إصلاح الإسلام: بدراسته وتدريسه بعلوم الأديان 8/4

إصلاح الإسلام: بدراسته وتدريسه بعلوم الأديان 8/4

 4 ـ كيف لفّق ابن إسحاق حدّ الرّجم؟

  ناصر بن رجب: يقول الخميني في “تحرير الوسيلة” ج 2، كتاب النّكاح، مسألة 12، ص 221: “لا يجوز وطء الزّوجة قبل إكمال تسع سنين، دواما كان النّكاح أو مُنقطعا، وأمّا سائر الاستمتاعات كاللمس بشهوة والضمّ والتفخيذ فلا بأس بها حتى في الرضيعة، ولو وطأها قبل التسع ولم يفضّها لم يترتب عليه شيء غير الإثم على الأقوى…” فكيف تقرأ هذه الفتوى؟

 

 

 للتّاريخ، فتوى الخميني هذه هي حديث متّفق عليه.

 

 

ما معنى متّفق عليه؟

 

 

 أي اتّفق على روايته الشّيخان البخاري ومسلم. وعندئذ يصبح لا جدال فيه. فتوى الخميني بهذا الحديث، في القرن العشرين، هي في حدّ ذاتها شاهد إدانة على تأخّر إصلاح الإسلام بحقوق الإنسان، وعلوم الأديان، والفكر الفلسفي النّقدي، وبكلّ مكاسب الحداثة. تأخّر الإصلاح يُنتج الأهوال، وفي مقدّمتها طغيان اللامعقول الدّيني على نحو هاذ [هنا أيضاً لم أحذف الحرف الصوتي لحاجة الأبجدية العربية للصوتيات]، الاستمتاع الجنسي “حتى في الرّضيعة” تعبير عن رغبة جامحة في اغتصاب الأطفال، الشّائع اليوم في أرض الإسلام، التي مازالت دولها لم تحدّد بعد سنّ الزّواج بثمانية عشر عاما كما فعلت تونس والمغرب مثلا. القوانين في العالم الذي نعيش فيه، الوضعية العقلانية، تعتبر نكاح الأطفال قبل ستة عشر عاما اغتصابا، إذن جريمة مستوجبة للعقاب. أمّا في كثير من البلدان الإسلاميّة فالشريعة تعتبره زواجا “على سنة الله ورسوله”، وكأحد المؤشّرات على بداية نُضج إصلاح الإسلام في وعي النخب الإسلامية، فرضُ السعودية مؤخرا ضرورة كتابة سنّ الزوجة في عقد النكاح ربّما – في السيناريو المتفائل – كتمهيد لوضع حدّ لاغتصاب الأطفال فيها. والجدير بالملاحظة أن باحثا مصريّا أثبت بالعودة إلى وقائع التاريخ، أن سنّ أم المؤمنين عائشة كان ثمانية عشر عاما، لمّا بنى بها النبي وليس تسعة أعوام كما يذكر البخاري. وهذا ينسف “سنّة الله ورسوله” التي برّر بها المحدّثون الرّغبة في اغتصاب الأطفال أي البيدوفيليا، الراسخة في النفسيّة، خاصّة لمن كانوا في طفولتهم ضحيتها.

لا ينبغي أن ننسى أنّ في إيران اليوم نخبة إصلاحيّة عقلانيّة ذات جماهيرية جارفة لا تعتبر الخميني مرجعيّة لها. ومطلبها المركزي فصل الدين عن الدولة، والقطع النهائي مع تطبيق الشريعة، وخاصة إيقاف جريمة الرجم التي تطبقها الآن إيران، التي عاد حكامها للقرون الوسطى، لكن نخبها وشعبها يعيشون بفكرهم، في قلب القرن الحادي والعشرين، ويدفعون ثمن ذلك من حريتهم وحياتهم. حداثتهم الدينية جديرة بأن تكون قدوة حسنة لكل المسلمين في العالم حيث مازال تيّار الجمود الديني، بالرغم من أنه في موقع دفاعي، هو الأعلى صوتا والأشد أذى للإسلام والمسلمين وباقي البشرية.

