أناييس نن: غول اليوميات الذي افترس الرواية – أناييس نن

لم تتسع شهرة أناييس نن ـ الكاتبة الإشكالية – إلا بعد أن صدرت المجلدات السبعة أو الثمانية ليومياتها الممتعة. ولم تبلغ رواياتها مرتبة القبول والمجد الذي حظيت به اليوميات، وتكمن أهمية هذه اليوميات المثيرة في كونها رؤية بانورامية للقرن العشرين، رؤية إبداعية ونفسية وعاطفية لأحداثه، ولحيوات مبدعيه الكبار، ولأهم المدارس الفنية والأدبية التي ظهرت خلال العقود المبكرة منه في احتدام أحداثها وفوراتها الفكرية والسياسية، حيث عاشت أناييس نن في باريس بصحبة أسماء لامعة من مبدعي العالم الكبار…

 

عندما عزمتُ على ترجمة مختارات من يومياتها، كنت مسحورة برؤياها المميزة وبقوة بصيرتها ونفاذها، وبحدسها الأنثوي إزاء أعماق النفس الإنسانية والعالم، وأشد ما أغواني هو غنى حياتها بالتجارب وتنوع الخيارات والتغير الواعي للمواقف الذي يعاب على المثقفين القيام به عندنا بسبب السلطة القامعة للأيدلوجيات المهيمنة سياسية أو دينية أو اجتماعية، والدوغما المتصلبة التي نعاني منها في مجتمعنا المتكلس المستسلم لقوانين وأعراف عتيقة رثة تتحكم بالحياة والوجود والعلاقات الإنسانية.

تقاسمت مع أناييس نن متعة الغوص في أعماق النفس الإنسانية، ثم الامتداد إلى خارجها وإلى هوامشها عن طريق تقصي الأعماق السحيقة لتأسيس ارتباط حقيقي بالآخر والما حول، وكنت ألهث معها وهي تعوم في هيولى المشاعر والنوايا والأزمات الروحية للمبدعين من أصدقائها، وأمضي معها قدما وهي تكابد علاقاتها المعقدة مع الرجال والنساء، لكأنها تعكس صورتي – صورتنا في مرايا يومياتها الفريدة وتؤشر إلى نقاط الوهج أو إلى الثقوب السود في أرواحنا القلقة وتؤشر سلطة الحلم على الواقع اليومي لحياة المبدعين.

جانب شخصي جدا وأساسي أغواني للعمل على ترجمتها، إنه خط التطور الروحي والنفسي المتنامي والتبدلات الديناميكية في المواقف إزاء أحداث عصرها لتشكيل فهم أو نوع من خبرة مبنية على التراكم المعرفي، واشتباك العقل مع المخيلة وحدس القلب والتجربة الشخصية.

ومن هذه المواقف موقف أناييس نن من الموضوعة النسوية وفهمها المغاير للسائد من طروحاتها النظرية، إذ كانت تأخذ على النسويات تبديد طاقاتهن في البحث عن أسباب ومبررات لمعاداة الرجال، وتدعوهن إلى الانشغال بالإبداع الذي يكشف عن ذواتهن الفاعلة، والعمل من خلال الإبداع والعلاقات الإنسانية على إقناع الرجال المحيطين بهن للمشاركة في إنجاز التحرر الإنساني من المخاوف ومعوقات الحرية التي تجابه كلا الجنسين، ليكون كل شخص حقيقيا وأمينا ومدركا لواقعه، قادرا على اجتراح أحلامه الخاصة.

ببراعة الرائية وعِرافة الساحرة، نجحت أناييس نن عبر يومياتها في إجراء فصل دقيق بين العواطف والأفكار، وتجلى ذلك في موقفها من الحرب الأهلية الأسبانية، وفي تطوعها لمساعدة اللاجئين والفارين الأسبان إلى فرنسا، دون أن تنسى إعلان ازدرائها وإدانتها للقتلة من طرفي الحرب الأهلية. وقد صرحت مرارا بنقدها للتجمعات الماركسية التي أخذت تجيّر الموضوعة الإنسانية لصالح الأيدولوجيا، ولم تتردد لحظة في توجيه نقدها لشخصيات أدبية لامعة…

اهتمت مجلدات اليوميات السبعة – التي تغطي سنوات الثلاثينيات والأربعينيات وصولا إلى السبعينيات- بمتابعة مجموعة من الأحداث والأسماء والإنجازات الفنية والحركات الفكرية، وكشفت عن عدد من العلاقات الإنسانية المميزة بين أناييس نن وبعض مبدعي زمنها، ومن بينهم هنري ميلر ولورنس داريل وانطونين آرتو والمخرجة مايا درين والشاعر جول سوبر فيل ودرايزر وسواهم من شعراء ورسامين من أسبانيا وأميركا اللاتينية واليابان.

