
يعتبر مفهوم الاغتراب من أكثر المفاهيم التباساً بالنسبة للإنسان العادي كما هو الحال بالنسبة للمختص، و يعود ذلك لتشعب المواضيع و الأشياء التي تكمن خلف هذا المصطلح الأمر الذي يجعل المصطلح نفسه يستخدم بصورة تفتقر بشدة إلى التمييز لدرجة يصبح معها تحديد أي مجال أو وضع ينطبق عليه وضع المغترب أمراً بالغ الصعوبة، إذ ليس من الواضح من هو ذلك الذي يفترض أنه مغترب، هل هو الشخص الذي يعيش منعزلاً و ليس لديه جهاز تلفزيون أو كمبيوتر، أم شخص يقضي معظم أوقاته أمام التلفزيون أو الكمبيوتر ؟ و هل الاغتراب نفسه هو حالة ناتجة عن تأثير موضوعي و بالتالي هل له مصدر موضوعي خارجي، أم هو حالة ذاتية صرفة، و هل غربة الإنسان هي غربته عن ذاته أم عن مجتمعه أم عن الطبيعة أم عن الأفراد الآخرين؟
إننا نجد في الواقع أنّ كلّ المحاولات التي بذلت حتى الآن لإبراز هذه المشكلة تشير إلى عناصر معينة يشترك فيها مفهوم الاغتراب قد تساعد في إضاءة جانب معين حول تحديد متفق عليه لذلك المصطلح، حيث أبرزت تلك المحاولات الاغتراب بمعنى الانسلاخ عن المجتمع أو العزلة أو الانعزال، أو العجز عن التلاؤم و الإخفاق في التكيف مع الأوضاع السائدة، و اللامبالاة مع عدم الشعور بالانتماء بل و حتى انعدام الشعور بمغزى للحياة بحيث يمتد المفهوم ليشمل مجموعة من الأمراض النفسية والعقلية المعاصرة، و من الناحية المنهجية يمكننا أن نعبر عن المضامين التالية للاغتراب :
1- الاغتراب بمعنى الانفصال :
وهو يعني تلك الحالات الناتجة عن الانفصال المعرفي عن كيانات أو عناصر معينة في واقع الحياة، و كثيراً ما ينشأ عن هذا الانفصال حالة من الاحتكاك و التوتر بين الأجزاء المنفصلة، و قد برز هذا المعنى في كتابات الفيلسوف الألماني الشهير هيجل الذي استخدم هذا المصطلح بشكل متكرر في كتابه ( ظاهريات الروح ) الصادر سنة 1807، حيث نجد فصلاً كاملاً يزيد عن المائة صفحة يحمل عنوان ” العقل المغترب عن ذاته ممثلاً بالثقافة ” أعقبه بفصل آخر يحمل عنوان ” العقل المتيقن ذاته ممثلاً بالأخلاق ” حيث اعتبر الكون مكوناً من أجزاء منفصلة و متناقضة و متفاعلة، لكنها متكاملة، على نحو ما سنرى لاحقاً.
2- الاغتراب بمعنى الانتقال :
وهنا يرتبط الاغتراب بعملية التخلي عن حق من الحقوق التعاقدية، وقد وظف هذا المعنى للاغتراب في البحوث التاريخية الإنجليزية وكان يقصد به نبذ أو مصادرة حقوق الملكية المتعلقة بأحد الأفراد، أو نقل هذه الحقوق من ذلك الفرد إلى آخر مع التأكيد على الشعور بالغضب أو بالتسليم من جانب الأفراد الذين يواجهون مثل ذلك الإجراء.
3- الاغتراب بمعنى الموضوعية :
وهو ينشأ عن شعور الفرد بوجود الآخرين واستقلالهم عنه، أي هو وعي الفرد بوجود الآخر بصرف النظر عن العلاقات التي تربطه به، و يعتبر هذا المؤشر من أهم عوامل الاغتراب لا سيما في الفلسفة الوجودية ممثلة بسارتر، حيث الوضعية هنا غالباً ما تكون مصحوبة بالشعور بالوحدة و العزلة بدلاً من التوتر و الإحباط .
4- الاغتراب بمعنى انعدام القدرة أو السلطة :
هنا يدخل المفهوم الماركسي للاغتراب معبراً عن العجز وعدم القدرة أو الاستطاعة، ويعتبر هذا المعنى هو الأكثر تكراراً في البحوث المعنية في الاغتراب، ويستدعي هذا المعنى تأكيد الظروف الموضوعية للأفراد باعتبارها مسؤولة عن تحديد درجة ما يكمن من واقعية في استجاباتهم إلى تلك الظروف.
5- الاغتراب بمعنى تلاشي المعايير :
ويستند هذا المعنى إلى الأبحاث التي قام بها عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوريكهايم حول موضوع أسماه ” الأنوميا ” أو اللامعيارية، فأوضح أن المجتمع الذي وصل لتلك المرحلة يصبح مفتقراً إلى المعايير الاجتماعية المطلوبة لضبط سلوك الأفراد و أن معاييره التي كانت تتمتع باحترام أعضاءه لم تعد تستأثر بهذا الاحترام الأمر الذي يفقدها سيطرتها على السلوك، و ضمن ذلك الإطار أكد بعض الباحثين الاجتماعيين على مفهوم التخاطب و الاتصال الذي يصبح حاوياً على عنصر التكلف بين الأفراد وضعف الحافز و سطحية الشعور بحيث يغدو التفاعل بين الأفراد مجرداً من العمق الفكري و العاطفي .
من تلك المعاني نستنتج تشعّب مفاهيم ومضامين الاغتراب في أدبيات و أبحاث العديد من المفكرين والتي لا يمكن الإحاطة بها كاملة إلا بالانتقاص من قيمة الفكرة ككل، لذلك وجدت من الأمثل أن أعبّر في هذه الدراسة عن المفاهيم الأساسية للاغتراب كما يمثلها أقطابها في الفلسفة ( هيجل – فيورباخ – ماركس ) والتحليل النفسي ( فرويد – فروم ) و ذلك في محاولة لإلقاء الضوء على المفاصل الأساسية التي شاع من خلالها تداول هذا المفهوم على مستوى واسع .
أولاً : الاغتراب في الفلسفة :
1- الاغتراب عند هيجل :
يعتبر الفيلسوف الألماني الكبير هيجل أول من رفع مصطلح الاغتراب إلى مرتبة مهمة في الفكر الفلسفي، حيث يمكننا أن نتفهم بصورة أفضل طرح ماركس الأكثر ذيوعاً للاغتراب في كتابته الأولى في ضوء طرح هيجل، حيث تشكل مناقشاتهما للموضوع أهمية يعتد بها على اعتبار أنهما يشكلان الخلفية التي أستند إليها جانب كبير من المناقشات و الحوارات الأكثر حداثة حول قضية الاغتراب، و لفهم الاغتراب عند هيجل لا بد لنا من إلقاء نظرة عامة على مجمل فلسفته، و نحن يمكننا التركيز على جملته الأساسية التي لخص فيها جل فلسفته و التي أدت لنقاشات و تأويلات متعددة فيما بعد، تلك العبارة تقول ” كل ما هو واقع هو معقول، و كل ما هو عقلي هو واقع ” و عليه فإن كل ما هو واقع حقيقي و مستمر و غير متغير هو واقع ثابت، الأمر الذي جعل منتقديه يهاجمون فلسفته القائمة على تمجيد الدولة البروسية على اعتبار أنها واقع حقيقي و متعقّل، و لكن نظرة مدققة للعبارة تتيح لنا أن نفهم الديالكتيك الهيجلي، فالواقع ليس البتة حسب هيجل صفة تعود بلا مجال للمنازعة و في جميع الظروف و دوماً في ظروف اجتماعية و سياسية معطاة، بل عكس ذلك تماماً، فالجمهورية الرومانية كانت حقيقية، إلا أن الإمبراطورية الرومانية التي أزاحتها كانت هي أيضاً حقيقية بعد أن غدت الأولى غير حقيقية و بالتالي غير عقلية، و أصبحت الملكية الفرنسية سنة 1789 غير حقيقية أو عديمة الضرورة و لا معقولة إلى الحد الذي أوجب إلغائها بالضرورة عن طريق الثورة الكبيرة التي تحدث عنها هيجل بطرب كبير، بهذا الشكل يغدو ما كان حقيقياً في فترة من الفترات غير حقيقياً بحيث فقد ضرورته و حقه بالوجود، حيث يحل مكانه واقع جديد معقول بطريقة سلمية إن كانت الظروف القديمة معقولة لكي تلاشى بلا مقاومة، و بطريقة عنيفة إن كانت الظروف مناهضة للضرورة، هكذا نجد أطروحة هيجل تتحول إلى نقيضها بحكم الجدلية الهيجلية نفسها، فكل ما هو حقيقي في ميدان التاريخ الإنساني يصير مع مرور الزمن لا معقولاً، و إن كل ما هو معقول في أدمغة البشر يقدر له أن يصير حقيقياً مهما تناقض ذلك مع الواقع الموجود حسب الظاهر .
من تلك النقاط نجد الفكر الجدلي عند هيجل يبدأ بالتجربة التي ندرك فيها أن العالم غير حر، و الإنسان و الطبيعة يوجدان في حالة اغتراب و يوجدان على خلاف ما هما عليه، و كل طريقة في التفكير تستبعد هذا التناقض من منطقها إنما هي منطق باطل، فالفكر لا يطابق الواقع إلا بقدر ما يحول الواقع أو يبدله عن طريق فهم بنائه المتناقض، و هنا يؤدي مبدأ الجدل إلى دفع الفكر إلى ما وراء حدود الفلسفة، ذلك لأن فهم الواقع الحقيقي يعني فهم ما تكون عليه الأشياء في حقيقتها، و يرى هيجل أنه في حين أن المنهج العلمي الوضعي يؤدي بنا من الخبرة المباشرة بالأشياء إلى بنائها الرياضي المنطقي، فإن التفكير الفلسفي يؤدي بنا من الخبرة المباشرة بالوجود إلى بنائه التاريخي، و هو مبدأ الحرية التي هي القوة المحركة الكامنة في أعمق أعماق الوجود، و إن نفس عملية الوجود في عالم غير حر إنما هي السلب المستمر لما يهدد لإنكار الحرية، هكذا فإن الحرية تحمل في أساسها طابع السلب، فالوجود اغتراب و هو في الوقت نفسه العملية التي تعود بها الذات إلى نفسها إذ تفهم الاغتراب و تسيطر عليه، و هو ما يعني تاريخياً بلوغ حالة انتماء إلى العالم يظل فيها الفرد في انسجام وثيق مع الكل.
من ذلك نجد أن الاغتراب الهيجلي هو مفهوم عقلي و تعبير عقلي عن علاقة الفرد بالكلية الاجتماعية، و حياة العقل عند هيجل تتجلى في صراع الإنسان الدائم من أجل فهم ما هو موجود و تشكيله وفقاً للحقيقة المفهومة، كذلك فإن العقل قوة تاريخية أساساً و تحققه يحدث بوصفه عملية متطورة في العالم الزماني المكاني و هو في نهاية المطاف ليس إلا التاريخ الكامل للبشرية، من ذلك المنطلق حدد هيجل مفهومه للاغتراب الذي ينشأ حينما يطرأ تغير في مفهوم شخص ما عن ذاته، إنه ليس شيئاً يفعله المرء أو النتيجة المقصودة لتصرف صدر عن عمد، فالمرء يجد و قد حل هذا الوضع الاغترابي في ساحته، و قد حدد هيجل معنيين للاغتراب .
الأول يفيد بمعنى الانفصال : وفيه يشعر المرء بداية بالوحدة الكاملة المتوافقة مع البنية الاجتماعية التي هو فيها، لكن عقب ذلك يمكن أن تنشأ الصراعات التي تسفر إلى عودة الإنسان إلى ذاته و سماته و شخصه هو، و عقب فقد هذه الوحدة الأصلية و إلى أن يتم تحقيق وحدة جديدة فإن علاقة الفرد بالبنية الاجتماعية تغدو علاقة تنافر، و يصل الفرد الغارق في تميزه الذي اكتشفه أخيراً إلى اعتبار البنية لاجتماعية التي اتحد معها سابقاً شيئاً آخر بصورة كاملة، و هنا تنشأ حالة عدم تطابق في الوعي بين الذات و البنية الاجتماعية، فينظر الفرد للبنية الاجتماعية الكلية باعتبارها شيئاً خارجاً عنه و معارضاً له فتصبح غريبة عنه، و في الوقت الذي يغترب فيه الفرد عن البنية الاجتماعية فإنه يغترب عن ذاته أيضاً، على اعتبار أن الإنسان هو عقل أساساً و أن الكلية هي أمر أساسي لكل ما هو عقلي في أساسه، بحيث أن انفصال الفرد عن الكلية يسفر عنها اغتراب الإنسان عن ذاته الجوهرية منتهياً إلى أقصى قمم التطرف في التنافر مع ذاته، و فكرة الكلية التي يتحدث عنها هيجل لا تفهم إلا في أطار تصوره للمفهوم الجدلي الشامل، فالكلية ليست علاقة وجود ما دام كل وجود هو عنده متعيناً و جزئياً، و هي لا يمكن أن تفهم إلا بوصفها علاقة للفكر، أي نمواً ذاتياً لذات شاملة و فاهمة، و العالم هو وعي الإنسان الذاتي بالكلية الجوهرية للأشياء حيث لا توجد في نهاية المطاف أية حقيقة لا تتعلق أسساً بالذات الحية و لا تكون هي حقيقة الذات، و العالم يكون مغترباً غير حقيقي ما دام الإنسان لا يقضي على موضوعيته الجامدة و يتعرف على نفسه و على حياته الخاصة من وراء الصورة التابعة للأشياء و القوانين، و عندما يكتسب الإنسان هذا الوعي الذاتي في نهاية المطاف يكون بذلك قد اهتدى إلى الطريق الموصل لا إلى حقيقته الذاتية و حسب، بل إلى حقيقة العالم أيضاً، و هنا ينقلنا هيجل للمعنى الثاني للاغتراب الذي يعتبره عامل تجاوز و قهر للعامل الأول.
