
{ إلى أدونيس، صديقاً، وشاعراً مُبدِعاً}
{{ ـ أ ـ}}
يجمع “الكتاب”، بين أساليب مختلفة.. ففيه جانبٌ موزون بطريقةٍ تستعيد ذاكرة الوزن الحكائية، قَصْدِياً، بُغْيَةَ التَّطابُق مع الدلالات السياسية ـ الثقافية، وخاصّة في الهامش الأيمن من الصفحة، حيث تُستَعادُ الأحداث التاريخية الدامية، وأحداثُ الفَتْكِ والقَتْلِ.
وفيه نثر بلباس الشِّعر لمزيد من الإحاطة بالتفاصيل، وهو ما نراه في قـراءة المدن الرمزية وفضاءاتِها.
وفيه كذلك أسلوب الكتابة القائم على التفعيلة، بتراكيبها الحديثة، وعلى التفاعيل بصيغتها الكلاسيكية، وهذا قليلٌ جداً.
كلّ هذه الأساليب يتصادى مع الآخر، دون أن يذوبَ فيه، أو يتماهى معه. هكذا يمكن أن يُقْرَأَ ” الكتاب ” بوصفه رواية ـ قصيدة، أو بوصفه شَذراتٍ وتشظيات، أو بوصفه هيكلاً معمارياً مُقَسَّماً إلى “غُرَفٍ”، بشكل يُتِيحُ لكلٍّ منها أن تكونَ، في آنٍ، منفصلةً ومتَّصلةً، عبر خيطٍ هندسيّ جامع وجامح ”
[رأسُ اللغة جسم الصحراء، ص48 ـ 49]
{{[1]}}
بهذا المعنى، فنِّياً، تحَدَّثَ أدونيس عن عَمَلِهِ الشعريّ “الكتاب، أمس المكان الآن”، بأجزائه الثلاثة. اكْتَفَيْتُ، هنا، بالمعنى الفنّيّ، دون غيره، لأنّ ” الكتاب..”، كان عملاً ضَخْماً، من جهة، وعملاً، تَطَلَّبَ إنجازُه أرضاً أوسع، ربما، مما كانت تتطلَّبُه الأعمال السابقة لأدونيس.
في ” الكتاب..”، ثمّة استثمار كبير، لطاقات الكتابة، لم يكن الشِّعْرُ وَحْدَهُ يكفي لِتَمَثُّل طبيعة المساحة التراجيدية التي يَشْغَلُها. لا يُمكن في عَمَلٍ مثل هذا، أن تظل اليَدُ رَهِينَةَ عاداتِها، وأن تظلَّ حبيسةَ نَمَطٍ في الكتابةِ، المسافةُ فيه بين الشعريّ وغيره، هي نفسُها، والشعر هو غير النثر، أو لا يَسْمَحُ أبداً، بحضور ما قد يبدو ” نشازاً “، في خطابٍ ما زالَ يَحْرِص الكثيرون على ” نقائه “، أعني نوعه.
فأدونيس، بما له من خبرةٍ شعرية، نظراً ومُمارَسَةً، اختـار أن يذهب إلى ” الكتاب “، أي إلـى “العمل الشعريّ”، بالمفهوم الذي ذهب إليه مالارميه، أو ما كان رامبو قبلُ، حاولَ أن يَخُوضَهُ، كاختيار شعريّ، أدْرَكَ، ربّما، أن أُفُقَ الرؤية لديه، لم تعُد تَتَّسِع له الأشكال الشعرية المُتاحة.
{{[2]}}
في ” الكتاب.. “، ضاعفَتْ مساحاتُ البياض أمْكِنَتَها، والنص تشظَّى. لم يكتف بالتوزيع الأفقيّ، الذي ما زالَ يحكم شكل التوزيع الشعريّ لدى أغلب الشعراء المعاصرين [ سبق أن نَبَّهْتُ إلى ذلك في تجربة الشاعر الراحل محمود درويش، الذي لم يَكْثَرِت بالسلوك الكتابيّ في توزيع الصفحة ].
