
أكدت مصادر أمنيّة في مدينة المحمدية بالمغرب الأقصى، أن تقريرا مفصلا رفع إلى وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالمحمدية، يضم كل التفاصيل عن محاولة مجموعة من المنتسبين إلى ” الحركة البديلة للدفاع عن الحقوق الفردية ” الإفطار علنا يوم الأحد الماضي أمام محطة القطار بالمحمدية، وأضافت نفس المصادر أن أمن المحمدية ينتظر تعليمات من وكيل الملك، مؤكدة أنها لا تستبعد أن يكون من ضمنها أمر باعتقال ستة أعضاء من الحركة، تزعموا محاولة الإفطار العلني ليوم الأحد الماضي.
وكان اختيار مدينة المحمدية من طرف نشطاء الحركة، قد جاء على أساس موقعها الاستراتيجي بين العاصمتين الإدارية والاقتصادية، ولهدوئها وغياب الحركة الصاخبة في شوارعها، ذلك ما أكدته تصريحات النشطاء للمحققين.
وتعود وقائع هذا الحادث الذي جلب إليه الأنظار، يوم الأحد الماضي، حين دعت مجموعة من المنتسبين للحركة إلى تنظيم إفطار جماعي علني أمام محطة القطار بالمحمدية، للتعبير عن احتجاجها ورفضها للفصل 222 من القانون الجنائي المغربيّ الذي يتضمن عقوبات حبسيّة لمن يفطر علنا في رمضان، وهو فصل يتناقض مع الحرية الشخصية للإنسان ومع حقوقه التي تقرها كل المواثيق.
وكانت كل من زينب لغزاوي (صحافية) وابتسام لشگر (طبيبة نفسية) قد أنشأتا منذ أسبوعين «مجموعة نقاش» على الـ«فيسبوك» أطلقتا عليها اسم «الحركة البديلة للدفاع عن الحقوق الفردية» (مالي) من بين أهم أولوياتها أنه «لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين» أي «الحق في حرية تغيير ديانته أو عقيدته». وتضع مجموعة «مالي» على رأس أولوياتها الدفاع عن ثلاثة أصناف من الحريات الفردية: الصنف الأول يتعلق بالحريات الشخصية ويتضمن المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام، تجريم التعذيب، الصنف الثاني الدفاع عن حرية التفكير والضمير والدين» و الدفاع في مستوى ثالث عن حرية الرأي والتعبير.
ونشرت المجموعة أخيرا على “الفيسبوك ” بلاغا توضيحيّا يحمّل الدولة المغربيّة كلّ المسؤوليّة في حالة تعرّض أيّ عضو منهم إلى أي مكروه. وكشف البلاغ أن أعضاء من حركة “مالي ” تعرضوا لتهديدات بالقتل عبر رسائل بريديّة.
وقالت الحركة في بلاغها إنّ الدولة تبنّت “سياسة مغازلة المتطرّفين الإسلاميّين من خلال إصدارها لبلاغ يدين الصحافية زينب الغزوي التي تعتبر عضوا بالحركة ” وقالت إنّ هذا التبنّي “تحريض مبطّن للغوغاء من الإسلاميين والمحافظين وتهديد مباشر لحياة الصحافيّة.”
وأكدت الحركة على تحميلها “الدولة كل المسؤولية ، في حالة تعرّض أيّ عضو من حركة ” مالي ” إلي أيّ مكروه”، وتشبّث ناشطيها ” بالدفاع عن الحرّيات الفرديّة والشخصيّة بشكل سلمي حتّى يتمّ إلغاء الفصل 222 المشؤوم المعاقب للمجاهر بالإفطار..” وقالت إنّ ” دفاعنا عن حرّية المعتقد لا يعني عدم اهتمامنا بالحريات السياسية وحرّية التعبير بالبلد والتي تعرف تراجعا كبيرا..”
وفي تصريح، عقب الحادث، أوضحت زينب لغزاوي أنّ الحركة لم ترُمْ حثّ النّاس على الإفطار، بل أرادت الكشف عن وجود مغاربة مُفطرين لا ينبغي التّعامل معهم كالمُجرمين، مُعتبرة أنّ الفصل مائتين واثنين وعشرين من القانون الجنائي يخالف روح القانون، وبالضبط الفصل الثامن عشر من دستور المملكة المغربية المُتحدّث عن حريّة العقيدة.
ونُقل من عين المكان أنّ رجال الأمن بدوا حانقين وهم يُعيدون أعضاء “الحركة البديلة” إلى القطار باستخدام الصفع، حيث تنوّعت تعليقات الأمنيين بين “لِّي بغا ياكُل رمضان ياكلوا فدارو” وبين “أولاد الزنى.. كلاب..” وكذا تعليق آخر توجّه لقميص الصحفية زينب لغزاوي الحامل لعبارة “مغاربة حتّى لموت” حمل بالحرف “انتي غلاّقَة حْتَى لموت”.
تداعيات ” نزهة الاحتجاج “، كما سمّيت في قلّة من المنابر أو ” وكّالة رمضان ” كما سمّتها منابر صحفيّة وإعلاميّة متجاوبة، للأسف، مع الغوغاء، ما تزال مستمرّة على أرض الواقع وفي المجال الافتراضيّ إذ تواترت التعليقات العنيفة المهدّدة للجماعة، وفضلا عن استعداء السلطات المغربيّة والأمن المغربيّ للضرب بقوّة على أيدي هؤلاء، ذهبت تعليقات أخرى إلى إهدار دم المنتسبين إلى الحركة. من هذه التعليقات تعليق يقول حرفيا ” ينبغي سحق هذه السحاقيّة “، وتعليق يدعو الجماعة إلى الخروج من المغرب نهائيّا.
ودشّنت بعض القوى والأحزاب اليمينيّة حملة موجّهة منظّمة للتشنيع والتنديد بالمبادرة التي قام بها أعضاء حركة مالي ولعزل هؤلاء الشباب، بما يعنيه ذلك من شرعنة لانتهاك حقوق أقلّية تحت غطاء الإجماع الوطنيّ، ولاستباق أيّ شكل تضامنيّ يساند المعتقلين والمتابعين في هده القضية. ومن عناوين هذه الحملة، بالطبع، اتّهام أعضاء الحركة بالخيانة والعمالة لجهات أجنبيّة، وغضّ الطرف عن مسلسل التكفير والتهديدات ضد أعضاء الحركة حتى يسهل القول إنّ المجتمع يرفضهم والدولة تحميهم من هذا البطش..
العنوان الكبير الغائب، بدلا من العنف والاستئصال والإلغاء، هو وضع طائفة من الإشكاليّات على بساط البحث كمسألة الهويّة، الخصوصيّة والكونيّة، الأقلّيات، حقوق الإنسان، المجال العام والمجال الفرديّ، التشريعات والقوانين، منظومة القيم. ومن ثمّة، الانتباه إلى أنّ تصوير هذا التحرّك والتكالب على ” شيطنته ” من مختلف وسائل الإعلام يحمل كثيرا من المغالطات، ذلك أن القضيّة تطرح في علاقتها بالجانب التشريعيّ والقانونيّ ومدى ملاءمة بعض بنوده للسياق التاريخيّ ولتطوّر المجتمع والقيم.