اغتصاب الزوجة : أسبابه وتداعياته

حصل قبل أكثر من ثلاثين عاماً، في بلدة صغيرة قرب الساحل السوري، أن حضرت سيدة إلى مقرّ الاتحاد النسائي هناك، وتقدّمت بشكوى ضدّ زوجها طالبة تدخّل الاتحاد لحمايتها من اغتصاب الزوج لها.

ما علق في ذاكرتي وأنا في بداية تفتّح الوعي لديّ، تلك الزوبعة التي أثارتها هذه الحادثة وآلية معالجتها، وما رافق ذلك من ردود فعل شملت جميع أفراد تلك البلدة الهادئة.

أذكر يومها أنّ مسؤولة الاتحاد النسائي هناك تدخّلت واستدعت الزوج إلى مكتبها، وألزمته بكتابة تعهد خطّيّ يلتزم فيه بعدم ممارسة الجنس مع زوجته غصبا.

اليوم وبعد مضيّ هذا الزمن، وقد غدوْت على تماسّ مباشر مع قضايا النساء وخاصة المعنَّفات منهن، أتذكّر تلك الحادثة وأنا أتساءل: أين ذهبت تلك المرأة التي آمنت بقدراتها وبشعارات تلك المرحلة وتوجّهاتها؟ ولماذا لم يترافق تطوّر هذه الحالة المتقدّمة آنذاك، مع ما شهده المجتمع السوريّ من تطوّر طال معظم نواحي الحياة فيه؟ وهل يمكن اعتبار الأفراد حاملي قيم الذكورة مسؤولين عن تردّي حالة المرأة الزوجة، أم هي السلطة بهيئاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية؟

ممّا لا شك فيه أن تلك الحادثة قد كشفت عن واقع كان يمكن للمرأة فيه أن تتطوّر، وبشكل منسجم ومتوافق مع تطوّر المجتمع، إلا أنّ واقع المرأة في مجتمعنا قد كشف أيضاً عن الوجه الآخر لهذا المجتمع، الذي لا يزال يؤكّد ويبرّر قوّة الرجل وهيمنته مقابل خوف المرأة فيه وخنوعها.

اليوم، وبعد كل هذه السنوات تصلنا بين الحين والآخر بعض الشكاوى الخجولة من سيدات يتهمن فيها أزواجهن باغتصابهن، أو إجبارهن على ممارسة الجنس بالعنف، دون أن يكون لهنّ حقّ في الرفض، وكأنّ للزوج وحده هذا الحقّ، وله وحده الحرية في اختيار الأسلوب والتوقيت الذي يريده، لتفريغ شهوته بغضّ النظر عن حالة أو مدى رغبة الزوجة شريكته في ذلك.

وقد يتعدى الأمر أحياناً، حالة إجبار الزوجة على ممارسة الجنس، ليصل درجة من السادية يمارسها الزوج على زوجته دون أن تستطيع هي الرفض أو الشكوى، خوفاً على زعزعة أمن العائلة واستقرارها، إذ تكشف تفاصيل القضية التي تقدّمت بها ليلى. ح (موظفة وتحمل شهادة متوسطة) ضدّ زوجها أنها كانت تغضب من محاولاته المستمرّة لإجبارها على الممارسة دون مراعاة لمشاعرها، بل وتلذّذه بأسلوب العنف خلال الممارسة فيقوم بضربها في مناطق معيّنة حتى يستمتع بما يفعل. وكانت هي تطلب منه التوقّف عن هذا الأسلوب، ولكنه لم يتوقّف عند هذا الحدّ، بل بدأ يجبرها على التفوّه بكلمات معيّنة حتى يستكمل متعته. وكانت عندما ترفض هذا الأسلوب يبدأ في ضربها بعنف حتى تستجيب لما يريد.. وبالفعل بدأت تحاول الاستجابة له حتى تحافظ على حياتهما الزوجية, خصوصا وأنّ لديهما طفلين، إلا أنّها في نهاية الأمر أصبحت تشعر بكره شديد لزوجها وممارساته فقرّرت أن تطلب الطلاق.