الاغتراب بمعنى التخلي أو التسليم : الذي اعتبره هيجل معاكساً للمعنى الأول، فهو شيء مقصود تماماً كما أنه يتضمن تنازلاً واعياً أو تسليماً، و ذلك بقصد ضمان تحقيق غاية مرغوب فيها و هي الوحدة مع البنية الكلية الاجتماعية، و بالتخلي يتم التغلب النهائي و الأخير على الاغتراب، إلا أن التخلي ينبغي أن يكون كاملاً و مستمراً، إذ أنه بهذه الطريقة وحدها يمكن الحيلولة دون عودة الاغتراب، حيث أن قوة الفرد تمثل في جعل نفسه متوافقاً مع البنية الاجتماعية الكلية، أي في تنازله عن ذاته و بإقراره نفسه باعتبارها البنية و قد وٌجدت على صعيد موضوعي، و إن الفرد يستطيع أن يحقق الوحدة مع البنية الاجتماعية الكلية فقط بتسليم ذاته، أي فقط بالتضحية بمصالحه و رغباته الخاصة إلى المدى الضروري، و ذلك هو التخلي على وجه الدقة .
و ثمة مفهوم ثالث استخدمه هيجل في الاغتراب هو مفهوم ” التشعّب ” حيث يتعلق أكثر استخدامات هيجل لهذا المفهوم جذباً للانتباه ما يسميه بالشرطين المسبقين للفلسفة، أولهما هو العالم كل موحد، أي المطلق ذاته الموجود بصفته الجوهرية و إن لم يكن بصورته الفعلية.
أما الشرط الثاني فهو ظهور الوعي خارجاً عن هذا الكل، و هذا التشعب بين الوعي و العالم يرتبط بصورة وثيقة بأحد أنماط الاغتراب عند هيجل، و يقوم هيجل بإيضاح فكرة التشعب كظاهرة تاريخية مشيراً إلى أنها نتيجة لاتساع آفاق الحضارة قائلاً ” كلما ازداد انتشار الثقافة و كلما عظم نمو التعبيرات عن الحياة التي يغرس التشعب ذاته فيها، عظمت قوة التشعب و ازداد بريق هالة القداسة التي تحيط به و أصبحت غريبة و متهافتة بالنسبة للحضارة بأسرها محاولات الحياة إعادة نفسها إلى التناسق مرة أخرى ” و ينتهي هيجل للقول بأن وسيلة التغلب على التشعب لا تكمن في الدين أو الفن، و إنما بالفلسفة التي وظيفتها تكمن في التجاوز الإعلائي أو توحيد ما تم تحليله أو فصله من خلال عملية الفهم، و يعرب هيجل عن شعوره بأن العقل وحده قادر على توحيد هذا الذي فٌصل و إخضاع المفارقة المطلقة للمفارقة النسبية التي تتوقف على الوحدة الأساسية.
بهذا الشكل يبدأ هيجل من العقل لينتهي إليه على اعتبار أن كل تجليات الوجود ما هي إلا تجليات للعقل الكلي المجرد.
2- الاغتراب عند فيورباخ : لقد خرج هذا الفيلسوف الألماني الهيجلي عن الدائرة الهيجلية للوجود و انتقدها عندما اعتبرها تبريراً منطقياً للمطلق و ضياع في المجردات، بحيث أنها تخرج من الفكر المجرد لتعيدنا إليه، لذلك نجد فيورباخ قد نزع منزعاً حسياً على عدة أصعدة، فهو يعتبر أن الواقع الوحيد الذي يمكن إدراكه حسياً هو العالم الذي ننتمي إليه ووجودنا معاً، مثلما تكون أفكارنا و تصوراتنا نتاجاً لعضو مادي هو المخ، قالباً علاقة الكينونة ( الوجود ) بالفكر إلى علاقة الوجود بالمعرفة، و هو يريد تأسيس فلسفة جديدة يكون موضوعها لا الأنا و لا الروح المطلق أي العقل وحده، بل كينونة الإنسان الحقيقية مع اعتبار شموليتها.
فواقع الفكر أو ذات العقل هو الإنسان بوصفه إنساناً، و على عكس هيجل الذي يربط العقلي بالحقيقي فإن فيورباخ يقول بأن الإنسانية هي وحدها الواقعي و الحقيقي، والإنسان هو جوهر العقل و ليس جوهر الإنسان العقل، و الله هو انعكاس الإنسان المجرد الذي يملك كل الصفات الجوهرية كالكمال و العظمة، هذا الإنسان المجرد هو إله الإنسان الحقيقي المحدود الذي يبقى في يأسه و اغترابه ووضاعته طالما بقي محدوداً لا يتمتع بميزة الحب الذي ينهي التمزق المؤلم و يصالح الإنسان مع الآلهة أي مع نفسه .
هكذا عبر فيورباخ عما يسمى بالاغتراب الديني الذي يشكل محور فلسفته، فالإنسان يكشف جوهره الخاص بفضل الدين، و لكنه يظل مفصولاً عنه طالما يسلم بوجوده المستقل خارج ذاته، يقول فيورباخ ” لقد كان شغلي الدائم أن أميز الأماكن المظلمة للدين بمصابيح العلم حتى يمكن للإنسان ألا يقع فريسة القوى المعادية التي تستفيد من غموض الدين لتقهر الجنس البشري ” لهذا نجد فلسفة فيورباخ في خطها الأساسي تعنى بالمصير الإنساني العام، و بالإجمال يمكن تلخيص فهم فيورباخ للدين بقوله ” إن الأنثروبولوجي هو سر اللاهوت ” أي أن جوهر و حقيقة الدين و معناه الباطني العميق هو الجوهر الإنساني، فالدين هو الوعي الأول و غير المباشر للإنسان، و هو الوسيلة التي يتخذها الموجود البشري في البحث عن ذاته، و قبل فيورباخ أكد هيجل على أن الدين هو أعلى صورة من صور الوعي بالذات، و هو من عوامل تأصيل الإنسان و تثبيته في الأرض لأن الدين مقره القلب رمز كل ما هو حي، كما رأى هيجل أن تحويل الدين إلى لاهوت جامد يعني تحويل مصير الإنسان عن الأرض إلى السماء حيث عالم الماورائيات الذي يشكل عاملاً من عوامل الاغتراب الإنساني، و رغم التشابه الظاهري للنظرتين إلا أن نظرة هيجل للدين تختلف بشكل جوهري عن نظرة فيورباخ، فالأول ينظر نظرة ميتافيزيقية صورية توضح العلاقة بين التجلي الإلهي و الوجود الإنساني، أما فيورباخ فهو ينظر نظرة أنثروبولوجية مادية توحد بين المفهومين ( التجلي و الوجود )و ترد مفهوم الروح المطلق نفسه إلى الروح البشرية دون اهتمام باستبقاء عنصر اللانهائي باعتباره حقيقة روحية مطلقة، فالجانب الديني للحياة عند فيورباخ ليس عبثاً و إنما هو المفهوم الأساسي لإدراك الإنسان لذاته، ذلك لأن موضوع الدين الرئيسي هو الإنسان كما يتضح من تحليل الخبرات الدينية التي تتعدى صور اللاهوت غير المتناسقة، فالله هو انعكاس للإنسان على ذاته، و هذا ما دفع للقول بأن مادية فيورباخ جاءت مختلفة تماماً عن أي مادية سابقة فهو لا يحقر الدين، و إنما يرى في الله إسقاطا لحالة الإنسان البائس المحروم فهو كما يقول آنجلز يهدف بالوصول بالدين إلى أسمى درجات الكمال بتخطيه للاهوت، يقول فيورباخ ” إن هدفي هو أن أبرهن على أن القوى التي ينحني أمامها الإنسان خاضعاً متذللاً هي مخلوقات من عقله المحدود الجاهل الجبان الذي تعوزه الثقافة، و لكي أبرهن خصوصاً على أن الكائن الذي يضعه في موضع أعلى منه ليصبح خصماً له كوجود خارق للطبيعة مستقل إنما هو في الحقيقة الإنسان نفسه، و الغرض من كتاباتي هو أن أجعل الناس أنثروبولوجيين بدلاً من أن يكونوا لاهوتيين ” بهذا الشكل يغدو التصور اللاهوتي هو انعكاس خيالي للوجود الحقيقي للإنسان و في الله يٌسقط الإنسان جوهره الخاص المغترب إسقاطا تحويرياً، فيفقر ذاته – حسب فيورباخ – من غنى الجوهر الذي يهبه للإله.
بهذا الشكل كان اغتراب فيورباخ هو اغتراب الشعور أو العقل أولاً و ليس اغتراب العمل الاجتماعي كما سيصرح ماركس فيما بعد و الذي اعتبر فيورباخ بمثابة ” قناة النار ” التي يتطهر من خلالها كل فيلسوف يريد الانتقال من المثالية إلى الواقعية، ففيورباخ يرى أن الكشف عن الاغتراب لا يتم إلا من خلال فلسفة الدين، و الاغتراب هو أساساً اغتراب ديني، و إذا كان الاغتراب هو انقلاب الأنا إلى آخر، فإن هذا الانقلاب يحدث أساساً في تحول الإنسان إلى الله قبل أن يتحول إلى عمل أو نظام أو مؤسسة، فالاغتراب الديني هو أسهل اغتراب و أسرعه و أكثره مباشرة و إذا ما حدث زلزال في كيان الإنسان و خلل في وجوده الشرعي ظهر ذلك في اللجوء إلى الله كسند وتعويض، و فلسفة الدين عند فيورباخ هي الميدان الذي يمكن من خلاله اكتشاف الاغتراب، فقد انتقد كل الفلسفات الشائعة في عصره و التي اعتمد عليها اللاهوتيين للدفاع عن الدين، فهاجم الفلسفة التأملية التي رأى أنها ابتلعت الدين لحساب الفكر، كما هاجم الفلسفة الوضعية دفاعاً عن الإنسان و عدم تحويله إلى وثن أو صنم كما قال، و قد كانت الضربة الكبرى التي وجهها فيورباخ تتمثل بنقده العنيف الذي توجه به إلى نفاق عصره و مزايدته على الإيمان على لسان مٌدعي العلم في مجتمع طيب، مجتمع الحياد واللامبالاة و غياب الحماس و الأوهام و التزييف و الشائعات.
والحقيقة عند فيورباخ هي الإنسان و ليس العقل المجرد، بهذا الشكل وحده يمكن مواجهة الاغتراب الذي هو تضحية بالعياني في سبيل المجرد، فالدين الذي هو حلم الروح الإنساني لا يكون في السماء بل على الأرض، و الأساس هو الواقع لا المثل حيث تجد الكنيسة شرعيتها، بهذا الشكل حاول فيورباخ تأسيس دين قائم على الأخلاق الإنسانية نفسها دون تصورات مجردة، مستهدفاً إصلاح الدين بإصلاح الأخلاق .
و الاغتراب الاجتماعي يحتوي عند فيورباخ على اغتراب نفسي، فعندما يضيّع الفرد الرقابة على علاقاته الاجتماعية فإنه يفقد بالضرورة الرقابة على ذاته، ذلك أن حياة الفرد محددة بمجموع العلاقات التي تربطه بالعالم و الناس الآخرين، و إذا لم يستطع السيطرة على هذه العلاقات فإنه لن يستطيع السيطرة على نفسه، و هذا العجز النفسي يٌنتج بدوره عجزاً آخر و غذاءً جديداً للشعور الديني، يقول فيورباخ ” إن الهوية العميقة بين الإله و الإنسان هي الوحيدة القادرة على إعطاء معنى لتماهيمهما، ذلك أن تقديس الجوهر الإلهي و تطهير الجوهر الإنساني يشكلان سياقاً مزدوجاً محكم الارتباط و إن وصية الله للإنسان – كن قديساً على شاكلتي – تفترض سلفاً تقديس الإله في الإنسان حيث تعني في النهاية أنه دعني أتقدس منك و تقدس أنت بالتالي، إن تلك الأمنية للتماهي مع الإله أساسها العاطفة أو الانفعال الذي هو جواب العجز عن وضعية مغتربة ” فالإنسان هو نفسه مغترب و مستلب عند فيورياخ، و الإنسان المنفعل لا يسيطر أبداً على عاطفته و لا على الوضع الذي تخلقه فيه هذه العاطفة، و كذلك الإله فإن الإنسان لا يجد نفسه إلا بالضياع فيه، ووضع الإله هو نفسه يعكس وضع الإيمان الذي لا يعبر بحد ذاته إلا عن بؤس القلب العاجز، حيث يقع الفكر نفسه أسير الشطط العاطفي فلا يستطيع أن يتأمل واقع موضوعي بل يبقى ضمن ضبابيات الخيال مبتعداً عن المفهوم الأساسي الذي يجعل الطبيعة الإنسانية محوراً لها.
و بعد الاغتراب عن الذات و الجوهر الإنساني الناتج عن الاغتراب الديني يتحدث فيورباخ عن الاغتراب عن الطبيعة الناتج عن اغتراب الدين، و عنده أن الطبيعة هي الأساس لذي استمد منه الإنسان تصوره عن الإله الذي اتخذ في بداياته طابعاً محسوساً تحول مع الزمن إلى طابع مجرد عندما بدأ الإنسان يتحدث عن الخارق للطبيعة و هنا يحدث التناقض في فكر الإنسان، فنحن من جهة لسنا مخولين وحسب بل مضطرين أيضاً لأن نصل إلى نتيجة أننا ندين بأصلنا إلى الطبيعة ( فنحن نعيش داخل الطبيعة و في الطبيعة و بواسطة الطبيعة )، و لكننا من جهة أخرى نعطي جوهر الوجود الطبيعي لكائن مُفكراً فيه، أي نفكر في جوهر لا يعبر إلا عن طبيعة فعل التفكير و الذي لا يعطيه لنا سوى الفكر ذاته و الذي لا يكون بحد ذاته سوى كائناً متخيلاً، بحيث تختفي الطبيعة لتصبح لاشيء، و مع هذا فإنها لا تزال موجودة مع أنها طبقاً للفكر لا تستطيع أن تكون، عندها كيف يمكن للميتافيزيقي أن يفسر وجودها ؟ يجيب فيورباخ بأن ذلك يتم عن طريق فقدان الذات و سلب الذات و إنكار الذات بالنسبة للعقل الذي هو خلاق لكنه متناقض و مفروض على طبيعته الداخلية، و إذا كانت الطبيعة من وجهة نظر التفكير المجرد تتحول إلى لا شيء فإنه و من ناحية الملاحظة و التأمل الحقيقيين للعالم فإن هذا العقل الخلاق يختفي بدوره ليصبح لاشيء، و بذلك تغدو كل عمليات استنتاج العالم من الإله و الطبيعة من العقل و الفيزيقا من الميتافيزيقا و الحقيقي من المجرد ليست، عند فيورباخ، إلا مسرحيات منطقية للتزييف .هكذا يغدو الدين عند فيورباخ هو تناقض بين الفكرة و الواقع، و بين الخيال و الحقيقة، فما هو واقعي كقطعة حجر أو خشب ليس بها حياة، تعد من الوجهة الدينية حية، فكيف يتخلص الدين من هذا التناقض الذي يتعرض له في نظرته للطبيعة ؟ إنه يواجهها – يقول فيورباخ- فقط بخلق شيء غير مرئي و غير محسوس و جعله موجوداً في عالم الإيمان و التأمل و الخيال، في حين أن هذا الكائن الذي فوق الطبيعة و يعتقد بأنه خالقها و موجدها ليس إلا جوهر الإنسان ذاته لذي يبدو له رغم ذلك كآخر يختلف عنه، لذلك فإن الإرادة و الفكر يظهران للإنسان كقوة أولية و كعلل أولية للطبيعة فقط لأن المؤثرات غير المقصودة للطبيعة تظهر له في ضوء فكره كمؤثرات مقصودة و كأغراض و أهداف مرسومة، و الطبيعة نفسها تظهر بالتالي ككائن مفكر ( أو على الأقل كشيء يتمتع بالعقل و التعقل الذي أسقطه الإنسان عن نفسه إلى ما هو خارج نفسه ).
