“إسلام عصور الإنحطاط” لهالة الورتاني وعبد الباسط قمودي

تكتسب دراسة عصور الانحطاط في المجتمعات العربية والإسلامية أهميتها، لا من امتدادها التاريخي الطويل لعدة قرون فحسب، بل لكون نتائجها ومفاعيلها لا تزال ترخي بثقلها على الحاضر، وتقوده في الكثير من الجوانب. وهي مفاعيل تتصل بالسياسة والثقافة والعقلية السائدة وغيرها من التأثيرات البنيوية التي تخترق الكثير من المجتمعات العربية والإسلامية في القرن الحادي والعشرين. يشكّل كتاب “إسلام عصور الانحطاط” لهالة الورتاني وعبد الباسط قمودي واحدة من الدراسات التي تسعى لقراءة الماضي من منظار الحاضر، وتبيان الزائل من هذا الماضي المتواصل بقوّة في الذهنية العربية والإسلامية. نشر الكتاب في سلسلة “الإسلام واحداً ومتعدّداً” التي يشرف عليها الدكتور عبد المجيد الشرفي، وأصدرته كلّ من “دار الطليعة” في بيروت و”رابطة العقلانيين العرب”.

يطلق تعبير عصور الانحطاط على فترة زمنية في التاريخ العربيّ والإسلامي أتت بعدما شهدت مجتمعاته فترة من النهوض والازدهار على جميع المستويات. فالانحطاط هنا نقيض الازدهار، أو ما يطلق عليه مجازاً العصر الذهبي، الذي امتد من عهد النبوّة ووصل إلى مرحلة بدء انهيار الإمبراطورية العباسية وانقسامها إلى دويلات. يحدد الكاتبان مفهومهما للانحطاط بالقول: “الانحطاط ليس انحطاطاً عامّاً للحضارة، وإنّما هو تراجعٌ مسّ المجتمع الإسلامي في فعاليته الأكثر حيوية، ليستولي بشكل أساسيّ على نظام الثقافة، ويقلّص من الإشعاع الحضاري لدين كان مساهماً، إلى حدّ كبير، في المسيرة العامّة للتاريخ، ليس الإسلامي فحسب بل الكوني أيضاً”.

تكاد مجمل الدراسات والأبحاث حول عصور الانحطاط تتلاقى على التفسيرات السياسية والاقتصادية التي أوصلت إلى هذه العهود. بالنسبة إلى العوامل السياسية، يمثّل الغزو المغولي للدولة العباسية وخصوصاً للعاصمة بغداد أهم العوامل في انهيار الخلافة العباسية، يضاف إليها تراجع موقع العنصر العربي لصالح تغلغل العنصر التركي، وأقوام أخرى غير عربية، بدأت تحتل المواقع الرئيسية في السلطة. توّج هذا التطور بتشقّق الخلافة إلى كيانات ودويلات بدأت تنفصل عن المركز العباسي في بغداد، وتتخذ كل واحدة لنفسها كياناً سياسياً لا تربطه بالخلافة سوى أمور جزئية. ليس أدلّ على ذلك من ذكر العدد الكبير من الدويلات الناشئة، وإن كانت متفاوتة في حجم سكانها ومدى قوتها، فهناك الدول – الكيانات الناشئة، مثل الدول السامانية والبويهية والغزنوية والخوارزمية ودولة المرابطين والدولة السلجوقية والفاطمية والصفوية.. وهي دويلات استمرت إلى أن قامت الإمبراطورية العثمانية التي أتى أصحابها ليضعوا حداً لانقسامات المجتمعات الإسلامية، ويوحّدوا المقاطعات التي كانت تحت سلطة الخلافة العباسية، وكلّ ذلك تحت عنوان إحياء الدين الإسلامي واستعادة موقع القوة العسكرية والاقتصادية للمجتمعات الإسلامية، وهي مرحلة امتدت لحوالي أربعة قرون ولم تنته إلاّ مع هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى، وإنهاء الخلافة على يد القائد التركي مصطفى كمال المعروف باسم “أتاتورك”.