يتلخص سحر حياة هذه الكاتبة في مفردة أساسية وبسيطة ومتاحة لمن يجيد استثمارها: إنها مفردة (الحركة) التي تنطوي على إمكانية الانتقال من الواقع إلى الحلم، فهي ترى في الحركة أسلوبا إبداعيا لتغيير عالمنا من عالم رث عتيق، إلى عالم جديد مثير عبر الإبداع والعمل والرحلات والعلاقات الإنسانية المختارة، وتذوق الفنون والاندماج في تيار الزمن، بوعي حركية الواقع مرة، وعبوره إلى الحلم مرات.

وقد عُرفت أناييس نن عالميا من خلال نشر وترجمة اليوميات إلى لغات عالمية عدة، كما اشتهرت في مستهل الأربعينيات بكتابها “دلتا فينوس”، وهو كتاب نصوص إيروتيكية كتبتها من أجل كسب سريع للمال، لكنها لم تتخلّ عن براعتها الفنية وشعرية لغتها وخصوصية رؤيتها للعالم.

ولدت أناييس نن في ضاحية “نويي” الباريسية سنة 1903 لأب أسباني كان عازف بيانو ومؤلفا موسيقيا، ولأم ألمانية الجذور كانت ابنة دبلوماسي ألماني عمل في أميركا وتوفيت بالسرطان سنة 1977 في لوس انجليس. تنقلت خلال حياتها بين كوبا وفرنسا وأميركا، ثم استقرت في العقود الثلاثة الأخيرة من حياتها في أميركا بعد أن أمضت بعضا من طفولتها وشبابها في هافانا. انتقلت إلى باريس وعاشت حياة استثنائية حفلت بالأحداث وغزارة الإنتاج وتنوع الأعمال التي مارستها الكاتبة، قبل أن تنطلق شهرتها وتعرف في الأوساط الثقافية الفرنسية…

عملت أناييس نن في مستهل شبابها عارضة للأزياء وموديلا للرسامين وراقصة تؤدي الرقصات الأسبانية ومساعدة للمحلل النفسي الشهير “اوتو رانك”. وكانت لا تزال كاتبة مبتدئة ومغمورة حين اقتحمت حياة باريس الثقافية والاجتماعية في عقد الثلاثينيات، وإلتقت هنري ميللر وأنطونين آرتو ولورنس داريل، وأسست مع رسام وشاعر منفي من البيرو اسمه غونزالو دار نشر صغيرة وكانت تنفق كل ما تحصل عليه من أموال لمساعدة أصدقائها المبدعين هنري ميللر والآخرين الذين كانوا يعيشون في عوز دائم.

قفز اسم أناييس نن إلى قائمة أعلى المبيعات في الولايات المتحدة وبريطانيا بعد وفاتها بشهور قليلة سنة 1977عندما ظهرت مجلدات يومياتها المترجمة إلى عدد من اللغات وحفلت السنوات العشر الأخيرة من عمرها بغزارة الإنتاج رغم معاناتها من مرض السرطان وخضوعها للعلاج الكيمياوي في مستشفيات نيويورك واليابان.

قدمت أناييس نن عددا هائلا من المحاضرات في الجامعات والجمعيات الأدبية والفنية ، فقد أهّلتها براعتها الفنية و منجزها لاحتلال هذا الموقع المميز وتقديم خلاصة تجاربها للآخرين. ومنحتها إحدى الجامعات درجة دكتوراه شرف تقديرا لإبداعها.

كانت أناييس تحتجب أشهرا وتغرق في الكتابة ثم تعود لتنضم إلى مجموعات أصدقائها ورحلاتها ومحاضراتها التي كانت تعيش من أجور تقديمها في الجامعات والجمعيات. وفي العامين الأخيرين من حياتها الحافلة، أصبح من المتعذر عليها التنقل والسفر وإلقاء المحاضرات، إلا أنها كانت تقاوم كل آلامها وتذهب لتحاضر أو لتستقبل مجموعات الطلبة من دارسي أعمالها في منزلها. وقد أشرفت خلال العامين الأخيرين من حياتها على ترجمة يومياتها المبكرة إلى اللغة الإنكليزية رغم وهن قواها وسقم صحتها.

