
بمعزل عن الطابع الاتّهامي لمعظم السجالات التي تدور على صفحات الصحف والمواقع الالكترونية أو الفضائيات العربية. وبمعزل عن مدى دقة ومصداقية المعلومات التي يدعّم بها المتساجلون نصوصهم المكتوبة أو الشفهية، والتي لا نستطيع البتّ في مدى دقتها. إذ ليست لدينا الإمكانيات ولا المعطيات لالتقاط إبرة الحقيقة من بيدر قشّ اليوميات السياسية العربية الذي تراكم في العقود الستة الماضية. إلا أن ما أجده أكثر جدوى هو محاولة التعرف على نوعية (النقدية) التي تفصح عنها سجالات النخبة الثقافية العربية المهتمة بالشأن السياسي. والموزعة على المشارب الفكرية الرئيسية: الماركسية والليبرالية والقومية والإسلامية.. نقدية-رغم ما تدّعيه من جدّة وسائلها المعرفية وطهارة ذيل موضوعيتها- تعيد إلى الاستعمال ما تراكم في الفناء الخلفي للفكر السياسي العربي كروبابيكا، يعاد طلاؤها ومعالجة ما تخلع من مفاصلها..
عّلة هذا الإصرار على إعادة تجريب المجرّبْ ليس فقط كما يقال: العقل المخّرب، بل وأيضا لأنّ هذه الملفات- وأصحابها – لم تحال بعد إلى الأرشيف الذي يسمح للتعامل معهما بعقل بارد. بل مازالت في قلب العراك السياسي والأيديولوجي الراهن..فما يتقاذف به محمد حسنين هيكل(1) ومساجلوه “ليبراليين وإسلاميين “وما يضخّه” شهود أحمد منصور على العصر ” من معلومات منتزعة من سياق الحياة السياسية السرية للسلالات الحاكمة العربية في النصف الأخير من القرن الماضي – على سبيل المثال لا الحصر – تنقصه النزاهة الفكرية ويتحكّم به الهوى وينعدم فيه ما يفصل بين هذا الأخير والحقوق المتساوية للوقائع في الوصول إلى طاولات النقاش.. إلا أنّ جذورا أعمق للتغييب المستمر لهذه النقدية، تستدعي حفرا أعمق لتعريتها.. وهي جذور تمتح نسغ بقائها من الهويات العمودية القارة، التي شكّلتها الذاكرات الجمعية لسكان المنطقة.. فكما يتوقّف النقد عند الأسوار الخارجية للذات الفردية، يتوقّف لنفس الأسباب عند الأسوار الخارجية للذات الجمعية.. هكذا تقتصر ممارسة النقد على ما هو خارج الحاكوره الأيديولوجية للجماعة: دينية كانت أم وضعية.. وفي ضوء العودة العارمة للأديان ومشتقاتها من المذاهب والعشائر والطرق الصوفية..إلخ، إلى العمل السياسي..وبسبب من تشابك للهويات الحديثة والتقليدية في العقود الخمسة أو الستة الماضية، سمحت بها طفرة في الوعي أحدثتها الأيديولوجيات الوضعية “ماركسية، قومية، ليبرالية ” في الطابق العلوي لبنية اقتصادية – اجتماعية دأبت على النظر إلى نفسها عموديا: نشأ ما يشبه”ازدواجية تنظيم “لدى المثقف الحديث يمارسه دون أن يرفّ لوجدانه جفن.. هكذا يتفلت الفكر السياسي الحديث ليس فقط من منهجية تضبط خطواته داخل متاهة المينيتور العربية، بل وأيضاً من الضوابط الأخلاقية التي بدونها لا يتبقى في غربال حنطته سوى الزؤان .. فبقليل من التفحص لما بين سطور هذا النص أو هذه السردية لهذا المساجل أو ذاك ،يمكن َتلَقط ْ الانحيازات التقليدية مشفرة ً ومتلطية ً تحت الانحيازات الصريحة لهذه الأيديولوجية الحديثة أو تلك ..