العينُ لا تَسْتَقِرُّ في مكانٍ واحد؛ من مكانٍ إلى آخر، مسافاتٌ تفرض يَقَظَةً، ومعرفةً بالخيط الشفَّاف الذي يَصِلُ كُلّ هذه الأمكنة، أو يَشُدُّ بعََضَها إلى بعضٍ.
تَشَظِّي الأمكنة، هو انعكاسٌ لِتَشَظِّي النص نفسه؛ “هيكلٌ معماريّ”، كُلّ ” غُرفَة ” فيه تُفضي إلى أخرى، وكُلّ مكان يَتَشرَّبُ ما قبله، يستوعبه، أو يطويه في تفاصيله.
{{[3]}}
ليس مُشكلاً أن يُسَمِّي أدونيس عمله هذا، ” روايةً ـ قصيدة “، فالبُعدُ التراجيديّ في العمل يسمح بهذا النوع من التركيب والمَزْجِ، هذا إذا افْتَرَضْتُ، انسجاماً مع طبيعة الأفق النظري الذي يشْغَلُني، أنّ المقصود بـ ” قصيدة ” هنا، هو الشعـر، بمفهومه الأوسع، لأنّ مفهومَ ” قصيدة ” لا يَتَّسِعُ لما حاولَ الكتاب أن يخُوضَه، رغم أنّ ” الكتاب “، في بعض اختياراته النصّية، ذهب إلى ” القصيدة “، أو وَظَّفَ بعض مكوّناتها ” الكلاسيكية “، في سياق ” التصادي ” الذي كان اختيارياً في إستراتيجية ” الكتاب.. “.
{{[4]}}
لا يمكن قراءة ” الكتاب.. ” أفقياً، أو عمودياً. إنّ القراءة التي يمكن أن تَسَعَ تشظِّـيَ الكتابة في ” الكتاب.. “، هي القراءة التَّوَسُّعية، أعني قراءةَ مَسْحٍ وانتشارٍ. أستحضرُ هنا، عَمَلَ الأركيولوجيّ الذي يَخْتَبِرُ مساحةَ السَّطْحِ، قبل أن ينزلَ إلى العُمق، أو يخوض في حَفْرِ طبقات الأرض التي فيها يُزَاوِلُ استكشافه.
{{[5]}}
ثمةَ أمرٌ في ” الكتاب.. ” لا بُدّ من الوَعْيِ به، أعني ” السلوك الشّفاهي ” فيه، الذي يحضر بشكل أقوى من ” السلوك الكتابي “. رغم أنّ أدونيس، يُؤكِّدُ، في كلمته أعلاه، على الحضور الخافت للشكل الكلاسيكيّ للتفعيلة، وهي صدىً للصوت في أساسها. فالسلوك الشفاهي في ” الكتاب.. ” يحظى بمساحة أوسع، ويتَّخِذ مظاهر ليست بالضرورة وزنية، بل إنها تَتَلَبَّسُ الخواصّ اللسانية للنصّ، وتتبدّى كأصواتٍ، كثيراً ما تُحيل على شكل الكتابة الصوتية في ” القصيدة العربية القديمة “.
