مستقبل “الحاكميّة الإلهيّة” في السّياق العربي (2/1)

شكراً للأشواك، فقد علّمتني الكثير.

الشّاعر والفيلسوف: رابندراناث طاغور

توطئة :

في البلاد العربيّة، لم يسجّل التّاريخ الحديث أن خرج الشّعب الكريم (كما يقال في التّداول التّونسي) أو “حزب الكنبة” (كما يقال في مصر) أو الأغلبيّة الصامتة بمصطلح العلوم السّياسية والاجتماعية إلى الشّوارع كما فعل في “المسارات الثورية” العربية. ثمّ عاد مجدّدا إلى مصر في 30 جوان/ يونيو وقد يعود في تونس مرة أخرى بعد مخاض الحراك الطويل واستعاره خاصة مؤخرا منذ الاغتيال السياسي الكبير الثاني يوم 25 يونيو2013.

بيْد أنّ هذه الموجة الثّانية جاءت ضدّ جماعة الحكم المشكّلة من الإخوان المسلمين والأحزاب التّابعة لها أو المرتبطة بها، الذين ثبت للثّوار- وخاصّة أولئك الذين كانوا مخدوعين فيهم – أنّهم منقلبون على الثّورة بل ويعرّضون الوطن لمصير مجهول. وها هو “جيش الإخوان يقاتل القهقرى” كما يقال. وبسبب ارتباطاتهم الملتوية والغامضة بل المشبوهة بقوى إقليميّة وعالميّة، باتت الغالبيّة العظمى من الشّعوب العربيّة تراهم ألعوبة في أيدي تلك القوى فضلا عن فشلهم في صياغة حكم سياسي ديمقراطي ومشروع مجتمعي مدني؛ وهكذا بدا أنّ الإخوان يعودون بشعوبهم لا إلى ما قبل الثّورات فقط بل إلى الماضي المتعّفن الذي يحيل على الاستبداد التّيوقراطي والفقر والجهل والمرض أو تلك الآفات التي قضت على الحضارة العربيّة الإسلاميّة.

كما استشعرت الشّعوب العربيّة أنّ الغرب المتعولم يحاول قلب الثّورات بواسطة حركة الإخوان وفروعها ومن والاها؛ يرميهم على الشّعوب العربيّة كثيري الأشواك والغبار. غير أنّ الأحداث المتسارعة بشكل غير متوقّع تثبت أنّهم جماعة فانية العصا ممزّقة الأمساح مهما بدوا متحمّسين وكذلك مهما كانوا هجوميّين وقربانيين ومستعدّين للقتل والاغتيال بتعصّب كبير.

1- البنية العقيديّة للإسلام السّياسي:

لست في معرض ذكر أنّ الحاكميّة الإلهيّة تخريج من تخريجات الإسلام الباكستاني والهندي (أبو الأعلى المودوي) ولا بصدد تحليل جذورها وظروفها، فهذا أمر يطول. غير أنّه من الضّروري التّذكير بأنّ أهل السُّنة لا يتبنون هذه المقولة التي تنبني على قاعدة أساسيّة: القول بـ “جاهليّة” القرن العشرين وتفشّي “الكفر” لدى العامّة. ثم إنّ أهل السُّنة يقولون بحُرمة تكفير المسلمين، ولا تجد في قاموسهم ما قد يوجد في قاموس التكفيريين من قبيل كفر النعمة وما شابه ذلك. ولا يرون أنّ العامّة يتحدّد صلاحها بحسب حاكمها بالضّرورة. ويرون ربطًا بين الدّين والدّولة طبعًا لا بين الدّين والحكم –السّلطة؛ ذلك أنّ الدّولة – بالمفهوم القانوني الوضعي لا بمفهوم فلسفة ما بعد الحداثة – أوسع من السّلطة فليست السّلطة إلاّ جزءًا من الدّولة حتّى وإن كانت السّلطة هي العنصر المركزي فيها(1).

