إسلام التنوير أم تنوير الإسلام؟

لا جدال في أنّ العالم الإسلامي يعيش، راهنا، فترة “ظلامية” مركبة بامتياز، حيث يتداخل موروث التأخّر التاريخيّ الرهيب مع عطب الحاضر الأرهب…

والنتيجة هي “حيرة” المسلمين “خير أمّة أخرجت للناس” ! و”غربة” الإسلام… أي انفصام المثال عن الواقع.

لذا، لا غرابة أن ترتفع أصوات – ما تزال قليلة ومعزولة في الواقع – تردّد، بأنّ الحلّ هو: إسلام التنوير!

وهذا، في الواقع، شعار مركّب بدوره، لا يحلّ المشكل القائم، ولكن يغرقه في خليط عجيب من أفكار السّلف الصالح وشعارات عصر التنوير الأوروبي.

وبالطبع، فمبدأ “الاستمرار”، هنا، ليس مرفوضا في حدّ ذاته – فالقطيعة المفترضة في تاريخ الأفكار والعلوم يلزم تنسيبها كثيرا- . لكنّ الاستمرار في تاريخ الفكر الإنساني عموما، والمجتمعات البشرية عامّة، ليس هو التوفيق المصطنع، فضلا عن التلفيق المجاني.

هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، إذا قسنا “الغائب على الشاهد” (وهذه آلية تفكيرية إسلامية بامتياز !)، فسيتبيّن لنا بأنّ التنوير الأوروبي – وهو هنا ليس مثالا مطلقا يحتذى به بكيفية مجردة، ولكن هو التعبير “المركب” عن المجرى الحضاري الحديث والمعاصر الذي صبت فيه –وبمعنى من المعاني- تدفقات الحضارات السابقة: أنظر كتابنا: موجز فكر التنوير، منشورات رابطة العقلانيين العرب- هذا التنوير الأوروبي تجاوز مسيحيته “الظلامية”، لمّا كفّت النخبة التنويرية الأوروبية عن الإيمان المطلق والمجرّد بـ”أنوار مسيحية” مزعومة، وكرّست تطبيقيا وواقعيا مبدأ ومنهج أنوار العقل لوحده… في تنوير المسيحية ذاتها.

وبالتالي، لم يبق المطروح آنذاك هو مسيحية الأنوار، ولكن تنوير المسيحية ذاتها، بمعنى عقلنتها – إقرار مبدأ العقل ضد سطوة الخرافة – وعزل الجهاز ا الكهنوتي الديني (فرض صورة المؤمن الحر العاقل الراشد ضدّ كلّ وصاية فكرية ودينية)، والإقرار نهائيّا بفصل شؤون الدين عن شؤون الدولة.

ويقينا، فهذا لا يعني، ضرورة، السقوط في الإلحاد واللادينية، بقدر ما يعني تحديدا إشاعة أنوار العقل، وتحوّلها إلى “المقدّمات الضرورية لكلّ ممارسة دينية أو دنيوية راهنة أو مستقبلية”.

وعليه، وفي هذا السياق الأوروبي التنويريّ العامّ الذي نورده هنا لمجرّد التعقّل والاعتبار (ألا يدعونا القرآن الكريم بإلحاح إلى التعقّل فيما حولنا، والاعتبار بأحوال وتجارب الأمم التي سبقتنا؟)يلزم – في تقديري- تجاوز الدعوة المثالية لإسلام التنوير مقابل تنوير الإسلام عمليا وتطبيقيا، أي عقلنته (إقرار مبدأ العقل ضدّ سطوة الخرافة)، وعزل الجهاز الكهنوتي الديني (بفرض صورة المؤمن الحرّ العاقل الراشد ضدّ كلّ وصاية فكرية ودينية )، والإقرار نهائيا بفصل شؤون الدين عن شؤون الدولة.