أبو بكر الرازي و مخاريق الأنبياء

“إن شئتم أن تعرفوا الله حقا فلا تكونوا كمن يشغل نفسه بحلّ الأحاجي

انظروا حواليكم تجدوه هناك يداعب الأطفال…

ثم ارفعوا أبصاركم في الفضاء …

تبصروه يسير في السحاب، باسطا ذراعيه، بين البروق، وهاطلا مع الأمطار..

ستبصرونه يبتسم في ثغور الأزهار ثم يرتفع إلى السماء، يلوح بيديه من بين الأشجار.”

جبران خليل جبران

” النبي ”

أبو بكر محمد بن يحيى بن زكرياء الرازي فيلسوف استثنائي بمختلف المعايير، كان هذا المفكّر العقلانيّ متعدّد الاهتمامات، التي توزّعت بين الفلسفة والكيمياء والفلك والطبّ والأدب، وعُرف عنه نبوغه وذكاؤه النادران، ويُروى أنّه عندما طلب منه الخليفة اختيار المكان المناسب لبناء أكبر مستشفى في بغداد، تفتّقت قريحته على وضع قطع لحمٍ في أماكن مختلفة من المدينة، وعاد بعد مرور بعض الوقت وعاين درجة التعفن الذي أصابها، مستنتجا أنّ المكان الذي به القطعة الأقلّ تعفّنا، هو أفضل الأمكنة لبناء المستشفى لسلامة الهواء فيه.

ألف الرازي ما يربو عن مائتي كتاب ورسالة، غير أنّ ما هو فلسفيّ منها بوجه خاصّ قد أصاب معظمه التلف بقدرة قادر، وقد ترجمت مؤلّفاته إلى اللاتينية مبكرا، وظلّت تمارس تأثيرها في أوربا لقرون عديدة.

كان الرازي بين أعلام كبار انشغلوا بتحليل مسألة النبوة ونقد الأنبياء، ولم يكن الوحيد في ذلك، فإضافة إلى الفلاسفة لمعت أسماء مثل ابن الريوندي وأبي عيسى محمد بن هارون الورّاق في علم الكلام، وابن المقفع وأبي نواس وبشّار بن برد وأبي العلاء المعرّي في الشعر والأدب. لقد دار جانب كبير من المناقشات بين المفكّرين العقلانيين العرب الأوائل حول مسألة النبوّة. وأبو بكر محمد بن زكرياء الرازي كما ذكرنا من ألمع هؤلاء الذين تصدّوا لمناقشة تلك المسألة، ونظفر بآرائه بهذا الخصوص في ما كتبه في العلم الإلهي والمناظرة بينه وبين المتكلم الإسماعيلي أبي حاتم الرازي، وفي الشذرات التي وصلتنا من كتابه مخاريق الأنبياء الذي تمّ إتلافه، ورغم الحجر الذي فرض على آرائه الفلسفية فإنّ استنطاق ما وصلنا من مؤلّفاته ورسائله، وما أورده خصومه، يساعد على الإمساك بناصية تلك الآراء في خطوطها العامة علي الأقلّ.

لقد تناول مسألة النبوّة من موقع المنكر والرافض لها، وأقام حجاجه بشأنها على أساس العقل، هذا العقل الذي اعتبره القائد والحاكم والزمًام والدليل الذي لا دليل سواه، كما اعتبره ملكا مشاعا للناس كافة، وبإمكانهم متى استندوا إليه بلوغ الحكمة، وعندما يوجّه المتكلم الإسماعيلي السؤال التالي للرازي الفيلسوف: ” هل يستوي الناس في العقل والهمّة والفطنة أم لا؟” تأتي الإجابة واضحة:” لو اجتهدوا واشتغلوا بما يُعينهم لاستووا في الهمم والعقول” أبوبكر الرازي، رسائل فلسفية، بيروت : دار الآفاق الجديدة، الطبعة الرابعة 1980، ص 296.

