
الطفل الصغير النائم بجوار الشاب اليافع هادئٌ غارقٌ بأحلام لا تعرف بداية ولا نهاية، يتحرّك الطفل بحركات متناسقة، بطيئة في فراشه الوثير، يتمعَّنه الشابّ بعيون مُتَسعة بشدّةٍ مبالغٍ فيها.
يتفكّر الشاب وحيداً ضمن غرفة ذات سقف منخفض وجدران متشققة يتذكّر طفولته الأليمة كما شريط فيديو يُحرقه بإشعال لفافات تبغ عديدة واحدة تلو الأخرى، يتذكر الشاب أيام الاستعداد لاحتفالية العيد، آن حلمه بثياب جديدة يدسُّها بأيّام قبل مجيء العيد تحت وسادته القاسية، يرتديها صباحاً ويجوب الأحياء.
يمر بالأزقة التي لم يَسِر فيها، يتعرّف مَعَالم مدينته كل سنة أكثر…
مجابهته للأطفالٍ الأشقياء؛ الذين يحاولون سرقة الحلوى التي جُمعت بعناء طفل…
طفولته، أوقات اللهو في الفناء المجاور لمنزله المنعدم الجدار، المطل على متّسع من الأرض الجرداء.
حينما كانوا يجمعون الأكياس البلاستيكية المهترئة من أكوام القمامة، وصرِّها لتكبر وتكبر، فتغدو بحجم الكرة. ثم سرقة جورب من خزانة حديدية وُضعت في إحدى زوايا المنزل وحشو كرة الأكياس داخل الجورب،
وتشكل أحشاء الجورب كرة تتقاذفها الأقدام “المجرّدة” إلا من جلد طري وشرايين رفيعة يدب فيها الحماس فرحاً بالكرة الجديدة.
يتابع الشريط مجراه مترافقاً بدخان تبغه الكث، يتذكر الشاب ألعاب طفولته أكثر…
بحثه ساعات تحت النبتات التي تنمو بفضل المطر الربيعي عن الطُعْمِ الحي الموضوع في فخٍ حديدي ذي أسلاك رفيعة مشدودة ونابض شديد الارتداد مُعَدٍ للإيقاع بطائر أبي الحناء الفضولي النَّهم للدّيدان الحيّة…
يُوضَع الفخُّ تحت جذع شجرة فارقت الحياة، أعمدة مهمتها إيصال التيار الكهربائي إلى الحي أو ضمن عدة حجارة كبيرة للفت انتباه الطائر وجذبه، أبي الحناء هو الفريسة المرتقبة، يطول الانتظار لتبدأ المناوشات بينه وأقران طفولته، على الأمكنة التي تناسب نَصْبَ الفخاخ، لا طائر يُخطئ الطيران ليحط على فخِّه يصيبه السأم للحظات.
يعيد العمليّة عشرات المرات حتى أنه يهتم بإطعام ديدانه – طُعمه الحي – لئلا تهوي نافقةً، والحصيلة بعد العناء طائر ذكر أو أنثى، لتبدأ مرحلة جديدة وهي المفاوضات بين الأشقياء بمزايدات تدور حول الحصول على الجنس المعاكس للطائر المصطاد، أو تدور المقايضات حول الحصول على قفص كفيل بمنع الحريّة عن الطائر،
يتذكر الطفل الذي غدا شاباً قدوم البائع المتجوّل إلى الحي حاملاً نوعين من البضائع، المثلجات الذائبة صيفاً أو الحلوى الدبقة المَصنوعة من جرش القمح الممزوج بالسكر وبعض الماء،
يقايض البائع بطاعته ببيضة مسروقة من قِنِ دجاجات الوالدة الطيبة أو بثمن معادن مُباعة لرجل مسنٍ في سوق النحاسين، حركة مباغتة من الطفل النّائم قطعت أوصال الشريط المسجَّل، أجهش الطفل بالبكاء، ما أوقف تدفق الأحلام إلى أن يبرم الطفل هدنة مع النوم من جديد.