
هل بوسعنا الحديث عن الأقليات الدينية في بلد علمانيّ أو يسعى لأن يصبح علمانياً؟ وهل يحقّ لنا أن نتحدّث عن الحقوق الدينية للأقليات في دولة ينصّ دستورها على مبدأ العلمانية؟ ألا تستدعي العلمانية إنكار وجود أيّة حقوق دينية لأيّة أقلية أو أكثرية على حدّ سواء، مثلما تفعل فرنسا؟ وانطلاقاً من وجهة نظر حقوق الإنسان، هل يجوز إنكار وجود كافة الحقوق الدينية لكافّة الأقلّيات بدعوى وحدة الفضاء العلماني؟
وفي المقابل أليست هناك أقلّيات دينية كثيرة، تنتهجُ قيماً دينية منافية لأبسط شروط الكرامة الإنسانية؟ ألا يستخدم بعض سادة العالم، حقوق بعض الأقليات الدينية، ضمن مسار يهدف إلى تقويض دعائم حقوق الإنسان نفسها؟ أليس باسم حقوق الأقليات الدينية أن دأبت وزارة الخارجية الأمريكية منذ أوّل تقرير لها حول حالة الحرية الدينية في العالم عام 1998، على توجيه النقد اللاّذع إلى موقف فرنسا العلمانيّ من الطوائف الدينية؟ أليست الصين مطالبة ـ وباسم الحقوق الدينية للأقليات ـ بالاعتراف بطوائف تهدّد القيم الإنسانية، وتجهز على وحدة وطنية عمرها آلاف السنين؟ ألم تكن حقوق الأقليات أحد مسوّغات تدمير دولة العراق؟ أليس خطر تفكيك الوحدة الوطنية هو ما تنأى فرنسا بنفسها عنه حين ترفض الاعتراف بوجود أقليات دينية، وحين تصدّ ذلك بأحد أعزّ مبادئ الدّستور الفرنسي: عدم قابلية السيادة للتجزّئ؟
ومع ذلك، فإذا فتحنا الباب أمام الوصفة الفرنسية والقاضية بعدم الاعتراف بالأقليات الدينية بدعوى وحدة الفضاء العمومي، ألا نكون قد فتحنا الباب في المقابل، أمام مشروعية توجّه بعض الدّول العربية نحو اضطهاد بعض الطوائف الدينية بدعوى وحدة المذهب أو العقيدة؟ فهل تُجوّز وحدة الفضاء العمومي لفرنسا ما لا تُجوّزه وحدة المذهب المالكي للمغرب أو وحدة المذهب الوهّابي للسعودية أو نحوهما؟
لكن فوق هذا وذاك، ألا توجد إمكانية حلّ ثالث يجمع بين الحاجة إلى عدم إنكار حقوق الأقليات الدينية وبين الحاجة إلى بناء فضاء علمانيّ مشترك؟ ألا تكون العلمانية نفسها حقّاً أساسياً من حقوق المواطن؟ ألا تكون العلمانية هي أحقّ حقوق الجماعات الموصوفة بالأقليات الدينية؟ أليس لنا في الكثير من المسلمين في الهند والأقباط في مصر والصابئة في العراق، نماذج لأقلّيات دينية تدرك أنّ معركتها الأساسية هي معركة الحقّ في العلمانية قبل أن تكون معركة الحقّ في الدين والتديّن؟
ألا يجب أن تكون العلمانية، حتى ومن باب المصلحة الخاصّة للأقليات، المطلب الأكثر إلحاحاً وراهنية لكافة الأقليات الدينية أينما وجدت، وذلك قبل كل حديث عن أيّة حقوق دينية لتلك الأقليات، وهي حقوق قد لا تزيد بعض الأقليات أحياناً إلاّ عزلة وانعزالاً؟
{{ فكيف تقارب المنظومة الدّولية لحقوق الإنسان هذه المسألة؟
}}
أولى قناعاتنا التي ندافع عنها في هذا الباب، ونودّ أن نبسط القول فيها ابتداء، هي أنّ تركيز الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على الحقوق الدينية للأفراد وللجماعات، وفي كلّ من الإطار الخاص والإطار العمومي، قد ساهم في تردّي الوعي العلماني داخل الكثير من منظمات حقوق الإنسان، فصرنا نسمع إطناباً في الحديث عن الحقّ في الدين، عن الحقوق الدينية، وعن الحقّ في مظاهر التعبير العلني عن الانتماء الديني، من دون أن يوازن ذلك أيّ حديث عن الحقّ في إصلاح الأديان ولا عن الحقّ في العلمانية إلاّ فيما ندر، ومن ضمن ما ندر، “الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان في المدينة”، والذي سبق أن وقّع عليه بعض عُمداء المدن الأوروبية يوم 18 مايو(آيار) 2000، في سان دوني بفرنسا، حيث أقرّ أحد بنود مادّته الثالثة بضرورة “احترام العلمانية”. وقبل ذلك، وعدا ذلك، وربّما حتى بعد ذلك، لم ترد العلمانية ضمن أيّ إعلان رسمي لحقوق الإنسان.