صدر أول مجلد من اليوميات سنة 1966 وتم اختيار مادته من بين جبل من الكراسات التي أودعتها أناييس في بنك بركلي. وشكل ظهور المجلد الأول انعطافة حاسمة في حياتها وشهرتها.

***

صفحات من اليوميات

نوفمبر 1945

أنا شغوفة بأصدقائي من الشباب

والشباب ينجذبون إلي لأنني شريكتهم في حلم التغيير

أدركت الآن علة شغفي بأصدقاء من الشباب ، صداقتي العميقة المفعمة بالرقة والتفهم لهم:

ليوناردو – بابلو – مارشال – شارل دويتس، ترى لماذا لم أتوصل إلى إدراك هذا اللغز من قبل؟

أنا الآن امرأة ناضجة كبيرة تخطيت سن الشباب، وهم يصغرونني بعشر أو خمس عشرة أو عشرين سنة وربما أكثر من ذلك.

بابلو يعبر عن أفكاره بحركات جسدية، وليوناردو يبقى مغلفا بسدم المراهقة، تلك السدم المنتشرة الممتدة التي نراها تحيط بالكواكب في مواقعها النائية.

مارشال في العشرينيات من عمره، يميزه الدفء والتألق والحيوية شأن كوكب عطارد…

شارلز دويتس رجل متشكل من كريستالات الشعر الخالدة غير القابلة للذوبان أو التلاشي، عيناه العميقتان تبثان شارات القلق والارتباك كل لحظة.

لم أكن معهم لأني أريد حمايتهم أو لأكون دليلتهم فأقودهم، بل لأني أشاركهم الأفكار والمشاعر ذاتها. كنت مطالبة بأن أكون تلك الأم الحكيمة أو الملهمة التي تثير التأملات، وكنت مطالبة بأن أكون الكائن الكامل المقاوم لكل تغيير، كانوا جميعا يمثلون حقيقتي الجوهرية التي تقربني من طموحاتهم واحتياجاتهم.

إن روح الشباب تضيء عالمنا وتعمل على تغييره من عالم قاتم ظالم ومحسوم ومتصلب، إلى عالم متدفق متاح إلى حد رائع ، عالم سهل القياد قابل للتشكل والتغيير، وكأنه ولد للتو.

كنت أسميهم “الأولاد الشفافين”، وعندما تجرأ الناقد إدموند ويلسون على الانتقاص من المتعة التي أحسّها في صحبتهم لأنهم لا يشكلون صحبة تليق بامرأة كبيرة، وجدت في قوله ما يبعدني فعلا عن النضج ويسحبني نحو المستقبل، إليهم. مقابل ذلك، كانت صحبة إدموند ويلسون تفتقر إلى المتعة. فهو رجل شره إلى الطعام ويتحول الحب معه إلى حالة واقعية خالية من أية متع روحية. إنه أشبه بالنثر الثقيل، عالمه مكون من مجموعة من الأفكار الجاهزة والتقاليد الثابتة، لذا تمردت على تلك التعاليم المنقوشة فوق الصخر والتي يتعذر تغييرها، مثلما هي حياته وكلماته وكتابته: محض نقوش على الصخر. غادرته وعدت إلى عالم الشفافية حيث يتحدث الشباب بعفوية وتلقائية ويتصرفون وفقا لأحلامهم ويبحثون عن سبل لتحقيق أخيلتهم.

في هذه الفترة تخلصت من الرعب والخوف اللذين تملكاني في مواجهة الجمهور، ووافقت على الظهور في أمسية للقراءات الشعرية لإحدى الجمعيات. لبثت هادئة طوال النهار وأردت أن أبدو في اكتمال فتنتي، فارتديت بذلة سوداء مع قميص وردي وصحبت صديقتي فرانسيس، وبدأ قلبي بالخفقان حتى أوشكت أن أسمع وقع نبضي المتسارع ..

كانت الأضواء الساطعة تنهمر أمامي، داهمني الرعب أول الأمر، ثم قرأت محاضرتي القصيرة ومقطعا من نص “هذا الجوع” بعنوان “إنها تتحدث مع الطفل في أعماقها”. ثم قرأت”راج تايم”. صفق الجمهور، لكني لم أستشف ردود الأفعال الحقيقية، إنما أحسست أنني أكتب نصي هذه اللحظة وأستمتع به. كان التصفيق حارا وهائلا. وقعّت على كتبي، وأحسست بتألقي وقهري للخوف بتواصلي مع قرائي… آه، لقد تحررت من قوقعتي.

