
قامت مجموعة من الباحثين الأطباء الأعضاء في جمعية عالمية حقوقية بحثية تثقيفية غير ربحية، بإجراء دراسة تحليلية على حوالي ستين دراسة واردة من أقطار مختلفة، وقد وجدوا بنتيجتها أن المعطيات أو المعلومات التي تقدمها الشركات الدوائية للأطباء تؤثر على قراراتهم، وليس بالضرورة في المنحى الإيجابي للتأثير. كما وجدوا أن الأطباء يميلون إلى كتابة / وصف أدوية تروّج لها الشركات الدوائية المنتجة، وينتهي المطاف بالمرضى إلى أن يدفعوا أكثر دون أن يحصلوا دائماً على الأدوية الأكثر ملاءمة لحالاتهم المرضية.
قاد فريق الباحثين الذي ضم أعضاء من دول مختلفة، الدكتور جيفري سبورلينغDr. Geoffrey Spurling وهو من جامعة كوينلاند في بريسبان في أستراليا، ونشر سبورلينغ وزملاؤه نتائجهم في تقرير مفصل في مجلة بلوس ميديسين PLoS Medicine (من مجلات المصدر المفتوح).
وتنبع أهمية هذا التقرير ـ رغم أنه تقريباً لا يقول شيئاً جديداً أو غير معروف ـ من كونه أولاً حلل ثمانية وخمسين دراسة أجريت في العديد من أقطار العالم، من الولايات المتحدة الأميركية (أكثر من نصف الدراسات) إلى المملكة المتحدة، وكندا، والدنمارك، وفرنسا، واستونيا، وتركيا وأستراليا وغيرها. ولكونه ثانياً بإشراف منظمة غير ربحية هي جمعية الشكوكية الصحية Healthy Skepticism، التي تضم أعضاء من مختلف دول العالم، وتهدف إلى "إنقاص الأذى الناتج عن المعلومات الصحية المخادعة أو المضللة".
وفي النتائج التفصيلية للدراسة التحليلية المذكورة، تبين ما كان معروفاً من قبل وهو أن الأطباء الذين يتقبلون معطيات شركات الأدوية حول منتجاتها هم أكثر ميلاً إلى كتابة تلك المنتجات في وصفاتهم.
وأظهرت ثمانية وثلاثون دراسة من أصل ثمان وخمسين شملها التحليل، أن تلقّي معلومات شركات الأدوية أدى إلى وصفات أكثر تواتراً لمنتجاتها، بينما لم يكن مثل هذا الترافق موجوداً في ثلاث عشرة دراسة فقط، وفي التوازي لم تظهر أي دراسة أن الأطباء يصفون أدوية بشكل أقل بسبب النشاط الترويجي الدعائي للشركات.
ورداُ على بعض الأطباء الذين يزعمون أنهم لا يتأثرون بالترويج، وقد شارك قسم منهم في الدراسات المجراة على كل حال، وعلى الشركات الدوائية التي تعلن أن معلوماتها ومعطياتها تساعد الأطباء على اتخاذ قرارات لمصلحة المرضى، اعتبر الدكتور سبورلينغ في مقابلة هاتفية مع وكالة رويترز للأنباء أن الأمر على العكس تماماً، فلا معطيات الشركات الدوائية تساعد الأطباء في اتخاذ قرارات سليمة وناجعة، ولا الأطباء محصّنون من التأثر بالترويج الدعائي الذي يقوم به مندوبو الدعاية أو التسويق في الشركات، وبرأيه مهما كانت استقلالية الطبيب وثقته بنفسه وبعلمه كبيرتين، فهو لا بد أن يتأثر بالترويج في بعض الأحيان على الأقل.
أما الدكتور سيد وولف Dr. Sid Wolfe الذي شارك في حملة إذاعية في الولايات المتحدة ضد النشاطات الترويجية لشركات الأدوية، فيرى أن تلك الشركات لا يمكن أن تنفق تلك الأموال الطائلة على الترويج لدواء ما إذا لم يكن في ذلك مصلحة وربحٌ كبيران لها، دون أن يعني ذلك أو يضمن أن المرضى سوف يحصلون على الأدوية الأكثر ملاءمة لهم.
على أن تأثر المرضى، وخصوصاً المثقفين والمتعلمين، بالترويج الدعائي الدوائي، ليس أقل من تأثر الأطباء، فقد أظهرت دراسة بريطانية على أكثر من ألف من أصحاب المهن العامة أن هؤلاء الذين قابلوا مندوبي مبيعات دوائية مالوا أكثر إلى وصف أدوية أغلى ثمناً.
كذلك استشهد د. سبورلينغ وزملاؤه في تقريرهم بدراسات وجدت أن وصفات الأطباء كانت أقل نوعية عندما قورنت بأدلة عمل معيارية للمعالجة، موضوعة من قبل فرق من الخبراء.
فعلى سبيل المثال، تنصح أدلة عمل أميركية رسمية، الأطباء باستخدام الأدوية الأقدم والأرخص والمشاع (أي التي ليست حكراً على شركة أو شركات معينة، لانقضاء الفترة الزمنية المطلوبة على براءة اختراعها) من أجل معالجة ارتفاع ضغط الدم والسكري، قبل اتخاذ قرار بالتحول إلى الأدوية الأحدث والأغلى ثمناً والمصونة ببراءة اختراع (ما يشبه الاحتكار من قبل شركة أو شركات معينة) والتي تكون غالباً أكثر خطورة على المرضى، وغير مدروسة بما فيه الكفاية من حيث تأثيراتها الجانبية على المدى الطويل، بسبب قصر عمرها.
بناء على ما تقدم، طالب الباحثون بتنظيم وضبط كميات الأموال التي يمكن أن تنفقها شركات الأدوية على الترويج لمنتجاتها، ذاكرين ـ مثلاً ـ أنه في عام 2004 لوحده أنفقت شركات الأدوية 57،5 مليار دولار على الترويج في الولايات المتحدة الأميركية. وفي العام الحالي 2010 جندت سبع شركات أدوية كبيرة أكثر من 17000 طبيب، دافعة لهم آلاف الدولارات مقابل التحدث إلى أطباء آخرين حول منتجات تلك الشركات.
ودعا الباحثون أيضاً إلى ضرورة تنظيم المعلومات الترويجية بشكل أكبر، حيث يندر حالياً ـ حسب د. سبورلينغ ـ أن نعثر على أية فائدة في تلك المعلومات. ولذلك على الأطباء أن يستقوا معلوماتهم من مصادر متنوعة مثل الجامعات والمراكز البحثية والمنظمات المجازة.
والطبيب الجيد ـ حسب د. وولف ـ ينبغي أن يستمر في قراءة الأدب الطبي، والمجلات المحكّمة، وإذا لم يكن لديه الوقت لذلك، وبقي يعتمد على الناطقين باسم شركات الأدوية، فإنه لن بنجح في ممارسة الطب بالشكل الجيد والمطلوب والإنساني قبل كل شيء! .