وقد أكدت دراسة أجراها د. على السمري أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة، وجود ظاهرة “الاغتصاب الزوجي للمرأة” معتبراًً أن اغتصاب الزوج لزوجته يأخذ ثلاثة أشكال أولها إكراه الزوج زوجته على ممارسة الجنس معه. وثانيها اقتران هذا الإكراه بإيذاء الزوجة بدنيا. وثالثها الاغتصاب السادي الذي يتحوّل فيه ضرب الزوجة خلال الممارسة، مصدرا لاستمتاع الزوج جنسيا”.

هكذا يتم اغتصاب آلاف النساء يومياً على فراش الزوجية، فغالبية دول العالم، وبشكل خاص دول الشرق الأوسط، لا تقرّ قانوناً يمنع ويعاقب على اغتصاب الزوجات.

لماذا تُغتصب الزوجة من قبل الزوج، ولماذا لا تُحترم العلاقة الإنسانية بين هذين الشريكين؟

يؤكّد الجميع على أنّ ظاهرة اغتصاب الزوجة موجودة في كافة المجتمعات، وإن بنسب متفاوتة، يردّها البعض إلى كونها نتاج فكر مجتمعيّ ذكوري قائم على النظرة الدونية للمرأة وعلى اعتبار المرأة موضوعاً جنسياً لا غير. لكننا نرى أن هذه النظرة الدونية للمرأة ما هي إلا انعكاس لسيطرة منطق القوة وسيادته في المجتمع، تلك القوة التي تمتع بها الرجل، بداية، بفضل الاختلاف الفيزيولوجي بينه وبين المرأة، والتي تطورت لتشمل بالإضافة إلى القوة العضلية القوة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، جارفةً بطريقها كل دور للمرأة على كافة الصُعد، ومكرسةً بذلك واقعاً تمييزياً أفرز ثقافة مجتمعية تمييزية، تبجّل قوة الرجل وسلطانه، وتكرس طاعة المرأة وخنوعها، الأمر الذي دفع بالمرأة إلى أن تكون هدفاً للاعتداء من قبل الرجل في كل زمان ومكان. يؤكد الدكتور رائد محسن هذا الرأي بقوله: إنّ مردّ هذه العملية “يعود إلى عقدة القوة (منطق القوة) عند الزوج لفرض كلمته وسلطته في الزواج، كما أنها تثبيتٌ لقوته بأن يكون له ما يريد ومتى يشاء…”

في هذه الفضاءات صاغ المشرع قوانينه الآمرة، سواء المدنية منها أو الجزائية، ليعيد من خلالها إنتاج مفهوم القوة ضمن العائلة الواحدة وبين أفرادها، مرسخاً بذلك أيديولوجيا تكرس سطوة الرجل وخنوع المرأة.

ولأن المشرع السوري ينظر إلى جرائم الاغتصاب على أنها من الجرائم الكبرى التي تخلّ بأمن المجتمع واستقراره، فقد اقتبس من التشريع الفرنسي ما نصت عليه المادة 489 من قانون العقوبات السوري، التي “تفرض على كل من أكره غير زوجته بالعنف أو التهديد على الجماع، عقوبة الأشغال الشاقة خمسة عشرة سنة على الأقل، وألا تنقص عن إحدى وعشرين سنة إذا كانت الضحية لم تتم الخامسة عشرة من العمر”.

ولكن ماذا بشأن هذه المرأة المغتصبة في حال كانت هي الزوجة الشريكة؟

نلاحظ أن المشرّع في سياق تحديده معنى الاغتصاب في القانون، عمد إلى إعطاء معنًى عامٍّ لمفهوم الاغتصاب فعرّفه بأنه :” مواقعة الرجل لامرأة دون رضاها”، لكنه لم ينظر إلى الاغتصاب الواقع على المرأة من قِبل زوجها ذات النظرة، ومع ذلك فإن تحليل هذا التعريف يفيد:

بأنه عامّ، أي أنه يقع من رجل على امرأة فيكون الرجل هو المغتصب والمرأة هي المغتصبة، وهو عامّ أيضاً، لأنه يقع على أية امرأة دونما تحديد بما في ذلك الزوجة، والسمة الأخيرة لهذا التعريف هو أن المواقعة تتم دون رضا المرأة، وبالتالي فإن انعدام الرضا من قبل المرأة -على فعل المواقعة- يطبع الفعل الجنسي بطابع الاغتصاب، الأمر الذي يمكن القول معه أن انعدام الرضا هو الحدّ الفاصل بين اعتبار الفعل الجنسي فعلاً مشروعاً أو اغتصاباً. وليس ما ذهب إليه المشرّع باعتبار فعل اغتصاب الزوجة مجرّد سوء معاشرة فقط.

