الأقلّيات والمواطنة في العالم العربيّ (23)

ما أن قرأتُ الكلمات الرائعة للرائعة رجاء بن سلامة حول موضوع “الأقليات والمواطنة في العالَم العربي”، حتى شعرتُ من جديد بعبء مسؤولية المثقف وبأهمية التنوير وﺑ”جدوى الكتابة”. إنّ قلم هذه الكاتبة كالمهماز يوقظنا من غفلتنا، يفضحنا أمام أنفسنا ويعرينا حتى من ورقة التوت الأخيرة. إنه يفضح المسكوت عنه ويذكِّرنا بمسؤولياتنا كمثقفين وكعرب. مع هذا، أقنعتُ نفسي في البداية بأعباء نهاية العام الدراسي وتصحيح أوراق الامتحان، فقرَّرتُ عدم الكتابة ورحتُ أرقبُ المعركة الدائرة على صفحات الأوان من مخبئي السريّ: الصمت، إلى أن أحرقت النارُ أصابعي فاستسلمتُ لنداء الورقة البيضاء كامرأةٍ في حالة غلمة .

سيرتكز حديثي عن هذا الموضوع على الزعم بأنّ ثقافتنا العربية تقوم على ما سأدعوه هنا ﺑ”ميتافيزيقا الواحد”. إنها تقوم على افتراض مبدأ أوّل غير قابل للتجزئة، وأصلٍ وحيدٍ نقيٍّ منه تنشأ الأشياء وإليه تعود. وهذا المبدأ الأوّل هو ماهيةٌ ثابتة متجانسة وجوهرٌ ماهويٌّ لا يتغيّر. إنّه الأصل الأوّل والوحيد، الأصل الخالص الذي يرى الكمال في الوحدة، والنقص والدنس في الكثرة والانقسام.

إنها ميتافيزيقا الربّ الواحد والحاكم الواحد والحزب الواحد واللغة الواحدة والعِرق الواحد والتاريخ الواحد…الخ. ألم يقم الإسلام على فكرة التوحيد، أي توحيد أدوار الآلهة الوثنية متعدِّدة الوظائف والأدوار في إلهٍ واحد؟ ثمّ إعطاء هذا الإله بعداً ميتافيزيقياً متعالياً مجرَّداً وغير محسوس؟ بحيث يُردِّد الإنسان العربي من حينها عبارة لا إله “إلا الله” مئات المرات يومياً؟ ألا يعتبر الشرك بالله في ثقافتنا أي الشكّ بوحدانية وكمال هذا المبدأ الميتافيزيقي الواحد (الذي لا شريك له) إثماً عظيماً: ” إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار{ (المائدة: 72)؟ ألم تعتبر الفلسفة العربية الإسلامية الوسيطة أنّ التغيّر والتعدّد هو عالَم الصيرورة والفساد، العالم السفليّ في مقابل الأصل الواحد الكليّ المتجانس والعلويّ الذي صدرت عنه الأشياء، أو فاضت، وفق نظامٍ هرميٍ يزداد دنساً كلما ازداد انقساماً وابتعاداً عن ذلك المركز العلويّ الخالق الواحد؟

إن ّما أدعوه هنا ﺑ “ميتافيزيقا الواحد” هو منطق المركز الذي يُقصي ويهمِّش ويسحق المختلف وينفيه خارج مركزه نحو الأطراف. إنه منطقٌ قمعيّ لا يعترف إلا بوحدانيته، إنه منطق الاستبداد الذي يمثِّل الأرضية التي تقوم عليها دعوات تكفير الآخر بوصفه خارجاً عن الجماعة وكاسراً لعصا الطاعة. على هذا المنطق يتأسس حديث الفرقة الناجية القائم على رفض التعدد والتغاير وتبشير المختلفين بالنار. من هذا المنطق أيضاً تنشأ تلك الدعوات الإسلامية الداعية إلى “إسلامٍ بلا مذاهب”: أي إعادة توحيد المذاهب السُّنيَّة الأربعة (أو السبعة) في إطارٍ إسلاميٍّ واحد. ومن هذا المنطق أيضاً تظهر الدعوة إلى “إسلامٍ بلا طوائف” أي إعادة إلحاق الطوائف الدينية الإسلامية بالإسلام السنيّ الذي يُمثل الأصل النقيّ.