قالت فرانسيس: لقد أحسنت القراءة فاستمتع الجمهور.

غادرنا الى إستوديو مايا درين، ورقصت مع بابلو…

لا يستطيع المرء تغيير صورة العالم إلا من خلال العالم الشفاف الذي نبصر الروح عبر شفافيته ونعثر على إمكانيات التغيير والخلق، إن حلم الأولاد الشفافين – هو هذا الضوء في أعماقهم.

رأيت أحذية شفافة وأغرمت بها. إنني أحب الكريستال. أحب الشفافية.

عن سطوة الخجل: كيف نعرف عن المخاوف التي تغير كل شيء؟

كانت أعظم مخاوفي هي مواجهة الجمهور المجهول، أرهبتني تلك التجربة: أن أكون خارج دائرة أصدقائي التي أشعر داخلها بالأمان… بحثت عن السبب وعالجته بالتحليل النفسي، نحن كالأطفال، لقد اعتدنا أن نشعر دوما أننا لن نكون محبوبين ما لم نكن طيبين، (حسب تعبير الأهل). وعندما نبدأ بتأكيد جوانب شخصياتنا، ينبذنا الأهل.

لقد كبرنا ونشأنا على فكرة أننا إذا كنا أنفسنا حقا، فإننا سنكون مرفوضين. كذلك شأن المبدع بخاصة في ميدان الأدب – نحن نعبر عن نفسنا الحقيقية، ولكننا نخشى أن لا يتقبلنا الآخرون بسبب الذات الحقيقية، ويبدو علينا الجبن والخجل، نستطيع التغلب على الجبن مع أولئك الذين يفهموننا ويتقبلوننا. والآن عندما أواجه العالم بنفسي وحقيقتي التي عبرت عنها في نصوصي، تحدث الأزمات وتثار الأسئلة:

– هل أكون محبوبة؟ هل سيرضون عني ؟ أم أنني سأعاقب وأنبذ ؟

فليسقط الخوف، في الليلة الماضية دخلت التجربة واجتزتها بتفوق.

لا تصلح كتابات أدموند ويلسون للجمع بين الأوكسجين والفراشات المحلقة في الفراغ. إنها تنصاع دوما للجاذبية الأرضية وتتدحرج باتجاه الأسفل. إنه ناقد تقليدي يعوزه الإلهام. يقدم ويلسون صورة الكائن الراشد، وهذا يعني – الرغبة – السلطة والمصلحة الذاتية. أهداف عالمية، بينما تكتنف عالم المبدعين ضروب من الزهد والنقاء الإنساني.

نوفمبر 1945

أخبرني ليو ليبرمان أنني أبدو في فيلم المخرجة مايا شبيهة بالشاعر “شيلي” ولي الشفافية التي تميز شخصيته.

عندما أبدا في التركيز على مفردة محددة مثل مفردة “الشفافية”، أكتشف أن عدوى استخدامها قد تفشت بين الآخرين. إنها كلمة السر، المفردة المفتاح. تمر بي أنا وليو ليبرمان نزوات ونتحدث في الهاتف أحاديث حرة بلا قيود. قال ليبرمان إنه سار عبر النافذة ، قلت له أنا موقنة من قدرتك على إتيان هذا الفعل، السير عبر الزجاج دون أن تصاب بأذى، لأنك تملك هبة الواقع المتحول، نعمة الطيران فوق الإخطار والسير عبر الزجاج.

– لماذا تقولين هذا ؟ لقد كان الزجاج موصدا ولم أصب بأذى .

لم يفهمني إدموند ويلسون أبدا، فقد كان يعتقد أنني مثل أوندين التي لم تعرف الحب ولم تكابد عذاباته. كنت أحيا في مدى الوعي وأكتب دوما عن تلك العوالم الأعمق والأكثر جذرية، لأبلغ منطقة الوعي الجمعي لدى النساء.

ثمة مفارقة في الحياة الحلمية، فقد حلمت بأنني أعيش في بيت عائم، فوجدته وعشت الحلم كما تمنيت، ولكن عندما لا تحقق الحياة المحلوم بها ذاتها في الواقع، تصبح فخا مأساويا، فهل حقا إننا نختار شخصياتنا وأصدقاءنا حسب النموذج اللاواعي الذي نحاول البرهنة عليه ؟

لم أكن أصدق أنني سوف أواجه أعداء مستحيلين، إدموند ويلسون هو عدو الكتابة والبحث والحب، إنه ناقد مفوّض بسلطة مطلقة على الأدباء وهو يتربع على عرش صفحة النقد في مجلة نيويوركر. الناس تنحني للاسم دون أن تتساءل عن أحكامه.

