إعلام أزمة أم أزمة إعلام؟



الإعلام العربي، وله وزارة ديناصورية تفتقر إليها معظم دول العالم الأخرى، ما يزال يعيش بدايات عصر اختراع الجريدة الورقية والراديو الترانزستور والكاميرا الفوتوغرافية وتلفزيون الأبيض والأسود ولذلك تراه ما زال يتحرك ضمن وهم أنه يصف الألوان للعميان ويُسمع الآيات للأموات وأنه إعلام الجماهير وصوت الأمة والمنفذ الوحيد والمرجعية الأخيرة التي يقاس عليها أفق مواطني دولته الشرفاء منهم وغير الشرفاء.



وهذا الإعلام الذي يسبغ على نفسه جميع هذه الصفات العجائبية كان في الأصل، وحتى ما قبل تسونامي الثورات العربية المعاصرة، يعاني من أزمة خانقة لم يشعر بها على جميع الصعد : التقنية والموثوقية والسرعة والدقة والتحليل والانتشار وسوى ذلك مما يعزى عادةً إلى الظروف السياسية الحرجة منذ الأزل وعجز الجماهير المخزي عن مواكبة واستيعاب التطور المتسارع نستثني من ذلك بعض الإعلام العربي المتطور والمستقل نسبياً الذي ظهر منذ سنوات قليلة ووجه منذ ظهوره  بعدائية لا مبرر لها سوى رغبة الأنظمة العربية وآلتها الإعلامية في احتكار عقول مواطنيها احتكاراً حصرياً دون شريك.

 



أما السبب الرئيسي وربما الوحيد لهذه الأزمة كما يخيل إلي فهو ارتباطه بأنظمة الحكم ارتباطاً رحمياً لا انفصام له بحيث تحول – وهو إعلام الدولة والشعب – إلى بوق يبشر بأيديولوجية النظام الدوغمائية وسوق يروج لمنجزاته وشاعر بلاط يتغزل بعبقرية قادته ونزاهة مسؤوليه الأمر الذي سد عيه المنافذ وأفقده شيئاً فشيئاً انتباه وعناية وثقة الجزء الأعظم من الأغلبية الصامتة.

وعلى أساس التشابه البنيوي القائم بين أنظمة الاستبداد العربية – بوصفها جزراً معزولة – فقد تشابهت إلى درجة مضحكة طريقة معالجة وسائل الإعلام الرسمية لما يحدث على أرضها مؤخراً من حراك شعبي ناهض ومشروع إلى الحرية والديمقراطية والتغيير وهذا ما شهدناه على التوالي في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين والأردن وسوريا.



من المعروف عن جميع وسائل الإعلام الرسمي العربي في الدول المذكورة وغير المذكورة عجزها عن الفكاك من قيد السلطة أو النزوع فتراً واحداً نحو الاستقلال أو الحيادية فهذا الإعلام لا يستطيع، حتى لو أراد، المغامرة باستضافة أحد أطراف المعارضة أو البث المباشر من قلب الحدث أو عرض شيء من التاريخ السابق للرئيس الحالي ناهيك عن اتخاذ أية مبادرة بالتصوير حيثما كان دون الحصول على موافقة مسبقة من الجهات الأمنية الوصائية التي بدورها تتحرك وتقرر لا وفق مقتضيات المصلحة الشعبية والوطنية العامة ولكن وفق مشيئة الحاكم ومصلحة النظام وتعليمات راسمي سياسته من مثقفي التطبيل ومحللي التزمير وجوقة " كل شيء على ما يرام ".

 

وكما رأينا جميعاً فقد استنسخت أجهزة الإعلام الرسمية في الدول المضطربة السياسات القديمة البالية ذاتها دشنتها بسياسة التجاهل وهذه السياسة الإسعافية قد تنجح ليس في قصر أمد الاضطرابات ولكن عند قصر أمدها وتثبت عطالتها وفشلها الذريع بمجرد أن تثبت المظاهرات والاحتجاجات استمراراً زمانياً وانتشاراً مكانياً تصعب السيطرة أو التعمية عليه وهذا ما حدث ويحدث عادةً.