بيْد أنّه، بعد تفشّي هذه العقائد المتطرّفة في الشّرق الإسلامي ظهر في أهل السُّنة فكر يستمر في نسبة نفسه إليه، ولكنّه في الوقت نفسه يشرّع لأخطر أنواع التّكفير وأوسعها انتشارا في التّاريخ العربي، بل ويمهّد لفكر الاغتيالات والتصفيات؛ وحتى لا نتوسع في ذكر الأمثلة، نذكر من التّنظيرات المعاصرة أحد كبار مؤسّسي الإسلام السياسيّ « سيّد قطب » (1906م – 1966م) وهو – في الوقت نفسه – رأس مؤسّسي الإسلام التّكفيريّ المعاصر، وكان قد اشتهر بعد «حسن البنّا» (عام 1904م- 1949) وكان أكثر منه تطرفا، ونهجه – إن صحّ أن في الإخوان اتجاهات معتدلة وأخرى متطرفة !- هو الذي بقي مسيطرا على فكر الإخوان المسلمين إلى حد الآن وتلقّفه التكفيريون الآخرون؛ الخارجون-الداخلون من الإخوان وإليهم، وكلهم تحت عباءتهم في أغلب الأحوال؛ فما يحدث الآن في العالم العربي والإسلامي من التداخل بين الإخوان بأحزابهم والقاعدة بفروعها، يؤكد هذا التداخل سواء أكان تلقائيا عفويا مضطربا أم قائما على تنسيق ما. وفيما يأتي ثلاث سياقات فلنتأمّلها:

– يقول سيّد قطب في تفسيره “في ظلال القرآن” : « لقد استدار الزّمان كهيئة يوم جاء هذا الدِّين إلى البشريّة بـ «لا إله إلا الله»؛ فقد ارتدّت البشريّة إلى عبادة العِباد» (2/1057).

وحتّى لا ندخلَ في إشكاليّة مشروعيّة الاتّهام “بالردّة” نفسِها في القانون الدّوليّ والفكر والفلسفة في العصر الرّاهن، فإنّ مجرّد قول « لا إلهَ إلاّ الله » يكفي – في مأثور السُّنّة – أنْ يُدخل المرء في عداد المؤمنين، ودخوله في عداد المؤمنين يعصمه من وصمة الكفر (دون دخول في تفاصيل درجات الكفر وأنواعه بين الخوارج والشّيعة والسُّنة). ويكفي أنْ نلاحظَ أنّ سيّد قطب لم يستثنِ أحداً من هذه الرّدّة الجماعيّة.

– ويقول أيضا: «إنّه ليس على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة ولا مجتمع مسلم قاعدة التّعامل فيه هي شريعة الله والفقه الإسلاميّ» (4/2122).

ونلاحظ أنّه لئن لم يعد مقبولا في العالم المعاصر شرقا وغربا تصنيف المجتمعات على قاعدة الكفر والإيمان فإن سيّد قطب الذي يعزف خارج روح العصر ينتهك أسس الحداثة فلا يكتفي بنعت الدولة بالكفر بل جمَعَ إليها المجتمع؛ وذلك هو سرّ تسميته العصر الحديث بجاهلية القرن العشرين!

– ويقول أيضا: « لعلَّك تبيّنت ممّا أسلفنا آنفا أنّ غاية الجهاد في الإسلام هي هدم بنيان النّظم المناقضة لمبادئه (…) بل ممّا يريده الإسلام ويضعه نصب عينيه أنْ يحدث هذا الانقلاب الشّامل في جميع أنحاء المعمورة » (3/1451).

ونلاحظ أنّ كلمات سيّد قطب نفسها (هدم بنيان النّظم- الانقلاب الشّامل) تكفي لفهم الفكر الواحدي الدّغمائي التّوتاليتاري الذي يدعو إليه.

لقد صدرت فعلا من بعض رموز الإخوان مناقشات لهذا التوجه فقد أصدر حسن الهضيبي- وهو خليفة حسن البنا- كتابه الشهير (دعاة لا قضاة) وفيه ردود على سيد قطب تحاول أن ترقى إلى مستوى الدحض المنهجي والفكري ولكنها بقيت غير مؤثرة في السواد الأعظم من الإخوان.

كما ظهرت أقوال قوية لأمين صدقي وعبد الرحمن البنان وعبد العزيز جلال وغيرهم تعارض توجه سيد قطب، ومن الردود الجزئية، جاء رد يوسف القرضاوي الذي يبدو أنه يتأثر حاليا بالأحداث أكثر مما يؤثر فيها فيتأرجح – خاصة من الناحية العملية- بين الوقوف في وجه التكفيرية وبين السكوت عليها بل اقتباس بعض مظاهر فعلها وأدائها في الواقع؛ معارضا فكرة التشابه التام بين المجتمع الإسلامي المعاصر ومجتمع مكة الذي واجهه الرسول (ص) عند نشأة الدعوة الإسلامية.

