الأصولية : هل هي مرحلة الإسلام العليا؟

يرى أغلب المعلقين، عربا وغير عرب، في الأصولية “إسلام الأزمة”، وعلى العكس تماما من ذلك لا أرى فيها إلا “أزمة الإسلام”، بمعنى أنها ليست تحريفا له، كما يدّعي الإصلاحيون، بل تخرج من صلبه. فهي ليست مرضا بسيطا أصاب فئة معينة كما يوحي عنوان كتاب عبد الوهاب المؤدّب وغيره(1) من الذين ما زالوا يؤمنون بإمكانية ترقيع ما لا يمكن ترقيعه. ما جدوى مقاومة الإفرازات مع استمرار نشاط الغدّة المركزية؟ الأصولية مرض عضال، فمن السذاجة التمادي في الاعتقاد بأنها علّة يمكن علاجها. ببساطة.

لا يؤدّي هذا الفهم إلا إلى شكل جديد من الاغتراب سرعان ما يُفرّخ نيو-أنتيغريزم، أصولية في شكل جديد. تعتبر الأصولية كالبطالة بالنسبة للرأسمالية : ملازمة. من الصعوبة بمكان أن لا يخطر على البال السؤال التالي: ألا تمثل الأصولية مرحلة عليا للإسلام؟ أليست في النهاية الدفع بالإسلام إلى أبعد مداه؟ ما معنى أن يكون الإنسان أصوليا؟ أليس الذهاب بإيمانه إلى أقصى حدوده الممكنة؟ تتعقد كثيرا مهمة من يريد رسم خط فاصل بين الأصولي وغير الأصوليّ. إذا ما اعتبر أصوليا كلّ من يعتقد أنّ الإسلام قد جاء بحلّ نهائيّ وشامل للجنس البشريّ، فكلّ المسلمين بهذا التعريف أصوليّون، دون استثناء. ليس للمسلمين إلا الأصوليون الذين يستحقّون.

فلكلّ دين الأصوليّة التي تفضحه. ليست الأصولية ظاهرة عارضة، بل إنها من طبيعة كل دين. يدل الطارئ على الجوهر، يقول “المعلم الكبير” أرسطو. تتجذّر الأصولية في عمق الدين ولا تهبط من السماء الأرفع كما يريد أن يوهمنا بعض المخادعين وكثير من الذين لا يعلمون، فلا أمر يأتي من الأعلى. لا يمكن بحال من الأحوال نفي ذلك الترابط المنطقي البيّن بين النظرة الثقافية الإسلامية للعالم وما نسميه”أصولية”.

كل تفسير يحاول القفز على هذه الحقيقة، لا يعدو أن يكون سوى سباحة في مياه المادية الميكانيكية السهلة، التي لا تكلف أصحابها شيئا. والتي لا تساهم أبدا في تمهيد الطريق أمام المسلمين ليتحرّروا من ثقل تراثهم المُكبِّل وتقاليدهم الخانقة. تحاول أقلام مأجورة وأخرى ساذجة أن توهم الناس أنّ الأصولية ظاهرة جديدة وتحدّد حتى تاريخ ومكان ميلادها. لا أناقش هنا تلك الحكايات المكرورة التي تنطبق عليها قولة كوكتو: “إذا حفرت فوق اللزوم قد تغرق كليا ولا تستطيع أن تطلع إلى السطح ثانية “. لقد غرقت الأغلبية الكاتبة والثرثارة في وحل أوهامها التوفيقية.