هكذا يرى فيورباخ أن وعي الإنسان لله هو وعيه بذاته و معرفة لله هي معرفة الإنسان لذاته، و الله بالنسبة للإنسان هو روحه و نفسه، و الإنسان بالنسبة لنفسه هو الروح و النفس و القلب، فالله هو الداخلية التي تظهر في الإنسان و الدين هو ظهور كنوز الإنسان و الاعتراف بأفكاره الزمنية و الإقرار العلني بأسرار الحب، فالدين هو ماهية الإنسان، حيث يرى الإنسان البدائي ماهيته خارجاً عن ذاته لذلك يقع الدين البدائي في الوثنية وعبادة الأصنام فيعبد الإنسان ذاته من خلال ماهيته المتموضعة دون علم منه على الأشياء، ثم تقدم الدين من خلال تقدم وعي بالذات فرفض الدين السابق مٌتصوراً أنه حصل على موضوع أسمى و أعلى من قوانين الطبيعة و بالتالي على موضوع خارج الطبيعة التي تشكل رغم ذلك أساسه، بذلك يغدو الدين بتطوراته المختلفة هو تعبير عن علاقة الإنسان بذاته و تصور وعيه لذاته و يقين الإنسان بوجود الله هو يقينه بوجود ذاته، كما أن يقينه بصفات الله هو يقينه بصفاته، و ليس الله عند فيورباخ مبدأ عقلي وقانون خلقي فقط، بل هو أيضاً حب إلهي، فالحب هو وسيلة التصالح بين الإنسان و الله أي بين الإنسان و نفسه و التجسد هو الظهور الحسي العقلي للطبيعة الإنسانية لله بفضل الحب من خلال ما دعاه بالجانب الايجابي للدين، فقد كان الله إلهاً إنسانياً قبل أن يصبح إلهاً خفياً، و الوعي بالذات الإلهية ليس إلا الوعي بالوعي باعتباره ماهية مطلقة أو إلهية، و التثليث المسيحي ليس سوى الوحدة بين الأنا و الأنت، الله الأب هو الأنا، و لله الابن هو أنت، الأنا هو الذهن و الأنت هو الحب، و اجتماع الذهن و الحب أو الأنا والأنت هو الروح أو الإنسان، و بعث المسيح هو يقين الإنسان بخلوده بعد الموت، حيث أصبح إنكار البعث جريمة في المسيحية، فتحول جوهر المسيحية الروحي إلى دين بلا روح، فالمسيحيون أحرار أمام الطبيعة، لكن حريتهم هي حرية العاطفة لا العقل، إنها حرية الخيال و المعجزات على نحو تحتقر فيه العالم و لا تعتبر إلا الفرد على عكس الوثنية التي تضع الإنسان أمام العالم و الطبيعة، و لذلك استنتج بأن الدين كلما كان في بدايته فإنه لا يكون هناك فرق بين الإنسان و الله و كلما تطور كلما ازدادت تلك الانفصالية من الداخل إلى الخارج و بالتالي ازدادت الأوهام و الغربة بين الإنسان و ذاته .و على هذا يكون الدين عند فيورباخ هو علاقة الإنسان بماهيته الخاصة، لكن تلك الماهية منفعلة خارجية غريبة عنه بل و معارضة له، و هنا بالذات يكون الموقف الزائف المعارض للعقل و الأخلاق و الطبيعة، و هنا ينشأ الخيال الديني ليصور الموقف الزائف و ليحدث كل المآسي الدينية عبر التاريخ .
و كما يتضمن الجوهر الذاتي للمسيحية تناقضات، كذلك يتضمن الجوهر الذاتي تناقضات أوضح و تناقضات الجوهر الذاتي للمسيحية يتجليان في محوري الحب والإيمان اللذان يتخارجان في الشعائر والطقوس العمادية و المشاركة، فطقس الإيمان هو العماد و طقس الحب هو المشاركة، وهما عنصرا المسيحية الذاتيان، و الإيمان هو الأمل بالنسبة للمستقبل و لكنه يتشخص و يتحول إلى وجود خاص كما تحولت من قبل ذلك ماهية الإنسان و تشخصت في الإله، و يتحول الماء الطبيعي إلى ماء فوق طبيعي، و كما يوقعنا المفهوم المسيحي اللاهوتي في اغتراب عن ماهيتنا الخاصة و عن ذاتنا في التصور الجوهري له، كذلك يغترب الماء في هذا التصور عن ذاته و يتم ذلك أيضاً بفضل الخيال، و كذلك يغترب الخمر فيصبح دماً و الخبر فيصبح جسداً، فالإيمان هو قوة الخيال التي تحول الواقع إلى لا واقع و اللاواقع إلى واقع، و من هنا يتحول الإيمان إلى عقيدة أنانية تبحث عن خلاص المؤمن و لو غرق الآخرون، مع كراهية من ليس مع المسيح فيتحول الإيمان المسيحي إلى تعصب لا يعرف التسامح، و بذلك يتحول الإيمان عند فيورباخ إلى نقيض للحب، فالحب مثل العقل مباشر لا يعرف الوساطة في حين أن الإيمان بحاجة إلى وساطة، لذلك فإن الإيمان المسيحي هو اغتراب عن الذات لا يلغى إلا بالحب الذي اقترحه فيورباخ لتجاوز الاغتراب الديني.
هكذا حاول فيورباخ إصلاح الدين بإصلاح الأخلاق و هو ما عبّر عنه عندما نادى بضرورة الحق المتساوي لجميع الناس في السعادة بلا قيد أو شرط معتبراً إياه ضرورياً لكل زمان و كل ظرف، و قد تناول هذه المحاولة آنجلز قائلاً بأن أخلاق فيورباخ قد فصّلت على قياس المجتمع الرأسمالي الحالي، كما تحدث عنه ماركس قائلاً ” فيورباخ يستعيد حركة الضياع عند هيجل و لكن بعد أن يقلبها، فالإنسان يموضع طبيعته الخاصة في ما هو خارج بالنسبة له، و لكنه إذ يتجلى لا يخلق موضوعات و حسب، بل إن هذه الموضوعات تصبح مستقلة غريبة عنه معارضة له و مسيطرة عليه، و عندما يقول فيورباخ بأن الإنسان لا يعرف نفسه إلا من خلال موضوعاته فإنه يلتقي بهيجل القائل أن وعي الموضوع هو وعي الإنسان لذاته، و بتعبير آخر فإن الموضوع ( الطبيعة ) ليس لها معنى إلا لأنها تعبير عن الماهية الإنسانية، والإنسان بوصفه موجوداً مشخصاً متسم بالحس يجب أن يكون قاعدة كل تفكير فلسفي، و هو أيضاً موجود اجتماعي و طبيعته الحقة هي الحب و المجتمع القائم على الأنانية ما هو إلا نتاج للضياع الديني ” تلك النظرة كان لها الفضل في أنها استعاضت عن وعي الذات المجرد للمثالية، بالإنسان المشخص، على الرغم من أن ذلك لم يبعدها عن رؤية طوباوية بلغت درجة عالية من التجريد و من هذا المنطلق تعرض ماركس له بالنقد قائلاً بأن فيورباخ أذاب الجوهر الديني في الجوهر الإنساني، لكن الجوهر الإنساني ليس تجريداُ ملازماً للفرد المنعزل بل هو في حقيقته مجموع العلاقات الاجتماعية كافة و بالتالي فإن فيورباخ الذي لا ينتقد هذا الجوهر الحقيقي ( العلاقات الاجتماعية الاقتصادية ) للاغتراب، و هو ينطلق من واقع أن الدين يجعل للإنسان غريباً عن نفسه و يضيف للعالم عالماً دينياً يكون موضوع تصور، و عمله يقتصر على جعل العالم الديني في قاعدته الزمنية، و هو لا يرى أنه عندما ينتهي من هذا العمل فإن الأساس يبقى للعمل لا سيما و أن القاعدة الزمنية تتحلل من نفسها و تتركز في الغيوم كقاعدة مستقلة لا يمكن تفسيرها إلا بالتمزق و التناقض الداخليين لهذه القاعدة الزمنية، إذاً لا بد بداية من فهم هذه في تناقضاتها من أجل تثويرها فيما بعد عملياً عن طريق إزالة التناقض، فلا يصبح المقصود تأنيس الإله بل الإنسان أي جعله يفقد بالتحديد هذه الرغبة بتأليه نفسه بأي شكل من الأشكال.
بهذا الشكل تتجلى مثالية فيورباخ عند ماركس حالما يأخذ تناوله للدين و الأخلاق، فهو لا يريد مطلقاً إزالة الدين بل استكماله بتحويل الفلسفة إلى دين، و لهذا السبب يضع ماركس كلا من فيورباخ و هيجل في صف المثالي النظري فكلاهما اهتما بالإنسان المجرد لا الإنسان الحقيقي الذي تصنعه ظروف البشر و علاقاته الاقتصادية الاجتماعية و السياسية، وعليه فإن فيورباخ لم يبحث عن السبب الحقيقي للاغتراب فقد أضاع السبيل للوصول للسبب الجوهري المتمثل بالعلاقات الاقتصادية مكتفياً بالنقد الديني، ومن هذا المنطلق انحرف إلى نزعة مثالية مضللة تُقر بقدرة الحب و الصداقة على تجاوز الاغتراب و البؤس، و عند تلك النقطة حدثت القطيعة بين نزعة فيورباخ الإنسانية و فلسفة ماركس المادية.
3- الاغتراب عند ماركس : عرفنا أن فيورباخ اعتقد بأن الإنسان قد خلق الله على صورته الجوهرية هو نفسه و رأى بأن الاثنان متباعدين عن التماثل لأن هناك تنافراً بين طبيعة الإنسان الفعلية و طبيعته الجوهرية أو المثالية، و الأخيرة لا الأولى هي التي تنعكس في فكرة الله، و قد أسيء تفسير طبيعة هذا التباين و أصبح يُنظر إليه كفارق بين الإنسان الفعلي ووجود آخر متميز عنه هو الوجود المفارق، هذا الفارق الذي اتخذ سمة شيء يتعين احترامه، الأمر الذي أدى إلى أن الإنسان لم يجرؤ على التطلع إلى الحصول على تلك الصفات التي يعزوها إلى ذلك الوجود المفارق، و بتنازله عن تلك الصفات فإنه ينفي في الحقيقة طبيعته الجوهرية، فقد أراد فيورباخ رد الدين إلى الفلسفة، أما ماركس فلم يُعنى بهذه الأمور محاولاً رد كل شيء إلى الاقتصاد السياسي رغم أنه اتفق مع الأول بضرورة إعادة النظر في فلسفة هيجل من أساسها، و إذا عدنا بنظرة سريعة نجد أن هيجل نظر للاغتراب بأنه يكون في الواقع المطلق الموضوعي الذي تشكل الذات جزءاً من حركيته و صيرورته، هذا التصور عاد عند فيورباخ إلى الذات الإنسانية التي خلقت مفهوم الكمال المطلق حيث تحول الاغتراب إلى الإنسان ذاته، أما ماركس فقد احتفظ بمفهوم الاغتراب لدى سلفيه، لكن مع إدخال تغييرات أساسية، حيث اتفق مع فيورباخ بأنه حدد أصل الضياع من الإنسان ذاته، و لكنه سيجد تعليل ذلك لا في الدين ة لكن في عملية البراكسيس ( العمل ) الإنساني، كما أنه سيحتفظ بالجوانب الجدلية لهيجل لكن تحليله سوف يعطيه مفتاح الانتقال من الجدل المثالي الهيجلي إلى الجدل المادي عنده، فبالنسبة لهيجل كل تموضع كان ضياعاً واغتراباً، أما ماركس فيميز بين التموضع و الضياع حين كان العمل حقاً انعكاس لشخصية الإنسان قبل ظهور التبادل كان منتوجه تموضعاً إنسانياً، إن فاعلية الإنسان ليست بالأساس فاعلية تضيعه، بل إن العلاقات الاجتماعية هي التي تحول في مستوى ما من تطورها هذا التموضع للقوى الجوهرية إلى ضياع، و بالتالي تغدو مرحلة الاغتراب مرحلة لا بد أن يمر بها تطور البشرية و هي مرحلة انفصال الإنسان عن ذاته، مرحلة نمو التناقضات الملازمة لطبيعته الخالقة و الاجتماعية معاً، إن الإنسان أولاً ينفصل ضياعاً عن الطبيعة – مادة عمله ذاتها – و لكنه بهذا الضياع يهيئ سيطرته عليها، و الإنسان ثانياً ينفصل ضياعاً عن الإنسان الآخر فلا يجد فيه ممثلاً للنوع بل الفرد الخصم، و لكنه بهذا يخلق شروط مجتمع إنساني، و الإنسان أخيراً ينفصل ضياعاً عن ذاته و يصل بذلك إلى نفي حياته الإنسانية حقاً لتأمين حياته الجسدية، و لكنه يبلغ درجة العري التي لا يمكن أن يُقصيها سوى استرجاع كامل لصفته كإنسان، هكذا قسم ماركس مراحل الضياع جدلياً، فالإنسان الذي تطور ووُجد بالعمل لم يلبث أن أصبح عبداً لما أوجده، فتراكم الرأسمال ينمي تقسيم العمل و تقسيم العمل يزيد تراكم رأس المال، و بحكم هذا التقسيم من جهة و تنامي الرساميل من جهة أخرى يصبح العامل رهن العمل بشكل أكثر فأكثر جهراً، بل رهن عمل محدد وحيد الطرف آلي، وكما أنه – أي العامل – ينزل ذهنياً و جسدياً إلى مرتبة الآلة و يُحول من إنسان إلى مجرد فاعلية مجردة، كذلك فإنه يصبح تابعاً أكثر فأكثر لكل تقلبات سعر السوق و استخدام الرساميل و مزاج الأغنياء .و من ذلك المنطلق لا يكفي نقد الدين وحده لتحقيق الانعتاق، بل نقد الواقع الاجتماعي هو ما يجب أن يُمارس بالدرجة الأولى و في الواقع نفسه يكمن منبع الحركة الثورية التي يجب على العالم أن يعيها، و عليه فإن الانعتاق الديني عند ماركس و على خلاف فيورباخ لا يكفي وحده لتأمين الانعتاق الواقعي للإنسان الذي يُفترض فيه إنهاء اغترابه . لذلك لم يكن الاغتراب الديني عند ماركس يشكل إلا مشكلة ثانوية بالنسبة للاغتراب الحقيقي الذي يصيب العامل من الطبقة المهيمنة، مؤكداً على أن الاضطهاد الاجتماعي يؤدي إلى سلبية ذاتية عند المضطَهد و يدخل الاحتجاج و التمرد و التطلع إلى عالم مُحرر من استغلال الإنسان للإنسان في صراع دائم في ضمير الضحايا ضد تيار الخضوع و الاستسلام، لهذا نجد أن ما تحدث عنه فيورباخ بوصفه مشكلة أساسية تناوله ماركس كمشكلة ثانوية ناتجة أساساً عن علاقات الإنتاج السائدة، فالدين الدولة و العائلة و القانون و الأخلاق و العلم و الفن ليست سوى أنماط خاصة للإنتاج تخضع لقانونه العام، و الإلغاء العملي للملكية الخاصة و امتلاك الحياة الإنسانية يعني الإلغاء العملي لكل استلاب و بالتالي عودة الإنسان خارج الدين و العائلة و الدولة …. عودته إلى وجوده الاجتماعي.