في حين ظهرت أقوال أخرى لمحمد قطب –شقيق سيد قطب- وسالم البهنساوي وغيرهما تحاول التخفيف من وقع سياقات تكفيرية واضحة جاءت في كتاب سيد قطب وكذلك آراء أبي الأعلى المودودي حول جاهلية القرن العشرين بأنهما أرادا جاهلية المعصية لا جاهلية الفكر والعقيدة! وهو – لعمري – تخفيف متهافت لا يصمد أمام وقع الكلمات التكفيرية الحاسمة للدولة والمجتمع ولعامة المسلمين وخاصتهم.

وهكذا يتبيّن لنا أنه ليس من الغريب أن يستمر أبو الأعلى المودودي ملهما لأحدث الأجيال الجديدة المنتمية إلى الجماعة وأن يكون سيد قطب أشهر الزعماء عند الإخوان وأمضاهم تأثيرا في الفكر الحركي والسياسة العملية وأشدهم حضورا في أجندتهم السرية حتى وإن تدثر بعض قادتهم بفكر “ديمقراطي” قشري يلقى على المنابر العامة.

و ليس من الغريب أن يقول عنه الزّعيم الحالي للقاعدة “أيمن الظواهري” في صحيفة “الشرق الأوسط”، عدد 8407- في 19/9/1422هـ: « إنّ سيّد قطب هو الذي وضع دستور “الجهادييّن” في كتابه الدّيناميت “معالم في الطريق”، وإنّ سيّد هو مصدر الإحياء الأصوليّ، وإنّ كتابه “العدالة الاجتماعيّة في الإسلام”، يعدّ أهمّ إنتاج عقليّ وفكريّ للتيّارات الأصوليّة، وإنّ فكره كان شرارة البدء في إشعال الثّورة الإسلاميّة ضدّ أعداء الإسلام في الدّاخل والخارج، والتي ما زالت فصولها الداميّة تتجدّد يوماً بعد يوم».

2- هل تصنَّف التصورات الإخوانية ضمن دائرة الفكر السُّني؟

كثيرا ما يتساءل المرء: لماذا يصطدم محاورو الممثلين “الأنقياء” والرسميين المتأنقين للإخوان في الأغلب (إلا أفرادا نادرين وفي حالات معينة) بمنطقهم السفسطائي التبريري الذي يقلب الحقائق ويشوه المعطيات ويجتزئ الأفكار، وبالتالي يصل بالحوار – لامحالة- إلى طريق مسدود؟ وكثيرا ما يتهم المرء نفسه على أنه “يحمّل” النظرية السياسية الإخوانية ما لا تتحمله من أوزار. ولكن كما قال الكاتب محمد محمود طه “كلما أسأت الظن بالإخوان تكتشف أنك كنت تحسن الظن بهم”؛ فالإخوان يضربون لك المثل الواضح في أنَّ تبني الشّخص لنظام معيّن من أنظمة الفكر الشموليّة، لاسيما العقائدي الديني، يؤدي -غالبا – إلى تبنّي نوعية حادة ونهائية من المواقف المتجاوزة للفرد نفسه Trans-Individuel حتّى لو كان لطيف المعشر دمث الخلق… فتشريح فكرة الربط المغالي الميكانيكي والقسري للسياسي بالديني يوقفك على تمظهرات التّوظيف المغالطي السّفسطائي والميكيافيلي للدّين ظاهرة كانت أم خفيّة. وهذا أيضا ما يجعل الفكر الإخواني لا يمتُّ إلى الفكر السُّني بصلة على الأقلّ من هذه الزّاوية، وهي لعمري قاعدة أساسية؛ وفيما يأتي مزيد من التوضيح:

