الأقلّيات والمواطنة في العالم العربيّ (12)

يطرح مصطلح الأقلية حالما واجهناه بنقيضه الأغلبية لبسا في الفهم لدى عامّة الناس عزّ نظيره، حدّ اعتبارهم أنّ الفرق بين الاثنين إنما هو فرق في العدد لا غير. هكذا تغدو الأقلية بالنسبة لهم مسألة قلّة وتفاوت عددي نسبة للأغلبية التي هي على عكس ذلك كثرة. لكن، ألا يقوم هذا المنظور على موقف سياسي سلبيّ بات يسود تصوّراتهم للأشياء؟ وهو التصوّر الكمّي الذي أضحى يتغلغل في كلّ مناحي الحياة ويسوس منطق العيش وفق معيارية تقليدانية جاهزة، على أساسها تحسم كلّ الصراعات، سواء منها الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية. فعلى هذا الأساس لا غير أصبحت تمارس اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، على سبيل الذكر، اللعبة الديمقراطية وتدبّر الشؤون العامّة ويسير الاقتصاد وتقتطع الخرائط السياسية والاجتماعية…ممّا نتج عنه قيام مفارقات وتقطيعات لا تلبث أن تتحوّل وفقها الأقليات إلى أغلبيات أو العكس. وبهذا الشكل إذن نستعيد باستمرار مشكل الأقلية كما لو كان مشكلا حقيقيا، بينما هو في الواقع مشكل مغلوط Un faux problémeذلك أن التمسك بهذا المنظور الكمي للأشياء هو ما يبقينا عند مستوى القشرة دونما بلوغ الجوهر. لأنّ ما يحدد الأقلية يرقى بكثير عن مجرد الانتماء أيّا كان نوعه دينيّا أو عرقيّا أو لغويّا أو اثنيّا. فالأقلية لا انتماء لها. الأقلية ترحال ومغايرة. إنها نزوع وجودي نحو خلق الفروقات ضدّ الائتلافات، والانفصال بدل الاتصال، والمحايثة ضد التعالي، والاختلاف ضدّ التطابق…إن الأقلية لا تتميّز عن الأغلبية بالعدد: فالأقلية قد تكون أكثر عددا من الأغلبية. وما يحدد الأغلبية بالأحرى، على حدّ تأويل دولوز، إنما هو النموذج le modéle الذي ينبغي لها أن تنطبق معه مثل نموذج الأوربي، الراشد، الذكر والقاطن بالمدينة…أما الأقلية فلا نموذج لها لأنها صيرورة devenir وسيرورة processus. من ثمة منطق الهيمنة الذي به تتحدد الأغلبية، وهي هيمنة قد تكون دينية أو عرقية أو لغوية أو ذكورية …على هذا النحو يمكن اعتبار الأقباط في مصر أقلية، وكذا الأمازيغ(رغم كثرة عددهم) في المغرب والجزائر، والبهائيون في إيران، والأكراد في العراق وتركيا وإيران. لكن، فضلا عن التمييز سالف الذكر ثمّة تمييز آخر مهمّ يفصّل بفضله دولوز ما بين أقلية وأخرى. إذ على حدّ تأويله هنالك الأقلية كمجموعة قارّة وكحالة ثابتة لا تتغيرla minorité وهنالك الأقلّي minoritaire le من حيث هو ما يتحدّد كصيرورة لا تني ترسم خطوطا هروبية؛ وبدل أن تنزع نحو خلق جماعة تتحدد مقارنة بالأغلبية فهي ما ينزع نحو خلق حركة بوسعها أن تؤثر أيضا في هذا الذي يحيد عنه الأقلي ويبتعد، مادام هو نفسه مشمولا بالصيرورة ومتحوّلا جرّاءها؛ ففي الوقت الذي يجد فيه أحدنا نفسه مأخوذا في صيرورة، يكون ما يصيره بدوره في تغيّر بالدرجة التي يتغير بها هو ذاته: “يجب على المرأة أن تصير امرأة لكن في سياق صيرورة -امرأة للرجل كله. فاليهودي يصير يهوديا لكن في سياق صيرورة يهودية لغير اليهودي”. الظاهر إذن أن مفهوم الأقلية العائد لدولوز وغاتاري أداة ثمينة للمسائلة السياسية، سيما عندما يتعلق الأمر بإشكالية من قبيل إشكالية الانتماء وقضية القوة والمقاومة والثورة…وكما هو معلوم فدولوز كان يؤسس لفلسفة الأقليات انطلاقا من تعاطفه مع المهمّشين والمظلومين، وهو ما تجسد عمليا إبان دعمه للحركات اليسارية خاصة في إيطاليا وألمانيا: كان الرجل مشدودا بلا شك إلى أسئلة كبرى من قبيل: كيف يمكن للصيرورة الأقلية أن تغدو قوية؟ وكيف يمكن للمقاومة أن تتجدد؟ وهل من أسلوب يمكن نهجه حتى تستطيع المقاومة أن تكون ناجعة لدى المهمّشين ويمّحي الطغيان نهائيا؟ وبحسبه كل الناس بهذا الشكل أو ذاك مأخوذون في سياق صيرورة أقلية تقحمهم في مسارات مجهولة كلما قرروا الانخراط فيها. وقد يحدث أن تخلق أقلية معينة نموذجها الخاص كلما رغبت في أن تضحى أغلبية؛ وهو مما لا شك فيه أمر لا محيد لها عنه إن أرادت أن تستمر في الوجود، ومن أجل خلاصها(أن تكون دولة أو لتحظى بالشهرة أو لفرض حقوق). إلا أن قوة هذه الأقلية، وهذا هو المهم، تقوم على ما استطاعت أن تبدعه، وتسرّب إلى حدّ ما داخل النموذج دونما أن ترتبط به. ولربما هذا هو ما ينزع صفة الأقلية عن كل المجوعات الدينية والعرقية والإثنية…لأن وجودها يقوم أصلا على نموذج ثقابت وحقيقة مطلقة تكاد لا تسمح بقيام أدنى درجات وسطى ما بين الحقيقة والخطأ. وهذا شأن الديانات التوحيدية مثلا بخلاف الديانات الوثنية التي لم تكن تميّز ما بين الله والإنسان كما ما بين الخطأ والصواب.