والملاحظ أنّه يفصل بين النبوة والألوهية، فإذا كان منكرا للنبوّة فإنّه في المقابل يقرّ بوجود الإله، الذي منح الإنسان العقل وحمّله مسؤولية التفكًر والتدبَر، لتحليل وفهم ما يعرض له من قضايا، ونجد فيما تركه لنا تقريظا للعقل ومنافحة عنه حيث يقول: ” بالعقل فضلنا على الحيوان غير الناطق حتى ملكناها وسسناها وذلّلناها وصرفناها في الوجوه العائدة منافعنا علينا وعليها، وبالعقل أدركنا جميع ما يرفعنا، ويحسن ويطيب به عيشنا، ونصل إلى بغيتنا ومرادنا . … وبه أدركنا الأمور الغامضة البعيدة منا، الخفيّة المستورة عنا .. …. وإذا كان هذا مقداره ومحلّه وخطره وجلالته، فحقيق علينا أن لا نحطّه عن رتبته ولا ننزله عن درجته، ولا نجعله وهو الحاكم محكوما عليه، ولا وهو الزمام مزموما، ولا وهو المتبوع تابعا، بل نرجع في الأمور إليه ونعتبرها به ونعتمد فيها عليه، فنُمضيها على إمضائه، ونوقفها على إيقافه، ولا نسلط عليه الهوى الذي هو آفته . ” أبو بكر الرازي، كتاب الطبّ الروحاني، ضمن المصدر السابق، ص 18

وهذه الإشادة بالعقل والحظوة التي تمنح له، يشترك فيها الرازي مع ابن الريوندي، الذي اعتبر العقل أعظم النعم، وأنّه قد صحّ عنه الأمر والنهي، والتحسين والتقبيح ، والإيجاب والحظر. وبالتالي لا حاجة إلى النبوّة إذا كانت تتفق مع العقل، إذ هو يغنينا عنها. أما إذا كانت متضادة معه، فأولى أن نلفظها ونرفضها، ومن ثمّة فإنّه لا حاجة إليها في الحالتين. كما ذهب إلى أنّ نبيّ الإسلام قد جاء بما هو متنافر مع العقل، ” مثل الصلاة وغسل الجنابة، ورمي الحجارة والطواف حول بيت لا يسمع ولا يبصر، والعدو بين حجرين لا ينفعان ولا يضران ” عبد الرحمان بدوي، من تاريخ الإلحاد في الإسلام، القاهرة: سينا للنشر، الطبعة الثانية، 1993، ص 99. كما نفى المعجزة مثل حديث الميضأة وشاة أم معبد وحديث سراقة وكلام الذئب وكلام الشاة المسمومة، وتساءل عن عدم نصرة الملائكة للنبي يوم أحد، عندما توارى بين القتلى فزعا. وأشار إلى الكيفية التي يفهم بها النبي ما لا يفهمه بقية الناس، فإذا كان ذلك بإلهام فإنّ لهؤلاء أيضا إلهامهم، وإن كان بتوقيف فليس في العقل توقيف. كما اتّهم ابن الريوندي النبيّ بأنّه يقول ما يقوله المنجّمون، مثال ذلك قوله لعمّار بن ياسر :” تقتلك الفئة الباغية”.

وهذه الإشارات الوجيزة إلى مضامين نقد ابن الريوندي للنبوة، تكشف لنا أن الرازي قد فكر في تلك المسألة، ضمن تيّار فكريّ كانت له الجرأة لكي يبلور بعض الآراء التي تنتقد الأنبياء من زاوية عقلية وقد مثل تمجيد العقل وتأكيد قدرته على تمكين الإنسان من بلوغ الحقائق، نقطة ارتكاز لا بدّ منها، لدى ذلك التيّار للتحرّر من أسر النبوة، إذ لا حاجة إليها فوظيفة النبيّ عديمة القيمة، إذا كان بمقدور الإنسان إن يدرك الله بعقله، ودون واسطة تذكر، فضلا عن إدراكه لشتى الصنائع الفكرية والعملية.