صحيح أنّ الفكر السُّني وجد نفسه “مطالَبا” تاريخيا بالتّعاطي مع الشّأن السّياسي، وهذا جانب يحتاج إلى تفصيل كثير ليس هذا مجاله، ولكن ما يمكن ملاحظته عمليا وواقعيا أن أغلبية فقهاء أهل السّنة لاسيما الأئمّة الأربعة المشهورين – بمن فيهم ابن حنبل – وكذلك خلفهم المعروفون، لم يقتربوا من لعبة السّياسة اقترابا مباشرا وكانوا بعيدين كلّ البعد عن فكرة تأسيس مؤسّسة شبيهة بمؤسسّة المرشد الأعلى كما تبنّتها الجماعة الإخوانيّة منذ حسن البنّا إلى اليوم (مع العلم أنّ الشّيعة اقتبسوا هذه الظّاهرة من الإخوان المسلمين في شكل مؤسّسة ولاية الفقيه). ورجّح أئمة السنة اعتبار السّياسة شأنا دنيويا وإن كان لها صلة غير منكورة بالدّين بمعناه المناقبي ، فمالوا إلى أنّ الدّين يوفّر للحكم قاعدة إيتيقية- أخلاقية Ethique، ولكنّه لا يمنحه شرعية ومشروعية ومصداقية إلهيّة ومطلقة. ومن هنا جاءت فكرة الأحكام السّلطانية لاحقا، وإن كانت قد آلت إلى الجمود والحصر في صيغ أرتودكسيّة تُسْبِغُ عليها هالة من القداسة التي يطول الحديث حولها؛ فعلى الرغم من أن الفكر السّني يقوم على منطق الفرقة الناجية مما يجعله من حيث جوهره فكرا غير اختلافي ولكن – نظريا وعمليا – نراه يقر بالتعدد المذهبي داخل هذه الفرقة نفسها بل يراه رحمة، في حين يسعى الإخوان إلى التوحيد المذهبي وينادون بتجاوز المذاهب السنية إلى مذهب واحد لجماعة واحدة هي الحقيقة جماعتهم هم كما يتصورونها وربما يرمون –استراتيجيا – إلى إلغاء التعددية المذهبية باعتبارها “مدخلا لتفكك” الأمة كما يزعمون.

لقد ظلَّ السّواد الأعظم من أهل السّنة يعدّون السلطة وظيفة اجتماعية وإن كانت لها علاقة ما بسياسة الدين في جانب ما يصطلح عليه بالمعاملات. لذلك فإن السلطة عندهم تبدو أقرب إلى سياسة الدنيا حتى وإن بدا في الخطاب أحيانا جنوح إلى صبغها بالديني؛ لذلك يجوز عندهم أن تتنوّع أشكال الحكم فيها ولو تنوعا جزئيا بين خلافة وإمارة وسلطنة ومشيخة … إلخ، دون الارتباط المباشر بالشّأن الديني والفرقي والمذهبي؛ فلو ربطوا ذلك الربط الميكانيكي الذي تفعله “نظرية” الحاكميّة الإلهيّة لاقتصروا على نظام واحد وفرقة واحدة ومذهب واحد، ولقال كل إمام منهم بضرورة العودة إلى مذهبه، في حين أنّ ما تمّ هو عكس ذلك؛ إذ يُؤثر عن الإمام مالك بن أنس أنّه رفض دعوة الخليفة العباسي المنصور لاتّخاذ المالكية مذهبا وحيدا للمجتمع والدولة. أمّا الإخوان فإنّهم يذهبون في الاتّجاه المقابل تماما؛ أي إنّهم يسفهون كلّ فكر لا يتطابق مع “رؤيتهم” للحكم والسّلطة، ولا يقبلون -عمليا وفعليا- بوجود مسافة واستقلالية للدّين بل حتّى للمعرفة الدّينية عن نظرية السّلطة. والوثائق التّأسيسيّة لجماعة الإخوان المسلمين الأمّ في مصر والاتّجاه الإسلامي في تونس، وكلّ الفروع الأخرى المنضوية تحت تنظيمهم العالمي تؤكّد ذلك.

