أحلام جافّة

شاحنة متوقّفة عند المقبرة المجاورة، أكوام الجثث المتعفِّنة، الذّباب المتطاير هنا وهناك، الذّباب كان أعمى، أنا وأنتِ، كنّا نرمي الجثث بوجوه فرِحة إلى الشّاحنة، كنتِ تتساءلين متى سننتهي من الإحصاء، إحصاء الجثث، حلم

 

 

يراقب المدينة، من شرفته المطلّة على متّسع منها، عار نصفيّا، يقشّر بيده اليمنى البرتقالة – الخضراء المتمازجة مع البرتقالي الخافت – أرادَ أن يرشق القمر بالقشور في يده اليسرى، حلم

 

كان في المسرحيّة ذا دور قصير ووحيد، يمتدّ عدّة أجزاء من الدّقيقة الإلهيّة، كان دوره يقتضي أن يكون أبلهاً، جامداً، عليه أن يراقب ولادة الشّمس، من معاناة اللّيل الطّويل، حلم

 

والده الذي يجهل أنّه شاعر، يتفاخر بأنّه أنجبه، والدته الوديعة تدعو بصوت مسكين طاهر بالنّشاز، يسند والده كتفه لكتف حلم قديم، ثملاً يرقد فراشاً رثاًّ، مرتدياً ثياباً ممزّقة… حلم

 

مقابر…

شخصان، أنا وأنتِ، ننبش المقابر بحثاً عن ذهب صدئ، كلاب شاردة نأت بنفسها عن فعلنا الدّنيء… حلم

 

رجل مسنّ، يرتدي الأسود، ظهر من خلف شاهدة قبر أبي الحي، يتّكئ على عصا قدَّت من شجر التّوت البري، يُجري حسابات غامضة، عمليّات رياضيّة، بعد ستّة عشرة سنة أنت ميّت، أخبرني… حلم

 

 

امرأة، قعيدة، كرسيّ ذو ثلاث عجلات، طفل متّسخ، يتصبّب عرقاً، كنّا نسير معاً على طول طريق خال إلّا من جذع شجرة… حلم

 

 

كان الصبيّ الصّغير يجلس القرفصاء عند زاوية الشّارع المؤدّي إلى متجر مشروبه المفضّل “الفودكا”، تحوم فوق رأسه أرواح لا يراها إلّا صاحب الحلم، روحا جدّتيه اللّتان حُرم من رؤيتهما صغيراً… حلم

 

 

الفتاة البالغة من العمر أكثر منّي، كانت تنظر صورة والدها المعلّقة على حائط طينيّ، كانت تخاطبني، “حلمت برؤية والدي خارج قبره”، تمنّيت حينها لو تبادلنا أدوارنا… حلم

 

تجمَّع الأطفال على مكبّ النّفايات في الحيّ، يجمعون العلب المعدنيّة ليبيعوها إلى البائع المتجوّل، مقابل ثمن بخس أو بعض المثلّجات الذّائبة بفعل شمس الصّيف الحارقة، نأى أحد الفتيان الصّغار عنهم، كان بودِّه أن يراقبهم ليس إلّا… حلم

 

تجمّع الأحياء حول جثّة من تراب، ليلقنّوها تعاويذ بلغة غير مفهومة، تمتمات إنسانيّة تافهة، لم يعلموا أنّ الجثّة كانت تلقّنهم جميعهم ذرّات غبارها المتطاير، حاملةً موتاً برسم التّأجيل… حلم

 

غرفة مظلمة إلى حدَّ الاختناق، نافذة صغيرة مربّعة، الدّمية الصّغيرة جالسة تحت شعاع الشّمس القادم من النّافذة، الدّمية تسند ظهرها إلى الجدار الإسمنتيّ، تؤنّبها كثيراً عمّا فعلته… حلم

 

كان الطّريق متمايلاً على غير عادته، خالياً كما اعتاده، في كلّ زاوية من زواياه، كانت هناك جثّة هامدة لحلمٍ، أُغتُصب وذبح بسكّين مثلوم… حلم

 

مقبرتان، إحداهما سوّيت بالأرض تحوي قبورا صغيرة، والأخرى تحوي قبورا – حين موتهم كانوا مسنّين – في المقبرة الأولى يلعب الصّغار على عظام أقرانهم، أيّها الصّغار ما أغباكم… حلم



هناك جمع من الفراشات، بيضاء اللّون تحاول الطّيران بجناح وحيد، يفلح البعض بالمهمّة ويفشل الكثيرون، الصّبية الأشقياء يرشقونها بشتائم كثيرة، وحجارة قاسية ميّتة القلب… حلم 



الفراشات ذاتها، في حلم آخر، تحاول جاهدة الفرار بعيداً عن مرمى حجارة الصّبية، الصّبية مستهدِفون بارعون والفراشات أبت الابتعاد، لأنّها اعتادت، إحراق نفسها بالنّار، لتخلق لنا جمالاً خالصاً، في هذه الآونة الضيّقة من الحلم آثرت الحجارة النّار… حلم



نعش من حجر، رجل أسود برداء قسّيس، يحاول جاهداً، أن يجعل ملمس الحجر ناعماً، مهمّة شاقّة جدّاً لكنّه مستمرّ… حلم