 

 

 

ناصر بن رجب: ترجمتُ بحثا مهمّا للمستشرق الفرنسي دي بريمار سأنشره قريبا جدّا عنوانه: “نبوّة وزنا” فكّك فيه كيف فبرك المحدّثون والفقهاء حدّ الزّنا في الإسلام. اتّضح لي من ذلك أنّ ابن إسحاق، الذي قال عنه مالك بن أنس أنّه دهريّ متّهما إيّاه بالكذب، لفّق سيناريو امتحان اليهود للنّبي في حدّ الزّنا وذلك لهدفين:

– الأول إثبات أنّ نبوّة محمد جاءت في التّوراة ولكن اليهود كتموها.

 – الثاني نقل حدّ الرّجم من الشريعة اليهوديّة إلى الشريعة الإسلاميّة، زاعما أن أحبار اليهود تآمروا في المدرسة التوراتية لاختبار نبوّة محمد فقالوا: “لنبعث بهذا الزّاني والزّانية إلى محمّد، ونسأله عن الحكم الشرعي فيهما، فإن قضى بالجلد فهو ملِك فاتّبعوه، وإن قضى بالرجم فهو نبيّ فاحذروه” ويجعله ابن إسحاق طبعا يقضي بالرجم لإثبات نبوّته وإضفاء الشرعية الإسلامية على حد الرجم التوراتي…

 

 

 استنتاجك صحيح تماما. فقصد ابن إسحاق هو إثبات أن اليهود تأكّدوا من نبوّة محمد فكتموها وناصبوه العداء، ممّا يبرّر حروبه عليهم. وسواس تآمر اليهود على النبي نلتقي به في كل منعطف. مثلا زعم ابن إسحاق أنه لما مر أبو طالب، مرفوقا بالفتى محمد بقافلته، على الراهب بحيراء أنبأه هذا الأخير بأن ابن أخيه سيكون نبيا وحذره من اغتيال اليهود له. ذات الهاجس نجده في فبركة سبب نزول آية تغيير الاتجاه من القدس إلى الكعبة. فقد زعم واضعو أسباب النزول أن اليهود قالوا: لماذا يشاركنا محمّد في الاتّجاه في صلاته إلى القدس بينما التوراة تقول أن «نبيّ آخر الزّمان» يستقبل في صلاته القبلة… طبعا هذا النص لم يوجد وما كان بإمكانه أن يوجد، لأن النرجسيّة الدينية في اليهوديّة، التي حصرت النبوّة في ذرّية إسحاق، ينافيها. وبالمناسبة يقول المستشرق ميشيل كويبرس في كتابه “القرآن” أنّه عُثر على تسعمائة آية من مصحف يُرجِّح الباحث المعروف في القرآنيات، أمير معزّي، أنه إمّا أنها تعود إلى مصحف ابن مسعود أو إلى مصحف أُبي بن كعب، ويلاحظ المستشرق، الذي اطّلع على هذا الجزء من المصحف، أن الحديث والقرآن مازالا لم ينفصلا عن بعضهما البعض، ضارباً مثلا باحتوائه لحديث-آية الرجم. وهذا يشير إلى أن الآيات تعود على الأرجح إلى مصحف أُبيّ؛ فالسجستاني يُخبرنا بأن آية الرجم موجودة فيه. ولكن نفورًا من هذا الحدّ الفظيع، فإن لجنة جمع القرآن، التي كان فيها أبيّ، أبت إدراج حديث-آية الرجم في مصحف عثمان مما يدل على سوء سمعة الحدود الشرعية عند عثمان وباقي أعضاء اللجنة.

 

 

هل كانت سمعة الحدود سيّئة إلى هذه الدّرجة؟

 

 

