
“يوجد لدينا خبز”، نقرأ هذه العبارة ونحن نطالع صورة فتاة صغيرة جالسة أمام طاولة عليها أكياس من الخبز، وبين حطام بيوت وأبنية طالها القصف.
صورة جميلة التقطت على عجالة في سوريا، تمزج السخرية بالألم وتعبر عن واقع يعيشه سكان هذا البلد؛ هذه الصورة قد تكون في دوما أو درعا، في أحد أحياء حمص أو من شوارع دير الزور، من ضواحي دمشق أو أزقة حلب، إدلب أو البوكمال، لا فرق، لا يهم، فالصورة أُخذت لنستمتع بجمالها ونتألم لمحتواها.
قد يكون شاباً سورياً من التقط الصورة أو شابة، أو ربما صحفي أو صحفية أجنبية، أحدهم قد أعدّ موقع التصوير وقد يكون أحد عناصر الجيش الحر أو أحد سكان الحي؛ أيضاً الأمر ليس مهماً، فهذه الصورة قد تُوضع في أحد الصحف أو إحدى مواقع الإنترنت لتعبر عن الموضوع الذي يتحدث عنه الخبر، ربما عن معاناة الأطفال أو مدى الدمار الذي لحق بهذا البلد أو الكيفية التي يعيش بها سكان المناطق المحاصرة من قبل جيش النظام أو ربما عن أزمة الخبز؛ وقد تعلّق في أحد المعارض التي ينتقل ريعها إلى اللاجئين السوريين في المناطق المجاورة.
لاشيء آخر قد تفعله الصورة، ولا توجد أي كلمات إضافية تُقال عنها، إلا أمنية صغيرة هي أقصى ما يمكننا أن نتمناه في هذه اللحظة هو أن تكون الفتاة الصغيرة قد استمتعت وحظيت ببرهة قصيرة من اللعب أثناء إعداد هذه الصورة.
هذا ما يمكن أن تقدمه الصور، مجرد مطالعة صغيرة في أحد مواقع الإنترنت أو في بعض المعارض، وهي تعبير عن حالة جوهرية لردّ الفعل العالمي الشعبي تجاه الثورة السورية ومأساة الشعب السوري الحالم بحريته، فالتصوير في سوريا هو نوع من السياحة، يبحث فيه هؤلاء السياح عن الغريب والمهيّج.
ولست أتحدث هنا عن المصورين والصحفيين الذين يخاطرون بحياتهم في أماكن العنف والبؤس، بل أقول ما أقول عن الأفراد الذين يتابعون الأخبار، أو يدفعهم الفضول إلى معرفة ما يجري في العالم، هذا الصنف من الناس- ويمكن تصنيفنا جميعاً في هذه الخانة- يشاهد هذه الصور عوض أن يلتقطها بنفسه، وينتقل بين المعالم السياحية، التي هي في الحالة السورية قد تكون جثة أو رصاصة أو طفلة مشردة أو شاب من الجيش الحرّ أو بناء مهدّم، ليشبع نهمه إلى المعرفة ورغبته في التلصص على مآسي الآخرين.
وتستوقفنا صورة عن عناصر من الجيش الحر وهم يتدربون، وفي مقدمتها شاب ملتحٍ يصرخ بأعلى صوته ويخرج “الغضب” و“الحقد” من داخلته الثكلى، وهي الصيغة المثالية لما يريده الآخر غير السوري عن السوري، صورة رجل غاضب حقود عنيف بلا ماضٍ أو اسم أو حلم أو ذكريات، فقط رجل إرهابي مخيف، سادي بلا شفقة أو روح، وهذه الصورة لن تكون إلا واجهة مقال عن عنف الجيش الحر أو الكتائب الإسلامية فيه أو تقرير عن تجاوزات ارتكبتها إحدى فصائل هذا الجيش، وتُقلب الصفحة ويُنسى كل شيء ولا يبقى في الذاكرة إلا طيف رجلٍ عنيف.