تتموضع – فقط – هذه الظاهرة”أي الازدواجية” في صفوف الكتاب والمثقفين الموزعين على باقة الأيديولوجيات الحديثة… سيما بعد أن راحت تلعب بالرؤوس الحديثة أبخرة الانتماءات التقليدية التي عادت إلى ضخها بكثافة: مستنقعات الاجتماع العربي –الإسلامي، عقب ما آلت إليه تجارب التحديث الاشتراكي التي نهض بها جنرالات الفلاحين هنا أو هناك..
يلجأ المثقف الحديث إلى محاولة ” تغطية السموات بالأبوات” كما يقال في الشام ..فهو المحرج من الظهور تحت بيارق هويته الدينية أو المذهبية ..إلخ . يلجأ إلى تشفير المعاني، وتلبيسها. وحفر مخارج إضافية للهرب على طريقة الثعالب لكي لا يلقى القبض عليه متلبساً هويته التقليدية. بينما لا يحتاج المثقف التقليدي إلى كل هذه التحوطات لتبطين الكلام.. وهو من هذا المنظار أكثر انسجاما مع نفسه، وأكثر اتساقا على المستويين العقلي والخلقي مع جماعته الأيديولوجية.. تلك هي في رأيي بيضة قبان التفوّق الشعبوي الذي تراكمه ثم تستثمره في حقل السياسة: الأحزاب الدينية ومثقفوها، على مثقفي وأحزاب الحداثة العربية: القومية أو الليبرالية أو الشيوعية.. ويخطئ من يركّب هذه الظاهرة “ظاهرة التفوق الشعبوي”على ظهر تدّين مجتمعاتنا.. فالدين في هذه الأخيرة ليس” ابن البارحة” كما يقال ..ولكنه الانحطاط الأخلاقي للنخبة الحديثة وازدواجية مرجعياتها العقلية ..
هكذا آل سلوك الفئات الحديثة في المنطقة إلى ما آلت إليه مشية الغراب عندما قرر تعلّم مشية الحجل.. أكتفي كمثال على ما أرمي إليه في حديثي: ما آلت إليه مواقف” النخب الحديثة ” فيما كان يسمى بلاد الشام، حيال ملفّ توطين اللاجئين الفلسطينيين. المواقف المبطنة بهواجس دينية ومذهبية مبعثها ضغوطات التنوع الإثني والديني والمذهبي لاجتماع المنطقة المحيطة بفلسطين على عملية الاندماج الوطني داخل الدولة القطرية كما تسميها الأدبيات القومية.. هواجس بكّرت في الإعلان عن نفسها في لبنان. وهاهي تطرح نفسها بقوة في الأردن(2). ولا زالت مقموعة تحت الخطاب القومي المتشدد للبعث الحاكم في سورية ..
لا مهرب من ضرورة فك التشابك بين المرجعيات لإعادة الاتساق للخطابات الحديثة في العالم العربي، لكي يعاد تفعيلها اجتماعياً. وإلا فتباشير هزيمة الحداثة في الأفق. تشير إليها جدلية غيرت َسْمتها منذ عقدين على الأقل، وتحوّلت إلى جدلية هابطة بفعل الاستثمار السياسي الكثيف في الدين، وما يفضي إليه من إعادة تفعيل للانقسامات العمودية. يقول المفكر البحراني محمد جابر الأنصاري في كتابه الهامّ: العرب والسياسه..جذر العطل العميق (على مدار التاريخ الإسلامي لم تستطع الانقسامات الأفقية ممارسة الحضور المستمر في ( الزمان – المكان) إلى المستوى الذي ينضج عملية الانتقال نحو نمط إنتاج أرقى .)
كيف يمكن للمثقف الحديث وحزبه السياسي أن يديرا الاتّجاه الراهن للعربة: من خيار الدولة الوطنية أو القومية إلى خيار الدولة الدينية التي يحتطب لنيران حروبها الأهلية الإسلام السياسي!!!.دون أن تصفو مشاربه الفكرية/النفسية من عكارة رسوبيات الماضي “التليد”؟!
قبل ذلك لا يمكن للحداثة أن تجبر التاريخ الراهن على التوقف لالتقاط الأنفاس..
{{هوامش:}}
1- هيكل على محطة الجزيرة .
2 – انظر كتابات ناهض حتر وكمال خلف الطويل والعربي الغاضب أسعد أبو خليل في جريدة الأخبار اللبنانية ..