إشكالية العنف عند حنا آرانت (2/2)

 إن ما يجعل من مقاربة آرانت للعنف مقاربة فريدة من نوعها استحضارها المبكر للحقل الدلالي للعنف. فمفهوم ” عنف violence ” غالباً ما يتم خلطه مع مفاهيم أخرى مثل ” سلطة pouvoir” أو ” قوة force” أو نفوذ autorité ” و قدرة puissance “[1]. إنها مفاهيم يعجز العلم السياسي عن التمييز بينها بشكل واضح، فحتى أكبر المفكرين تقول آرانت على لسان أنترفيس Entréves يستخدم مفاهيم السلطة و النفوذ والقدرة بشكل تعسفي، رغم أن هذه ” المفاهيم تشير إلى ظواهر متمايزة… و تشير إلى كيفياتQualités مختلفة… إن الاستعمال الصحيح لهذه الكلمات ليس مسألة لغوية فقط وإنما هو قبل كل شيء مسألة تصور تاريخي perspective historique “. لهذا ترفض آرانت أن تمتهن لعبة التعريفات لأن الأمر لا يتعلق فقط بمجرد إهمال لغوي، فوراء هذا الغموض الواضح يرسب اعتقاد محدد، وهو أن المشكل السياسي يوجد أساساً في معرفة من المهيمن و من المهيمن عليه، لذلك تبقى مفاهيم مثل “سلطة أو نفوذ أو قدرة أو عنف أو قوة” مجرد مؤشرات على أدوات الهيمنة التي يستعملها الإنسان من أجل الهيمنة على الإنسان. إن ما يميز العنف عما يشابهه من مفاهيم طبيعته الأداتية، كما أنه يشبه في ملامحه الفينومينولوجية القدرة puissance.

 I. السياسة والسلطة والعنف

لا ينفصل العنف عن السياسة والسلطة[2]، ولا يوجد عنف في السياسة على المستوى النظري أكبر وأخطر من استدعاء التصور البيولوجي الكلاسيكي للعنف. هذه هي الخلاصة الكبرى التي تنتهي إليها آرانت في خضم تفكيرها في العنف، لذا تشير إلى أن كل من نظر في السياسة إلى اليوم لا يلفي أن يقول شيئاً آخر غير هذا، لقد صرح ويرث ميلز : ” كل السياسات صراع حول السلطة، والعنف هو الشكل الأخير للسلطة.” وقبله صرح فيبر بأن الدولة هي ” هيمنة الإنسان على الإنسان باستعمال العنف المشروع أو ( بالأحرى الذي يعتبر مشروعاً)”. إن هذا الاتفاق العام و الغريب في نظر آرانت، الذي يجعل من السلطة السياسية تنظيماً للعنف، لا يمكن أن يكون له أي معنى إلا إذا اعتبرنا مع ماركس أن الدولة تشكل أداة للهيمنة instrument d’oppression في يد الطبقة المهيمنة .

 لا تختلف مواقف الباحثين في الفلسفة السياسية في تقدير ماهية السلطة و الدولة، وهو نفس الشيء الذي تقرره آرانت بدورها عندما تعتبر أن السلطة من الناحية العملية هي الحكم، و الحكومة لا تمارس غير سلطة الإكراه و الإخضاع باسم المصلحة العامة في الأنظمة المسماة ديمقراطية و باسم المستبد tyran في الأنظمة التوتاليتارية. إن العنف في الأولى لا يمارس إلا باسم الأغلبية، في حين أن العنف في الثانية لا يقع إلا للدفاع عن حدود الله و السلطان. إنه يتخذ شكل الكل ضد الواحد في الأولى، في حين يصبح الواحد ضد الكل في الأنظمة الديكتاتورية.

2-1 في البدء كانت السياسة تعني الحرية

 توافق آرانت على ربط السلطة السياسية في المجتمعين المعاصر والحديث بالعنف، إلا أنها تكشفه لنا بعد أن اكتشفته هي نفسها في شروط الإنسان المعاصر. أن المجال العام لم يظهر إلا كنتاج لثقافة القول، على خلاف المجال الخاص الذي ارتبط ظهوره بحضارة الفعل[3]. وهذا ما يعني أن السياسة والسلطة السياسية بصفة خاصة باعتبارها أحد أهم تجليات المجال العام إن لم نقل المجال العام نفسه لم ترتبط بالفعل إلا بالقول، أي بالحوار و النقاش. ولعل هذا ما دفع آرانت إلى اعتبار العنف ظاهرة قبسياسية prépolitique ارتبطت بالمجال الخاص” العائلة، الأسرة” على وجه التحديد.[4]