فالأقليات القائمة على هكذا أساس ليست أقليات في شيء مادامت تقصي الفرد من أجل الجماعة، وتؤيد الاستعباد بدل الحرية، وتنتصر لغريزة الموت ضد الحياة، ولقوى الارتكاس ضدّ قوى الإثبات. أما الأقليات بخلاف ذلك فهي آلة حربية ضدّ الترسيمات المهيمنة المعادية للفرد أيا كان روادها: كهنة أو سياسيين، متملّقي السلطة أو هواة الأنظمة، وعموما كل أولئك الذين يعرفون أنّ الفرادات المتمرّدة تنطوي على قوى منقطعة النظير، سيما عندما تتاح لها فرصة التعبير عن ذاتها، مادام “لا تقدم حقيقي إلا داخل الفرد وبفضله هو نفسه” على حدّ تعبير بودلير. من ثمّة وجب النضال ضدّ آليات التوحيد والتجميع، وأن نقوم بدل التكتلات اللغوية مثلا بابتكار أشكال أخرى للتلعثم خلقا للسان هامشي منفلت من إكراهات الثنائيات اللسنية. هذا ما يؤكّد عليه مرّة أخرى صاحب فلسفة الجذور ضاربا المثال بكافكا الذي كتب بالألمانية وهو اليهودي التشيكي، وكذلك بيكت الايرلندي الذي تكلّم انجليزيا وفرنسيا، لكن هذا أيضا شأن دوستويفسكي الروسي الذي لم يفهمه إلا أندري جيد الفرنسي رغم كونه لا يفقه شيئا في اللغة الروسية، وكذلك الشأن بالنسبة للنرويجي “Ibsen”الذي لم يقدر له أن يفهم إلا من لدن برنار شو رغم جهل هذا الأخير للنرويجية…والحال أنّ اللغة ليست أداة للتواصل كما أوضحنا أكثر مما هي أداة للهيمنة والسيطرة. إنها على حدّ تأويل نتشه إرادة قوّة قبل أن تكون فعلا تواصليا، وإستراتيجية حرب رغم ما تظهره من ربط أواصر قرابة.

اللغة إذن فضلا عن الدين والعرق…كلها أسس للهيمنة والاستحواذ، مما يسحب منها صفة الأقلية، ذلك أن الأقلية تفترض أوّل ما تفترض أن ننصهر في صيرورة لا تنتهي، صيرورة تجعلنا حتى داخل الدين الواحد واللسان الواحد والعرق الواحد والجنس الواحد، قادرين على امتلاك نوع من المناعة الخارقة لكل ميتافيزيقا الانسجام والتجانس؛ أي أن نغدو صيرورة هامشية تقوم دوما ضد التقليد والمحاكاة كما ضد التطابق والمثال الأعلى الزهدي، وذلك من أجل ابتكار أسلحة للمقاومة وقوى للإبداع ممكنة، بل وإمكانات للوجود جديدة.