ومن هنا، فإننا إزاء قول فلسفيّ جذريّ في عقلانيته. فإذا كان بعض الفلاسفة أمثال ابن رشد وابن ميمون وسبينوزا ولوك سيقولون إنّ الحاجة إلى الأنبياء هي حاجة أخلاقية في جوهرها، تتعلّق بما هو عمليّ فإنّ الرازي يرى أنّ الحاجة تنتفي إليهم في الأخلاق كما في المعرفة، في العقل العمليّ كما في العقل النظريّ، إذ العقل برأيه هو المرشد أخلاقيا وعلميا على حدّ السواء، فهو يضفي عليه من حيث وظيفته طابعا شموليا، لا تفوته صغيرة ولا كبيرة إلا أدركها، وما عجز عنه اليوم يبلغه غدا، والوهم كلّ الوهم كما سوف يقول سيغموند فرويد لاحقا عن العلم “أن نتصور أنّ في وسعنا أن نجد لدى غيره ما لا يستطيع هو أن يقدمه لنا ” فرويد، مستقبل وهم، ترجمة طرابيشي، بيروت، دار الطليعة، الطبعة الرابعة، 1998،ص 77 . وعلى هذا النحو يطرد الرازي الوحي والإلهام وهما المرتكز الذي تقوم عليه النبوة من دائرة انشغاله، ويجرّدهما من أية وظيفة معرفية في النظر والعمل كما ذكرنا، وهو بهذا يحتلّ موقعا خاصّا ضمن تاريخ الفلسفة، قياسا إلى غيره من الفلاسفة إذ ينتمي إلي قلّة قليلة منهم أخضعت المقدّس إلى سلطة النقد.

مع الرازي نحن في حضرة علمنة مبكّرة للعلاقة بين الدينيّ والفلسفي، بل إنّ الأمر هنا لا يتعلّق بمجرّد فصل، والاكتفاء بالقول إنّ لكلٍّ مجاله ولا ينبغي أن يتدخّل هذا في ذاك، أي الاكتفاء بالحدّ الأدنى الممكن بلوغه، وإنما بطرد للنبوة وما يرتبط بها من تقديس من مجالي العمل والنظر، باعتبارها مجرّد كذبة كبرى ( مخاريق الأنبياء) صدّقها الناس فأضحوا عبيدا لها، فتحوّلت إلى قيد يمنعهم من رؤية الحقائق كما هي، فالعقل هنا لا شريك له في كلّ شيء يتعلّق بالمعرفة في مجالاتها ودروبها المختلفة. وبهذا فإنّ رؤية الرازي الفلسفية لمسألة النبوة، رؤية تطلب الأقصى.

تقع النبوة خارج نطاق العقل لذلك ينبغي رفضها، هذه هي القاعدة التي تقوم عليها ملاحظات الرازي ومواقفه، وعندما يبطل النبوة، فإنّه يبطل في نفس الوقت مشتقاتها، وما جاورها مثل الوحي والإمامة والولاية، وبالتالي يحيل ذلك الكمّ الهائل من الشيوخ والأئمة والدعاة على البطالة، ويحرر مريديهم من السلطة الآسرة التي يمارسونها عليهم.

وتقوم اعتراضاته على النبوة على حجج عقلية، فاصطفاء شخص بعينه ومن شعب بعينه لا يخضع لاعتبارات عقلية وإنما لاعتبارات فوق عقلية، فذلك الاصطفاء هو ما روّجه الأنبياء عن أنفسهم ونسبوا ذلك إلى الله، لذلك ينقل عنه أبو حاتم الرازي قوله :” من أين أوجبتم أنّ الله اختصّ قوما بالنبوة دون قوم، وفضلهم على الناس وجعلهم أدلّة لهم، وأحوج الناس إليهم؟ ومن أين أجزتم في حكمة الحكيم أن يختار لهم ذلك، وُيشلي بعضهم على بعض ، ويُؤكّد بينهم العداوات وُيكثر المحاربات، ويُهلك بذلك الناس؟ ” الرازي، رسائل فلسفية، مصدر سابق، ص 295

والواضح أنّه ضدّ الخلفية الإيديولوجية التي يقوم عليها اصطفاء النبي من شعب بعينه دون بقية الشعوب، ومن قبيلة بعينها دون بقية القبائل، والله بحسب الرازي لا يمكن أن يرتكب مثل هذه الفعلة، فالناس متساوون ولا فضل لهذا على ذاك، كما أنّه لا يمكن أن يصطفي فردا بعينه ويميزه عن غيره، بل إنّه يذهب إلى أبعد من هذا، معتبرا أنّ ذلك التمييز والتفضيل والاصطفاء من شأنه أن يؤدّي إلى العداوات والمشاحنات، وبالتالي الحروب وما تخلّفه من ضحايا، إذ ” الأولى بحكمة الحكيم ورحمة الرحيم أن يلهم عباده أجمعين معرفة منافعهم ومضارهم في عاجلهم وآجلهم، ولا يفضل بعضهم على بعض، فلا يكون بينهم تنازع ولا اختلاف فيهلكوا. وذلك أحوط لهم من أن يجعل بعضهم أئمة لبعض، فتصدّق كلّ فرقة إمامها وتكذّب غيره، ويضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف، ويعمّ البلاء ويهلكوا بالتعادي والمجاذبات، وقد هلك بذلك كثير من الناس كما نرى ” المصدر نفسه والصفحة نفسها، وفي هذا إشارة وتنبيه إلى مخاطر الطائفية التي تؤدي لا محالة إلى التعصب والاقتتال والفتنة.