ترافقت الانقسامات السياسية بتطورات اقتصادية هامّة كان من أبرزها تراجع الموقع التجاري للعاصمة بغداد، وتحوّل المركز إلى القاهرة التي باتت تشكل البديل الرئيسي للطرق التجارية بين العالم الإسلامي وسائر دول العالم، خصوصا منها الشرق الأقصى. أدّت التطورات السياسية إلى تراجع موقع الاقتصاد الإسلامي الذي نجم عن الصراعات الناشبة بين الكيانات الوليدة على الثروة والتجارة. لكن الضربة الاقتصادية الأكبر هي تلك التي نجمت عن الحروب الصليبية التي غزت المجتمعات العربية والإسلامية، وهي حروب كانت في جوهرها سعياً للهيمنة على المنطقة واستغلال ثرواتها لصالح الدول الأوروبية، أي كانت بداية الغزو الاستعماري الذي تطور لاحقاً، وهو غزو استند إلى قوة أوروبية عسكرية متفوقة على ما كان موجوداً في المجتمعات العربية والإسلامية.

لكنّ إدراك دلالات عصور الانحطاط وآثارها السلبية، لا تبان إلاّ من خلال رؤية التجليات الفكرية والثقافية لهذه العصور وتعبيراتها العملية على جميع الصعد. أوّل هذه التجليات هو مركزية مفهوم “البدعة”. فقد اعتبر علماء الدين أنّ كل ما لم يقل به القرآن أو السنّة يقع في باب البدعة، وهو ما ينظر إليه على أنه مروق من الدين الصحيح. نجم عن سيادة المفهوم تقديس لكل ما أتى به السابقون وتكريسه مصدر الحقيقة خصوصاً ما يطلق عليه العصر الذهبي من حياة المسلمين، أي العهد النبوي- الراشدي. حجز مفهوم البدعة على العقل في المراحل اللاحقة ومنع الاجتهاد في أمور الدين ونصّب الفقهاء الأربعة بمذاهبهم التي باتت مصدراً للتشريع واختتاما لعلوم الدين في وصفهم ختام العلم الديني.

ثاني تجليات الفكر في عصور الانحطاط يتصل بقضية تفسير النصوص الدينية والاجتهاد في شأنها. سادت مقولة أنّ علماء الماضي هم وحدهم من لهم الحق في ممارسة الاجتهاد والتفسير للنصوص الدينية. تكبّلت تلك العصور بما يعرف بـ”سنّة السلف الصالح”، حيث لم يعد يحقّ للّاحقين من أبناء العصور الزمنية التالية إضافة أيّ مدوّنات على ما جرى القول به. ورغم هذا الحجر في منع الاجتهاد ، إلاّ أنّ الكاتبين يشيران إلى أنه “لم يخل الإطار النظري لنشأة علم التفسير من صراعات حول توجيه التعامل مع النص وتسييجه حتى يحتفظ المعطى المنزّل بسلطته المطلقة على العقل الذي يجب أن يبقى دائماً في المرتبة الثانية ينقل الكلام الإلهي إلى كلام بشري من دون بذل الجهد في التحليل والتعمق”. هكذا تواطأ الفقهاء على الإجهاز على أي تفسير عقلاني للقرآن، ورفضت أقوال المعتزلة بخلق القرآن وجرى هدر دم من يقول بذلك. لعل هذا الكلام لابن تيمية يلخص حال التفسير وعلومه وكيفية التعاطي معه. يقول ابن تيمية :”وقد تبيّن أنّ من فسّر القرآن والحديث وتأوّله على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله، ملحد في آياته، محرّف للكلام عن مواضعه، وهذا فتح لباب الزندقة والإلحاد، وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام”.