فتكرار الصِّيَغ الصوتية، و”توازي المقابلة”، أو ” توازي التكرار”، الذي يأتي على شكل عبارات تتكـرّر بنفس الأصوات، إضافةً إلى ترديدِ تراكيب، وصيغ معيّنة، وتكـرار الرَّوِيِّ، أو ما يُمكِنُ تسميته بإيقاع التوازي، هي نوع من الصدى الذي يُشير إلى ذلك الصوت البعيد الذي ما زالَ حاضراً في ” الكتاب..” كسُلوك، لم يستطع ” الكتاب.. ” أن يُقَلِّلَ من حضوره، قياساً بالسُّلوك الكتابـي، الذي شـَرََعَ في التَّبَدِّي بوضوح أكثـر، فـي بعض أعمـال أدونيس، الصادرة بعـد” الكتاب.. ”
حين أشير إلى الحضور الشفاهي، قياساً بالحضور الكتابي، فأنا أذهبُ إلى أُفُقِ ” الكتاب.. ” ذاتِهِ، فهو سَعْيُ لتكريس المكتوب، ولوضع الصَّفْحَة في محَكِّ الكتابة. لم تعُد الصفحة، وفق التوزيعات التي تحظى بها صفحات ” الكتاب.. “، مُجَرَّدَ حامِل، أو وسيطٍ، بل صارت دَالاًّ، ضمن دَوَالِّ النصّ، وهذا ما يفترض، في اختيار السلوك الكتابي، أو وَعْيِ الكتابة، بالأحرى، إعطاء الكتابة دَوْرَ الدَّالِّ المُهَيْمِنِ، وليس العكس. هذا لا يحدث في ” الكتاب.. “، ما يحدُثُ، طبعاً، هو بقاء الصوت حاضراً، أعني بناءات النص القديم، التي ليس بالضرورة أن تكون وزناً كلاسيكياً، بل لهذه البناءات أشكال أخرى، بها تُعْلِنُ حُضورَها، ومنها أنماط التوازي الإيقاعي، وغيرها من أنماط التوازي الأخرى، التي هي، في جوهرها، ذاكِرَةٌ، الصَّوْتُ فيها صَدىً لِمُنْجَزٍ نَصِّيٍّ له سياقاتُـه التاريخية والمعرفية والجمالية(1)، التي هـي غير سياقـات النص المكتوب، أو المُحْتَكِم في وَعْيِهِ لمفهوم الكتابة.
{{[6]}}
كما أشرتُ، في كتاب ” الشفاهي و الكتابي في الشعر العربي المُعاصر “، فأنا لا أسْتَبْعِدُ الصَّوْتَ تماماً من الكتابة، للِصَّوْتِ وظيفتُه، كما لباقي الدَّوَالِّ الأخرى. لكن هذه الوظيفة، لم تعد تحظى بدور الدَّالِّ المُهَيْمِنِ، أو الدَّالِّ الأكبر، كما جاء في الشعرية المعاصرة، التي جعلت مِنَ الإيقاع يحظى بهذه الصفة، ويصير هو العُنْصُرَ البانِيَ للشعر، أو المُهَيْمِن في بنائه. فالصوتُ، بالمعنى الذي ذهبتْ إليه ” القصيدة “، وكَرَّسَتْهُ الشعريات القديمة، ليس عند العرب فقط، بل عند السومريين والبابليين قبلهم، أو كما يقول لامبرت، فالنصوص ” في بلاد الرافدين القديمة تُسمَّى ” أغاني ” وتُنْشَدُ غِناءً “، كما أن الأداء الشفوي في السياق الثقافي العام لهذا التاريخ، كان ضرورةً لازمةً، ما دام تَعَلُّمُ الكتابة المسمارية المُجْهِد، كان، يحصُر الكتابة في نُخبة قليلة من الكََتَبَة المُحترفين ” [انظر؛ أترا ـ حسيس، ملحمة الخلق والطوفان، 2008].