فماركس و خلافاً للمنظرين ناقدي الدين كفيورباخ و ماكس ستيرنر، كان شاغله الأساسي هو إبراز الحقيقة التي يحتويها الدين إذا صح القول بطريقة غير مباشرة أكثر من التشهير ببطلان الدين فعند ماركس الدولة العلمانية الملحدة البرجوازية و الديمقراطية هي التي تستتبع بالتضاد و التعويض بالإيمان المسيحي، بهذا يقرر ماركس أن تاريخ الأفكار يتيح لنا أن نستنتج بأن الإنتاج الذهني يتغير مع تغير الإنتاج المادي و الأفكار المهيمنة في عهد من العهود لم تكن إلا أفكار الطبقة المهيمنة، يقول ماركس ” كان قدامى القديسين في المسيحية يميتون أجسادهم في سبيل خلاص روح الجمهور، أما القديسون العصريون فمن أجل خلاصهم يميتون أجساد الجمهور ” فالبشر في المجتمع البرجوازي الحالي تسيطر عليهم في الواقع العلاقات الاقتصادية التي خلقوها هم بأنفسهم ووسائل الإنتاج التي أنتجوها هم بالذات أصبحت قوة غريبة عنهم و خارجة عليهم .
هكذا لا يكون الحل بالدين نفسه الذي هو ليس إلا انعكاس لوضع قائم، بل الحل يكون من الواقع الاجتماعي الذي أفرز الانعكاس الديني الذي يشكل بدوره أحد أوجه الاغتراب الاجتماعي، فالحل الوحيد و النقد الصحيح للدين عند ماركس يقوم في تحويل العالم و إزالة الألم الحقيقي بحيث أن إلغاء الدين بما هو سعادة وهمية للشعب يعني المطالبة بسعادة حقيقية و المطالبة بالتخلي عن الأوهام و ذلك بالتخلي عن الوضع الذي يحتاج إلى أوهام . فيتحول المنهج الماركسي من نقد السماء إلى نقد الأرض و من نقد الدين إلى نقد القانون و من نقد اللاهوت إلى نقد السياسة، مؤكداً على أن الدين ليس سوى الشمس الوهمية التي تدور حول الإنسان طالما أن الإنسان لا يدور حول نفسه، و الاغتراب أو الاستلاب الديني هو في النهاية لا يبدو إلا كطابع ثانوي للاستلاب الحقيقي ممثلاً بالعمل الذي اعتبره ماركس هو وحده المحور الحقيقي للاغتراب.
فالاغتراب لم يعد خاصية ميزة للوجود الإنساني في العالم، بل أصبح يُنظر إليه على أنه مرتبط بوجود الإنسان في عالم تاريخي معين هو عامل العمل المغترب، وهو لا يعتقد بأن الاغتراب حالة أبدية لا يمكن التخلص منها، بل يربطها بظروف اجتماعية تاريخية خاصة بحيث أنه يمكن تجاوز تلك الحالة إذا ما غُيرت الظروف المحيطة و قام نظام اجتماعي اقتصادي أفضل . فالاغتراب عند ماركس هو حالة اجتماعية تنتجها ظروف العمل نفسه، و هو حالة حقيقية واقعة و مشاهدة يُعبّر عنها الإنسان في ما يبتكره وينتجه بيديه و عقله ثم لا يلبث أن يتحول هذا المنتوج إلى ضد الإنسان نفسه متحولاً إلى السيطرة الكاملة على حياته، بحيث تزيد تلك الابتكارات من عبودية الإنسان بدلاً من أن توسع حريته، فالاغتراب ليس إلا نتاجاً لعجز الإنسان أمام قوى الطبيعة و قوى المجتمع الناتج عن جهل الإنسان بالقوانين التي تسير تلك القوى، و التي بمعرفة الإنسان لها يمكن السيطرة على الأسس العلمية و التكنولوجية و الصناعية التي تتيح له السيطرة على موارد الطبيعة من خلال الإنتاج الجماعي، فالاغتراب يتجلى في المجتمع باغتراب العامل وفق صورتين هما : الاغتراب الناتج عن العمل، و اغتراب العامل عن العمل نفسه بحيث لا ينتمي الإنتاج للعامل، كما أن العمل نفسه لا ينتمي لماهيته الإنسانية، فالإنسان لم يعد يشعر بحريته في أفعاله المتعلقة بالعمل و عملية الإنتاج، حيث تسيطر على الإنسان البنى الاجتماعية التي خلقها هو بيده، فتصبح العلاقات الاجتماعية قائمة على أساس خارج إرادة الإنسان كونها تصبح غريبة عنه شأنها شأن قوى رأس المال التي تسلب حريته و تحرم عليه كل نشاط مستقل و عندها ينعدم شعور الإنسان بحريته.
لقد كان الإنسان في العهد القديم يقوم بصنع عمله كاملاً و بإنتاجه و بطريقته، حيث لم يكن هناك انفصال بين العامل و بين عمله أو بين الصانع والسوق أو الإنتاجية، و لكن ومع تقدم الصناعة فإن اغتراب العمل بدأ يظهر نظراً لما يستلزمه هذا النظام الصناعي من تقسيم للعمل و من تخصّص دقيق أديا في نهاية الأمر إلى انفصال العامل عن الآلية الإنتاجية التي لم يكن يستطيع إدراكها أو استيعابها ككل نتيجة ارتهانه بجزء واحد محدد من هذه العملية الإنتاجية أو نسق الإنتاج كله .و إذا كان الاقتصاديون قبل ماركس يرون أن الاقتصاد هو علاقات بين الأشياء، فإن ماركس قد قال بأن تلك العلاقات هي بين الناس و تبادل البضائع يعبر عن الصلة القائمة بوساطة السوق بين المنتجين المنفردين و المال، و الرأسمال يعني استمرار تطور هذه الصلة بحيث تغدو قوة عمل الإنسان بضاعة، فالأجير يقوم ببيع قوة عمله إلى مالك الأرض أو لصاحب المصنع و أدوات الإنتاج، و العامل يستخدم قسماً من يوم العمل لتغطية نقصان إعالة أسرته، و يستخدم القسم الآخر للشغل مجاناً خالقاً للرأسمالي قيمة زائدة . يقول ماركس ” طالما أن العمل البشري يشترى و يباع فإنه نفسه سلعة ….. و الناس أثناء الإنتاج الاجتماعي لحياتهم يقيمون فيما بينهم علاقات معينة ضرورية مستقلة عن إرادتهم، وتُطابق علاقات الإنتاج هذه درجة معينة من تطور قواهم المنتجة المادية و مجموع علاقات الإنتاج هذه تؤلف البناء الاقتصادي للمجتمع، أي الأساس التحتي أو البنية التحتية التي يقوم عليها البناء الفوقي الحقوقي و السياسي، إن إسلوب إنتاج الحياة المادية يشترط تفاعل الحياة بمناحيها السياسي و الفكري و الاجتماعي، و عندما تبلغ قوى المجتمع المنتجة المادية درجة معينة من تطورها، تدخل في تناقض مع علاقات الإنتاج الموجودة أو علاقات الملكية التي كانت إلى ذلك الحين تتطور ضمنها حيث تتحول من وعاء لتطور القوى المنتجة القوى المنتجة إلى قيود لهذه القوى، عندئذ ينفتح عهد الثورة الاجتماعية الناتج عن ازدياد البؤس ” فالعلاقات الاجتماعية عند ماركس ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالقوى المنتجة، و الناس في سعيهم وراء القوى منتجة جديدة يغيرون كل علاقاتهم الاجتماعية .
هكذا يغدو النشاط الإنتاجي لماركس – و كما هو الحال عند هيجل – يتفق مع بعد الفردية أو الشخصية، و من خلاله تعبر الشخصية الفردية عن ذاتها و تحقق بذلك هذه الذات، حيث يسترجع ماركس المقولة الهيجلية بتموضع الإنسان لذاته من خلال تشكيله لعمل خارجي حيث يقول ” خلال إنتاج الموضوعات يعيد الفرد إنتاج ذاته بنشاط و بالمعنى الحقيقي، و يرى انعكاسا له في عالم قام هو ببناء صرحه، فإعادة إنتاج الذات تلك تحقق تشكيلاً للذات، أو الشخصية التي كانت من دون ذلك ستظل كامنة فحسب في عالم الموضوعية ” و يشير ماركس إلى هذه العملية باعتبارها عملية ( تخارج ) حيث يصنع الإنسان حقيقة موضوعية بالنسبة لنفسه، الأمر الذي ينجز تحقيقه لذاته، و الأشياء التي ينتجها هي تموضع لذاته التي تؤكد و تحقق فرديته.
فالاغتراب هو اصطلاح يستخدمه ماركس استخدامات عديدة إلا أنه في كل حالة يستخدمه فيها فإنه يشير إلى وجود انفصال من نوع ما، و في كل حالة أيضاً يرتبط هذا الانفصال بتسليم من نوع ما، هو تسليم سيطرة الإنسان على نتاجه و على عمله، و هذا يطرح مقابلاً معكوساً لما في فلسفة هيجل حول الاغتراب .فعند ماركس نجد الاغتراب نتيجة للتسليم بينما نجد في مناقشة هيجل لعلاقة الفرد بالبنية الاجتماعية أن الانفصال يتم قهره من خلال التسليم ( أو التخلي )، لكن ماركس يحذو حذو هيجل حينما يصف الناتج الفردي ( كمقابل لمصطلح البنية الاجتماعية عند هيجل ) بأنه مغترب عن العامل و ذلك عندما يرتبط العامل بناتج عمله كموضوع غريب عنه، و بتحديد أكبر يكف الناتج في الموقف الذي يعنيه ماركس أي في ظل الإنتاج الرأسمالي عن أن يكون التجسيد الموضوعي لشخصية الفرد و التعبير المتميز عن طاقاته الخلاقة واهتماماته، بل على العكس فإنه لا يعود طاقة متميزة و تنقطع علاقته بشخصيته ومصالحه فهو لا يختار القيام به، بل هو مجبر على إخضاع كل فرديته في غمار إنتاجه، و حينما ينتهي إنتاجه فليس من شأنه أن يتصرف فيه كما يود كونه تحول إلى مجرد أداة لإنتاجه ومفارق لإنتاجه الذي يغدو قوة مستقلة عن المجتمع تقف كقوة غريبة و معادية إزاءه، و كون إنتاجي سيغدو ملكاً لغيري و على حسابي و حساب تحقيقي لذاتي فإن هذا الغير سيتصرف في إنتاجي على نحو ما يشاء بغض النظر عن كيفية تأثير ذلك علي، و بالتالي فإن الناتج يصبح أداة لإرادته و هو يصبح ( أي الرأسمالي ) أكثر قوة في علاقته بي بامتلاكه لهذا الناتج، بهذا الشكل يسهم نتاجي في قهري متحولاً من طاقة مبدعة و معبرة عن ذاتي إلى قوة معادية لذاتي و غير مرتبطة بشخصي . ومن اغترب عليه عمله ينظر إلى ذلك العمل باعتباره نشاطاً غريباً عن ذاته لا يشعر معه بالألفة، لذلك يحاول تجنب ذلك العمل كما لو كان طاعوناً حينما تسمح الظروف بذلك، فالعامل لم يعد هنا يحقق ذاته في عمله و إنما ينفيها و لا يشعر بالارتياح بل بالتعاسة و لا ينمّي بحرية طاقته البدنية و الذهنية بل يقتل جسده و يدمر ذهنه .
