الأقلّيات والمواطنة في العالم العربيّ (4)

مقاربة الإشكالية الراهنة للأقلّيات في العالم العربي تقتضي تحيينها في شروط الانتقال المتعثر إلى نمط الإنتاج الرأسمالي.. صحيح أنها مشكلة موروثة. ولكنّ بقاءها “كمشكلة” يتوقّف على بقاء الاستعصاء الراهن الذي تعانيه عملية بناء دولة العقد الاجتماعي في هذا الجزء من العالم.. وأجد من الضرورة هنا إعادة التذكير، بأن دولة العقد الاجتماعي من منجزات التحوّل إلى الرأسمالية ممّا قبلها “إقطاعية أو خراجية “.. ولهذا ينبغي التقليب في ملفّات عملية التحول الرأسمالي المتعثرة في العالم العربي، لكشف التشابك بين ما ينتمي من العقبات إلى البنية الاقتصادية وما ينتمي إلى البنية الأيديولوجية ..

وسأركز في هذا المقال على البنية الأيديولوجية لسببين :

للهامش الأوسع الذي تسمح به البنية الأيديولوجية للوعي، كي يمارس تأثيره على مجمل سيرورة التحول: تسريعاً، أو فرملة، أو حرفاً لها إلى مسارب جانبية..

ولأنّ مشكلة الأقليات وليدة تشقّقات في البنية الأيديولوجية..أي أنها إشكالية ثقافية ..

في هذا السياق تجدر ملاحظة تذبذب ضغط المشكلة صعوداً وهبوطاً تبعاً لحجم التوظيف السياسي في المقدس الذي تلجأ إليه النخب المتنافسة نشدانا ًلتجميع عناصر القوة. سيما أن التوظيف السياسي للمقدس في بلد متنوع يؤمّن التغذية الراجعة لآلية عرقلة التحوّل الرأسمالي “أي عرقلة الصراع الطبقي ” عبر خلخلة اصطفاف حوامله الاجتماعية.

على هذه الخلفية يمكن ربط الحضور الكثيف لمشكلة الأقليات الآن بالصعود الراهن للإسلام السياسي كخطاب يستنهض لدى الأقليات إحساسها بالهوية .. وهو صعود يستفيد من تعثّر مشاريع التحديث، التي نفذت تحت خيمة الأيديولوجيات الحديثة: الليبرالية أو القومية- الاشتراكية أو الماركسية العابرة للتشققات اللاهوتية .

لقد ترك تراجع هيمنة الأيديولوجيات الثلاث فراغاً ملأته الخطابات الطائفية للإسلام السياسي: السنّيّ/الشيعيّ، التي تكزّ على مشاعر الخوف عند الأقليات وتدفعها للعودة إلى غيتواتها التاريخية، بعد قرن من تراكم شروط الخروج الجماعي إلى فضاء الدولة الوطنية…

{{ ***}}

ما بين سؤال لينين –مطلع القرن العشرين – ما العمل ؟..وسؤال وليد جنبلاط لمشايخ طائفته، التي تحوّلت في السياق الذي نوّهنا عنه في الفقرة السابقة إلى ” حامل اجتماعي !!” لمشروع حزبه” التقدمي –الاشتراكي”: «قولوا ماذا نفعل؟» (1)، هوّة من اللاهوت انحدرت إليها معظم الأحزاب “العلمانية ” في العالم العربي. وتشير فيما تشير إليه إلى تفارق الهموم التي شغلت تفكير النخبة الحديثة الروسية مطلع القرن العشرين عما يشغل الآن مثيلتها العربية.. وبرغم مديد ما استهلكته المنطقة العربية من وقت، للوصول إلى ما يشبه اللحظة التاريخية التي أنتجت السؤال اللينيني الشهير، إلا أن ما قطع من الطريق كان يسيراً. بل ويجري التقهقر عن بعضه تحت ضغط الهجوم المعاكس الذي تشنّه الأيديولوجيات الدينية ..

فالملاط الذي ملأت به- على سبيل المثال – أدلوجة العروبة “كأدلوجة حديثة ” الشقوق الدينية والطائفية- في المرحلتين الليبرالية والقومية- الإشتراكية من عمر الدولة – بدأ اليوم يفقد قدرته على لحم قطع الموزييك الديني أو الطائفي الناطق بالعربية..

لم تنجح الأنتلجنسيا العربية في تحديث بنية الوعي –وهذا سبب ونتيجة في آن، من وجهة نظر ترى علاقة التحدد والتحديد المتبادلة بين بنية الوعي والبنية الاجتماعية (2) – مما أفقد البنية الاجتماعية في العالم العربي التسهيلات التي يقدمها الوعي المطابق للصراع الطبقي كي يتغلب على بقية الصراعات المعتملة داخل البنية. في المقطع الراهن من تاريخ التحولات في طابقي البنية العربية، يساهم ما يجري في الطابق العلوي “انحسار الأيديولوجيات الحديثة لمصلحة الأيديولوجيات الدينية ” في إعاقة عملية التراصف الطبقي في الطابق الأرضي لاستكمال عملية التحول الرأسمالي ..”