 إن المجال العام يتميز عن المجال الخاص بكونه حقلا للحرية وللمساواة بامتياز، أي أن السياسة و المدينة في البداية هي من احتضنت قيم اللاعنف وليس العكس. المجال الأسري domaine familial مبدأ الضرورة، فالناس لا يعيشون بعضهم إلى جانب بعض إلا لوجود حاجات تدفعهم إلى ذلك. إنهم يخضعون لقوة الحياة التي تفرض المعاشرة من أجل بقاء الفرد والنوع. وتجربة التسلط وجدت في نظر آرانت في المجال الخاص قبل المجال العام، لذلك تقول آرانت إنّ بحث أفلاطون وأرسطو عن تجربة سلطوية في عالم السياسة أضحى أمراً متعذرا بل ومستحيلا، نظراً إلى غياب نموذج في هذا المجال تجتمع فيه صفات المستبد أو المتسلط، وهو الأمر الذي دفعهما إلى البحث عن نموذج للمستبد في العلاقات الإنسانية داخل المنزل وفي الحياة الأسرية، حيث كان رب الأسرة يحكم كطاغية وله سلطة غير محدودة على أعضاء الأسرة والعبيد الموجدين في منزله[5]. إن المجال العمومي كان لحظة ولادته مجالا للحرية أكثر من كونه مجالاً للعنف و السلطة والشطط في استعمالها. لقد احتضن هذا المجال كل أشكال المساواة التي غابت في المجال الخاص، حيث أن الأفراد لم يعتبروا حريتهم إلا خارج هذا المجال. لقد كان المجال العام مجالاً للفردانية والدفاع عنها ومجالا للعقل والتفكير فيه كذلك، لذلك لم يطلب أفلاطون على رأس دولته حاكماً ماكراً كما فعل ميكيافيلي، ولا حاكماً يحكم بالسيف والجيش، و إنما طلب على قمة جمهوريته ملكاً فيلسوفاً، يجعل من العقل قائد مجاله السياسي، ويمارس الإكراه باسمه.

 إن الخضوع في جمهورية الملك الفيلسوف لا ولن يحتاج إلى وسائل العنف من أجل تحصيله، عندما ستجمع بين الملك و مواطنيه ضرب علاقات عضوية[6] شبيهة بعلاقة الطبيب بمريضه و السيد بعبده…الخ. فسلطة هذا الأخير لا تكمن في ما يمتلكه من وسائل للإكراه و إنما توجد بشكل خاص في ما يمتلكه الحاكم أو السيد من أفكار، هذه الأفكار التي تزداد قيمتها كأداة للإخضاع كلما نزلت من السماء إلى الأرض، أي كلما ابتعدت عما ليس إنسانيا واقتربت من كل ما يمس البشر.

2-2 السلطة السياسية من الحرية إلى العنف

 كلما ابتعدنا عن أفلاطون وأرسطو واقتربنا من الزمن الحديث و المعاصر، إلا وانتقلنا من حضارة القول إلى حضارة الفعل، أي ابتعدنا عن المحادثة و النقاش وانغمسنا في حيز العنف و الصراع. وإذا كانت السياسة في زمن أفلاطون وعصره تعني الحكم بالعقل، فإنها أصبحت مع فيبر وماركس الحكم بالعنف، و إذا كانت هذه الأخيرة مجالا لممارسة حرية القول و حارسا يحمي حقنا في التعبير، فإنها تحولت عند كل من ألتوسير وبورديو إلى جهاز للتدجين و التسطيح يمنع الاختلاف في الرأي من الأصل.

 إن التحول الذي أصاب مفهوم الدولة في الزمن المعاصر يرجع في نظر آرانت إلى اختراق التصور الماركسي للدولة لمعظم الأفهام، حيث بدأ ينظر للدولة كما بدأت تنظر هي الأخرى إلى نفسها على أنها جهاز خلق لحماية الطبقة المهيمنة فقط. وهو التمثل الذي أدى إلى ظهور شكل جديد من الدولة هو الدولة التسلطية التي أصبح العنف داخلها يلعب نفس الدور الذي تلعبه السلطة أي إخضاع الناس. وهذا ما يعني أن العنف هو السلطة La violence est l’autorité .