رغم المظهر البرّاق والجاذبية التي تُشكّلها فكرة الوحدة والتوحيد في وعينا القائم على “ميتافيزيقا الواحد”، إلا أن فكرة التوحيد هذه لا تخرج عن منطق رفض الآخر واعتباره منشقاً أو مرتداً أو ضالاً في أحسن الأحوال. إنها لا تستطيع أن تُدرك أن الحياة مُستحيلة لو كانت بلونٍ واحد. إنها تريد أن تفرض منطقها ولونها واسمها، إنها تريد أن تُلحِق الأطراف بالمركز بالإكراه.

في ميدان السياسة العربية، تأخذ “ميتافيزيقا الواحد” هذه بعداً جديداً يتمثّل في فكرة الزعيم الأوحد الخالق للدولة وعماد وجودها والضامن لاستمرارها، بحيث يمكن برحيله أن تنتهي الدولة (الأمر الذي يمكن أن يفسّر حالات ولاء الجماهير الهستيري للزعيم في أي مجتمعٍ غير ديمقراطي). إنها ميتافيزيقا المركز المُستَلِب التي لا تعترف إلا بنفسها ولا ترى في المختلف إلا فتنةً قومية، أو مؤامرةً ضد هويّة الأمة، أو معارضةً يجب سحقها وكتم صوتها، لأنها تشكل خطراً على هذا الأصل الخالق أو هذا المعيار الكوني أو هذا اللون الواحد. تؤسس “ميتافيزيقا الواحد” هنا، للتسلُّط والاستبداد، في فرض معيارها على الثقافة وعلى المجتمع، إنها ميتافيزيقا اللون الواحد الذي بفرضه لوحدانيته يقوم بإقصاء وتهميش وهضم، بل وسحق، كل ما يمكن أن يتعارض مع وحدانيته التي يزعم أنها مُطلقة.

على “ميتافيزيقا الواحد”ً نشأت أيضاً نظريات الوحدة العربية فصارت وحدة اللغة إقصاءً ودفناً لكل تلك الأشكال اللغويّة الموجودة على أرض الأمة الواحدة، والتي لا تنتمي إلى تلك اللغة المعيار. وانطلاقاً من هذه الميتافيزيقا المتعالية، فُهِمَت وحدة العِرق بوصفها تنكراً وتهميشاً لكل ما يُمثِّل تلويثاً “لنقاء العِرق الصافي” ، فتمّ التنكُّر للهوية الثقافيّة للوجود الإثني المُختلف كما هو الحال مثلاً مع القبائل أو الأمازيغ في إقليم المغرب العربي. واستناداً إلى هذه الرؤية فُهم التاريخ الواحد بوصفه تاريخ الأكثريّة المنتصرة التي وجدت في لحظات التنوُّع التي مرّ بها التاريخ الإسلامي، لحظاتٍ انتكاسيّة أو انحطاطاً في مسار التاريخ، وعليه فُسِّر تاريخ الملل والنحل بوصفه تاريخ التدخُّلات الأجنبية من فارسيّة وبيزنطيّة في الداخل العربي.

إنّ ميتافيزيقيّة هذا المعيار الواحد الذي أسس لخطاب الوحدة هي أكثر ما ساهم في تكريس التجزئة. نواجه هنا مرةً أُخرى خبث المصطلح الذي يُكرِّس ويُجذِّر نقيضه المباشر. لقد أدى هذا المنطق المتعالي “لميتافيزيقا الواحد” الذي يقوم على قمع وتهميش المختلف الخارج عن معياريته، إلى تكريس حالةٍ من التجزئة (ولكنها تأخذ هنا معنى سلبياً) تمثلت في صيغ انتماءاتٍ ما قبل وطنيّة أي انتماءات لا تعترف إلا بجذرها الديني أو الإثني أو العرقي أو الطائفي أو الجهوي أو القبلي الخ. هكذا نشأت في مجتمعاتنا (وبخاصة في المشرق العربي) دوائر متجاورة سُنية وشيعية وعلوية ودرزية واسماعيلية ومارونية وكاثوليكية أو كردية وسريانية وأمازيغية وقبائلية .. الخ. هكذا صار هناك دوائر منغلقة ومنكفئة على ذاتها لا تعترف بالآخر إلا تحت الإكراه المفروض عليها من قِبل سُلطة المنطق المتعالي ذاك. هكذا انغلقت كل دائرة على معيارها الخاص وتحدَّدت هويات الجميع بهذه الدوائر المصمتة والمغلقة على ذاتها (شيئاً يذكِّرنا بمونادات ليبنتز في عزلتها الدائمة واكتفائها بحقيقتها الخاصة الوحيدة). هكذا لا تُصبح هذه الانتماءات، انتماءاتٍ قادرةً على التواصل والتعايش فيما بينها تحت مظلة المواطنة في المجتمع التعدُّدي، ولكنها تظل جمراً ثاوياً تحت الرماد سيحرق الدنيا ما أن ترتفع قبضة سلطة الدولة القامعة، ولنا فيما حصل في الحرب الأهلية في لبنان أو فيما يحصل الآن في العراق خير دليل على ذلك.