ومع أن المشرّع السوري أخذ النص السابق كاملاً عن التشريع الفرنسي، إلا أنه لم يهتم بالتعديل الذي أجراه المشرع الفرنسي عليه منذ سبعينات القرن الماضي، بحيث بات اغتصاب الرجل لزوجته فعلا جرميّا يستوجب المساءلة القانونية. بل على النقيض من ذلك، لا يزال مشرعنا أميناً على حقّ الرجل في التمتع بزوجته، وقت يشاء، بغضّ النظر عن حالتها النفسية أو الجسدية أو حتى رغبتها الجنسية، ومؤكّداً في الوقت ذاته، على عدم معاقبة “من أكره زوجته بالعنف أو التهديد على الجماع” إذ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني، فلا يمكن للمرأة الزوجة اللجوء إلى أي مرجع قضائي أو أمني إذا تعرضت للإكراه الجنسي من قِبل زوجها، في حين يمكنها ذلك إذا تعرضت للاغتصاب من قِبل آخر لا تربطها به رابطة قانونية، وكأن لسان حال المشرع يقول أن عقد الزواج هو في حقيقته صك ملكية تتنازل بموجبه المرأة لزوجها،عن عقلها وإرادتها وحقها في سلامة جسدها وصون كرامتها.

ومع أن المشرع اِهتم بتشديد عقوبة الاغتصاب في حال كانت الضحية قاصراً، لما يرافق ذلك من استغلال لضعف الضحية وعجزها عن المقاومة. إلا أنه لم يهتم بالقاصر ذات الخمسة عشر ربيعاً أو أقل أحياناً، في حال تعرضها للاغتصاب من قِبل زوجها. وبناء عليه يكون المشرع في سعيه لتأمين مزيداً من الحماية للزوج المغتصب قد حوّل عقد الزواج إلى أداة قانونية تُجرّد بموجبه الزوجة قاصراً كانت أم راشدة من حرية الاختيار، وتُوضع في حالة عجز تمنعها من مقاومة اعتداء الزوج عليها. وفي الوقت ذاته يدفع المشرع هذا الزوج المعتدي إلى استغلال عجز الضحية لمصلحته، فيقدم على اغتصابها عندما يريد وكيفما شاء. وما عليه سوى الاهتمام بألا يلحق بها أذى واضحا تستطيع معه اللجوء إلى القضاء.

وإذا كنا نستطيع تفهّم المرحلة التاريخية التي صاغ فيها المشرّع هذا النص، بكل ما يعكسه من تقاليد المجتمع وآلية تفكيره وعاداته، إلا أننا ونحن في القرن الواحد والعشرين لا نستطيع فهم أو تبرير جنوح مشرّعنا إلى الاستمرار في الإبقاء على هذا الاستثناء، دون التساؤل أين تكمن مصلحة المجتمع في إصراره على تبرير الأفعال غير المشروعة التي يرتكبها الأزواج بحق زوجاتهم تحت ستار حقّ الزوج في التمتع بزوجته. بل واستمراره في إضفاء صفة الشرعية على ما يقدم عليه الرجل بحقّ المرأة من تنكيل وترهيب وحجز للحرية، دون حسيب أو رقيب، في ظل نظام قانوني يمنع ويجرّم مثل هذه الأفعال ويعاقب مرتكبيها. هذا التناقض لا يمكن فهمه إلا على اعتبار أن المشرع لا يزال يعيش تحت تأثير العادات والتقاليد التي تجاوزها الزمن، متنكراً بذلك للقيم الاجتماعية المعتمدة في المجتمع الدولي وأهمها مفاهيم حقوق الإنسان. ومخالفاً بذلك مبادئ الدستور السوري الذي كرّس مبدأ المساواة أمام القانون، كما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتي تجعل من غير الجائز دستورياً، أن يفرّق المشرع في نصوص قانون العقوبات بين شخص وآخر لجهة التجريم والعقاب، ذكراً كان أم أنثى، متعلّما أم جاهلا، إلا بناء على معايير الموضوعية التي تحتّمها شخصية فاعل الجريمة أو وضعه العقلي أو الظروف (المشددة أو المخففة) التي ارتكبت الجريمة في ظلها. وبالتالي فإن الإبقاء على نص قانوني يبيح للزوج حق اغتصاب زوجته وممارسة الجنس معها دون رضاها، فيه مجافاة لمبدأ العدالة، كما أنه يتضمن مخالفة صارخة لمبدأ المساواة بين المواطنين.