تأتي بعد ذلك سياسة اتهام الآخرين " عملاء الداخل وأعداء الخارج " في مواجهة الكثرة الكاثرة من الشعب المؤيد ولكن هذه أيضاً سرعان ما يثبت تهافتها حين تصطخب أمواج المعارضة على سواحل الموالاة ويجد الإعلام الرسمي نفسه مضطراً لرمي حجرته التكتيكية الثالثة وهي " لفق واتهم بالتلفيق " فيعمد إلى عرض ما يحدث أو عرض جزء منقوص منه بعد معالجته بتقنيات إخراجية تقرب الصورة أو تبعدها، ترفع الصوت أو تخفضه وبمرافقة تعليقات وتحليلات تحاول قدر الإمكان أن تبدو مقنعة وهي تمارس أقصى درجات الديماغوجيا فتتمدح وطنية المشاهدين وتؤكد على الثقة في وعيهم وذكائهم وإخلاصهم للوطن وقيادته وهي حيلة بونابرتية قديمة يمكن التأثير بها دون شك على أطفال دون سن العاشرة لا فوقها! وفي الوقت ذاته تتهم وسائل الإعلام الأخرى بالكذب والتلفيق والتآمر على وحدة الوطن واستقراره الأسطوري من باب أن الهجوم أفضل وسائل الدفاع.

 

ومع أن الكيس الفطن من اتعظ بغيره لا بنفسه فقد اتبعت الفضائية السورية المقاومة الأسلوب الكلاسيكي المكرور ذاته الذي أثبت فشله مرتين على الأقل قبل ذلك وأعادت إنتاج مفردات غير لائقة لوصف المحتجين من أبناء الشعب كوصفهم بالمسلحين والعصابات والمخربين والعملاء والدخلاء ودعاة الفتنة مستعينة في نشر ذلك وتدعيمه بمن قدرها الله عليهم من دهاقنة محترفي السياسة من داخل البلاد أو المستوردين من خارجها من بعض إخوتنا اللبنانيين والفلسطينيين وسواهم.

 

وتحولت غرفة الأخبار إلى " غرفة عمليات " يقودها ويتصدر واجهتها بعض المذيعين والمذيعات ممن لهم مواصفات خاصة آخرها الكفاءة ولنأخذ مثالاً على ذلك المذيع السوري المستعرب الأستاذ "علاء الدين الأيوبي" نجم الفضائية السورية الجديد الذي عجمت السلطة عيدانها لمعالجة هذه الأزمة إعلامياً فكان الأيوبي أفضل المعجومين لما يتمتع به من سحنة مدورة تنم عن الري والشبع وطلة متفائلة تنم عن الوضع السعيد وشعر مصبوغ ينم عن العمر المديد وبداهة حاضرة وفصاحة غامرة وولاء لا غبار عليه ولا ريب فيه لأولياء نعمته.

يحاول هذا المذيع الوسيم طيلة ظهوره على الشاشة إظهار أكبر قدر من الثقة بالنفس ولذلك فهو لا يُرى إلا مبتسماً مستبشراً حتى وهو يناقش ويعرض أشد المواضيع إيلاماً للنفس ووخزاً للوجدان كسقوط شهداء أو إحراق ممتلكات عامة أو خاصة أو مشاهد لجرحى راقدين في المستشفيات بين الموت والحياة أو متناثرين كالجثث المشوهة في شوارع المدن .

إنه أفضل من يحشو السؤال بالجواب – وهو الخطأ الأول الذي يتعلم طلبة الإعلام تجنبه – فتراه يسأل محاوره أسئلة المتعالم للعالم ثم ينصت إنصات المريد الغشيم للشيخ الحكيم ويستفسر ويستجوب ويستفهم فاغراً فيه مشنفاً أذنيه رافعاً حاجبيه وهو بالإجابة أدرى فلله درّه من رجل. 