{{[7]}}
الشفاهي، كان هو الدَّالُّ الأكبر الذي حَكَمَ ثقافة الماضي، وأسَّس لطبيعةِ الرؤية الجمالية لِلُغاتِ هذا الماضي ذاته(2). فـ ” كلام الله “، كما يُسمِّيه ميرلو بونتي، بما يعنيه من حضور طَقْسِيٍّ، فيه يرتبط الصوتُ بأصدائه البعيدة، القادمة من عالم غيبيّ مجهول، هو ما ظل يحكم طبيعةَ الكتابة، في هذه الثقافات، وفي الثقافة العربية ذاتها، التي كانت، في عمومها ثقافة شفاهية، تُنْقَلُ عبر اللسان، وليس تَدْوِيناً. الكتابة، في هذه الثقافات، كانت تحويلاً للصوت من مجرد هواء، إلى أثر مكتوب، بما ستُخَلِّفُه هذه الأصوات من تَبِعـاتٍ، في صميم المكتوب ذاتـهِ، كما حدث في بنيـة ” الكتاب.. ” ذاتِها. وكما انتبه سعيد الغانمي، في مقدمة ملحمة الخلق والطوفان، في سياق تعليقه على لامبرت وهايدل، تقسيم الشعر البابلي إلى سطور وتقسيم السطور إلى مزدوجات، و المزدوج إلى كلمات “، وهما هنا يُشيران إلى [التوزيع الكتابي]، فيما يُشير الغانمي إلى تحويل الصوت إلى كتابةٍ، أو تدوين الأصوات. فهذا التوزيع، يقول ” لا يتعلَّق بالطبيعة ” الإنشادية ” لهذا الشعر، بل يتعلق بشكل ” تدوينه ” وكتابته. والمعروف أن النصوص القديمة كانت تغيّر حتى في طريقة إملاء الكلمات استناداً إلى المساحة المكانية التي تُكتب عليها، ولذلك فإن شكل ” كتابة ” هذا الشعر لا تتطابق بالضرورة مع الآليات الشفوية لإنشاده وإلقائه “.
{{[8]}}
لا يقتصر الأمر على تدوين النصوص الشفاهية، بل يتجاوزُها إلى الرواية الشفاهية، وما تتعرض له من تعديلاتٍ، أي من إضافاتٍ وتحويرات، كما لا حظ ذلك جاك غودي أثناء جمعه لحكايات خُرافية من شمال غانا [انظر؛ هارلد هارمان، تاريخ اللغات و مستقبلها، 2006]. ” فالنص الأصلي “، لا يمكن العثـور عليه، فهو إما يتلاشى، أو يتَّخـذ صِيَغَ حَكْـيٍ، وكتابـة لا تتطابق مع وضعه الأول أبداً.
إننا بصدد ” كلامٍ تَدَبَّرَتْهُ ذاتٌ إلهِيَةٌ مُتَعَالِيَة “، أو بصدد كلامِ ” الأبِ “، كما يقول دريدا، لأنّ الكتابة هي صنيع الابن، وهي في جميع الأحوال، ” قمة منجزات مجتمع حديث “، كما ينظر إليها الأوروبيون، وهي، حتى في مظاهرها التي بَدَتْ عليها، قبل العصر الحديث، بَقِيَتْ مُحَمَّلَةً بالسلوكات الشفاهية، أو نقلا ًكتابياً، وتدويناً لما هو شفاهي.
{{[9]}}
الكتابةُ، إذن، بالمعنى الذي نذهَبُ إليه هنا، هي إحدى ” مؤسّسات المدنيه الرفيعة “، وهي أحد أهم مُنْجَزَات المجتمع الحديث، وليست مُجَرَّدَ أداة أو وسيط ِتَدْوِينِ الصَّوت، أو إبْدائِهِ، و تَثْبِيتِ حُضُوره، أي بالنظر إليها في إطارها النفعي ـ الوظيفي.
فـ ” تكنولوجيا الكتابة اليوم قد وَسَّعَت أطياف الإبداع الثقافي في المجالات التي لم تكن الشفهية قد تناولتها حينئذ “، كما أنها وَسَّعَت حدود، وإمكانات ” القاعدة الأدبية المكتوبة “، و جعلت اللغة تُغَيِّرُ سياقاتها الجمالية، بما حدث فيها من تَعَدُّدٍ في أساليب الكتابة، ليس في الكتابة اللاتينية فقط، بل شمل أيضاً باقي اللغات المكتوبة الأخرى، التي نَوَّعَت مساحات تعبيـراتها الجماليـة، وأصبحت أكثر ارتباطاً بالمكتوب، منه، بما هو صوتي، أو شفاهي.