ومن نافل القول، أن فعل الاغتصاب كفعل غير إنساني وغير حضاري، لا يمكن أن يُقدم عليه سوى شخص مريض وغير سوي، إذ يؤكد علماء النفس بمن فيهم د. محسن أن من يُقدم على الاغتصاب هو شخص يفتقد ويفتقر إلى الثقافة العاطفية والإشباع العاطفي، مضيفاً أن الرجال الذين يقومون باغتصاب زوجاتهم لديهم عقدة الذكورية والرجولة، وتعبر عن ذلك مقولة: “أنا رجل إمكاناتي الجنسية ورغباتي لا تسمح لي أن أتريّث كي تصبح زوجتي في مزاج حميم معين كي تتقبلني جنسياً” وعليه فإن الرجل الذي يغتصب زوجته هو شخص غير واع لدوره في عملية تهيئة الزوجة، بل وأن الجنس بالنسبة إليه هو مجرد تفريغ لشهوته الجنسية دون أي إحساس بالحب أو بالرابطة الروحية مع الشريكة.

كذلك فإن ما يخلفه هذا الفعل من أضرار تتجاوز الزوجة لتمتدّ وتشمل الأولاد، حيث أثبتت الدراسات أن الزوجة التي تتعرض للاغتصاب من قبل زوجها، تعيش أحاسيس مختلفة عن غيرها من النساء، فالإحساس بوجود التهديد المستمر يولد لديها مشاعر الخوف والرهبة وافتقاد الإحساس بالأمان الشخصي، وهذه بمجموعها مشاعر محبطة تزيد من إحساسها بالعزلة والانكفاء نحو الداخل. لكن أسوء ما يمكن أن تعيشه تلك الزوجة هو الإحساس بالعجز والقهر تجاه ذاتها والذل والمهانة تجاه الزوج، وهذا يولد لديها مشاعر كره واحتقار لذاتها كأنثى، ثم كره واحتقار تجاه الأنثى؛ أية أنثى، الأمر الذي يترك بصمته على علاقة الأم بأبنائها، إذ ستتأثر هذه العلاقة بسوء معاملة الأم لهم (معاملة جافّة بلا عواطف، أو معاملة فيها تمييز الإخوة عن الأخوات). كذلك يمكن أن يتأثر الطفل الوليد نتيجة علاقة كهذه، بشعور نبذ الأمّ له، والذي تعكسه تصرّفاتها اليومية تجاه هذا الوليد.

إن قراءة متأنية لهذه النتائج تدفعنا إلى القول أن الاغتصاب الزوجي باعتباره تصرفاً غير إنساني أو حضاري، يستهدف المرأة والطفل، وباعتبار أن الدولة ملزمة بموجب دساتيرها ومعظم قوانينها وسياساتها بمبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع مواطنيها، وعليها صون هذه الحقوق والسهر على عدم خرقها، وهذا ما ألزمت نفسها به إبان انضمامها إلى الاتفاقيات الدولية ذات الشأن التي وقعتها، وغدت ملزمة بتطبيق أحكامها وفقاً لروحيتها، وبناء على ذلك، نرى أنه لا يوجد ما يبرر إصرار مشرّعنا في الإبقاء على ذاك النص القانوني، وما يكرسه من تعارض سواء بين الدستور والقانون، أو بين القانون الوطني والاتفاقيات الدولية التي تُعنى بحقوق الإنسان أو تلك التي تُعنى بالمرأة والطفل، بذريعة الحفاظ على هوية مجتمعنا الخاصة أو خصوصيته، بل أن سد هذه الثغرة بات أمراً ملحاً إن لم يكن من أجل الانسجام مع تطور المجتمع السوري وتطور المرأة السورية فيه. فمن أجل الانسجام مع المنظومة الدولية التي نحن جزء منها.