
جياد تسابق الرّيح. دويّ ألعاب ناريّة وفرحة دنس عارية من تقوى صوم جنس كاذب. غناء وفحش ورائحة الدّم. قمامة عفيفة تمزّق رائحتها الكريهة والمقرفة سواد نقاب حجابها الشّريف. لم يعد التستّر مطلوبا ولا محبّبا أو مرغوبا فيه. تتنزّل شياطين المحرم المسجون في الأعماق، تأتي من كلّ صوب وحدب.
دم هي حتّى مطلع الفسق… فسق ليل مسخ لمعاودة ولادة الشّرف والرّجولة.
لا حياء، لا خجل، لا وقار، ولا داعي للحشمة… وهم يفرحون. كلّ شريط أخلاق الجماعة تكثّف ملتفا على خديعة تجمّعت في جوفي، ساكنة سطح غشاء زائد، كبراز تأخّر طرحه “فأزكم” أريجه العطر تأوّهات عذابات النّفس اللوّامة. والآن دقّت أجراس انتهاكه بتعهّر فاحش أمام الملإ، وباحتفاء ماجن تحت الأضواء في ما يشبه جذبة الانقضاض على الفريسة، دون أن يرفّ جفن الكاسر لخيط الدّم النّازف بعدوانيّة إثبات الرّجولة والفحولة، والبصم على جسد بجدارة شرف العائلة.
لا داعي للألم فقد بيع الجسد والرّوح على نيّة “الذّبح” الحلال بحضور شاهدين عدليين. الدّم واللّيل توأمان يشهدان الجريمة. لم يعد هناك متّسع لورع وتقوى جنوننا للاختباء خلف وجوهنا السويّة وتصنّع التعقّل والحكمة والرّزانة ومكارم الأخلاق لأصحاب اليمين في:
” سِدْرٍ مَّخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ “*
” إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ”*
تواطؤ جماعيّ على الانقلاب الجذري ضدّ ما تربّينا عليه من أخلاق رفيعة في حماية كنز الشّرف المخبوء والموبوء في قطرة دم. ما أكبر سخريّة مفارقة الأكذوبة وما أصغر شرفنا الوضيع الحقير المدنّس في دم الجريمة. رائحة الدّم تهيج ظلمة اللّيل والنّفس فتزيد من سعار الصّغار والكبار، الرّجال والنّساء.
دم فضائحي وشرف فضيحة مزينة بعرس الجماعة لقداسة الافتضاض المسربلة بآيات القداسة من الذّكر الحكيم. حتّى السّماء لم تعد معنيّة بالشّفقة فقد أغلقت أبواب الرّحمة. كلّهم يتهيّؤون بنزق عدواني لأخذ حصّتهم من الأجر الجنسي قبل وعد الآخرة بالحور العين الحسان. الأجر الجنسي الذي حصّنته العائلة في جوف طفلة تحرسه أرواح الرّجال بالسّمع والطّاعة حينا وبالمراقبة والعقاب حينا أخر. دم ودم…
“إنّا أنزلناه في ليلة القدر” وما أدراك ما ليلة الانقضاض والاغتصاب الجنوني لحق الأجر الجنسي. رقص وغناء وانتظار خيط الدّم الرّفيع… انسجام نادر. ولائم بكلّ ما لذّ وطاب وتهتّك سوقي في النّظرة والسّلوك والألفاظ. كلّ الحواجز تلاشت وارتخت الرّقابة المجتمعيّة فانسحب الممنوع والمحرّم و”التابو” تاركين المصلّى لأهل التّقوى لتذوّق نعم الجنّة حيث:
“يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ”*
نامت قلوب الرّجال في ذاكرة الأمّهات وتحسّس كلّ واحد منهم لحية رجولته كوجاهة اجتماعيّة. حتّى المتعلّمين منهم أنصاف المثقّفين قذفت ليلة القدر في قلوبهم برعب شرف الدّم وإثبات الرّجولة. وأخذهم جذب الحضرة الصوفيّة لطقس العبور قي مقامات مشاركة الاغتصاب لذاكرة الجماعة في مناعة تناقض مخزونها الثّقافي والدّيني والحضاري. يهرولون من ليلة لأخرى أصحاب الشّرف الرّفيع. وليلة الدم أقبح من ألف شهر لا تنبئ بسلام حتّى مطلع الفجر…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
* وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ وَمَاء مَّسْكُوبٍ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ:
الآيات من 27 إلى 38 من سورة الواقعة
*يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ
الآية:17 18 من سورة الواقعة الواقعة