بين هذين الحدين المتطرفين: أي بين المنطق المتعالي القمعي وبين التقوقع على الذات، يختفي أي نمط من أنماط التواصل بين الدولة (بصيغتها المتعالية القمعية) وبين المجتمع (في تحوله إلى مجموعة من الدوائر المنغلقة على هويتها الضيقة الماقبل وطنيّة).

إذا كان “الواحد” هو ما يؤسس للاستبداد ولنفي الآخر ولسياسة القمع والإكراه والعنف، فإن التعدُّد الذي يعترف بالآخر هو ما يؤسس للديمقراطية. إن الاعتراف بالآخر بوصفه مختلفاً هو ما يمكن أن يفتح باب التواصل بين الناس والأحزاب والسياسات والأديان، بين السُّلطة والمعارضة. إن المعارضة التي تنفي شرعية السُّلطة بالمطلق، لا تقلُّ استبداداً وتعنُّتاً عن تلك السُّلطة ولن تكون أقل طغياناً منها لو استلمت الحُكم يوماً ما. إن التخلُّص من هذا الجانب الميتافيزيقي للأنا المتمركزة على ذاتها، هو الباب الوحيد الذي يُمكن أن يخرجنا من حالة الخطاب المنولوجي القمعي أو الانكفاء الانعزالي على الذات ويقودنا إلى مفهوم المواطنة الديالوجي والمجتمع التعددي. ليس صحيحاً أنّ التعدد هو دليلٌ على ضعف الدولة وهشاشة المجتمع، بل على العكس إنه دليلٌ على غنى المجتمع وديمقراطيته. ليس صحيحاً أن تاريخ المِلل والنِّحل والفرق والمذاهب هو دليلٌ على الانحطاط في التاريخ الإسلامي، بل إن العكس هو الصحيح.

أن أكون مواطناً يعني أن أعترف بحقّ الآخر في مشاركتي هذا الوطن على قدم المساواة مهما اختلف مذهبه أو عقيدته أو انتماؤه الإثني أو الحزبي. في مفهوم المواطنة لا يكون الآخر هو الجحيم بالمعنى السارتري. لو نما حسّ المواطنة بوصفها اعترافاً بالاختلاف وقبولاً به، لاختفى ذلك التشدُّد في الانتماءات الماقبل وطنية ولانهارت “ميتافيزيقا الواحد” المتمركزة على ذاتها من تلقاء نفسها بعد أن تفقد كل مقومات وجودها.

إن مفهوم المواطنة التواصليّة ومفهوم المجتمع التعدُّدي القائم على التنوع والاختلاف في مواطنيته لا يمكن أن يتحققا بنظري إلا إذا نشأ هناك شرطان في حياتنا السياسيّة: الأول، تنويرٌ وتنشئة على حس المواطنة وعلى قبول الآخر بحيث نفهم أن الوطن يتسع لجميع أبنائه، ليس رغم اختلافهم بل بفضل اختلافهم. والأمر الثاني هو التوصُّل إلى إقرار دساتير (لا تُفرَض من الأعلى بل تكون دساتير تداوليةً متحرّرةً من منطق الإكراه) تعترف بحق الجميع في المواطنة وتصون معتقداتهم وانتماءاتهم وتقاليدهم الثقافية)، إذا لم تكن تضر بمفهوم المواطنة أو بمشاعر ومعتقدات الآخرين). إن أفقاً مـأمولاً كهذا لا يمكن أن يتحقّق إلا إذا توقف استبداد الدولة بالمجتمع، وإلا إذا اعترف المجتمع بحقيقة أن سُلطة القانون تقوم في جزءٍ منها على الإكراه الذي يمكن أن يتواضع عليه الجميع حتى تصبح الحياة التشاركية ممكنة. ولكي يتحقق هذا فإننا لن نبدأ في الحقيقة من نقطة الصفر فهناك نمط (ولو كان هشَّاً) من أنماط الدولة العَلمانية في بعض الدول العربية التي يُمكن أن تُقدِّم أنموذجاً في تأكيد قيم العَلمانية والمجتمع المدني التعدُّدي. يُناط بتلك الدول ترسيخ وتأكيد توجهات العَلمانية في فرض قوانينها ودساتيرها وليس التحالف والانصياع لتوجهات السلفية المسيطرة على الوعي العربي الحاليّ الذي قد يدفعها- لو بدأت بتقديم التنازلات له- إلى التخلّي عن هذا الإرث العَلماني الذي يُمثل ربّما الحصن الأخير في وجه الظلامية الدينية.