إن هذا النتاج المغترب عن الذات لا تتحكم فيه القوة الإنسانية المذكورة و حسب، بل هناك قوى أخرى لا إنسانية هي قوانين السوق و رأس المال، تلك القوى بدأت من صنع الإنسان ثم ما لبثت أن سيطرت عليه ليتحول نتاج العمل إلى مفهوم تحكمه تلك القوانين التي لا تخضع لإرادته، فعندما يٌنظر إلى العمل باعتباره شيئاً يتم تقديمه مقابل أجر يبدو لا كفاية في ذاته و إنما كخادم للأجر، و بهذا يفقد العمل مغزاه و قيمته الإنسانية فيغدو لا كوسيلة لإشباع الحاجات، و لكن مجرد وسيلة لإشباع حاجات أخرى، و ليس من الأمور الهامة ما إذا كانت هذه الحاجات الأخرى عضوية أم أنانية، ففي كلتا الحالتين يٌسخّر العمل لخدمة حاجات غير تلك التي تحقق الذات و يوضع العمل في مقابل الأجر تحت توجيه إنسان آخر خاضع بدوره لتقلبات قوانين السوق، و بهذا لا يعود العمل بعد ذلك وظيفة تحقيق تموضع الذات .
واغتراب العمل سيؤدي بدوره إلى اغتراب بين البشر أنفسهم فيتحول المجتمع إلى مجال الأنانية و الجشع ليغدو عالم أفراد متنافرين معادين لبعضهم البعض حيث يقول ماركس في المخطوطات ” إن الإنسان يوجد في التاريخ و ينتج نفسه في التاريخ، و الإنسان إذ ينتج نفسه لا يمكن إلا أن ينتج حقيقته ذاتها، فطبيعته لا يمكن أن توجد وجوداً سابقاً على التاريخ مٌعرّفة مرة واحدة و إلى الأبد، فالاغتراب و الضياع ليس الخطيئة الأصلية، أجل إن الإنسان مٌعطى خصائص نوعية تميزه عن الحيوان و لكن فقط في سير فاعليته في النمو الجدلي للتناقضات القائمة كبذرة في هذه الصفات، و باختصار فإن الإنسان في التاريخ يخلق نفسه حقاً و حقيقته الطبيعية الحقّة و هما نتاج التاريخ ” و بإمكان ماركس أن يقول بأن التاريخ هو التاريخ الطبيعي الحقيقي للإنسان و طبيعة الإنسان لا يمكن أن نعرفها فقط على نحو ذاتي، فالشرط الأول لكل تاريخ إنساني هو بالطبع وجود كائنات إنسانية حية، و الواقعة الأولى التي ينبغي أن نلاحظها هي وجود التنظيم الفيزيائي لهؤلاء الأفراد و العلاقات التي يخلقها هذا التنظيم بين الأفراد و بين الطبيعة، فالبشر يبدؤون بالتميز عن الحيوان منذ اللحظة التي يقومون فيها بإنتاج وسائل وجودهم، و هذه الخطوة إلى الأمام هي نتيجة تنظيمهم الفيزيائي بالذات، و بالتالي فإن البشر بإنتاجهم لوسائل وجودهم ينتجون بصورة غير مباشرة حياتهم المادية عينها و الطريقة التي يٌظهر بها الأفراد حياتهم تعكس بصورة بالغة الدقة ما هم كائنون عليه الذي يتطابق بالنهاية مع إنتاجهم و مع الطريقة التي ينتجون فيها إنتاجهم على حد سواء، فالبشر إذاً ينتجون الحياة المادية نفسها و هذه عند ماركس واقعة تاريخية و شرط أساسي لكل تاريخ لا بد من تحقيقه كل يوم بيومه، و كل ساعة بساعتها، و الإنسان الذي فقد ذاتيته لا يتبدى و هو عامل إلا عما هو مناقض لما هو إنساني حقاً، فهو من حيث هو عامل يتنكر لطبيعته الخاصة لأنه مضطر لأن يجعلها أداة بقائه و هو من حيث رأسمالي فإنه أيضاً مٌغترب بشكل آخر بحيث أن المال هو الذي يعطيه شخصيته و سلطته لا القوى الجوهرية التي يحملها في ذاته، و اغتراب العمل الحقيقي بدأ مع ظهور الصناعة الكبيرة التي خلقت في كل مكان علاقات متماثلة بين الطبقات في المجتمع قاضية على الطابع الخصوصي للقوميات المتباينة، فبينما كانت برجوازية كل أمة ما تزال تحتفظ بصالح قومية خاصة، فقد خلقت الصناعة الكبيرة طبقة مصالحها واحدة في جميع الأمم و فقدت القومية بالنسبة لها كل مبرر للوجود و كانت النتيجة من ذلك أن العمل نفسه، لا العلاقات مع الرأسمالي و حسب أصبح لا يطاق بالنسبة للعامل، و بما أن المجتمع هو النتاج الضروري لفاعلية الإنسان بوصفها فاعلية إنسانية، فهو يتخذ بصورته الإجبارية صورة ضائعة، و إذا كان الاقتصاد السياسي يقول بأن العمل هو مصدر الثروة فإن ماركس لا يقبل الفكرة بهذا الشكل، حيث يؤكد على أن تلك الفكرة تمثل الشكل المغترب الضائع للعمل الذي يرتديه العصر الرأسمالي، أما جوهر العمل فهو الفاعلية المميزة للإنسان و التجلي لشخصيته و تمتعه بالحياة، فالشيء المنتج يعبر عن صفة الإنسان الفردية و هو امتداد الموضوعي و الملموس، و العمل نابع عن حاجة إنسانية في الأصل و قبل وجود التبادل كان الإنتاج يغطي الحاجة بالضبط، حيث كان العمل الإنساني وسيلة البقاء المباشر و لكنه في الوقت نفسه كان أيضاً تثبيت لوجود الإنسان الفردي، و بالمقايضة أصبح عمله في قسم منه مصدر كسب، أي هدف ووجود العمل أصبحا مختلفين، و مع ظهور عالم السلع تغير طابع العمل حيث بدأت ملامح العمل الضائع المغترب، فالتبادل و الفاعلية الإنسانية المميزة إذاً قد خلقت الشروط التي ستصبح نفياً لهذه الفعالية، و العمل سيكف عن كونه تجلياً إنسانياً ليصبح فعالية من أجل الكسب و هنا يفقد العمل طابع الضرورة ليصبح أكثر فأكثر منفصلاً عن الإنسان و عن الأشياء التي يتمرس عمله بها، و بهذه النتيجة تحل العلاقات بين الأشياء مكان العلاقات بين البشر، فالأشياء هي التي تنشئ العلاقات بين أبناء الإنسان، و كلما ازدادت مكانة الأشياء أهمية كلما فٌرغ البشر من مضمونهم الإنساني بحيث ينتهي الإنسان بفعاليته التي أنشئها لأن يكون أسير عالم الأشياء الذي خلقه، يقول ماركس ” كلما كف المنتوج عن أن يكون امتدادا للفرد، كلما أصبح نابعاً لا من تلبية حاجة الفاعلية، بل من رغبة في حيازة منتوج الغير، و كف عن كونه مرتبطاً ارتباطاً وثيقاُ بمنتجه، و بالتالي لم يعد العمل بالضرورة تعبيراً عن الفرد و انعكاساً لشخصيته و إنما أصبح عرضياً بل غريباً عنه ”
ويصف ماركس الملكية الخاصة بأنها تحوي في نفسها كل ضياع الإنسان و عليه يجب إلغاؤها لكي يصل الإنسان أخيراً ماهيته الحقيقية، لأنه و في إطار الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج تتخذ الأشياء دلالة معاكسة، فكل إنسان يجهد لكي يخلق للآخر حاجة جديدة لإرغامه على تضحية جديدة ووضعه في تبعية جديدة، كل يسعى إلى خلق قوة جوهرية غريبة تسيطر على البشر الآخرين ليجد فيها إشباع حاجاته الأنانية الخاصة، و الضياع يظهر في واقع أن وسائلي المعاشية هي ملك لآخر، و ما هو رغبتي يكون بحيازة آخر لا أبلغها تماماً كما يظهر في واقع أن كل شيء هو نفسه غير نفسه، إن فاعليتي هي شيء آخر خارج عني …و أخيراً إن القوة اللاإنسانية هي التي تحكم .
إن الثروة و البروليتاريا نقيضان و بهذا الاعتبار يؤلفان كلاً و كلاهما من تشكيلات عالم الملكية الخاصة، و القضية هي معرفة أي مكان محدد تشغل كل منهما في هذا التناقض، حيث يرى ماركس أن الملكية الخاصة بوصفها تلك مجبرة على إدانة وجودها الخاص و بالتالي أيضاً على إدانة نقيضها البروليتاريا و هي تؤلف الجانب الإيجابي من التناقض، أما البروليتاريا بوصفها تلك فهي على العكس مجبرة أن تزيل نفسها بنفسها و في الوقت نفسه أن تزيل نقيضها التابع له ( الملكية الخاصة ) لتؤلف الجانب السلبي من التناقض، والطبقة المالكة ممثلة بالملكية الخاصة من جهة، و البروليتاريا من جهة أخرى تمثلان الضياع الإنساني نفسه، إلا أن الأولى تجد راحتها بهذا الضياع إذ تلاقي فيه تثبيتاً و تكشف في ضياعها هذا سلطانها الخاص، أما الثانية فتشعر بتلاشيها في هذا الضياع و ترى فيه عجزها وواقع وجودها اللاإنساني، حيث حالة الخٌزي و التمرد الذي يدفع إليه بالضرورة التناقض الذي يجعل طبيعتها الإنسانية تتعارض مع وضعها بالحياة، فالأسلوب الرأسمالي للإنتاج و التراكم يفترض محو الملكية المرتكزة على العمل الخاص أي يفترضان نزع ملكية الشغيل، وما يبيعه العامل ليس عمله مباشرة، بل قوة عمله التي يضعها مؤقتاً تحت تصرف الرأسمالي، ولو سمح ببيع قوة العمل لأمد غير محدود تكون العبودية قد عادت في الحال، و إذا ما تم بيع من هذا القبيل لمدة تستغرق حياة العامل كلها، فإنه يجعل منه في الحال عبداً لرب عمله مدى الحياة، فالرأسمالي – يضيف ماركس – إذ يطيل يوم العمل يكون في وسعه دفع أجور أعلى إلا أنه يتمكن مع ذلك من دفع ثمن أقل لقاء قيمة العمل، و يحدث هذا حين تكون زيادة الأجور لا تتناسب و ازدياد كمية العمل، بهذا تكون صفة المواطن الحر والاعتراف بها ليس شيئاً آخر سوى الاعتراف بالفرد البرجوازي الأناني، و بالحركة الجامحة للعناصر الروحية و المادية التي تشكل مضمون وضعه الاجتماعي، فيتحول المجتمع البرجوازي بأسره لأن يكون مجرد حرب متبادلة بين جميع الأفراد الذين لا يعزلهم عن الأفراد الآخرين سوى فرديتهم فقط، فيغدو كل فرد في هذا المجتمع عضو وعبد فيه بآن واحد كون الفكرة الأساسية التي تسود هذا المجتمع المغترب هي أن العامل موجود من أجل عملية الإنتاج لا العكس، لذلك لا يمكن للعملية التي تنشئ النظام الرأسمالي إلا أن تكون عملية فصل العامل عن ملكية شروط عمله، عملية تحول من جهة وسائل الإنتاج الاجتماعية و وسائل العيش إلى رأسمال و من جهة أخرى تحول المنتجين المباشرين إلى عمال أجراء فتتحول النقود و البضائع مثلها مثل وسائل العيش و الإنتاج إلى رأسمال رغم أنها هي بذاتها ليس رأسمالاً، كون الرأسمال ليس شيئا بل علاقة اجتماعية بين الناس بواسطة الأشياء، فالزنجي هو زنجي و لا يكون رقيقاً إلا في ظروف معينة وآلة غزل القطن هي آلة لغزل القطن لا تصبح رأسمالا ًإلا في ظروف معينة و بدون هذه الظروف لا تكون رأسمالاً شأنها شأن الذهب الذي ليس هو بحد ذاته عملة … ففي عملية تقسيم العمل في نظام الملكية الخاصة يكون لكل إنسان قطاع من نشاط خاص به و محدد و مفروض عليه لا يستطيع الخروج منه، إنه قناص أو صياد أو راع … و عليه أن يبقى كذلك إذا كان لا يريد أن يفقد و سائل وجوده، في حين أنه في المجتمع الشيوعي _ الذي يطرحه ماركس كبديل ضروري للنظام الرأسمالي لإنهاء حالة الاغتراب – لا يكون لكل إنسان قطاع من النشاط خاص به على اعتبار أن المجتمع نفسه يتولى تنظيم الإنتاج، و الانتقال لهذا المجتمع سيصبح انتقالا ضرورياً تخلقه ظروف إنتاج المجتمع الرأسمالي نفسه، فتبعاً لتطور البرجوازية أي تطور رأس المال تتطور البروليتاريا طبقة العمال العصريين الذين لا يعيشون إلا إذا وجدوا عملاً لا يجدونه إلا إذا كان عملهم هذا ينمي الرأسمال، هؤلاء العمال مجبرون على بيع أنفسهم بالمفرّق هم بضاعة و مادة تجارية و كثيراً ما يعانون من كل تقلبات المزاحمة وتموجات السوق، والذين نتيجة تقسيم العمل فقدوا كل صبغة شخصية ليتحولوا إلى ملحق بسيط بالآلة لا يٌطلب منه سوى القيام بعملية بسيطة سهلة التلقين، و بهذا الصدد يقول ماركس ” إن عدم الاقتناء ليس مجرد مقولة إنما هو حقيقة مؤسفة كل الأسف، وحيث أن الإنسان الذي لا يملك شيء لا يساوي شيء، و لما كان الإنسان منقطعاً عن الوجود على وجه العموم و من باب أولى عن الوجود الإنساني و كانت حالة عدم الاقتناء هي الحالة الوحيدة التي تعبر عن الانفصال التام بين الإنسان و حقيقته الموضوعية، فإن هذا الموضوع يجب أن يأخذ المكان الأول من التفكير”.