من الطبيعي في هذا الجوّ المتحجّر تجاه النصوص الدينية والاجتهادات حولها، أن تصيب الفلسفة سهام الهجوم على ما تقول به من استخدام للعقل في قراءة النصوص والنظر إلى قضايا الوجود، وهو أمر كان يدور حوله سجال منذ الصراع بين العلوم الدينية والعلوم العقلية، والذي انتهى إلى انتصار التقليد على العقل خصوصاً بعد هزيمة المعتزلة وتصفية موقعهم ومنع نشر تراثهم. يرى الكاتبان أنّ اختفاء الفلسفة الكلي في عصور الانحطاط ارتبط بتغير الإطار الفكري العام في ذلك الزمن. “فليست كل أنواع المعرفة ممكنة في أي مجتمع، فهناك شروط معينة ينبغي أن تتوافر قبل أن تصبح المعرفة الفلسفية والعلمية البحتة أو التاريخية ممكنة الوجود في أي مجتمع” على ما يقول محمد أركون.

واستتباعا لما أصاب الفلسفة والتفسير، احتلّ الفقه موقعاً بديلاً حيث تحولت المقدسات إلى سلطة الفقهاء الذين باتوا ناطقين باسم النص المقدس والحارسين له ضدّ أيّ انحراف عقلي يقول به مخالفون لتفسيراتهم. مثلت رسالة الإمام الشافعي ذروة الإغلاق على الاجتهاد في النصوص ووضعت قاعدة للفقه الإسلامي عبر إغلاق النصوص ومنع أي تفتح في روح مضمونها. هكذا تحجّر علم الفقه وبات قائماً على الترداد والاجترار لمقولات عفي عليها الزمن في ظل رفض لتعديل في التفسير عما أتى به السابقون، فاختفى الزمان والمكان من علم الفقه، وبتنا أمام نصوص بشرية في واقعها لكنها تقدم نفسها بأنها صالحة لكل زمان ومكان على غرار النصوص الإلهية، بصرف النظر عن أي تطور أصاب هذا المجتمع أو ذاك.

أمّا التصوّف الذي مثّل في مرحلة تاريخية صورة متقدمة في الإسلام، من حيث حصر العلاقة بين “العبد والإله من خلال البحث عن حياة روحية مثالية باطنية في مدى داخلي تحدّده نظرية الحبّ الإلهي”، هذا التصوّف انتقل في عصور الانحطاط إلى إنغلاق الطرق الصوفية وتقوقع شيوخها في الزوايا والابتعاد عن الأساس الإسلامي الذي انطلق منه المتصوّفون الأوائل، وتحول هذا التصوّف إلى تقديس الأولياء والتشبث بعقائد أقرب إلى الخرافات، فخسر العالم الإسلامي وفكره تلك الحيوية الدينية والغنى الروحي الذي أسبغه المتصوفون على الممارسة الدينية وعلى أبعادها الروحية السامية.

إنّ أخطر ما تواجهه المجتمعات العربية والإسلامية اليوم، أنّ عصور الانحطاط عادت تشهد صعوداً متجدداً من خلال الإسلام السياسي، ورجال الدين والعلماء، الذين يستعيدون اليوم أسوأ ما عرفه التاريخ لجهة الإجهاز على العقل ومنع الاجتهاد في النصوص وتكريس الخرافات منظومات فكرية، على العصر الحديث الإسلامي أن يعمل بها. ويزيد الأمر سوءًا الإكثار من إطلاق التحريم بما يحمله من إهدار دم وتسليط سيف الإرهاب على المخالف أو المجتهد، وهو أمر لم يحصل في عزّ زمن الانحطاط الماضي. إنّ معركة خروج المجتمعات العربية والإسلامية من عصور الانحطاط نحو الدخول في التاريخ والعصر الحديث لا تزال في مراحلها الأولى، وهي تحتاج إلى نفس طويل في إدارة الصراع وتحمّل كلفته، ليمكن إعادة الاعتبار إلى العقل والمنطق في رؤية الواقع والتعامل مع المشكلات البنيوية التي لا حدود لاتّساعها.