لقد ’طرح السؤال اللينيني في وجه أزمة يعانيها التحول الرأسمالي في روسيا. أما سؤال جنبلاط فيطرح في وجه أزمة التكسّر الديني والطائفي الذي يلوي عنق سيرورة المجتمعات العربية إلى ما قبل الدولة.. بين أزمة يقع حلّها داخل إطار الدولة، وأزمة تجد حلّها بتطيير الدولة: لا تشابه، بل تفارق لجهة السمت الذي تشير إليه بوصلة التحوّلات. ولا وسائل مشتركة للمعالجة على المستوى الأيديولوجي والسياسي.. ففي الحالة الروسية، كان التنافس بين الأدلوجتين: الليبرالية والماركسية على تأثيث الدولة. أما في الحالة العربية فقد تصّمغ الممارسون السياسيون للأدلوجتين الحديثتين “الليبرالية والماركسية ” داخل كوكتيل لزج: ديني وطائفي، ورثته مجتمعات العالم العربي عن مرحلة ما قبل الدولة. وهذا ما سمح للأدلوجة الدينية أن تعيد ابتلاع محاولات الاصطفاف خارجها(القومية أو الطبقية ..).

وتتشارك في هذا العود على بدء: السلطات العربية ومعارضاتها. مما يعيد لحركة التطور في المنطقة شكلها الدائري.. فطيلة القرون الفائتة التي ترسخ فيها هذا الشكل لممارسة السياسة من داخل الأدلوجة الدينية، منح القدرة لهذه الأخيرة كي تستعيد الآن ما خسرته– على تواضعه – على جبهة بنية الوعي بتأثير من المثاقفة مع الغربين: الرأسمالي والاشتراكي..

ومع ملاحظة أن الأدلوجة الدينية في مجتمع متنوع لا يمكن أن تكون إلا أدلوجة طائفية. فإنها، لهذه الأسباب، ستعاند الميل لطمس التشققات العمودية ـ والذي تبديه الدولة في مجرى تحوّلها إلى دولة مواطنين يتمايزون أفقياً نسبة لتموضعهم داخل هرم الإنتاج، لا رعايا يصطفّون في أرتال عمودية وفقا لخطوط تمايزهم اللا هوتي. فالأدلوجة الدينية، لتشابه خطوط تمايزها مع خطوط التمايز القبلية، هي أقرب إلى التطابق مع حاجات بناء الإمبراطورية.(3) وهذا ما يفسر الشعار المشترك لكل تنظيمات الإسلام السياسي: إحياء الخلافة الإسلامية.

ففي معظم الإمبراطوريات الإسلامية، وآخرها “الإمبراطورية العثمانية”، استخدمت العقيدة الدينية كأدلوجة طائفية تقتطع للسلطة الإمبراطورية قاعدة اجتماعية ..

أي أنّ وظيفة الأدلوجة الدينية: تأمين الرديف السسيولوجي لمؤسسة العنف الإمبراطورية. واحتلال موقع الهيمنة داخل الفضاء الثقافي .والعمل كقوة ناعمة وكإحتياط استراتيجي لأزمنة الأزمة التي تمر بها السلطة الإمبراطورية.. أنظر في هذا الاتجاه تكرارية تموضع الأدلوجات الطائفية”سنية وإسماعيلية وزيدية وإثني عشرية ..إلخ ” في لبّ المشاريع: الفاشلة أو الناجحة لبناء إمبراطورية ..

لقد استسهلت الأيديولوجيات الحديثة عملية الخروج من هذه التركة الثقيلة. وفي كثير من الأحيان كان مناضلوها يستعيضون عن مواجهة المعضلات التي تولدها التركة، بإشاحة النظر عنها ترفعاً تارة وتملقاً تارة وهرباً تارة أخرى.. لا يمكن المراهنة على التوظيف في الشعبوية التي يؤمنها تملّق الأدولوجة الدينية لهذه الطائفة أو تلك. ولا تنفع ازدواجية الخطاب في تمرير شقّه الحديث بمعيّة شقّه التقليدي .. ويوميات الحداثة العربية تعجّ بمن فركت كعبه فعاد إلى زريبته الطائفية..

ما قاله زعيم “الحزب التقدمي الاشتراكي” في “الخلوة الدرزية ” يفيض بهذا المأزق الذي َتحشرْ فيه الأدلوجة الدينية من يتملقها.. إلا أنه في الشطر الدرامي منه، يفضح المصائر المتشابهة لمن يضع قدمه على هذه الطريق: التثبت في سلم الوظيفة كراعي قطيع ..

{{هوامش:}}

جريدة الأخبار اللبنانية – 28-5-2009- محكومــون بالتعايش مع الشيعة… أو قولوا لي ما العمل؟

للتوسع أنظر – مهدي عامل :مقدمات نظرية –في التناقض –دار الفارابي

للتوسع أنظر –محمد جابر الأنصاري –جذر العطل العميق