احتل الأيوبي بمنظره الاستفزازي معظم ساعات البث المباشر وتحول إلى ضيف ثقيل على بيوت معظم السوريين المنقسمين بين من يفضل سماع الخبر من فضائيته الوطنية وحسب لإيمانه بصدقيتها وسياستها المقاومة والفاضحة للإعلام الغربي المتآمر وبين من لا يجد للفضائية السورية أية مصداقية خارج أحوال الطقس والبرامج الترفيهية لكنه يبحث عن الأنس والتسلية والترفيه عن النفس من خلال الاستماع إلى مقامات الأيوبي وحكاياته ونوادره التي تشرح الصدر وترفع الغمة على عكس جميع القنوات الأخرى لأنه كلما وقع حدث جديد في مدينة سورية فرك الشاطر "علاء الدين " مصباحه وخرج على النظارة بضيفٍ وطني عزيز من أحد ضباط المخابرات الحاليين أو السابقين وقد تحول بقدرة قادر إلى " محلل سياسي استراتيجي" ليباشر هو وضيفه محاورة ودية " تحت سقف الوطن " يتجاذبان فيها أطراف الرداء نحو وجهة واحدة، يتساءلان فيما بينهما بأسئلة معروفة الإجابة سلفاً ويتقاذفان بين بعضهما البعض بالعموميات والتفاصيل ما ظهر منها وما بطن ضمن مونولوج عجيب غريب ومتاهة لا باب لها يسميها صاحبنا الأيوبي حواراً سياسياً بين أبناء الوطن الواحد قاطعاً اللقاء الممتع بين الفينة والأخرى بتمثيلية قصيرة من قلب الحدث ولكن مثقوبة في نقطة ما وسريعة الافتضاح لعلة عدم الإتقان فإما أن تكون اللقطة مصورة بكاميرا التلفزيون الرسمي – في حين أن جميع صور المظاهرات الاحتجاجية في درعا وسواها تصور بالأجهزة الخليوية – وإما أن تظهر في الصورة " عصابات المخربين والدخلاء " ملثمين يتلفتون حولهم بطريقة مفتعلة غبية ويطلقون النار عشوائياً وعلى كل شيء وأي شيء إلا على المصور، وإما أن تؤخذ صور الاحتجاجات والمظاهرات من بعيد ثم يتم عرضها على أنها مسيرات مؤيدة بدليل دامغ هو رفعها العلم السوري.

 

على إن آخر وأطرف حيل هذا الحاوي هي تلك اللقطات الرائعة والرومانسية لإخوتنا وأبنائنا من رجال الأمن السوري موديل 2011 الدراويش المساكين الراقدين في المستشفيات والملفوفين بالجبس والضمادات، يصرحون للتلفزيون أنهم قد نزلوا كالعادة إلى أماكن التجمعات والمظاهرات وهم لا يحملون أي نوع من أنواع السلاح !! ولماذا السلاح مادامت أوامرهم العليا تقضي بعدم إطلاق النار على أحد وهم هناك لحماية المتظاهرين فقط ومواكبتهم ثم العودة بهم إلى بيوتهم مع حلول المساء ولكن فجأة وعلى غير انتباه منهم أطلق عليهم بعض القناصة النار من فوق أسطح المنازل ولولا مروءة بعض المواطنين للقوا حتفهم.

 

وكل ذلك بالطبع بضاعة برسم التصديق من لدن مواطن ما زال الأيوبي وأشياخه من سدنة الإعلام الحجري يظنون أنه لا يرضع إلا من ثدي الفضائية السورية ولا يحبو إلا ضمن ممراتها الضيقة المفضية إلى حجراتها المغلقة بإحكام.

لقد نجح الهر غوبلز خلال العقد الثالث من القرن الفائت ذلك النجاح الساحق لسبب واحد غاية في البساطة هو أنه كان يعيش في العقد الثالث من القرن الفائت أما اليوم فلو بعث غوبلز شخصياً – وقد مر ثمانون عام – وتوجه إلى الشعب الألماني بخطاباته النارية وسخافاته النازية تلك لوضعه الألمان في قفص وعرضوه في الساحة العامة للفرجة المجانية .

 

السيد وزير الإعلام والسيد مدير التلفزيون والسيد مدير دار الإذاعة والسادة محررو الصحف ومواقع الأنترنت الرسمية في سوريا الرائعة، سوريا الجميلة… إليكم هذه المفاجأة:

نحن في القرن الواحد والعشرين والفضاء مزدحم بالأقمار الصناعية، والتلفزيون الموجود في كل بيت سوري يشتمل على مئات إن لم نقل آلاف القنوات المختلفة التي تترصد الخبر وتبثه ساعة وقوعه دون إمراره على أية أجهزة للفلترة أو المراجعة وبإمكان أي مواطن في أية دولة أن يشاهد ما يريد ساعة يريد على شاشات قنوات لا تعبأ كثيراً أو قليلاً بالمصالح الوطنية لمشاهديها ولذلك فإن ما يمتنع التلفزيون الوطني عن الاعتراف به وعرضه وتحليله أو ما يعرضه بشكل ناقص أو مكذوب ستعرضه مئات القنوات الأخرى وتعلق عليه بالشكل الذي تريده وبالتأكيد دون موافقة وزير الإعلام السوري ولا الفضائية السورية المحترمة، فاعتبروا يا أولي الألباب.