الأصولية قديمة قدم المجتمع العربي الإسلامي نفسه، فهي ليست حادثا طارئا أو مجرّد جنون عابر بل هي متأصلة في بنية الحياة الثقافية. لقد أصبح وجودها إشكاليا حينما أرادت أن تعمل لحسابها الخاص بشكل مباشر، والوصول إلى سدة الحكم، ليس لتوجيهه بل لممارسته. غدت مشكلة لأنها أصبحت تصبو لتكون سلطة بالفعل. وقد لاحظنا كيف كانت ولا تزال توجه الحكم بكيفية غير مباشرة في أغلب الدول العربية حيث نجد المؤسسات الدينية هي الأغنى والأقوى، كوزارات الشؤون الإسلامية، لجان الدعوة، ألوف الجمعيات الإسلامية، دور النشر الإسلامية…

ما أصبح يقلق رؤوس الأنظمة المتواطئة ليس فكر الأصولية ولا أهدافها وإنما تهديدها لمصالحهم. ليست الأصولية شيئا جديدا ولا خطرا جديدا. ما هو جديد وخطير هو تحولها إلى ثقافة عامة. نعرف أنها تحوّلت في السنوات الثلاثين الأخيرة، بأموال المال العام، من مرحلة حِرفية إلى مرحلة “صناعية”. لقد موّل النظام الجزائريّ، مثلا، ولمدّة عشرين سنة منبرا عالميا للأصولية تحت تسمية “ملتقى الفكر الإسلاميّ”. واليوم، بعد عشريّة دموية، يكوّن هذا النظام مساعدات دينيات بدلا من تكوين مساعدات اجتماعيات بالعدد الكافي! داوني بالتي كانت هي الداء .

أمام الخطر الأصولي الداهم، يتساءل كثير من الجزائريين طالبين حسن العاقبة :ماذا فعلنا لنصل إلى هذا الوضع ؟ والسؤال الأصحّ هو : هل تركنا سيئة لم نقترفها في خدمة الأصولية؟ ألم نُسلّم في العقل والمعقول واكتفينا بالنقل والمنقول؟ ألا نعيش زمن العقلانية الغائبة منذ زمن؟

ألا نستحقّ أصوليتنا الرثّة؟ كل ما في الأمر أنّ الظلاميّة انتقلت من مرحلة الإصلاح إلى مرحلة الثورة.. كانت المجتمعات العربية تعيش أسلمة سلمية فأصبحت تعيش أسلمة عنيفة ابتداء من بداية الثمانينات. نضجت الكارثة فقط. ضُعف الحائط الجزائريّ، مثلا، أغرى الإسلام الشموليّ، فخرجت الأصولية من سرّيتها الشكلية وبدأنا نرى الدّين، يتدخل في حلبة صراع مُعدّة سلفا لانتصاره. “مشيناها خطى كتبت علينا”، كما يقول عنوان المؤرخ رؤوف عباس.

إنّ السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم في بلاد المسلمين ليس: مَن هو الأصوليّ؟ بل من الذي لم يصبح أصوليا بعد؟ قبل أن يكون الأنتيغريزم برنامجا للاستيلاء على الحكم فهو ذهنية، تحسّ بآثارها الفادحة في حياة الناس اليومية، بسيطها ومعقدها.

فكل شابّ لم تلحقه العدوى يستحقّ أن يكتب سيرته بفخر واعتزاز ويعنونها صادقا: “مذكرات ناج من لهيب الأصولية”. ما يثير الدهشة والإعجاب معا هو أن ينجح عربيّ مسلم من الإفلات من شبكة التعصب العنكبوتية التي تسيّجه من المهد إلى اللحد. أما الأغلبية من الشبان والشابات الذين ابتلوا بفيروس الأسلمة فيجب أن يتعلموا كيف ينسون ما تعلموا ليعودوا إلى الحالة الطبيعية تدريجيّا وهذا لا يتأتّى إلا بعمل بيداغوجي شامل وإعادة هيكلة للعملية التربوية برمّتها، تبدأ بمرحلة علاجيّة ثم بحملة تلقيح ثقافيّ وقائيّ ضدّ هذا الوباء الخطير، في مرحلة لاحقة. ودون هذا الأمن الفكريّ، تبقى جمرة الأصولية خامدة تنتظر مغامرا آخر ينسف عليها في وقت مناسب لتشتعل من جديد.

(1)La maladie de l’islam, Seuil, 2002