الإعجَازُ العِلمِيّ.. فِي الكتب المقدّسة

هذا مذكور في القرآن! .. رُبّما لن يتمكن المرء من إحصاء عدد المرات التي سمع فيها معلقاً يعلق على حدث علمي بالقول: إن هذا مذكور في القرآن. وقد أصبح لدينا متخصصون فنيون وتقنيون جاهزون لالتقاط كل إشارة قادمة من عالم الاكتشافات العلمية وجعلها علامة ودليلاً على حجية القرآن وحقيقته التي لا يأتيها الباطل من أمامها ولا من خلفها.

ليس في نيتنا أن نجادل أهل الذكر حتى ولو بالتي هي أحسن، ولكننا نودّ أن ننبّه أمثال هؤلاء إلى سؤال لا يُكلّفون أنفسهم عناء الالتفات إليه:

لقد أصبحنا منشغلين بهاجس إثبات صحة القرآن والاستدلال على صدقيته، وأصبحنا نهتمّ بكلّ ما جدّ واستجدّ داخل مجالات العلوم والاكتشافات العلمية، ليس من أجل أيّ شيء سوى الاستدلال على حقيقة القرآن وعلى مصدره الإلهيّ، لكننا، في الواقع، نسينا أنّ القرآن إنّما جاء من أجل أن نستدلّ به وليس عليه؟ فكيف أصبح المستدّل به يحتاج إلى الدّليل عليه؟ أليس في هذا دليلٌ على أنّ ما يعتقده الناس دليلاً إنما يعوزه الدليل؟

ومع ذلك فإنّ عبارة «هذا مذكور في القرآن»، ما هي في واقع الحال سوى ترجمة، لا تعدو كونها رديئة ولا تبدو بليغة، لعبارة «كلّ هذا مذكور في التوراة والتلمود»، وهذا ما نودّ أن نبسط فيه بعض القول.

قد يذهب ظنّ أحدهم إلى أننا نقصد الحديث عن طائفة الآميش، وهي طائفة تتواجد داخل العديد من مناطق الولايات المتحدة الأمريكية، ويقاطع معظم أعضائها المؤسّسات التعليمية والإعلام، وهم يفعلون ذلك «تحت طائلة أنّ كلّ شيء موجود في الكتاب المُقدّس»1، فالأمر هنا لا يتعلّق سوى بطائفة مغلقة وتعيش فيما يبدو على هامش الحضارة المعاصرة، لكننا نقصد الحديث عن تيار فاعل، قويّ ومندمج داخل أهمّ المراكز والمؤسسات التعليمية المُعاصِرَة، تيّار يضمّ بين أحشائه عُلماء رياضيات بارزين وأحياناً مرموقين.

ربّما كان العام 2005 مناسبة للفت الانتباه إلى قوة هذا التيار، وذلك حين مُنِحَت جائزة نوبل للاقتصاد لعالم الرياضيات القبالي روبير أومان، مُناصفة مع أحد علماء الاقتصاد الأمريكيين. ويعنينا هنا، أن نتحدّث قليلاً عن بعض خصال الرجل.

يَحمل الرجل مظهراً دينياً قوامه القلنسوة اليهودية واللحية المسترسلة، ورُبما كان بالإمكان اعتبار المظهر الخارجي شأناً خاصاً لولا أنّ الرجل ينتمي إلى طائفة تسمّي نفسها علماء الرياضيات القباليين.

يتعلّق الأمر بطائفة دينية دأبت على افتراض وجود رموز مُشفّرة في التلمود والتوراة، رُموز تخبرنا عن كلّ ما وقع وجميع ما سيقع، منذ بدء الخليقة إلى يوم يرث الله الأرض وما عليها.

يقوم اليوم روبير أومان، ومن ضمن ما يقوم به، بتنشيط عديد البرامج الإذاعية، يعرض من خلالها بعض بهلوانياته في فكّ شفرات التلمود والتوراة، وذلك من خلال تقنية اعتماد بنيات رقمية محدّدة، وعبر إعادة تركيب الحروف داخل الكلمات المكتوبة من أجل الحصول على كلمات جديدة، ومع مُراعاة الرمز العدديّ لكلّ حرف من حروف الأبجدية العِبرية. وهناك الكثير من التفاصيل التي قد لا تعني القارئ، ولا طائل من عرضها.

يَعتقد علماء الرياضيات القباليون أنّ كل شيء مذكور في التوراة والتلمود، ويُحاولون جهد الإمكان، البرهنة الرقمية على أنّ جميع الأحداث الجسيمة التي شهدها القرن العشرون، وأحداث أخرى طالت مطلع القرن الواحد والعشرين، مثل اعتداءات الحادي عشر من شتنبر ـ التي حاول بعض التابعين عندنا فك طلاسمها في القرآن ـ وكذلك قضية اغتيال إسحق رابين، وهو الاغتيال الذي ادّعى أحد أشهر المتخصصين في نظرية المجموعات، إلياهو ريبس، قدرته على التنبؤ به، وهي جميعها، وكما يزعمون، أحداث مذكورة في الكتاب المقدس والذي لا يعرف تأويله سوى الراسخين في العلم.. غير أنّ العلم هذه المرّة هو علم الرياضيات.

هؤلاء السّادة الأفاضل، سادة العالم اليوم، متفوقون علينا في كلّ شيء، حتى الخرافة والشعوذة لم يتركوا لنا فيهما أي سبق أو امتياز.