
أما وقد انقضى رمضان ثالث على الأزمة في سوريا المفعمة بالعنف والاقتتال والتفكك المجتمعي والطائفية والانغلاق الكانتوني وبعيداً عن بعض المسلسلات التي تعاملت مع أحداث هذه الأزمة بشكل أو بآخر فإن الدراما السورية لا تزال متخمة بشكل لافت بمسلسلات العنتريات الشامية بما يطلق عليه زوراً البيئة الشامية. فبعدما عمل الانتاج التلفزيوني السوري على اكتساب مكانة متقدمة عبر رفع سوية الأداء والإخراج والانتاج في الدراما الاجتماعية المعاصرة والدراما التاريخية الرصينة، تأتي هذه المسلسلات لتنال من هذه المكانة عبر هشاشة الأداء والإخراج والإنتاج مع ابتعاد غير مسؤول عن الواقع المعاصر وتحقير للمرأة وتشويه تاريخي محفوف بالمخاطر.
تتشابه هذه المسلسلات بنصوصها إلى حد الإملال من التكرار الخالي من أي إبداع في الإطار الزمكاني أو في الحبكة أو في توصيف الشخصيات. فهنالك تلك الحارة المغلقة على الدوام التي يحكمها زعيم على قدر فانتازي من الحكمة والجلال والحنكة وعكيد طاووسي ما ينجح بكلمة في نزع شباب الحارة من أعمالهم ودكاكينهم وتحويلهم إلى مقاتلين بالمجان يضحون بحياتهم في سبيل “شرف الحارة” في معركة لا يرى المشاهد من سببٍ لنشوبها سوى تبادل صبياني لإهانات شخصية لا يعرف المسكين كيف لها أن تمس بأي شرفٍ أي كان فكيف لها أن تحمل معان اجتماعية ووطنية!؟ إلى جانب هاتين الشخصيتين المحوريتين هنالك “مجلس الأعضوات” الذي يضم تاجر القماش إلى جانب بائع الخضار وتاجر المصوغات الذهبية إلى جانب الخباز في ديموقراطية وعدالة ومساواة اجتماعية تحسدنا عليها أثينا واسبرطة وروما مجتمعة. ولا ننسى مجموعة من الثوار الذين يسطرون الملاحم البطولية والانتصار تلو الانتصار على آلة الاستعمار العسكرية بكل قوتها في حال تناول المسلسل حقبة الانتداب الفرنسي أما الحقبة العثمانية في غالباً ما تكون هانئة ومسالمة حيث يطيب العيش للناس عدا عن هنات بسيطة هنا وهناك تتم معالجتها بسرعة فليس هنالك من عرض لسلبيات تلك الحقبة أو تلك. فضمن مجتمع القديسين ذاك لا يوجد سوى شخص واحد على الأغلب يمثل مساوىء الجنس البشري إما بسبب خبث مجرد متأصل في نفسه الزنيمة أو من أجل حفنات إضافية من النقود يكسبها عبر حياكة المؤامرات التي تعترض مسار حياة الشرفاء من الناس كالإدعشري الذي يتجنبه الجميع في باب الحارة أو أبو عبدو مثال الشر المطلق في قمر شام وهو واحد من أكثر هذه المسلسلات ضعفاً وتفككاً على الرغم من جمعه لأسماء منى واصف وبسام كوسا ونجوم آخرين.
إخراجياً تحتاج هذه المسلسلات لمخرج برامج أطفال خيالية لتخرج بتلك الحلة التي يحار معها المشاهد فلا يعرف حقاً إن كان يتابع أحد أفلام أبطال الكوميكس الأمريكيين أو أفلام روبن هود أو قد تراه يشاهد وثائقياً حول المطبخ الشامي الغني بالكبة والمحاشي وأنواع اللحوم والحلويات والصحون المترعة… بالموز! وهنا ينتقل المشاهد لمتابعة خطاب قومي طنان يلقيه زعيم الحارة حول ضرورة دعم القضية الفلسطينية فيطير المشهد ليرى شيخاً ما معتكفاً في مغارة وقد تحول قائداً ومخططاً عسكرياً “ظواهرياً” كما حصل في قمر شام وما أن ينتهي عرض المسلسل حتى يتفاجئ الكل من انتشار الفكر القاعدي!