لم يكن أوّل إعلان لحقوق الإنسان هو إعلان 1948، ولا هو الإعلان الذي أطلقته الثورة الفرنسية عام 1789، كما يظنّ الكثيرون، وإنما هو إعلان سبق أن صدر عن ولاية فرجينيا الأمريكية يوم 12 يونيو 1776، مباشرة عقب استقلال الولايات المتحدة الأمريكية عن الإدارة البريطانية، وقد جاء في البند السادس من ذلك الإعلان ما يلي:
“إنّه يجب أن نقوم بالدين والمعتقد بما يرضي الخالق ويوافق العقل وقناعاتنا الشخصية، ومن دون لجوء إلى القوّة والعنف، كما أنّ لكل إنسان الحقّ في ممارسة عقيدته وفق ما يمليه عليه ضميره، وأنّ عليه في المقابل أن يتحلّى بالتسامح، بالمحبّة وبالرّحمة المسيحية تجاه الآخرين”. ولعلّ المعنى المقصود بالآخرين هنا، يحيلنا إلى الأقليات غير المسيحية.
خلال عام 1789، وفيما يبدو خطوة حاسمة نحو علمنة الوعي الحقوقي، أصدرت الثورة الفرنسية إعلان حقوق الإنسان والذي جاء في بنده العاشر: “لا يجب محاسبة أيّ شخص بسبب آرائه، حتى ولو كانت دينية، إذا لم يكن من شأنها أن تهدّد النظام العامّ والقانون”.
إذا أمعنّا النظر في عبارة “حتى ولو كانت دينية”، فسيتبيّن لنا أنّها خاضعة لمزاج لا يعتبر الآراء الدينية من ضمن الحقوق الأساسية للإنسان، كما أنّ الحقّ في التعبير عن الرّأي الديني جاء مشروطاً ومقيداً بعدم الإخلال بالنظام العام وبالقانون الوضعي للدّولة.
ليس من باب الصدفة أو المصادفة أن يكون التقرير الصادر عن اللجنة الرّسمية التي ترأسها برنارد ستازي (2003)، واعتمده الرّئيس الفرنسي السابق جاك شيراك، لإقرار قانون منع الرّموز الدينية داخل مؤسسات التعليم العمومي، قد أحال إلى البند العاشر من إعلان الثورة الفرنسية لحقوق الإنسان، من غير أن يُحيل في المقابل لما يسمّى بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان (إعلان 1948).
والواقع أنّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، يوحي بنوع من التراجع عن سيرورة علمنة العمل الحقوقي، فقد ورد في بنده الثامن عشر ما يلي: “لكل شخص الحقّ في حرية التفكير والضمير والدين، ويشمل هذا الحقّ، حرية الشخص في تغيير ديانته وقناعته، فضلاً عن حقه في التعبير عن ديانته ومعتقده، سواء في الإطار الفردي أو الجماعي، وفي الإطار الخصوصي أو العمومي، وذلك يشمل التعليم والعبادة وإقامة الشعائر”.
يمكننا أن نفهم هذا التراجع عن منحى علمنة الوعي الحقوقي، من خلال العودة إلى السياق التاريخي، ذلك أنّه إن كانت خلفيات واضعي إعلان الثورة الفرنسية لحقوق الإنسان قد تأثرت بأجواء الاضطهاد الديني الذي مارسته السلطة الدينية ضدّ المفكرين الأحرار، إلاّ أنّ خلفيات واضعي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ستتأثر بأجواء ما بعد الحرب العالمية الثانية والتي تميزت بالممارسات القمعية الستالينية ضدّ كل من رجال الدين والجماعات الدينية. ومجمل القول، أن بين إعلان 1789 وإعلان 1948، مرحلتان مختلفتان، خلالهما انتقل رجال الدين من موقع الجلاّد دائماً إلى موقع الضحية أحياناً.
حين تأجّج النقاش الفرنسي حول مسألة الحجاب الموصوف بالإسلامي، خلال الفترة الممتدّة بين عامي 2003 و2005، لم تكن وجهة نظر المؤيدين لإقرار القانون المؤدي إلى منع الحجاب، تستند إلى الموقف الحقوقي الذي يمنح صفة الحقوق الأساسية لقناعات وآراء الأقليات الدينية، بقدر ما كانت تستند إلى الموقف الحقوقي الدّاعي إلى حماية المواطنين من الاضطهاد الديني الذي قد تمارسه بعض الطوائف والأقليات الدينية على بعض أعضائها.
مقابل هذا الموقف، برزت ضمن السجال الفرنسي حول القانون الجديد، وجهة نظر مخالفة، انطلقت من أنّ فرنسا عليها أن تحترم قناعات أقلياتها الدينية، مهما كانت درجة اختلافها مع تلك القناعات، ومهما بدت تلك القناعات متخلفة عن ركب الحضارة.