الكتابة إذن، وفق ما ذهَبْتُ إليه، عَمِلَت، كما يقول أونج، على تغيير” شكل الوعي الإنساني، أكثر من أي اختراع آخر “. وهو التغيير الذي سيشمل بنيةَ اللغةِ نفسِها؛ فـي تعبيراتِها، و تراكيبها، وحتى في طبيعة الأشكال التي تتخذها الكلمات على الصفحة، وما يَحْدُثُ فيها من تنويعات، تذهبُ كلها إلى وضع النص في مُوَاجَهَةِ تَشَظِّياتِهِ، وما يطالُه من تَشَقُّقاتٍ، ليس في دَوَالِّهِ فقط، بل حتى في مدلولاتها.
{{[10]}}
” الكتاب.. “، باعتباره مُقْتَرَحاً شعرياً حداثياً، سعى إلى وَضْعِ المكتوب ضمن أولوياته، و جعل من هذا الأفق أحد اختياراته، التي هي انعكاس للأفُق الحداثي، الذي عملت كتابات أدونيس، نظرياً و شعرياً، على خَوْضِهِ منذ أكثر من ثلاثة عقود.
يتبدى الأفق الكتابي، في ” الكتاب.. “، في توزيع صفحاته، و مُضاعَفَةِ الصفحة الواحدة، التي لم تعُد ذات اتجاهٍ واحدٍ، بل ضاعفت أشكال توزيعها، و نَوَّعَت أيضاً، أشكال و أحجـام الحروف، و حتى المساحات الفاصلة بين الكلمات، في السطر الواحد، و هو ما سيجعل من قارئ ” الكتاب..”، يقفُ مُتَرَدٍّداً، حائراً، أمام هذا النوع من الكتابة، الذي غَيَّر من عاداتِ كتابةِ الشعر نفسه.
أدونيس نفسه، في الشهادة التي كتبها عن ” الكتاب..”، في كتابه ” رأس اللغة جسم الصحراء “، يعترفُ بارتباكه في مواجهة صفحات ” الكتاب..”، أي في اختيارِ مَكانٍ لاختراق الصفحة، نظراً للمسافة الزمنية التي أصبحت تفصلُ بين الشاعر والعمل.
{{[11]}}
” الكتاب..” عملٌ مُرْبِكٌ، مُحَيِّرٌ، وهو تجاوُزٌ واضحٌ لِخَطِّيَةِ القراءةِ، وتتابُعها. لكنه، رغم هذا المظهر الكتابيّ، الذي يُتِيحُهُ ظاهرياً، لم يستطع أن يَنْقُلَ التجربة، من مستوى الوعي أو السلوك الشفاهي [الإنشادي]، الذي هو انعكاس للِسِّمات الصوتية، في حالة لفظها، كما تتبدّى في الأجزاء الثلاثة لـ ” الكتاب..”، إلى مستوى الوعي أو السلوك الكتابي، الذي هو، في أساسه امْتِصَاصٌ لهيمنة الصوت، أي أن الكلمات المكتوبة لا تحتاج إلى ” ما يتجاوزُها “، من إشارات وإيماءاتٍ، فهي تكتفي بذاتها، كما يقول أونج، وتتخلى عن كثير من الزوائد الصوتية، بما في ذلك التفاعيل الكلاسيكية “، وتلك التكرارات التي تُضفي على الصوت صَدَحَهُ، أو تَسْتَعِيدُهُ كتابةً.
إننا إزاءَ قَلْبٍ معرفي، ينعكسُ حَتْماً، على السياق الثقافي والجمالي. فنقل اللفظ في الشفاهة، إلى الكتابة، هو نَقْلٌ، أو تغييرٌ، في بنية ” الفكر والتعبير التي تطرحها الكتابة… ذلك لأن الطباعةَ [و ما أصبحت تُتيحُه من إمكاناتٍ هي رهن تَصَرُّفِ الكاتب مباشرةً] تدعم تأثيرات الكتابة على الفكر والتعبير، وتُعيدُ بناءها على السواء “، أي أننا، في الكتابة، أصبحنا في مُواجهة ” فراغ مرئي “، وأصبحنا، أيضاً نبتعدُ بالتدريج، عن مركزية الصوتِ وهيمنته، ونقتربُ من مركزية
الكتابة، ومن التَّشَعُّبات التي أصبحت، إحدى الخواص المُمَيِّزَة لحداثة الشِّعر، باعتباره الأرض الأكثر استعداداً لقبول كُلِّ أشكال، وأنماط الإبداع.