 عندما تقر آرانت هذا المعطى فإنها تنطلق في ذلك من واقع وقف عنده كل المفكرين السياسيين المعاصرين، و هو التحول الذي استمحلت فيه الدولة جهازاً يمارس عنفين كلاهما “مشروع”، بعد أن كانت عند أفلاطون حلا لعنف المجال الخاص وإكراهه. فأما العنف الأول فهو عنف مادي تمارسه عبر وسائلها القمعية، وأما الثاني فعنف رمزي تمارسه عبر وسائلها الأديولوجية.

 إن المجال العام لم يعد مجالا لممارسة الحرية وخلق المساواة، بقدر ما أضحى مجالا تنتج فيه كل أشكال العنف وأكثرها قوة، في الوقت الذي تحول فيه المجال الخاص من مجال يقمع المساواة ويستبعدها، إلى مجال لا مجال للحرية والمساواة إلا داخله. إلا أن أهم انتقال ترصده حنا آرانت في بحثها داخل إشكالية العنف، هو تحول مظاهر العنف السياسي المعاصر، الذي لم يعد مجرد حرب تنتهي بخضوع أحد الطرفين، أو صراع يبقى أحد طرفيه حياً بعد أن يقضى على الآخر. إن العنف السياسي المعاصر يمكن أن يكون صامتاً كما يمكن أن يكون بارداً، حيث لم تعد الحرب مواجهة مباشرة بين طرفي النـزاع، بل يمكن أن تنوب عن المتنازعين أطراف أخرى تابعة أو قوى من الدرجة الثانية تعيش على خدمة حلفائها، ويمكن للحرب كشكل من أشكال العنف أن تتخذ لبوساً آخر دون المواجهة التي تخلف وراءها قتلى. فالحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، غالباً ما تجاوزت تسخير أطراف أخرى للحرب دونها، إلى بعض الظواهر الاجتماعية والثقافية والترفيهية، فالرياضة مثلا كانت مجالاً للصراع بين الطرفين في كل المناسبات الرياضية الكبرى كالألعاب الأولمبية وبطولات العالم، خاصة في الرياضات الأكثر شعبية كألعاب القوى وكرة السلة وكرة القدم…الخ، أو في بناء المراكز الثقافية أو الأبحاث العلمية…الخ.

 يجد العنف في السياسة عوالم كثيرة للفعل داخلها سواء من وراء حجاب أو علناً، ويتخذ أكثر من شكل ومظهر، خاصة عندما يتعدى مجال العنف المادي إلى مجال العنف الرمزي الذي يحضر في كل الحقول الاجتماعية.

 لم تكتف آرانت عند تفكيرها في العنف بإعادة إنتاج الخطاب السياسي السائد، بل تجاوزته، عندما أقلعت عن اللازمتين الفيبرية و الماركسية، واعتبرت أن الدولة و السلطة السياسة ليستا فقط آلة للإكراه في يد طبقة معينة، لأن هذه الطبقة تكون محرومة من استعمال هذه الآلة كلما رغبت، كما أنها ليست هي الجهاز الذي يمتلك الحق في العنف، بل إن الدولة في المتن الآرنتي هي العنف عينه. 



الهوامش:

1 – تجدر الإشارة إلى أننا وجدنا صعوبة كبيرة في نقل هذه المفاهيم إلى اللغة العربية نظراً لتشابه معناها و تقاربه في اللغتين العربية و الفرنسية.

2 – نستعمل مفهوم سلطة هنا مقابلا للمفهوم الفرنسي Autorité وبالشكل الذي وظفته آرانت في ” أزمة الثقافة “.

3- تربط حنا آرانت ظهور المجال العام كمفهوم وكواقع بالمدينة اليونانية. وقد انطلقت في ذلك من تفكيك التعيين الأرسطي للإنسان باعتباره كائنا ناطقا و حيوانا سياسيا، بخلاف هابرماس الذي يربط ظهور الفضاء العمومي بالقرنين 17 و 18 وبداية تفاعل الدولة والنظام الرأسمالي.

4 – Hannah Arendt, les conditions de l’homme moderne, Pocket, 2008. pp68.70.

5- Hannah Arendt, crise de la culture, Pocket, 2007p139.

6- ترفض آرانت في تعليقها على جمهورية أفلاطون استعمال مفهوم الرعية لآن الله وحده في نطر أرانت – وهي نفس فكرة أفلاطون- من تجب قياس علاقته بالإنسان بعلاقة الراعي برعيته.

* فضلنا ترجمة مفهوم troupeau بالرعية بدل القطيع لأنها أكثر دلالة على نوع العلاقة التي نتحدث عنها.