ما يحتاجه المجتمع السوري اليوم بشكل خاص هو أعمال فنية تقارب الواقع الذي يتكشف مع كل يوم يمر على الكثير من الأمراض المجتمعية والانفصامات والعنف بينما تحتاج مسلسلات العنتريات هذه إلى جرعات منتظمة من العنف والقتال لكي تظل محافظة على متابعة جماهيرية متحمسة مثلها مثل أي فيلم أكشن هوليودي مما ينتقده مثقفونا صباحاً ومساء. وكمثل تلك الأفلام، يبدأ الناس في هذه المسلسلات بالقتال والصراخ وشهر الخناجر لأسباب واهية ولكن لها ما يبررها في منطق النص المشحون بالمبالغة في المواقف ونفخ القصص العادية وانتحال البطولات الفارغة من دون أي هدف سامٍ أو هام. ولهذا لم أعجب كثيراً منذ فترة حين رأيت عصبة من الأطفال تلعب في أحد الشوارع وإذ بأحد الصبية يستل سكين فاكهة من جيبه ويأخذ يطوح بها ذات اليمين وذات الشمال ببراعة مسرحية يحسده عليها أبو شهاب بجلال قدره ومن ثم يأخذ بتهديد أحد رفاقه بها! فمن يضمن ألا يحمل هذا الطفل في جيبه سكيناً حقيقية – أو “شبرية” في لغة مسلسلات العنتريات تلك إن لم نقل سلاحاً أكثر خطورة – بعد بضع سنوات ويتورط بجرائم حقيقية؟ أفهكذا ننشأ أجيالاً معافاة وأطفالاً أصحاء؟
وللمرأة أيضاً نصيبها الوافر في هذه المسلسلات؛ فهي دوماً حاضرة لتنال الصفعات والركلات والإهانات والتعنيف بشتى الأنواع اللفظية والجسدية وضمن سياق يشعر المشاهد على الدوام بأن هذه “المخلوقة الناقصة” تستحق ما تناله بجدارة فهي مهذارة ثرثارة مبذرة نمامة لا تنفع سوى للاختباء والاختفاء خلف الحجب والستر وأبخرة الطبخ وغبار الغرف المغلقة. أما كيف تمر نصوص كهذه في بلد يفخر بتمكين المرأة وتنمية دورها الريادي في المجتمع وفي بلد يباهي باتحاد نسائي هو من أقدم الاتحادات الشعبية المؤسسة في العالم العربي من أجل تفعيل وحماية المرأة فعلمه عند الله وحده. وكيف يتم تزوير التاريخ وطمس أسماء وحركات نسائية كان لها أبلغ الأثر في الفكر والمجتمع السوري فهو يكمن في غياهب الرقابة على المصنفات الفنية. أما كيف تستطيع الفعاليات الفكرية والثقافية السورية مواجهة العالم المتحضر الذي يشن أعتى الحملات ضد تعنيف المرأة واضطهادها فهذا ما لاجواب له.
ولأن كان مجتمعنا لا يزال يعيش صراعاته مع التخلف والانغلاق الفكري وهو لما يتطور بعد إلى الدرجة التي ينظر فيها إلى تلك الأعمال بطريقة نقدية ساخرة – هذا إن فرضنا أن تلك الأعمال تقدم نفسها على أساس أنها أعمال تهكمية بالدرجة الأولى وهو ما يعد فرضاً أقرب إلى الاستحالة – فإن تلك الأعمال الدرامية التي تنتشر على نطاق واسع تأتي لتدغدغ رغبات دفينة لدى الكثير من الناس الذين يعتقدون بتفوق أنماط الحياة تلك، وخاصة مع كل الإغراءات التي تقدمها هذه الدراما من تكافل اجتماعي ظاهري وموائد عارمة وتفوق ذكوري مطلق في مجتمع لا يزال ينظر إلى هذه المقومات على أساس أنها غاية الحياة الفضلى. ولهذا على المجتمع السوري اليوم إدراك ذاته ومقوماته شديدة الخصوصية أولاً بعيداً عن رغبات شركات الانتاج والممولين ورجال الأعمال الذين قد لا يترددون من أجل كسب الأرباح أو استثمار حارة مقفلة لا تشبه اي من حارات الشام القديمة أو ترويج أنماط أو أزياء أو أفكار معينة لأهداف لا تفيد السوريين بشيء على الإطلاق. والأهم من كل ذلك، أن على الجميع اليوم إدراك أنه لا يمكن اختزال وطن كامل الغنى في حارة ضيقة بباب مغلق باستخدام رمزية فجة وتنميط خال من الروح الإنسانية التي طبعت الانسان السوري على مدى السنين فتحوله هذه النمطية بالذات شخصاً قاصر الفكر محاصراً بزمكانية مزيفة ومحدودة السعي والأهداف.
ولا أنسى في أول أيام الأزمة في اللاذقية حين كنت ماراً قرب مدخل أحد الشوارع الفرعية حيث كان رهط من المراهقين الأشاوس يقف على زاوية الطريق مسلحين بالعصي وأحدهم يعلن لسائل ما: “نحن ما مع أو ضد طرف… نحن هون لنحمي حارتنا ونسواننا” فهل نجحت الدراما المشوهة في مهمتها؟ فخلال السنوات الماضية عملت هذه المسلسلات على غرس التخلف والتعصب والنفاق والرهاب والانطوائية في الانكفاء في الحارات وراء الأبواب المغلقة، وشوهت صورة المرأة السورية في تحويلها إلى سلعة ثرثارة لا ترى العالم إلا من وراء نقابها الأسود ضحية الرجال الموتورين وخناجرهم الشاخطة على البلوعة. لقد رسخت هذه المسلسلات نوستالجيا لماض مفبرك وتكذيب لتاريخ صريح، في مسرحتها لشخصيات كرتونية ونقلها إلى شوارع هذا البلد المتعب.