لا أحد يملك الوقت كي يتمعن في الصورة، ليرى الآخرين في الخلفية، هل هم مثل الأول إرهابيون؟ لا حاجة لذلك، فالشخص الأول يُعبر عنهم جميعاً، وحتى لو تلبّثنا قليلاً أمام الصورة، ألا نجد خلفه رجلاً يخفي وجهه؟ يخفي عنفاً طائشاً كلياً عن الآخرين؟
ولكن ماذا عن الشاب الذي يرتدي قميصاً أبيضاً؟ ألا يبدو كشخص جديد مازال يتعلم فنون القتال؟ ألسنا نرى لبرهة قصيرة- قبل أن تُعمينا آرائنا الجاهزة- شخصاً عادياً قد اضطرته الظروف ليمتهن هذا الأمر؟ شاباً دفعه عنف النظام؟ فتىً، وربما جامعي، لقي من المأساة في حياته ما يُحوّل الحمل الوديع إلى وحش كاسر؟
وماذا عن الآخرين المهملين في الصورة؟ وماذا عن الشاب الذي يخفي وجهه؟ هل هو يستتر كيلا يتعرف عليه الآخرون؟ ربما هو لا يريد لوجهه أن تلتقطه العدسات؟ والشخص في المقدمة؟ ألا يمكن أن يكون هذا العنف الذي أظهره هو مجرد تعبير عن عزيمته أمام الكاميرا، ولكن نفسه محطمة وعزيمته ليست إلا الوجه المناقض للتعب الذي يعانيه بداخله، إلا أنه لا يمكن إلا أن يمضي قدماً فالنظام لم يترك له خياراً آخر؟
ربما ذلك وربما لا، ولكن الناس لا تريد إلا ما تعرفه، والناس في الغرب خاصة تفضل صور العنف والقتال، شباب مدجج بالسلاح، صور معارك ومجازر، ذئاب تتدرب أمام الكاميرات، كل ذلك لتدعم رأيها بأن شعوب هذه المناطق بدائية عنيفة في جوهرها، ليست مناسبة أو قادرة على التكيف مع أسس الديمقراطية، وغير متوائمة مع قيم الحرية.
قد يكون هذا افتراضاً قاسياً وشمولياً، ولكن يمكننا قول ذلك اعتماداً على ماهية الصور التي تخرج من سوريا ومواضيعها ونوعية الطلب حولها، فكلنا ندرك بأن صحف العالم تفضل صور المعارك على صور الحياة اليومية، صور المجازر على صور المعاناة المستمرة.
صور المجازر والمعارك وخاصة عند كثرتها، لا تهيج الرأي العام ولا تثير أي فعل أو ردّ فعل، بل هي تطمئن الآخر، الجالس على أريكته المريحة والممتلئ من وجبته الدسمة والمستمتع بفنجان قهوته اللذيذة، الذي يقرأ الجريدة أو يتصفح الإنترنت، بأن كل ما يسمعه عن قتل ودمار هو خيال في خيال، أمور تحدث في أرض بعيدة هي أرض الكتب والأشعار، فالصورة تفصل الناظر عن الواقع وتنقص من صدق الأحداث وتقلل من فجاجة الواقع، فالآخرون البعيدون الغرباء ليسوا إلا تعبير عن وهم، ولا وجود فعلي لهم على أرض الواقع، فالصورة جميلة ومهما كان موضوعها عنيفاً فهي تتلاعب بالألوان لتضفي حسناً وراحة للنظر وتخفي ما أمكنها من فظاظة الأمر، الصورة تحمل في جوهرها زيفها ونفاقها، فالواقع لا ينبغي له أن يكون جميلاً بارع الألوان وماهر التفاصيل، بل الواقع فظٌّ عنيف قاسي، وهو ما لا تحمله الصورة فهي تعبير عن الخيال الجميل ولا صلة لها بالواقع الأليم الذي نحن البشر محكومون به.
وأيضاً عنصر آخر يقلل من إنسانية الصور التي تعبر عن حال سوريا الآن، هي أن الصورة تشيئ مواضيعها، ولا تعبر عن إنسانية الذين صُوّروا، بل تحولهم إلى مواضيع تعبّر عن شياطين ووحوش أو أبطال، أو فقراء مشردين هامشيين بلا وجوه أو صفات أو أسماء، بل أشياء تظهر ما يُنتظر منها أن تظهره، فالصورة لم تستطع أن تحافظ على فردية الإنسان، بل هي تعبير عن الوعي الجمعي وفي أحيانٍ كثيرة عن لاوعيه.