 نعم، شريعة العقوبات البدنية لم تكن لها سمعة حسنة في تاريخ الإسلام. مؤسّس الإسلام كان يوصي أصحابه في المدينة بالتصالح فيما بينهم، تفاديا لتطبيق الحدود عليهم قائلا: “تعافَوْا الحدود فيما بينكم، فما بلغني منها نفّذته”. وحتى ما يبلغه منها فإنه بحث له عن مخرج لعدم تنفيذه قائلا: “ادرؤوا الحدود بالشبهات”، أي أنّ على القاضي أن يبحث عن شبهة براءة ليتجنب بها تطبيق الحد. وعُمر أوقف حدّ السرقة عام الرمادة أي المجاعة. وعثمان، رفض إقامة الحد الشرعي على سالم بن عمر بن الخطاب لقتله قاتل أبيه “لؤلؤة” وابنته، رغم مطالبة علي بن أبي طالب بإقامة حد القصاص عليه. وكان رد عثمان براغماتي: “لن أفعل؛ بالأمس يُقتل عمر واليوم يُقتل ابنه!” ودفع من مال بيت المسلمين دية القتيلين. وقبل ذلك، رفض أبو بكر القصاص من خالد بن الوليد لقتله مالك بن نويرة، بالرغم من إلحاح عمر على ضرورة الاقتصاص منه. حتى حماس التي جعلت من تطبيق الحدود الشرعية سبب وجودها بدأت، تحت ضغط مبدأ الواقع، تبتعد عنها؛ فاتهمتها السلفية الجهادية “بالتخاذل في تطبيق الشريعة الإسلامية، لصالح علاقات مع دول غربية كافرة”، في مقدمتها أمريكا كما تقول السلفية الجهادية. حتى لو أخذت السلفية الجهادية مكان حماس، فإنها هي نفسها قد “تتخاذل في تطبيق الشريعة الإسلامية…” لأن ثقافة حقوق الإنسان نزعت عنها كلّ شرعية.

قيم الحداثة الإنسانيّة تتقدّم حتى الآن بخطى ثابتة، على حساب القيم التقليدية التي لا تقيم وزناً لحقوق الإنسان.

 

 

ناصر بن رجب : يقول ابن إسحاق، في مختصر ابن هشام، إنّ عمر خطب في النّاس مذكّرا لهم بأن آية الرّجم غير منسوخة، وهدّد بإقحامها في المصحف مُستدركا : “لولا أن يقول النّاس أنّ عمر زاد آية لزدت آية الرّجم”…

 

 

 نحن دائما في مسرحيّة تلفيق الأحاديث، وإدخالُ عمر في لعبة إثبات أنّ حدّ الرّجم من الإسلام هو، في نظري، ردّ ضمني على اتّهام الشيعة له بنسخ آية الرجم من ألواح حفصة قائلين: “لقد وضع إبهامه على لسانه ثم فسخ آية الرجم بلعابه”، فكان رد ابن إسحاق، وفي الحقيقة الخليفة المنصور عَبْره الذي كلفه بكتابة تاريخ البشرية من آدم إلى المنصور نفسه، هو الإلحاح على تمسّك عمر بحدّ الرجم، والتأكيد بأنه غير منسوخ كما قال في الخطبة المنسوبة إليه. وقال الفقهاء، الذين لا ينقصهم التناقض، أن آية الرجم نُسخت لفظًا وبقيت حكمًا. أي أنه لم تعد لها قداسة القرآن، ولا يمكن الصلاة بها، ويمكن مسّها دون طهارة… إلخ، لكنها مع ذلك تظلّ صالحة لقتل الزاني والزانية رجمًا. وحدهم المعتزلة ادركوا عبثية نسخ التلاوة وبقاء الحكم، كما يقول السنة.

 

 

ناصر بن رجب : من أين أخَذَت الشّريعة اليهوديّة حدّ الرّجم الوحشي؟

 

 

 لا أعلم. كراهيّة المرأة كانت – وفي أرض الإسلام مازالت – قاسما مشتركا بين غالبيّة الرّجال. قد تكون ترجمة للحقد الدّفين على المرأة، الكامن في الشخصية النفسية للذّكور. شريعة حمورابي قضت بقتل الزانية غرقا في دجلة والفرات. وقد أحيت هذه السنّة الحمورابية الجماعة الإسلامية في كردستان العراق في التسعينات، عندما قتلت فتاة اتهمتها بالزنا بإغراقها في أحد الأودية. أما الهندوس فيرمون الزانية للكلاب المُجوَّعة لتنهشها…

 

 

 

ولماذا هذه القسوة اللامتناهية ضدّ المرأة الزّانية؟

 

 

 من وجهة نظر نفسانيّة قد يعود ذلك إلى فانتازم الأم المفترسة الذي كوّنه الرّضيع عن الأم التي لا تقدّم له ثديها في الوقت المناسب. علما بأن جوع وعطش الرّضيع لمدّة ربع ساعة يعادل جوع وعطش الرّاشد لمدة ثلاثة أيام. ويُعيده بعض المحلّلين النفسانيين إلى قلق الخصاء حيث يرقد في لاشعور الذّكر الخوف من ابتلاع فرج المرأة العضو الذكري. أمّا السيكولوجي الألماني، كنول، فيفسره بالخوف من المقارنة مع رجل آخر، الذي يعود في نهاية التحليل إلى قلق الخصاء. وهي في نظري فرضيّة وجيهة تدعمها شواهد انتروبولوجية عديدة لا مجال لذكرها هنا.

