياسي الذي يخولها مواطنة كاملة، دون أي تمييز كيف ما كانت مبرراته العنصرية والدينية والعرقية والطائفية والجنسية… وشراكة ديمقراطية حقيقية ببعد وطني في تقرير مستقبل و مصير البلد.

فما كانت ثورة العشرين لتكون لولا مقاومة السكان للاحتلال إلى جانب زعماء حقيقيين نذكر من بينهم الشيخ ضاري بن ظاهر المحمود الذي “كان همزة وصل بين الثورة في الفرات الأوسط والجنوب، وبين المنطقة الوسطى فالشمال… وأنه مثل التحالف العضوي الوثيق بين السنة في علاقتهم مع الشيعة في مواجهة الغزاة، وامتزجت الدماء بعضها ببعض لتؤلف صيغة نموذجية للمقاومة الوطنية العامة والشاملة.”7

وهذا ما يحتاجه العراق اليوم، أي أن لا يكون الماضي عبئا ثقيلا علينا باعتماد متخيل الأساليب الدينية و العرقية والطائفية التي تروجها دمى الاحتلال، بل أن يكون الماضي سندا ودعما لنا من خلال الوعي والتمثل الأصيل للمعارك التي خاضها الأجداد بوعي وطني نوعي، وبنسيج مجتمعي متين عجز المحتل عن اختراقه. وما كان ذلك الصمود ليحدث، ولا لتلك المقاومة الشعبية لتكون وتصير جمرة سنديان لا تنطفئ، لولا رجال مثل الشيخ ضاري الذي قدم الكثير في حياته وفي موته حيث كانت جنازته ” يوما مشهودا في تاريخ العراق الحديث، نظرا لضخامة عدد المشيعين، والحزن الذي خيم على الجميع، والأهازيج المليئة بالتحدي في مواجهة سلطات الاحتلال والدمى التي نصبوها… كانت الدموع تنحدر على الوجوه وهلاهل النساء تملأ الفضاء، وكانت الأهزوجة التي تتردد كالرعد هي:

عاينو له للكاتل لجمن

هز لندن ضاري وبكاها

منصورة يا ثورة ضاري

ساعة ومضمومة يا لندن

الدنيا غدارة يا ابن العم

نام هنيه يا كاتل لجمن

يا شيخ اتهنه بها النومة “8

ورغم تراجع وتيرة سيرورة الثورة إلا أنها ظلت مستمرة بشكل أو بأخر بأساليب مختلفة وبحركات متنوعة، مثل حركة رشيد عالي الكيلاني التي فرضت على وصي العرش الأمير عبد الإله الهروب بظروف مذلة، لولا سطوة المحتل الانكليزي لما استطاع العودة في صورة أكثر تجبرا ودموية. إلا أن الشعب العراقي فاجأه بمقاومة باسلة وهو يرفض جملة وتفصيلا معاهدة بورتسموت التي اضطر الحاكم إلى إلغائها، تحت ضغط الاحتجاج والمظاهرات التي لم تكتف بالإلغاء فقط بل طالبت بتشكيل حكومة وطنية وحل المجلس النيابي المزيف، وفي هذا المخاض الثوري تعرف الشعب على قوته وقدرته على المقاومة والضغط وخلق مسار الحرية والتحرر، من خلال تقديم الكثير من الشهداء خاصة على الجسر حين أمطرت الشرطة الشعب بالرّصاص، ممّا صعّد من قوة ثورة الجماهير إلى أن تحقق سقوط الوزارة والمعاهدة.

“إنّ المعركة، والتي أطلق عليها الوثبة، من أهم المعارك التي خاضها الشّعب العراقي، إذ بالإضافة إلى أن مادتها وقادتها من الجماهير غير المسلّحة، فإن النّفس الطويل الذي طبع المظاهرات، وجعلها تستمرّ لمدّة شهر تقريبا، وعدد الشهداء الذين سقطوا خلالها، وتجاوز الجماهير للإطارات الموجودة في البلاد، وعدم تسليمها بتحقيق مطالب جزئيّة، كل ذلك دفع السلطات على كافة المستويات، لأن تنحني أمام العاصفة، و أن تستجيب للمطالب التي رفعها المتظاهرون.”9

والعراق يحتاج اليوم إلى مثل هذه المعارك التي تتجاوز الطروحات الدينية والعرقية والطائفية التي تريد الدمى الخزفية أن تورط فيها الشعب المقهور بمختلف فئاته ومكوناته الاختلافية التي لها الكثير من القواسم المشتركة في الإطار الوطني والنسيج المجتمعي التي تتجاوز الأبعاد السوسيولوجية لغويا و دينيا وعرقيا ومذهبيا وفي العادات والتقاليد والطقوس. و نضج الوعي الشعبي بسر قوة الشعب العراقي الكامنة في بعده الوطني، لا في التفتيت العرقي والطائفي، وفي أسسه الديمقراطية القانونية والمؤسساتية، لا في الدكتاتوريات الاثنية والدينية والطائفيّة، هذا الوعي وهذا النضج الوطني الديمقراطي العلماني يسمح للشعب بتجنب السقوط في فخ الفاشية الطائفية، والحرب الأهلية التي يزرع ألغامها الكثير من الأعداء على المستوى الإقليمي والدولي، وهم يحذرون بشكل كاذب من الطائفية في وقت هي عمق ونواة ممارستهم السياسية والإعلامية.

“إنّ يوم الجسر يوم مشهود في تاريخ العراق الحديث، ولا تزال الجماهير، حتّى التي لم تحضر ذلك اليوم، تستعيده بكثير من الكبرياء والعنفوان، ويشير إلى مدى قوّة الجماهير خاصة حين تمتلك إرادتها وتصمّم على مقاومة الغزاة والمحتلين وأذنابهم.”10

الهوامش:

1- عبد الرحمن منيف الآن هنا المؤسسة العربية للدراسات والنشر ط3 س 1992 ص 24

2- المرجع نفسه ص24

3- عبد الرحمن منيف العراق هوامش من التاريخ والمقاومة المركز الثقافي العربي ط1 س 2003 ص 20

4- عبد الرحمن منيف الآن هنا ص 64و65

5- عبد الرحمن منيف العراق هوامش من التاريخ والمقاومة ص 191

6- المرجع نفسه ص 13

7- المرجع نفسه ص 52

8- المرجع نفسه ص 60

9- المرجع نفسه ص 186 و 187

10- المرجع نفسه ص 187