لا يُمكن أن نحيى معاً إلا إذا اقترب كلّ حدّين منفصلين خطوةً من الآخر، حتى نستطيع أن نخرج من حالة الموت التاريخي الذي وصلنا إليه. لا بدّ للمؤمنين أن يعترفوا بأنّ للآخرين الحقّ في عدم الإيمان، أو في تغيير معتقداتهم، ولا بدّ لأولئك الذين يزعمون أنّهم علمانيون أن يفهموا أنّ العَلمانية ليست ضدّ الإيمان أو ضدّ الدين بالمُطلق، بل هي ضدّ تدخّل الدين في شؤون المجتمع. ليست العَلمانية دعوةً إلى الإلحاد، بل دعوةً إلى وقف تدخّل الدين في شؤون الدنيا. إن العَلمانية بهذا المعنى حماية للمعتقدات الدينية، وتأكيدٌ لحقّ جميع الديانات والمذاهب في ممارسة طقوسهم وأعيادهم، إذا لم تكن تُضر بقوانين المجتمع التعدُّدي أو بمعتقدات الآخرين (يتمتع المسلمون في بلاد الغرب العَلماني بحقوق دينيّة لا يمتلكونها في بلدانهم الإسلامية التي خرجوا منها وذلك بفضل العَلمانية التي تصون لهم تلك القوانين). شخصياً، لستُ ضدّ الإلحاد أو ضدّ الإيمان، ولكنّني ضدّ من يُقصي الآخر ويخرجه من دائرة الاعتراف على قاعدة امتلاكه للحقيقة. يلتقي الإلحاد (عندما يتحوّل إلى دعوة) مع الدين في دوغمائية كلّ منهما، وفي اعتقاد كُلٍّ منهما أنّه يمتلك حقيقة الكون ومفاتيح أسرار الوجود، كما أنهما يلتقيان في تسفيه كلٍ منهما للآخر واتهامه بالضلال. إنّ الإلحاد الرسميّ هو دينٌ مقلوب إلهه، هو اللا إله ودينه هو اللا دين.

ليست مُشكلتنا في العالَم العربي، ويجب ألا تكون، مع الإيمان فهو حقٌ يجب أن يكون مشروعاً للجميع على اختلاف معتقداتهم، سواءً أكان اعتقاداً بالوحي أم بالمادة، بل إنّ مشكلتنا هي في مواجهة هذا المدّ الجارف للسلفية الدينيّة الرافضة لكل ما هو مدنيّ، والمزدرية لكلّ قيم الحداثة والتنوير. لم يكن فولتير أحد أعمدة التنوير الفرنسي ضدّ الإيمان بل كان مسيحياً حتى العظم، ولكنه كان ضدّ الكنيسة بوصفها مؤسّسة دينية متخلفة ورجعية تريد أن تفرض قوانين السماء على الأرض. كما لم يعرف تاريخ الفلسفة فيلسوفاً مؤمناً مثل كانط، ولكن هذا الفيلسوف التنويري كان يدعو إلى تحرير العقل من ربقة التسلط الديني الذي كانت تمثله الكنيسة الألمانية في عصره.

يا سادتي لا يمكن أن نحيى إلا معاً، وعليه لا يمكن أن نحيى إلا مُختلفين. وليكن الكوجيتو الجديد: أنا مختلف إذن أنا ديمقراطيّ، أنا مختلف إذن أنا موجود.