هكذا يكون العامل سلعة، السلعة الأكثر بؤساً، حيث أن بؤس العامل هو تناسب عكسي مع قوة و عظمة إنتاجه، حيث يزداد العمل فقراً بقدر ما يزداد إنتاجه للثروة و بقدر ما ينمو إنتاجه قوة و حجماً، لذلك فإن تدني قيمة عالم البشر يتناسب عكسياً مع ازدياد تقييم عالم الأشياء، فالعمل هنا لا ينتج سلعاً فقط، و إنما ينتج نفسه و ينتج العامل بوصفه سلعة، فالعمل هنا تَشَخّص و ثٌبّت في الموضوع على نحو ما يسميه ماركس بموضعة العمل حيث العمل نفسه يصير موضوعا ًلا يستطيع العامل السيطرة عليه إلا ببذله أكبر الجهد، فضياع العامل في منتوجه لا يعني فقط أن عمله أصبح موضوعاً خارجياً، بل أن عمله أصبح موجوداً مستقلاً عنه كقوة مستقلة تعمل على إخضاعه، إنه أعطى ما في ذاته إلى العمل الذي أبقاه بلا موضوع، إن العمل الذي هو بالنسبة للإنسان تجل لشخصيته لا يعود بالنسبة للعامل سوى وسيلة للعيش، فهو لا يستطيع أن يحافظ على نفسه كذات فيزيائية إلا بوصفه عاملاً و ليس بوصفه إنساناً، و هنا الإنسان العامل لا يمارس فاعلية طبيعية و ذهنية حرة بل يجلد نفسه و يدمر روحة، لذلك فإن العامل لا يجد نفسه إلا خارج العمل، أما في العمل فيشعر أنه خارج نفسه، إنه حائز على هويته حين لا يعمل و فاقد لها حين يعمل كون عمله ليس طواعية بل قسري، لهذا اقترح ماركس الشيوعية فيقول ” الشيوعية هي الإلغاء الإيجابي للملكية الخاصة، الذي يعني التملك الفعلي للماهية الإنسانية من قبل الإنسان و من أجل الإنسان، أي رجوع الإنسان رجوعاً كاملاً لذاته كإنسان اجتماعي، أي إنساني ” هذه الشيوعية بوصفها طبيعة مكتملة هي إنسانية و بوصفها إنسانية هي مكتملة و طبيعية، إنها الحل الحقيقي للتنافر بين الإنسان و الطبيعة و بين الإنسان و الإنسان و هي الحل الحقيقي للصراع بين الوجود والماهية و بين الحرية و الضرورة و بين الفرد و النوع، و بما أن الضياع الديني الذي تكلم عنه فيورباخ ليس حاصلاً إلا في ميدان الوعي، فإن الضياع الاقتصادي هو ضياع الحياة الواقعية، و النظام الشيوعي يشمل حذف الوجهين الأول و الثاني، فالشيوعية عند ماركس هي الحل الأمثل لتلافي الاغتراب و النزاع بين البشر .
لكن خلط ماركس بين الغربة و الاغتراب هو ما جعله يهمل الجانب الفردي من الموضوع، ذلك أنه من غير المقنع القول أن كافة أشكال الاغتراب تنبع من شكل واحد أساسي و أن من يتحرر من هذا النمط من الاغتراب عن الذات لن يعني بالضرورة التخلص من أشكال الاغتراب، فالشخص الخلاّق ربما يكون بحكم كونه كذلك شخص غير متوافق يضع التقاليد موضع تساؤل أو يخرج عنها، و كلما كانت أصالته أكثر عمقاً كلما ازداد عمق اضطراره للاغتراب عن مجتمعه بغض النظر عن مفاهيم ذلك المجتمع و أنظمته، هذا يقود بالضرورة إلى للمفهوم النفسي الداخلي لنشوء الاغتراب على نحو ما عبر عنه أقطاب التحليل النفسي.
ثانياً – الاغتراب في التحليل النفسي :
1- الاغتراب عند فرويد : إذا كان المنهج الماركسي يفكر و يبحث في الاغتراب من ناحيته الخارجية، فإن منهج التحليل النفسي يبحث في الاغتراب من جانبه الداخلي، إلا أن ما ينبغي التأكيد عليه هو أن التحليل النفسي ليس مجرد علم أكاديمي يختص بحالة فردية معينة كالطب مثلاً الذي يختلف بطريقة جذرية عنه في تقويمه لمفهوم العارض، فالعارض بالنسبة للطب بمثابة جسم غريب يجب اقتلاعه و استئصاله، أما في التحليل النفسي هو الدال على الذات بمفهومها اللاشعوري و لهذا الدال أو العارض ارتباط بسلسلة من الدلائل التي ارتسمت في تاريخ حياته بما تخلل ذلك من أحداث كان من نتيجتها تكوين هوامات و امتثالات لا شعورية أصبحت الموطن الأول المعبر عن رغباته . و من هذا المنطلق بالذات بدأ فرويد، و إذا كان ماركس قد أكد على أن وجود الإنسان هو الذي يحدد وعيه و ليس وعيه هو الذي يحدد وجوده، فإن فرويد جاء ليؤكد على أن الوجود الاجتماعي هو لذي يحدد الشعور و ليس العكس، فالأنا الأعلى هي معطى خارجي يفرض نفسه على الغرائز، هذا المعطى لا يقصد به فرويد مجموعة القوى الاقتصادية الاجتماعية التي تسيطر على الإنسان كما وصفها ماركس، بل هو بصورة رئيسية مجموعة القيود الثقافية و التعاليم و الإرشادات الأخلاقية التي لا تسمح بالظهور الحر لرغبات الفرد اللاواعية، وكما أن الماركسية تعبر عن الوعي الاقتصادي بصيغة قوانين انطلاقاً من استغلال الأكثرية من قبل الأكثرية، كذلك فإن التحليل النفسي هو تعبير عن الوعي بالقمع الجنسي الاجتماعي، لكن الخلاف الجوهري هو أن الاستغلال الماركسي هو استغلال تمارسه طبقة على طبقة أخرى، أما عند فرويد فإن ذلك القمع الجنسي يشمل الطبقتين معاً ذلك القمع و الكبت الذي اعتبره أقدم من ظاهرة الاستغلال الطبقي من حيث منطلق التاريخ البشري.
يذهب فرويد إلى أن الدوافع اللطيفة البنّاءة والمفعمة بالحب لدى الإنسان ليست أولية بل نشأت بصورة ثانوية من ضرورة كبت دوافعه الخبيثة الأصلية، و هو يفهم الحضارة على أنها نتيجة هذا النوع من الكبت، فهو يرى و على خلاف روسو أن الإنسان تتحكم فيه بالأصل دوافع شريرة و كلما نما المجتمع و تطور، كلما مضى في إكراه الإنسان على أن يقمع و يكبت هذه الدوافع حيث يلجأ لآلية تصعيدها، و لكن لما كانت قدرة الإنسان على تكوين ردود فعل تصعيدية محدودة فإن هذا الكبت يبقى غير ذي فاعلية و غير ذي تأثير، حيث تعود الدوافع الأصلية إلى الحياة و تنشط، و بما أنه من الصعوبة إحداث تغيير عميق في تلك الدوافع الأصلية فإن ذلك سيفضي إلى أعراض عصابية هي إحدى محاور الاغتراب النفسي عند الإنسان، يقول فرويد ” إن كل فرد هو بالقوة و بالعرض عدو للحضارة التي هي بالأساس لصالح البشرية قاطبة بوجه عام، و إنه مما يبعث على الاستغراب أن بني الإنسان الذين لا يحسنون الحياة في عزلة و على إنفراد يشعرون مع ذلك بوطأة اضطهاد ثقيلة بحكم التضحيات التي تنتظرها منهم الحضارة حتى تجعل حياتهم المشتركة ممكنة ” من تلك المقولة يٌبرز فرويد أحد جوانب اغتراب الإنسان النفسي من خلال التناقض التاريخي الذي يعانيه بين الواجب المفروض عليه من الحضارة التي تحميه، و بين الرغبة بالتمرد عليها لتحقيق دوافعه الأصلية المقموعة، فهناك تباهي بالحضارة تضاده كره و نفور لا شعوري منها لما تمثله من قوة ضغط و إجبار قسري مهولة، و من هذا المنطلق بالذات تٌطرح ضرورة حماية الحضارة من الفرد، وفي خدمة هذه المهمة تعمل تنظيمات الحضارة و مؤسساتها و شرائعها التي ليس غرضها الأوحد تحقيق توزيع معين للخيرات بل والحفاظ أيضاً عليه و تثبيته و حمايته أمام نزوات البشر العدائية.
فالحضارة عند فرويد قامت بشكل أساسي على مفهوم الكبت الجنسي و نحن نستنبط التعارض بين الحضارة و الجنسية من كون الحب الجنسي هو علاقة بين اثنين لا مجال فيها لشخص ثالث إلا أن يكون متطفلاً أو يلعب دور معكر الصفو، بينما تقتضي الحضارة بالضرورة علاقات بين عدد كبير من الكائنات، هذا التعارض يوجه إلى كبت يٌقابل بعدوانية هي أيضاً متأصلة بالبشر، و بفضل هذه العدوانية الابتدائية التي تؤلب بني الإنسان بعضهم على بعض يجد المجتمع المتحضر نفسه مهدداً باستمرار بالنهب و الدمار، و لا يكفي للمحافظة عليه الاهتمام بالعمل التضامني كون الأهواء الغريزية أقوى من الاهتمامات العقلية، لذلك على الحضارة أن تٌجنّد كل ما في متناولها لكي تحد من العدوانية البشرية عن طريق ردود أفعال ذات طابع أخلاقي إلزامي، و من هنا كان ذلك الاستنفار لطرائق و مناهج تحض بني الإنسان على تماهيات و علاقات حب مكفوفة من حيث الهدف، و من هنا أيضاً هذا التقييد للحياة الجنسية، و من هنا أخيراً كان ظهور المثل الأعلى المفروض على الإنسان بأن يحب قريبه كنفسه، يقول فرويد ” إذا كانت الحضارة تفرض مثل هذه التضحيات الباهظة لا على الجنسية و حسب بل و على العدوانية أيضاً، فإننا نفهم في هذه الحال فهماً أحسن لماذا يعسر على الإنسان غاية العسر أن يجد في ظلها سعادته ” فكل حضارة مٌلزمة بأن تشيد نفسها على الإكراه و على نكران الغرائز، و على خلاف ماركس ينظر فرويد نظرة متشائمة لإمكانية إحلال المساواة التامة التي تنهي حالة الاغتراب كما وصفها ماركس فيقول ” لا ريب أن نسبة مئوية محددة من البشر و بحكم استعداد مرضي أو قوة غريزية مُشتطّة ستبقى أبدأ لا اجتماعية، و لكن إذا ما توصلنا إلى تقليص تعداد الأكثرية المناوئة لثقافة ما حتى تصير أقلية نكون قد فعلنا الكثير، بل و ربما كل ما يٌستطاع فعله ” و سبب صعوبة ذلك هو أن غرائز الإنسان التي تصطدم مع الحضارة هي ليست عوارض اكتسبها الإنسان عبر تطوره التاريخي، بل هي متأصلة في جِبلّة الإنسان كإنسان، و بالتالي فإنه لا المواد نفسها و لا سبل اقتنائها و توزيعها يمكن أن تشكل جوهر الحضارة أو طابعها الأوحد، ذلك أن هذه الموارد و السبل تجد نفسها مهددة بروح التمرد و الظمأ إلى التدمير لدى أولئك الذين يسهمون في نشوء الحضارة و الثقافة، لهذا كان هناك و بشكل دائم إلى جانب الموارد، الوسائل التي تهدف و تٌستخدم للدفاع عن الحضارة كوسائل الردع و القهر و غيرها من الوسائل التي تهدف إلى إصلاح ذات البين بين الإنسان الفردي كغرائز و الإنسان الاجتماعي كثقافة، و إلى تعويض البشر عن تضحياتهم التي تعد بمثابة ركيزة للتراث الروحي للثقافة، و قد اصطلح فرويد على تسمية الحرمان بضرب القسر الذي تمارسه الثقافة لمنع الغرائز الإنسانية من الظهور و لبقاء الإنسان فوق الواقع الحيواني البدائي الذي كان يعيش فيه، فالأخلاق يعيشها الفرد عند فرويد أولاً على صورة تضحية أو عذاب، فهو يضحي بشيء عزيز عليه كغريزته و ذلك للحصول على رضا المجتمع، فالحضارة قامت بتأثير دفع الضروريات الحيوية و على حساب إشباع الغرائز و إنه يعاد خلقها دائماً في جزء كبير منها على النحو نفسه، إذ أن كل فرد جديد يدخل في المجتمع البشري يفرض عليه من أجل الصالح العام التضحية بغرائزه عن طريق كبتها، فالكبت كما يقول فرويد يبدو بأنه أحد أسس تطور البشر الحضاري، حيث تقوم الأديان بدورها في إنجاز شطر من هذا الكبت للغرائز فتحض الفرد على التضحية بملذاته و تقديمها قرباناً للإله، و بالتنازل و التحويل يستخدم الإنسان آلياته لكي يتحرر من سلطان غرائزه الشريرة و الضارة بالمجتمع.
لهذا ليس من قبيل المصادفة أن تكون جميع خصائص البشرية قد عٌزيت إلى الآلهة القديمة، كما لم يكن ضرباً من التناقض مع ذلك ألا يؤذن للإنسان أن يسوغ آثامه بالمثال الإلهي .