للموقف الأوّل ركيزة دستورية، مسنودة بالبند الأوّل من الدّستور الفرنسي، والذي يقول بأنّ “فرنسا جمهورية غير قابلة للتجزّئ”، وهو ما يعني عدم مشروعية تجزيئ الإرادة العامة وعدم جواز الاعتراف بأيّة قوانين خاصة بالأقليات أو بالطوائف المغلقة.
وللموقف الثاني سند يعود إلى أهم المواثيق الدّولية ومن بينها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان، وغيرهما.
للموقف الأوّل أيضاً، جذور ممتدّة إلى تقاليد الثورة الفرنسية، فقد جاء في البند الأوّل لأوّل دستور فرنسي عقب نجاح الثورة وقبل إسقاط الملكية، أنّ فرنسا “مملكة غير قابلة للتجزّئ” وبعد إسقاط الملكية كانت البنود الأولى لدساتير 1793، 1795، 1799، تتفق على أنّ “الجمهورية الفرنسية غير قابلة للتجزّئ”، وكان قادة الثورة الفرنسية أثناء خطبهم يلحّون على التذكير بعدم قابلية الشعب، باعتباره مصدراً للسيادة، لأيّ تجزيئ أو انقسام. ويتبين أنّ فرنسا عندما اعتمدت إبّان الجمهورية الثالثة، مبدأ العلمانية، وجعلته مبدءً دستورياً في كل من دستور الجمهورية الرّابعة والجمهورية الخامسة، فقد كان القصد حماية مبدأ عدم قابلية السيادة للتجزّئ.
وللموقف الثاني جذور تعود إلى تقاليد تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية، ويحمل لواءه كتائب من اليسار العالمي الذي يصطلح عليه فاسين إريك، بيسار الأقليات(Vacarme، septembre 2001).
كتب معلّم فرنسا الأوّل، جان جاك روسو، فصلاً ضمن كتابه الشهير، في العقد الاجتماعي، عنونه بعبارة “في أنّ السيادة غير قابلة للتجزّئ”، وفي هذا الفصل نكتشف أحد أصول المبدأ المؤسس للجمهورية الفرنسية، إنه المبدأ القائم على أساس أن الديمقراطية ترتكز بالضرورة، على وعي سياسي يقدم الإرادة العامة على الإرادات الخاصة للأفراد، للطوائف وللأقليات. ومن هنا نفهم كيف أن فرنسا ما تزال البلد الأوروبي الوحيد الذي يرفض إجراء أيّ إحصاء عام للسكان على أساس عرقي أو ديني أو طائفي.
نحن إذن أمام نموذجين مختلفين في التعاطي مع مسألة الأقليات: نموذج أوّل، يوسم عادة بالنموذج الفرنسي، ويتبنّى وصفة الإدماج أو الاندماج، بمعنى اندماج الأقليات وإدماج المهمشين، وذلك انطلاقاً من أن السيادة غير قابلة للتجزئة، ونموذج آخر، يوسم بالنموذج الأنجلوسكسوني، وهو نموذج ينطلق من وصفة التعايش والتسامح بين مختلف الطوائف والأقليات وحتى الغيتوهات.
النّموذج الأوّل متهم بتبرير هيمنة القيم الثقافية والدينية للأكثرية وتدمير رغبات وهواجس وأحلام الأقليات، بدعوى وحدة الفضاء العمومي، والنّموذج الثاني متهم بتكريس الطابع المحافظ والمتخلف للكثير من القيم الدينية للكثير من الأقليات، بدعوى حقوق الأقليات.
المهمّة المعروضة اليوم، أمام أنظار التيّار العلماني العالمي، هي البحث عن نقطة التوازن الممكنة بين كلا النّموذجين، وخلق تجربة تجمع بين إيجابيات كل واحد منها. إننا مطالبون بالعثور على نموذج يشرك الأقليات في صياغة الفضاء العمومي المشترك قبل أن يطالبها بالاندماج فيه، نموذج يعترف بحقوق الأقليات الدينية، لكنّه يعلمها ومنه تتعلم أنّ أحقّ حقوقها وأولى أولوياتها هو المشاركة في بناء فضاء علماني مشترك، سواء في التعليم أو الزّواج أو الانتخابات أو السكن أو الدّولة. أليس هذا ما يدركه، ويحرضنا على إدراكه، بعض المسلمين في دول يمثلون فيها أقليات، مثل الهند والنرويج وجنوب إفريقيا؟ ولنا في هذا الأمر تجارب وعِبَر، من بينها ما تقوم به جمعية “مسلمون من أجل الديمقراطية العلمانية” والتي يوجد مقرّها الرّئيسي في نيودلهي بالهند.. وهو ما يستحقّ من كافة الأقليات الدينية في العالم، وقفة للتأمل واستخلاص العبر.