إنّ هذا الدّمج البنيويّ الآلي بين السّياسي والدّيني هو الإشكال العميق والعائق الهيكلي؛ لأنّه يكيّف نظرتهم ويوجّهها لكلّ شيء في الحياة بل يحصرها حصرا ميكانيكيّا فيجعلها غير قادرة على الاستمرار والثّراء والانغراس في البيئة الاجتماعية، فإذا هي عقيم؛ حيث تتحوّل معها الحياة بزخمها وتعدّدها وتفاصيلها مجرّد لوح صقيل بارد خال من أي تفرّدات وتميزات، فاقد لمعنى التّعدّد والغنى، ممّا يؤدي بالضّرورة إلى اختزال الحياة إلى مجرد البقاء على قيد الحياة. في حين أنّ الحياة حتّى بالمعنى الدّيني قائمة على ثنائيّة الصّراع بين الصّلاح والغواية المتصارعين جدليّا كما تشير إلى ذلك سورة الشّمس :﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، بمعنى حتميّة صدور الخطأ من الذّات الإنسانية؛ وهذا ما قد يقرّه الإخوان عقديّا وإيمانيّا بحكم الامتثال الآلي في درجته الصّفر للنّص القرآني على مستوى التّقبّل الأوّلي، ولكن لا نجد له صدى واضحا في نظريّتهم، وبالتالي لا يكون له حضور في الأداء السّياسي؛ ولذلك يبدون مدّعين للحقيقة وإلى حدّ كبير للعصمة سياسيا. هكذا ينقلب ما يرومه الإخوان من تقوى إلى فجور، وهم لا يَعون ولا يتدبّرون؛ إذ على قلوب أقفالها.

3- الإخوان بين الانقلابيّة “النّاعمة” والفاشيّة الخشنة على المجتمع والدّولة :

كان الثّائرون في المسارات الثّورية العربيّة قد تقبّلوا الإخوان ومن في حكمهم من الإسلاميين تقبّلا نسبيا في فترة الثّورة التي ظهرت فيها روح تسامحيّة عالية غافلين أو ذاهلين أو متناسين كما يقول “أنّ”الإسلام السياسي“(في المحيط السنّي) هو ـ تعريفا ـ إسلام صهيوني وإسرائيلي، ولا يمكن أن يكون إلا عنصرا من الثورة المضادة. وهذه هي سيرته الحرفية منذ وضع أسسه أبو الأعلى المودودي في العام 1941 حين أسس”الجماعة الإسلامية“، كأوّل حركة تكفيرية في العصر الحديث، قبل أن يتوفى في العام 1979 بينما كان ضيفا على وكالة المخابرات المركزية يتلقى العلاج على نفقتها، وقد كان ابنه الطبيب أحد عملائها”…

ومنذ ما قبل الانتخابات التونسية وفي أثنائها، تأكّد للتّونسي مدى الارتباط النّهضاوي بقوى إقليمية (قطر وتركيا) وعالمية (أمريكا وبريطانيا وحتّى فرنسا) أعطت الضّوء الأخضر لوصولهم إلى السلطة، ووفّرت لهم الإمكانيات الماليّة الضّخمة واللّوجستية المُحكمة: فمن تابع تلك المرحلة إعلاميا يكون قد لاحظ أن معظم القنوات الفضائية كالجزيرة، والعربيّة، والسي أن أن، والبي بي سي، وفرنسا 24 … تركز على الشّخصيات والتحركات والمؤتمرات والفعاليات النهضاوية في كل تقاريرها، وتنشر بيانات الحركة بانتظام بشكل شبه حصري، وتكثر فيها الومضات الإشهارية الفخمة . ثم إنّ المنظّمات التي راقبت الانتخابات كانت أمريكية ولئن كانت غير الحكومية، فإنّها قد كانت موجهة حسب عدد كبير من الملاحظين، وكان يجب أيضا أن تجرى دراسات ميدانيّة دقيقة للتأكّد من مدى حياديّة المراقبين المشكوك فيها. إنّ ضمان الحدّ الأدنى للانتخابات السّليمة في بلد يعيش تجربة ما قبل- الانتخابات الشّفافة والنّزيهة وما قبل الانتقال الديمقراطي ويتواجد الإسلام السياسي على سطح حراكه السّياسي وفي عمقه، لا يكون إلاّ عبر الرّقابة الدّولية وبواسطة منظّمة “الأمم المتحدة”، وهذا ما لم يحدث!

وعلى الأرض أيضا، كما يقال في الصّحافة والكتابات السّياسية، وقف التّونسي على طرائق استقطاب وشراء ضمائر من درج الناسُ على تسميتهم الرّعاع والمجرمين والخارجين عن القانون الذين استخدمتهم النّهضة للترهيب، وتسليط أساليب الضغط النفسي العالي والممنهج على الناخبين.