إن مبدأ الواقع هو المقابل المثالي لمبدأ اللذة، و هو المقابل الذي ساعد على استمرار الجماعة و ديمومتها الحضارية، فالأنا ترفض الحصول على لذة يتبعها ألم فتتردد بالاختيار بين اللذات، و على أساس هذا الاختيار تنشأ الروابط الاجتماعية، يقول فرويد ” من اليسير أن ندرك أن الأنا هو ذلك الجزء من الهو الذي طرأ عليه تعديل تحت التأثير المباشر للعالم الخارجي بوساطة النسق الإدراكي الشعوري، إنه بنوع ما امتداد للتمايز السطحي، و هو يجاهد أيضاً ليمد تأثير العالم الخارجي إلى الهو و نوازعه، و يسعى إلى إحلال مبدأ الواقع مكان مبدأ اللذة الذي يسود بلا منازع في الهو، فالأنا من هذا المنطلق يشبه في علاقته بالهو الفارس الذي يتعين عليه أن يلجم قوة الحصان العظيمة مع الفارق بأن الفارس يحاول أن يفعل ذلك بقواه الذاتية، بينما الأنا يفعل ذلك بالاستعانة بقوة من مصدر آخر، لهذا السبب بالذات يغدو الأنا هو المظهر الأول و الأساسي لتدعيم دفاعات الحضارة و إعادة التوازن للنفس البشرية مع العالم المحيط ” إن تحقيق الدوافع على عواهلها و بأكبر قدر ممكن من الحرية كان ممكناً إلى حد ما خلال طفولة الجماعة البشرية حيث كان الأمر الأكثر طبيعية عندما كانت الأعراف لم تتخذ بعد شكلاً صلباً، و لكن بعد التطور الحضاري اللاحق لم تلبث هذه الدوافع و أن كٌبتت بفعل سيرورة بوسعنا أن نقارنها بالكبت الفردي، تلك الدوافع لم تتلاشى كلياً بل ظلت موجودة في ثنايا الأسطورة التي أصبحت حلم جماعي ( كما الحلم هو أسطورة فردية )، أي عبارة عن مجموعة من الرموز التي تمر دون أن يفهم الشعب مغزاها الحقيقي أو الكامن المٌعبّر عن نوازع البشرية المكبوتة بقوة، فرغبات الهو الغريزية تعاود الظهور و الولادة مع كل طفل بشري و ثمة طبقة كاملة من الكائنات الإنسانية المصابة بالأمراض العصابية ترد على تلك الضروب من الحرمان بالنفور من الحياة الاجتماعية، و مما يتفق و تطورنا أن الإكراه الخارجي يجري استبطانه شيئاً فشيئاُ إذ تتبناه سلطة نفسية خاصة نسميها الأنا الأعلى التي تعتبر إحدى مكونات الثقافة الاجتماعية المعاصرة، و اشتداد ساعد الأنا الأعلى هو ميراث سيكولوجي رفيع القيمة بالنسبة للثقافة، لذلك نجد بأن معظم الناس ينصاعون للنواهي الثقافية المتعلقة بكبت و قمع المتطلبات الغريزية العدوانية و الجنسية تحت الإكراه الخارجي وحده المحسوس و المهاب الجانب، و هذا ينطبق بدوره أيضاً على تلك المتطلبات الثقافية المسماة بالأخلاقية التي تشمل الناس قاطبةً، فثمة عدد لا يقع تحت الحصر من المتحضرين الذين سيتراجعون مذعورين و لا بد أمام فكرة القتل أو اشتهاء المحارم لكنهم لا يتألبون عن تلبية جشعهم و عدوانيتهم و شهواتهم الجنسية و لا يترددون بإلحاق الأذى بقريبهم بالكذب و الخداع و الافتراء إذا ما أمكن لهم أن يفعلوا ذلك بلا عقاب، لكن ما هذا العقاب؟
إنه عقاب ثنائي خارجي ممثل بالسلطة الاجتماعية و داخلي ممثل بالتربية الصارمة الاجتماعية التي يمثلها الأنا الأعلى الذي هو بالنهاية محصلة لعاملين كلاهما على غاية كبيرة من الأهمية، و احد من طبيعة بيولوجية و آخر من طبيعة تاريخية، و بهذا الصدد يقول فرويد ” لقد قامت الحضارة، و بتطورها تٌلجم عدوانية الإنسان و جنسيته بحيث نتبين أصلين للشعور بالذنب الذي ترسخه الحضارة، أولها القلق حيال السلطة و ثانيها و هو لاحق يتمثل بالقلق إزاء الأنا الأعلى الاجتماعي، الأول يرغم الإنسان على العزوف عن تلبية دوافعه الغريزية، و الثاني و نظراً لاستحالة إخفاء ديمومة الرغبات المحرّمة عن الأنا الأعلى فإنه يدفع الإنسان فوق ذلك إلى إنزال العقاب على نفسه، و بهذا يكون قد تمت استعاضة و مقايضة تعاسة خارجية متوَعّدة كخسارة حب السلطة الخارجية و القصاص الذي تنزله، بتعاسة داخلية متواصلة تعبّر عن نفسها بتوتر داخلي ملازم للشعور بالذنب ” فتمايز الأنا الأعلى عن الأنا لم يكن بمحض الصدفة، بل هو يحمل أبرز سمات تطور الفرد و تطور النوع، و إن كان هذا التمايز يٌعطي تعبيراً دائماً لتأثير الوالدين فإن فيه بحد ذاته تأييداً لوجود العوامل التي يدين لها بنشأته، فالأنا الأعلى حسب فرويد سيحفظ طبع الأب، و بقدر ما كانت عقدة أوديب قوية، و بقدر ما تم كبتها بسرعة تحت تأثير السلطة و التوجيه الديني و التعليم و المطالعات تكون سيطرة الأنا الأعلى على الأنا أشد وطأة في المستقبل في صورة الضمير بل وفي صورة الإحساس اللاشعوري بالذنب، حيث يتحول الأنا الأعلى إلى وكيل للأخلاق، وإلى رمزية ضمن نفسية لتلك المثل الثقافية و التحريمات التي يفرضها الوالدان الممثلان لعادات و مٌثل الحضارة المفروضة على الطفل، و من هذا المنطلق حلل فرويد مفهومه للاغتراب النفسي المفروض من الحضارة، فلئن تكن الحضارة هي الطريق الوحيد الذي لا غنى عنه للارتقاء من الأسرة إلى البشرية، فإن ذلك التعزيز يكون عندئذ مرتبط ارتبطاً وثيقاً بمسارها من حيث أنه نتيجة لصراع الازدواجية الذي تولد فيه و عليه، و للخصومة السرمدية بين الحب و الرغبة بالتدمير و الموت.
و لعل توتر ذلك الشعور المتناقض سيبلغ ذات يوم بفضل الحضارة مستوى شاهق الارتفاع فلا يعود في مكنة المرء أن يطيقه إلا ببالغ الصعوبة لأن هذا النجاح التعزيزي للكبت سيكون على حساب انقسام للأنا، هذا الانقسام الذي لا يندمل أبداً بل يزداد مع مرور الوقت، حيث لا مناص من أن تتناحر سيرورتا التطور الفردي الذي يهدف للسعادة الشخصية و التطور الحضاري الذي يهدف إلى الاتحاد مع كائنات إنسانية أخرى، و من أن تختصما على مواقعهما عند كل لقاء، من ذلك يقول فرويد ” لقد قصدنا رغم كل شيء أن نصور الشعور بالذنب على أنه المشكلة الرئيسية لتطور الحضارة، و أن نبين فضلاً عن ذلك لماذا يتوجب دفع فاتورة تقدم هذه الأخيرة بنقصان في السعادة “، فالإنسان منقسم بل و يبدو أقرب للممزق ضمن نزاع لا هوادة فيه ضمن التفاعل مع الحضارة، حيث يبدو مسرحاً للتصادمات و الصراعات بين قواه النفسية التي تعبر عن نفسها في داخل الفرد و من خلال علاقاته مع المحيط، فهناك الهو الغريزي و الأناني و الجنسي و العدواني إطلاقاً، والأنا الذي يجاهد لكي يكون أخلاقي اجتماعي مهذب، و الأنا الأعلى الذي يمكن أن يصير مفرطا في أخلاقيته لدرجة يكون قاسياً كقسوة غرائز الهو العدوانية، و من هذا الجانب يتبدى لنا اغتراب الأنا المسكين و ضياعه حيث يتعين عليه أن يخدم سادة ثلاث متنازعين متناقضين و أن يعيش تبعاً لذلك تحت تهديد خطر ثلاثي يتمثل جانب منه من العالم الخارجي و جانب آخر من ليبيدو الهو و غرائزه و جانب ثالث من صرامة الأنا الأعلى، و ما ينشأ عن ذلك من حصر و قلق عماده الإنسحاب أمام الخطر.
لذلك يرى فرويد أن حياتنا كما هي مفروضة علينا ثقيلة الوطء و تغل أعناقنا بكثرة كثيرة من المشاق و الخيبات و المهام كأداء، و حتى نستطيع لها احتمالاً فلا غنى لنا عن مسكنات التي يرجعها فرويد إلى ثلاثة أنواع : أولها إلهيات قوية تتيح لنا أن نعتبر بؤسنا هيناً أمره، و ثانيها تلبيات بديلة تخفف من وطأته، و ثالثها مخدرات تفقدنا الإحساس به، و ليس لنا عن واحدة على الأقل من هذه الوسائل غناء.
أما الشعور النرجسي بالرضا و الارتياح المتولد عن المثل الأعلى الثقافي فإنه يشكل واحدة من القوى التي توازن و تعوض على نحو ناجع العداء للحضارة داخل الجماعة الثقافية بالذات حيث يقول فرويد معارضاً ماركس مرة أخرى بأن ليس الطبقات صاحبة الامتيازات من هذه الثقافة أو تلك هي وحدها التي تستطيع المشاركة فيها، و إنما المضطهدون أيضاً الذين يعوضهم الحق في احتقار أولئك الذين لا ينتمون إلى حضارتهم عن الإجحاف الذي يكابدونه في جماعتهم بالذات، و من الممكن للمضطهدين علاوة على ذلك أن يكونوا على ارتباط عاطفي بأولئك الذين يضطهدوهم، و أن يروا في سادتهم بالرغم من كراهيتهم لهم مثلهم الأعلى، و لو لم تكن مثل هذه العلاقات الباعثة على الرضا و الارتياح في صميم الأمر موجودة لما أمكن لنا أن نفهم – حسب فرويد – كيف استطاع عدد كبير من الحضارات أن يدوم و يعمر طويلاً بالرغم من عداء المجموع الذي له ما يبرره و يسوغه.
والدين عند فرويد هو محاولة أنسنة الطبيعة ووحشيتها التي لا تقهر بالنسبة للإنسان، والإنسان قام مع الزمن بتجريد قوى الطبيعة من سماتها و قسماتها الإنسانية، و لكن مع ذلك تبقى الضائقة البشرية كما هي، و يبقى معها الحنين إلى الأب أو الآلهة ( التي هي كبديل رمزي عن الأب المفقود لدى فرويد ) التي تحتفظ بمهمة ثلاثية يٌفترض أن تؤديها، فهي أولاً تقوم بتعزيم قوى الطبيعة و هي ثانياُ تصالحنا مع قسوة الأقدار كما يتجلى ذلك في الموت بشكل خاص، و هي أخيراً تعوضنا عن الآلام و الأوجاع و ضروب الحرمان التي تفرضها علينا حياة المدنيين المشتركة، و بتلك التصورات الدينية يشعر الإنسان بأنه محمي من جانبين، من العالم الخارجي و أخطار الطبيعة و القدر، و من الأضرار التي يتسبب فيها المجتمع الإنساني و قمع الثقافة، و بشكل عام ينظر فرويد إلى الأفكار الدينية التي تطرح نفسها كمعتقدات بأنها ليست خلاصة التجربة أو النتيجة النهائية للتعامل أو التفكير، و إنما هي تحقيق لأقدم رغبات البشرية و أقواها و أشدها إلحاحاً، و يكمن سر قوتها في هذه الرغبات، فالإحساس المرعب بالضائقة الطفلية أيقظ الحاجة إلى الحماية التي مثلها الأب، و إدراك الإنسان أن هذه الضائقة تدوم الحياة كلها جعله يتشبث بأب أعظم قوة و أشد بأساً من خلال التفكير بالسلطان الرفيق و العطوف للعناية الإلهية، و بما أن الدوافع الغريزية هي أكثر قوة في الإنسان من الدوافع العقلية فإن ذرية البشر كانوا سيستمرون إلى اليوم في إفناء بعضهم البعض بلا رادع لو لم تؤد إحدى الجرائم ( قتل الأب ) إلى رد فعل انفعالي جامح و مثقل بالنتائج المحملة بالذنب و التي نتج عنها المثال الأخلاقي ( لا تقتل )، تلك الوصية التي كانت تقتصر في ظل الطوطمية على الحيوان البديل عن الأب ثم اتسع نطاقها فيما بعد لتشمل الغير، و التي لا تزال إلى اليوم عرضة للانتهاك بين حين و آخر، و على ذلك فإن تراث الأفكار الدينية لا ينطوي على تحقيق لرغبات و حسب، بل أيضاً على تذكيرات تاريخية هامة . و يقدم فرويد نظرة قد تبدو قريبة من نظرة ماركس بخصوص الدين حين يقول ” لا شك في أن الإنسان سيتوصل يوم يقطع رجاءه من عالم الغيب أو يركز كل طاقاته المحررة على الحياة الأرضية إلى أن يجعل الحياة قابلة للاحتمال من قبل الجميع، و لن تسحق الحضارة بعدئذ أحد “.
لكن فرويد يطرح نظرة أكثر تشاؤماً في محاولة تجاوز حالة الضياع التي اعتبرها من المكونات الجبلية للإنسان، و ليست نتيجة ظروف خارجية يمكن تغييرها، لذلك فإن حل مشكلة الإنسان يقتصر على نطاق محدود لا يتجاوز المفهوم الشخصي، حيث يقول ” إذا كان البرنامج الذي يفرضه علينا مبدأ اللذة و الذي قوامه أن نكون سعداء برنامج غير قابل للتحقيق، فإنه من الممكن لنا مع ذلك ألا ننكص عن أي مجهود يرمي إلى تقريبنا من تحقيقه، و يمكننا وصولاً إلى ذلك أن نسلك طرقاً عدة شديدة الاختلاف تبعاً للجانب الذي نعطيه الأولوية منه، أللجانب الإيجابي أي الفوز بالمتعة، أم للجانب السلبي أي تماشي مع الألم، لكننا نعجز مهما جهدنا عن تحقيق كل ما نتمناه بأي طريق من تلك الطرق، حيث السعادة بهذا المعنى لا يمكن أن تكون إلا نسبية، لذلك فلا وجود هنا لنصيحة تصلح للجميع، بل يتوجب على كل امرئ أن يبحث بنفسه عن الكيفية التي يمكنه بها أن يغدو سعيداً ” فقد أدرك فرويد إدراكاً واضحاً لا لبس فيه أن الإنسان عبارة عن بسط جدلي للتناقض بين الطبيعة ممثلة بالاندفاعات الفيزيولوجية النفسية، و بين المجتمع ممثلاً بالضغوط النفسية الاجتماعية التي بلغت درجة من التبطّن فتح من خلالها طريقين للتحليل النفسي، طريق إعادة تلاؤم الفرد مع المجتمع المحيط به، و طريق تحرير الطاقات النفسية التي ينبغي لها أن تتيح للأفراد خلق حياة اجتماعية جديدة، لكن بالمقابل نجد أن محللين نفسيين هم تلامذة لفرويد رفضوا الانطلاق من مفهوم النفس المبنية من الداخل _ داخل الأنا الفردية، والأنا الأعلى عندهم لم يكن يفرض من خارج الذات بل من داخلها، فالأخلاق تعبر عن رغبة عميقة للأنا، و ليس عن قسر ميكانيكي لأمر أو تنبيه خارجي، و هذا ما انطلق منه فروم كما سوف نرى.