فتختلف نظرة الناس لصور القتلى، وبخاصة المسلحين منهم، وصورة أي قتيل قد تكون صورة شبيح أو إرهابي، بطل أو شهيد، الأمر يعتمد على من ينظر إليها ومن يسوّق لها، ففي المواقع المؤيدة للنظام تتحول صورة جثة أحد عناصر الجيش الحر إلى “فطيسة” وأما قتيل الجيش النظامي فهو بطل وشهيد، ومناهضو النظام ومناصرو الثورة يطلقون الألقاب نفسها ولكن عنصر جيش الحر هو الشهيد والبطل والآخر النظامي فهو الشبيح “الفطيسة”، ولا يمكننا إلا أن نتفق مع إحدى وجهات النظر ومناقضة الأخرى، فنحن مهما ادعينا الحيادية تحكمنا معايير أخلاقية نطبقها على المواد التي أمامنا. في حالة الحروب والصراعات يوجد دائماً طرفان وقد يكون من الممكن أن نقف على الحياد قليلاً وننظر إلى جميع القتلى كسواسية، لكن في حالة الثورة السورية المسألة أعقد من ذلك، فثمة معتدي وضحية بغض النظر عن الاختلافات التي طرأت على أرض الواقع، فإن بقي المعتدي معتدياً فالضحية تجاوزت في بعض الأحيان وضعها كضحية سلبية، وعلى كل حال فثمة غير السوري الذي ينظر إلى الثورة كصراع بين طرفين، نظام ومعارضة لا أكثر ولا أقل، أو “حرب طوائف”، وكلا الصورتين تكونان عنده بالسوية نفسها والمضمون نفسه أي أن عنصر جيش الحر يعادل الجندي النظامي سواء أكان من المجندين الإلزاميين أو الشبيحة.
في النهاية، لا أحد يتساءل من هم هؤلاء القتلى، ماذا كانوا يفعلون قبل الثورة؟ لا أحد يبالي بعاداتهم الشخصية، أحلامهم وأفكارهم وذكرياتهم، لا شيء من ذلك قد تذكره هذه الصفحات والمواقع إلا إذا كان يخدم مصلحتها الإيديولوجية، وسُينسى هؤلاء إلا في المناسبات الحزبية أو الوطنية وأيضاَ لمصلحة معينة، ولن يتذكرهم إلا القريب والصديق، ومهما كان دورهم عظيماً في “نهضة الوطن” فقد أصبحوا حبيسي صورة وذكرى من دون وجه أو اسم، وحتى فرديتهم ستذوب في قافلة الجماعة، فالصورة لم تقدم لهم شيئاً بل كانت صورتهم مجرد وقود للأخرين.
القضية أساساً ليست في الصورة، فنحن البشر نفتقر إلى الكثير من قيم الإنسانية، والصورة تعبير عن قصورنا الذاتي.
الصورة لا تنفع ولا تضرّ- وخاصة صور الفظائع والحروب وصور الآخر الغريب- إلا إذا كانت ضمن سياق وتوجهات مجتمع معين، وكما رأينا سابقاً فالصورة بحاجة إلى نص لتعبر عن وجهة النظر الغالبة في المجتمع.
الصورة لوحدها لا تتكلم.
ولكي نستفيض أكثر في الموضوع، أمكننا القول بأن كل إيديولوجيا سائدة بحاجة إلى الصور التي تدعم حجتها، ولا مساحة لصور مخالفة، وهذا ما نطالعه كثيراً على صفحات الإنترنت في المساحة الجغرافية الصغيرة التي تسمى سوريا، أو المساحة الكبيرة التي هي العالم، لا شيء يخالف سياسة وتوجهات الصحيفة أو الموقع الإلكتروني أو المدونة الشخصية أو حتى توجهات الشخص القابع خلف شاشة الكمبيوتر ويتابع الأخبار.
***
الصور التي تخرج من سوريا تبدو كمرايا متقابلة في حجرة صغيرة تنفذ إلى صالة مليئة بالناس يغمرها ضجيج الموسيقى والرقص، والراقصون فيها غير مبالين بالمرايا الحزينة، فقط يطالعونها سريعاً، ليروا انعكاسهم عليها ويتأكدوا من حسن طلعتهم أمام الآخرين، وفي آخر الحفل ينفضّ المدعوون ولا تبقى إلا المرايا وحيدة مهملة.