من هنا أهمية تدريس التربية الجنسية العلمية، لتبديد هذه المخاوف اللاّمعقولة كما بدّدتها في أوروبا التي مرت هي أيضا في عصور ظلامها بهذا العداء الدفين للمرأة. مثلا أحرقت الكنيسة الكاثوليكية مائة ألف “ساحرة” يهودية!

في هذا المناخ تبدو الحكومات التي تُطبق العقوبات البدنية المتقادمة، وكأنها قد نامت نومة أهل الكهف، وتتعامل بعُمْلتهم التي لم تعد قابلة للتداول. بالمناسبة، أسطورة أهل الكهف، يُعلّمنا تاريخ الأديان المقارَن أنها مأخوذة من أسطورة “السبعة النيام” في إفسُس؛ وهم مسيحيون فرّوا من اضطهاد الإمبراطور ديسيوس (حكم من 249 إلى 251) ولم يستيقظوا إلا في عهد الإمبراطور ثيودوس الثاني (حكم من 408 إلى عام 450).

مصداقا لهذه الحقيقة الأنتروبولوجية، أي تقادم الشريعة؛ الشريعة، كما صرّح مفتي مصر، لم تُطبَّق في مصر منذ ألف عام، بسبب زوال الظروف والذهنيات التي ظهرت فيها. ونفس هذه الحالة الأنتروبولوجية تنطبق على آيات الإسلام المدني السّجالية ضد اليهود والنصارى والمشركين. والمشركون هم الوثنيون، أي مثلا الصين والهند واليابان؛ وقد تساءل رشيد رضا مستغربا التّمسك بجهاد الطلب لإدخال البشرية كافة في الإسلام: هل علينا أن نجرّد جيشا لإدخال اليابان في الإسلام؟ تساؤله يكشف عبثيّة التمسك بنصوص زالت مُبرّراتها الأنتروبولوجية. نفس الحقيقة الأنتروبولوجية تنطبق على إسلام الولاء والبراء، الذي جعل منه أقصى اليمين الإسلامي السياسي كلَّ الإسلام. والحال أن الولاء والبراء لم يكن إلا قانونا عرفيّا؛ ربما كان صالحا لزمن حروب النبيّ مع المشركين. وما إن وضعت الحرب أوزارها لا يعود ساري المفعول، تماما كما تفعل الحكومات المعاصرة. لكن أقصى اليمين الإسلامي المريض بالأوطيزم، أي الانطواء على الذات، جعل الولاء والبراء عابرا للتاريخ. الإخوان المسلمون في مصر وسوريا يطالبون بإلغاء قانون الطوارئ الذي عمره 30 عاما. لكنهم، يا للمفارقة، متمسكون بقانون طوارئ الولاء والبراء الذي عمره 14 قرنا. إنه الجمود الديني اللامبالي بحقائق الزمان والمكان، والذي افترس كل نواة معقولية في رؤوس ضحاياه.

ومن مؤشرات نضج الانتقال من الفقه القديم إلى فقه جديد متصالح مع عصره، انعقاد مؤتمر إسلامي، في مارس الماضي، بمدينة ماردين (تركيا)، حضره علماء، من عدة بلدان إسلامية، أكدوا تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب، وتكفير المسلمين باسم عقيدة الولاء والبراء قد تجاوزه الزمن، فلم يعد صالحا لعصرنا. وهو ما كنت أتمناه بكل جوارحي. وأَقترحُ على شيخ الأزهر أن يعقد مؤتمرا موسّعا، تحت إشرافه، لتأييد هذه الفتوى الشجاعة، وتوسيعها؛ بل وأقترح على كل بلد مسلم عقد مثل هذه المؤتمرات للتعجيل بميلاد فقه إسلامي جديد متصالح مع عصره، دشن الصديق جمال البنا بسملاته الأولى.