***

غادرنا أستوديو المخرجة مايا درين، أمسك مارشال يدي وقال:

– أناييس، هيا نركض، إذا ركضنا بسرعة معينة فلن نبصر قبح نيويورك !

– ليوناردو: حدسي، وغالبا ما يستفز بطريقة طفولية إزاء إستيهامات مفاجئة.

– تشارلز دوتيس: فذ الذكاء ، أكثرهم ثقافة وإدراكا.

– مارشال: أكثر خبرة بالحياة، أعمق عاطفة وحرية.

– بابلو: إنه العاطفة بكاملها، كرنفال أنشطة مرحة، عنيف، تميزه قوة جسدية فائقة.

– يبقى ليوناردو نوعا من سديم، غائم ورطب ومعتم كالمسرنم، أما مارشال فإنه قريب إلى البوح بالمشاعر الإنسانية، وجميعهم على قدر هائل من التهذيب والرقيّ، وهذا ما حببهم إليّ دون سواهم، غير أنهم طوقوني بنوع من سجن وهمي وأعلنوا استنكارهم لكل ما هو يومي وعادي وتافه وكأنه جريمة كبرى.

كانت فرانسيس تقول لي: أنت تبددين زمنك مع هذه العصبة. غير إني كنت أجد الوقت الذي أمضيه في صحبتهم، أكثر غنى وامتلاء من الوقت الذي أمضيه مع إدموند ويلسون. معهم أحس بالإلهام والاندفاع. إنهم يفهمونني بشكل أفضل ويمتلكون المثالية المتطلبة التي تزخر بها الروح الفتية، ومن العسير إرضاءهم، وهم واثقون من إنك لن تخونهم أو تتخلى عنهم. ولكي تفوز بثقتهم، لا بد أن تحافظ على نقائك، وهم موفقون في معرفة خطوتهم الأولى نحو منطقة الوعي. ومن اجل أن تبهجهم، عليك التخلي عن النضج، وأن تكون روحك قد نجت من فساد الواقع.

إن التناظر ما بين الطفل والفنان يكمن في أن كليهما يعيش في عالم خاص من صنعه هو. وكلاهما، الفنان والطفل، يبتدعان عالمهما الداخلي المحكوم بتخيلاتهما وأحلامهما، إنهما لا يفهمان عالم المال أو السعي إلى السلطة، فهما يبدعان دون هدف تجاري، إنهما متمردان على كل المواضعات السائدة وهما لايستطيعان ممارسة الغش والخداع، ويريان العالم الواقعي محكوما بقوانين التسويات والحلول الوسط وخداع النفس وخيانتها. ثمة تواز ٍ بين اللعب في عوالم المراهقة والإبداع الفني. لقد كتب د. رانك عن قضية “اللعب والتخيل”، كما كتب الناقد والاس فاولي في الموضوعة ذاتها:

“إن الشاعر هو الشخص الذي تتبقى فيه حساسية الطفل حتى في مراحل نضجه، ومن هذا النبع تتدفق قصائده”.

أستوديو الفنان نوغوشي في ماغدوكل آلي، من أحبّ الأماكن في نيويورك إلى نفسي، فالمباني هناك صغيرة والشارع مرصوف بالآجر ومضاء بفوانيس غاز تعيد إلى الذهن شوارع إنكليزية وفرنسية عتيقة، ولدى النهاية الموصدة للشارع، تشرئب فيما وراء الجدار أجمة أشجار.

تختلف الاستوديوهات عن البيوت في طرزها المعمارية، إذ تجدها أكثر حميمية من البيوت بما يكتنفها من غموض. أطلعني النحات نوغوشي على نماذج مصغرة لأعماله النحتية الكبيرة، بدت المصغرات أشبه بمدينة تماثيل تجريدية. سألته: هل تحب هذه المصغّرات؟

– أشعر بعاطفة رقيقة نحوها، لأنها تنتمي إليّ، هذه المنحوتات إنسانية وقابلة للامتلاك ،إنها في متناولي وتستلقي في راحة يدي، الأعمال الكبيرة ضخمة جدا وقد اقتطعت مني – إستؤصلت – ووضعت في المباني الكبرى، أو ذهبت إلى متاحف الفن الحديث، إنهم يعجبون بها، لكنها ما عادت تخصني. إنني أحب هذه العوالم التي تخلقها المصغرات.