2- الاغتراب عند فروم : بداية، يعارض فروم كل من مفهومي فرويد و يونغ للاشعور فهو ليس عالم يونغ الأسطوري بتجاربه و خبراته المستمدة من تاريخ الأجناس، و لا موطن فرويد للقوى الليبيدية غير المعقولة، بل يجب أن نفهمه تبع المبدأ القائل ” إن ما نفكر به و نحسه يتأثر بما نفعله ” فالشعور هو الفاعلية النفسية في حالة وجودنا الذي ننشغل فيه بالعالم الخارجي على نحو عملي، و اللاشعور هو الخبرة النفسية في حالة وجودنا الذي قطعنا فيه كل الروابط مع العالم الخارجي و لم نعد توخى العمل أو النشاط أو الفعالية، و إنما التفرغ لأنفسنا ليس غير، و بذلك يرتبط اللاشعور عند فروم بحالة خاصة من حالات وجودنا هي حالة اللافعالية، بالراحة من عبء العالم الخارجي و بالمواجهة مع الذات.
من هذا التأويل الخاص انطلق فروم بتحليل الاغتراب محاولاً تبني منهج تحليلي نفسي وماركسي بآن واحد فيقول ” إن تطور المدنية البرجوازية يرافقه نشوء عدد من التناقضات، فحين يوسع الإنسان حريته يقع تحت عبئها، و بابتعاده عن الدين و تقديس الآلهة يكون قد خلق لنفسه أقانيم جديدة، و بتجاوزه لبعض أشكال للاغتراب يصبح الإنسان أكثر اغتراباً، سواءً أكان عن نتاج عمله، أم عن الآخرين، أم عن نفسه، مما يولد لديه عدم المبالاة و الاكتراث بالحياة و حنيناً لأوهام الماضي للاندماج بالطبيعة فاقداً لفرديته و تفرده ككائن بشري ” لذلك فإن حرية الإنسان و اغترابه هما عند فروم قطبان لعملية تاريخية واحدة من تطور المدنية الإنسانية، حيث الناس في المجتمع البرجوازي يتحولون إلى آلات دون أن يستطيعوا اكتساب الروح الفردية الحقيقية مكتفين بالمحافظة على وهم الوجود الإبداعي المثمر، فيعيش الإنسان غريب عن نفسه حيث لا يعود يعيش نفسه كمركز للعالم و كمحرك لأفعاله، بل أفعاله و نتائجها هي التي أصبحت سادته الذين يطيعهم و الذين قد يعبدهم، فالإنسان يشعر بالعزلة والوحدة لأنه انفصل عن الطبيعة و عن بقية البشر، و ما الاضطراب النفسي إلا هروب من الحرية و إلقاء الإنسان تبعة نفسه على غيره، ففروم لا يقبل بالتقسيم الفرويدي للعصاب بوصفه نتاجاً للصراع الداخلي الدائر بين غرائز الهو و صرامة الأنا الأعلى و اجتماعية الأنا، و إنما يرى فروم أن ذلك الصراع يكون صراع من نوع آخر، كالحافز إلى الخضوع اللامتناهي للسلطة و القهر و الإجبار على الانصياع، و بالتالي فالسبب هو مساوئ النظام الرأسمالي حيث يعرض المجتمع على الإنسان مطالب تنافي طبيعته فيحبطه و يقيده و يجعله غريباً عن موقفه الإنساني، لكن عند فروم ليس فقط الرأسمالية هي سبب ذلك الضياع، بل يشترك معه في ذلك النظام الشيوعي الذي يحول الإنسان إلى آلة من آلات المجتمع و عبدا مأجوراً للدولة مجرداً من الهوية الأمر الذي كثيراً ما تدفعه إلى الجنون، و إلى الأفعال المعادية للمجتمع أو المدمرة للذات و بذلك تحول نقده من النظام السياسي إلى التنظيم الاجتماعي للحضارة حيث يقول ” إن السمات الشخصية التي يخلقها و ينميها نظامنا الاقتصادي كالطبقات و الجشع و الاستغلال، و نظامنا الاجتماعي كالأسلوب الاستهلاكي و الآلي الرتيب في الحياة، هي سمات مٌمّرضة، و من ثم فهي تخلق إنساناً مريضاً، فمجتمعاً مريضاً ” و هذا الأمر يترتب عليه هروب الإنسان من نفسه الفارغة -أو المٌفرّغة إن جاز التعبير – و من حريته إلى سلطة خارجية ليس شرطاً أن تكون سياسية بل ربما تكون سلطة العادات و التقاليد أو الأخلاق … حيث لم يعد الإنسان حراً حتى في قراراته التي يعتقد واهماً بأنها من اختياره في حين أنها مفروضة عليه من الخارج، فقد أقنعنا أنفسنا بأننا نحن الذين نصنع القرار بينما نحن في الحقيقة نتطابق مع توقعات الآخرين منساقين بالخوف من العزلة و بتهديدات أكثر مباشرة إزاء حياتنا وواقعنا و حريتنا، لذلك تتحول أفعالنا إلى أفعال زائفة لا تعبر عن ذواتنا الحقيقية بل أصبحنا مجرد أدوات لاقترافها.
و يوجد عند فروم ارتباط وثيق بين اغتراب الإنسان عن الطبيعة و اغترابه عن الآخرين و في بعض الأحيان يذهب إلى تطابق الأمرين معاً، وغالباً ما يتحدث عن ثقافتنا و مجتمعنا باعتبارهما مغتربين، فهيكلية المجتمع أقيمت على نحو يميل معه إلى جعل الأفراد مغتربين بطرق مختلفة، فمصدر الاغتراب هو الهيكل الاقتصادي السياسي المعاصر باعتباره خللاً يعود إلى الهيكل الاجتماعي، و هو يرى بأن اغتراب الإنسان لا يمكن أن يتضمن تحقيق الوحدة مع المجتمع كما يرى هيجل الذي أكد على أن الإنسان يمكنه أن يحقق طبيعته الجوهرية و حسب إذا ما حقق الكلية التي تتضمن تقييد عفويته و فرديته، في حين نجد فروم يٌعرب عن شكواه من أن الإنسان المعاصر يعاني من قصور في العضوية و الفردية على نحو يبدو أنه لا يمكن علاجه، ومع ذلك فالاغتراب عن الذات بالنسبة لفروم و كما هو الحال بالنسبة لهيجل و ماركس يمكن تفسيره من خلال التباعد بين النحو الذي يعيش عليه المرء والكيفية التي ينبغي أن يكون عليها، فاغتراب المرء عن ذاته يعني إخفاقه في أن يكون نوعية الذات التي ينبغي أن يكون عليها، حيث تنعدم الصلة بين الفرد و جزء حيوي و عميق من نفسه لابتعاده عن اختياره الحر، كما تنعدم الصلة عن قيم المجتمع بسبب انعدام تفاعل الفرد عاطفياً و فكرياً كما يحصل في اغتراب بعض المثقفين عن مجتمعاتهم التي يحيون بها، ففي النشاط المغترب لا أشعر بنفسي فاعلاً لنشاطي، بل أنا بالأحرى لا أشعر بنتاج هذا النشاط إلا كشيء بعيد و منفصل عني و جاثم فوقي، فلا أجد نفسي فاعلاً و إنما منفعل واقع تحت فعل القوى الخارجية و الداخلية التي تفصلني عن نتاج عملي، و من الحالات العصابية المعروفة الناتجة عن هذا الانفصال نجد العصاب الوسواسي القهري، الذي يدفع الشخص بدافع داخلي قوي ليقوم ببعض الأعمال ضد إرادتهم الخاصة كعد درجات السلم أو تكرار بعض العبارات و الجمل أو القيام بطقوس يومية معينة دون القدرة على فهم السبب أو الدافع للقيام بهذه الأفعال و دون القدرة على مواجهة هذه الدوافع القاهرة للإرادة، فيقول فروم ” أنا في النشاط غير المغترب أشعر بأني فاعل لنشاطي، النشاط غير المغترب هو عملية ولادة و إنتاج شيء و علاقتي تكون موصولة بالشيء الذي أنتجه، فعملي هو نتاج طاقاتي و تجلِ لقدراتي، بحيث أصبح و قدراتي شيئا واحدا و كيانا واحدا، وهنا يكون العمل مثمراً، أما في العمل المغترب فإني لا أشعر بهذا التجلي بل تكون نتاجاتي خارجة عني بعيدة و لا تربطني بها صلة ” و أزمة الهوية في المجتمع الحديث ناتجة عن حقيقة أن أعضاء هذا المجتمع أصبحوا أدوات بلا ذوات يستمدون هويتهم فحسب من العمل في إحدى الشركات الكبيرة أو من امتلاكهم أفضل وسائل الرفاهية الظاهرة أو بإظهارهم لبعض الصفات المحببة و المقبولة اجتماعياً كالمرح و الطموح و المعرفة.. بحيث تحول الأمر إلى سوق للشخصيات كسوق السلع و حيث لا وجود لذات حقيقية يستحيل وجود هوية.
هذا ما يسميه فروم باغتراب التكنولوجيا فيقول بأن الإنسان في بحثه عن الحقيقة العلمية قد نظم من المعارف ما كان بوسعه استخدامه من أجل السيطرة على الطبيعة، و قد حصل على نجاحات هائلة، لكنه بإصراره على التقنية و على القيم المادية فقد ليس فقط الإيمان الديني و القيم الإنسانية، بل و القدرة كذلك على الإحساس بالانفعالات العميقة و بالفرح و الحزن اللذين يرافقانهما، فاعتمد على الاستهلاك المادي و فقد الاحتكاك بنفسه و بالحياة و أصبحت الآلة التي بناها من القوة بحيث ولدت برنامجه الخاص و حددت مساره، لذلك يرى بأن الدين نفسه انحرف عن مساره الطبيعي بسيطرة الآلة فيقول ” خلف الواجهة المسيحية نشأ دين سري جديد بدأه لوثر، هو الدين الصناعي و جذوره مغروسة في بنية الشخصية في المجتمع الحديث، و إن يكن غير معترف به كدين، و الدين الصناعي متعارض مع المسيحية الحقيقية إذ ينحدر بالإنسان إلى خادم للاقتصاد و الآلة التي صنعها بيده ”
و كمقابل موضوعي لإنهاء حالة الاغتراب يطرح فروم مفهوم الكينونة كمقابل لمفهوم التملك قائلاً بأنه لا يمكن أن ينمو نمط الكينونة إلا بقدر ما يتقلص نمط التملك الذي هو نمط اللاكينونة، إن الأمر يتطلب نبذ الأنانية و حب الذات ” بحيث يتحول نمط الامتلاك إلى نمط التعمق و الالتحام فمثلاً ينتقد فروم النظام التعليمي الحالي القائم على تدريب الناس على الحصول على معارف كممتلكات شخصية تتناسب قدر الامكان مع ما ينتظر أن يحصلوا عليه في حياتهم من ممتلكات مادية و مكانه اجتماعية، بحيث تكون مدارسنا ليست في الحقيقة إلا مصانع تنتج فيها معلومات معلّبة، و للانتقال إلى نمط الكينونة يقترح فروم جملة أولية من المبادئ تذكرنا بمبادئ بوذا هي :
1- المعاناة مع الوعي بأننا نعاني .
2- الكشف عن الأصل في الحالة السيئة التي نعانيها .
3- أن نؤمن بأن ثمة مخرج من حالنا تلك .
4- أن نقبل فكرة أنه لكي نتجاوز تلك الحالة فإنه يجب علينا أن نتبع طرائق معينة في المعيشة و أن نغير ممارساتنا الحياتية الراهنة.
هكذا يقترح فروم تجاوز الاغتراب بإعادة تنظيم الوعي الإنساني على صعيد الذات و المجموع متبنياً منهجاً نفسياً لتجاوز حالة فسرها بالعوامل الاقتصادية و الاجتماعية للعصر الحديث، حيث تظهر محاولته التوفيقية بين الماركسية و التحليل النفسي و اللاهوت، فيقول ” إن البنية الاقتصادية و البنية الشخصية و البنية الدينية، هذه كلها مقولات مترابطة لا تنفصل إحداها عن الأخرى، و إذا حدث و كان النظام الديني غي متجاوب مع الشخصية الاجتماعية السائدة، و في تعارض مع الممارسة الاجتماعية للحياة، فإنه لن يكون إلا إيديولوجيا، و علينا إذ ذاك أن نبحث وراءه عن البناء الديني الحقيقي ….. إلا إذا فعلت الطاقات الإنسانية فعلها المٌفجّر و عملت على إضعاف و زعزعة الأوضاع الاجتماعية و الاقتصادية ” تلك النظرة التوفيقية التي لم يفلح فيها بشكل كبير قادته إلى مفهوم بالغ العمومية جعلته ينسب الاغتراب إلى كل مناحي الحياة حتى بأدق تفاصيلها، و رغم التوضيحات العامة التي قدمها فيما يخص علاقة الإنسان بنفسه و بالمجتمع، إلا أن استخدامه لمفهوم الاغتراب على هذا النحو البالغ العمومية لكل نواحي الحياة التي لا يراها كما يجب جعل من النتائج التي توصل إليها عرضة للخلط و الغموض أكثر منها للإيضاح، و يقول شاخت في هذا الصدد ” ربما كان فروم قد ساعد على جعل كلمة الاغتراب لفظاً مألوفاً، لكن على يديه كف هذا الاصطلاح على أن يكون ذا نفع في مناقشة جادة للمشاكل التي تعنيه “.
من خلال هذا الاستعراض العام للمحاور الأساسية التي نوقشت من خلالها مشكلة الاغتراب يمكننا الاستنتاج بأن تلك المشكلة تدخل في نسيج واقعنا الإنساني والاجتماعي والنفسي، و إن كنا لا نعيها بشكل مباشر، إلا أنّ فعلها يبقى مؤثراً وجوهرياً في مجتمعاتنا الاستهلاكية، و ما المحاولات التي بٌذلت من أجل إيضاحها إلا تعبيراً بسيطاً عن جوهر الإنسان و مقدار ما يمكن لظروف معينة – قد نصنعها أو لا نصنعها لكنا بالتأكيد لا نعيها _ أن تبعدنا عن هذا الجوهر الذي هو نحن بالتحقيق.