{{[12]}}
يبقى ” الكتاب.. ” في تصوُّرنا، تجربةً شعريةً عميقةً. أُفُقاً، لا يمكنُ تجاهُلُ أهميته، باعتباره مُقْتَرَحاً حداثياً، وتجربةً وضعت الشعرَ في سياقِ أُفُقٍ مُغايِرٍ، لعل الكتابةَ تُشَكِّلُ، و فق المنظور الذي ذهبتُ إليه، إحدى أهمّ خَواصِّ هذا المُقتَرح، وأهم ما يُمَيِّزُهُ شعرياً.
{{ـ ب ـ}}
(1) يذهبُ بلاشير إلى أن العربَ كان لهم، منذ زمن قديم جدّاً، نثر مسجوع مُوَقَّعٌ، ذو صلاتٍ وثيقة بالشِّعر. وقد تكون هذه الطريقة التعبيرية، كما يرى البعض، نقطة انطلاق الشِّعر العروضي النَّظْمِيّ. وأن ” هذا النوع من النثر كوَّن منذئذ الشَّكْلَ غير المألـوف، والجمالي ـ لا شعورياً ـ للفكر في المجال العربي “.
[انظر، بلاشير، تاريخ الأدب العربي، ص 222]
(2) ثمة في المصادر العربية القديمة، بما فيها نَصَّا القرآن والحديث، ما يُشير إلى الأُسُس الشفاهية للثقافة العربية، ولِكَوْنِ الكتابة، في هذه الثقافة ” كانت عزيزة أو عديمة، وكما جاء في ” تاج العروس “، فـ ” أمة العرب لم تكن تكتب ولا تقرأ المكتوب “. وفي الحديث، ” إنّا أمة أمية لا نكتُبُ ولا نحسب “.
ويذهبُ الجاحظ في ” البيان و التبيين ” إلى أن ” كل شيءٍ للعرب، فإنّما هو بديهة وارتجال، وكأنّه إلهام، و ليست هناك معاناة ولا مكابدة، ولا إجالة فكر ولا استعانة .. ثم لا يُقَيِّدُهُ على نفسه ولا يدرسه أحداً من و لده. وكانوا أميين لا يكتبون “.
وقد كان سواد يهود ونصارى جزيرة العرب أُمياً أيضاً، لا يقرأ ولا يكتب، والقـرآن استثنـاهم باعتبارهم ” أهل الكتاب “.
يذهب الدكتور جواد علي أنه من غير المقبول، أو من باب ” الهراء “، كما يقول، نسبة الكتابة والقراءة، و تَعَلُّمهما، لعرب الجزيرة، وأن القراءة و الكتابة، كانا شائعين، فهو يذهبُ إلى أن ذلك لم يتحقق حتى لـ ” أرقى الشعوب إذ ذاك مثل الرومان واليونان و الساسانيين في عالم ذلك العهد. فسواد كل الأمم كان جاهـلاً، لا يحسن قـراءة ولا كتابـةً، وإنما كانت القـراءة والكتابة في الخاصة، وفي أصحاب المواهب و القابليات الذين تدفعهم مواهبهم ونفوسهم على التعلم و التثقف، وتَزَعُّم الحركة الفكرية بين أبناء جنسهم. و من هنا كانت الأمم أمية حسب الأكثرية، والغالبية، إنما اختلفت في نسبة المتعلمين والمتخصصين والمجتهدين ودرجاتهم فيها”. من هنا، فإن العرب الذين احتلوا مكانةً تأتي بعد مكانة اليونان والرومان ” والعالم النصراني ” والفرس واليهود والهنود ” فقد كانوا يتباينون في ذلك أيضاً تبايُناً يختلف باختلاف أماكنهم “.
[انظر؛ البيان و التبيين، ج3، ص 28. و المُفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، الجزء الثامن، ص 92 و ص 106 ـ 107 ]