واللافت تلك النزعة العقلية المبكّرة التي تسم خطاب الرازي وهو يتحدث عن النبوة، فإذا كان المتكلّم الإسماعيلي أبو حاتم الرازي في حواره معه يؤكد حاجة الناس الدائمة إلى إمام يرشدهم، ومعلم يأخذ بيدهم، بما في ذلك في مجال الفلسفة، فإنّ أبا بكر يسخر من هذا الموقف ويبين تهافته، فالناس، كلّ الناسن بإمكانهم متى طلبوا العلم أن يدركوه، والفلسفة نفسها لا ينبغي استثناؤها من ذلك، حيث يقول متحدثا عن الفلسفة معترضا على كلام أبي حاتم ” لم أخصّ بها ( الفلسفة ) أنا دون غيري ولكني طلبتها وتوانوا فيها، وإنما حرموا ذلك لإضرابهم عن النظر لا لنقص فيهم، والدليل على ذلك أنّ أحدهم يفهم من أمر معاشه وتجارته وتصرفه في هذه الأمور ويهتدي بحيلته إلي أشياء تدقّ عن كثير منّا، وذلك لأنه صرف همته إلى ذلك، ولو صرف همّته إلى ما صرفت همتي أنا إليه وطلب ما طلبت لأدرك ما أدركت،” المصدر نفسه، ص 296. ألا يذكرنا هذا الكلام بما سيقوله ديكارت لاحقا من أنّ العقل هو الملكة الأعدل توزيعا بين البشر، وأن المشكلة لا تكمن في امتلاكه أو عدم امتلاكه وإنما في حسن أو سوء استعماله؟

والمحاجّة هنا واضحة المعالم، فمن يُضرب عن إعمال العقل يقبع في غيهب الجهل، ومن يتعقل المشكلات التي تعرض له يدركها، ويجد لها الحلول التي تناسبها، والمثال الذي يسوقه الرازي في ثنايا تلك المحاجّة هو ما عليه إدراك الناس في هذا المجال أو ذاك من مجالات النشاط من دراية فائقة وحذق كبير، مما يعني أنهم لو تعاملوا مع بقية المشكلات بنفس الهمّة لكانوا على علم غزير، ولا تخفى هنا الخلفية الأفلاطونية التي تسكن كلام أبي بكر، فسقراط كان قد أكّد أنّ الإنسان أيّ إنسان يمتلك بحكم طبيعته ذاتها القدرة على بلوغ الحقيقة، فنفسه عندما كانت في العالم العلوي كانت تعرف الحقائق كما هي، ولكنها عندما حطّت رحالها في العالم السفلي نسيت ما كانت قد عرفته، ويكمن دور الفيلسوف في مساعدتها على تذكر تلك الحقائق، فالعلم تذكر والجهل نسيان.

لقد تميّز الرازي عن معظم الفلاسفة العرب، الذين وإن نظروا إلى النبوة من زاوية عقلية فإنهم لم يصلوا إلى حدود إعلان بطلانها، وبالتالي إعلان التمرّد على سلطتها عدا استثناءات قليلة. ربّما لأجل هذا نقم عليه المتكلمون أمثال أبي حاتم الرازي والكرماني وناصر خسرو، بل إنّ بعض الفلاسفة لم يدّخروا جهدا في إبراز اختلافهم معه أمثال ابن سينا والفارابي وابن الهيثم وابن ميمون. وفي عصرنا أعيد للرازي بعض الاعتبار من خلال نشر ما تيسر من مؤلفاته وقد امتدحه معروف الرصافي بقوله :

قعدت بأوساط القرون فجاءني أبو بكر الرازي فقمت لإجلال

فتي عاش أعمالا جساما وإنما تقدر أعمال الرجال بأعمال

أتي فيلسوفا للنفوس مهذّبا بأفضل أفعال وأحسن أقوال