كما لاحظ التونسي تجنيد نهضاويين موتورين سوف نجدهم قد تآلفوا لاحقا في إطار ميليشيات تسمى زورا “رابطات حماية الثورة” وفرق أخرى سيتم إلحاق بعضهم بالبوليس عبر ظاهرة الأمن الموازي… فعلى صعيد الأغلبية الصامتة لا همَّ لهؤلاء إلا التّبكيت الديني وبث الرعب الأخروي بإشعار الناس بأنهم يخالفون تعاليم الله إذا لم ينصروا “أولياء” الله ، ونشر الأكاذيب والافتراءات عن القوى المدنية والديمقراطية الذين يتلذذون بسبهم بأبشع النعوت كالملاحدة والكفار وأعداء الله والطاغوت والإباحيين والمثليّين والبوهيميين واللواطيين وعبدة الشيطان وعُبّاد الشمس والماسونيين “… إلخ.

وقد كانت خطبهم في الجوامع – بمن فيهم زعيمهم الغنوشي – تلحّ على أن انتخاب النهضاويين جهاد وعلى أنّه أمانة وعدل، وتربط اختيار النّهضة بالاختيار الرّباني… كما مارسوا التّضليل الإعلامي والمغالطة بل الانحطاط السّياسي كخطبة سمير ديلو في المنستير واستمالة البورقيبيين بتبنٍّ رخيص لبورقيبة. واستخدموا الإرهاب الخفيّ في الحارات الشّعبية عن طريق المحاصرة بالميليشيات. وقدموا أنواعا من الرشاوي كالمال المباشر وصرف جرايات، وتنظيم حفلات الختان والزّواج، وتقديم أصناف متنوعة من الهديا الفردية والجماعية كالعطور والأكسية والأغطية والمؤونة، حتّى إنّهم استغلّوا فترة عيد الإضحى أبشع استغلال” فأهدوا” الخرفان للفقراء مع استحلافهم على المصحف للولاء للنهضة. وكلّ هذا يؤكد مصادر تمويلهم؛ حيث تسرّب أنهم يتلقون الدّعم المالي الضّخم من قوى وحكومات إقليّمية ودوليّة(2).

ومن مظاهر الانقلابية التي يبدو أنها انطلت حتى على بعض الأحزاب المشاركة في الحفلة التنكرية للانتخابات السابقة أن بلغ بهم الأمر إلى تزوير واسع النّطاق في المكاتب التي كان بعضهم يشرف عليها في حين يدّعي الحياد الحزبي؛ فمن طرق التزوير أنّهم يضعون علامة أخرى في الأوراق الانتخابية المصوِّتة للأحزاب المنافسة لهم؛ ممّا يجعل تلك الأوراق ملغاة. واللاّفت للنّظر أنّه لا يوجد من ضمنها أوراق تمّ التصويت فيها في الأصل للنهضة ! وقد كان عددُ الأوراق الملغاة ضخما على ما يبدو حسب مصادر استقصائيّة، والتي يجب التأكّد منها بدراسات علميّة ميدانيّة.

وشيئا فشيئا بات حضور شخصيّات الإسلاميين وقادتهم وأنصارهم مثارا للتّوتر لدى معظم الثوار المستقلين منهم والسياسيين المدنيين على اليسار وعلى اليمين، بل إنّ المثير للتّأمل العميق أنّ مصطلح النهضة Renaissance نفسه بات مستبعدا ومتحاشى من التّداول من قبل عدد كبير من المثقّفين في تونس (وفي مصر أيضا) لالتباسه باسم حزب حركة النّهضة، على الرغم من شيوعه لدى المشتغلين بحقول معرفيّة كثيرة كالتّاريخ والسّوسيولوجيا والفلسفة والحضارة، لأنّه استُخدم على نطاق واسع وأكثر من غيره مثل اليقظة والإحياء والبعث والانبعاث، للتّعبير عما شهدته مجتمعاتنا من محاولات للخروج من التّخلف منذ القرن التّاسع عشر؛ فالنّهضة الحديثة لا علاقة لها بالفكر الإخواني بل هو بعيد عنها وحتّى عن مجمل منجز الفكر السُّني المقاصدي.إنّ قائمة أفاعيلهم لا تحصى، وكلّ هذه الأفاعيل لا تُدخلهم فقط في خانة الانقلاب على أهداف الثّورة بل تُدخلهم أيضا في خانة الاستبداد والفاشّية.