
1-“… يمكن القول إن ما هو كائن في سوريا عبارة عن مكتسبات علمانية، يعود السبب الأول في وجودها إلى تعدد الأديان والطوائف والإثنيات المكونة للمجتمع السوري”.
2-” العلمانية لم تكن متجذرة ذات يوم في بنية المجتمع السوري، بمعنى أن الأقليات الدينية والإثنية كانت تتمترس خلف العلمانية……! بهذا المعنى نجد أن العلمانيين من خلفيات إسلامية هم أكثر صدقاً في علمانيتهم من أولئك الذين هم من خلفيات أقلوية(الكلام هنا ينطوي على استثناءات بالتأكيد) “.
3- “…. وحالات الزواج التي رصدتُ بعضها في صفوف العلمانيين كان أغلبها نتاج مكابرة أو مصلحة مادية، أو نزوة عاطفية من قبل هذه الفتاة أو ذلك الشاب، أكثر من كونه ناتجاً عن قناعة راسخة..”بماذا؟!”. وهذا لا ينفي بحال من الأحوال أن الكثير من حالات الزواج كانت تتم عن قناعة ورضا من قبل الطرفين وحتى من قبل أهل الطرفين كذلك، لاسيما في خمسينات القرن الماضي وستيناته.
في النص المقتبسة منه الفقرات أعلاه والمعنون بـ” لمحة عن الزواج بين الطوائف السورية”، وهو للصديق أبي حسن (نشر بموقع الأوان) محاولة للبناء فوق انطباعات بعضها قريب مما يجري للعلمانية في سورية, وبعضها مضلل..ليس حال الزواج المختلط في الخمسينات والستينات أفضل منه الآن،العكس هو الصحيح..ربما كان للمشروع الاقتصادي -الاجتماعي الذي حملته “النخبة القومية – الاشتراكية” آنذاك فحملها إلى السلطة, وما آل إليه راهنا, حصة كبيرة في إنتاج خطاب الحنين إلى عقدي الخمسينات والستينات, بوجهه الآخر الهجائي للحاضر المتكور على أزمته, كخطاب سائد الآن في الأوساط الثقافية اليسارية..ليست سياسات التملق التي تضطر إليها النخب الحاكمة الآن”وريثة فورة الخمسينات القومية – الاشتراكية ” حيال ما تصنفه هي “كمعسر اعتدال” إسلامي, سوى لعبة تذاكي من الطرفين على بعضهما البعض ..هي خطرة بمقدار ما ’تراكم على مجنباتها من وقائع جديدة على الأرض..أرض السياسات التعليمية, والبنية القانونية للدولة, والمرجعية الأيديولوجية:القومية –الاشتراكية للنظام هنا أو هناك..ما يجب إعادة النظر فيه داخل الصف العلماني العريض, هو أن التمركز على السياسة قد فتح الطريق على طمس تخوم التمايزات في الحقل الأيديولوجي داخل القطاع النشط سياسيا من الاجتماع السوري..فـ “الشراكة السياسية العابرة للتخوم الأيديولوجية التي توصل إليها المشاركون في إعلان دمشق “على سبيل المثال,وما يضاهيها على المقلب الآخر من المعادلة: شراكة التعاون بين “السلطة العلمانية – بعض المشايخ “,تشير إلى هبوط التحالفات السياسية إلى مستوى الحرتقة……
فدوران الجميع داخل الأزمة”السلطة /المعارضة العلمانية ” ينتج فكر نكاية لا فكرا سياسيا..وربما ستتسلل من هذه النافذة العاصفة الأصولية التي تدوي في أرجاء المنطقة.. فمن مفارقات التجربة التحديثية في المنطقة العربية أن العلمانية قد وجدت ممانعة في الريف أقل مما وجدت في المدينة. نظرا لأن المجينة قد احتفظت للتقليد ببنيته التحتية الأكثر تماسكا “بيوت العبادة – المدارس الدينية -السلالات الشريفة – الفقهاء-الوقوف الإسلامية..الخ” أما ما يشير إليه أبّي حسن عن تمترس الأقليات وراء العلمانية فيصدر في الأغلب عن طهرا نية ثقافية تقدس في الأفكار محتواها المعرفي . وترى في توظيفاتها السياسية أو الأيديولوجية دنسا ً يحط من قيمتها ..لقد ظهرت العلمانية كأفق فكري مختلف عن الأفق الديني. ثم تحولت إلى أيديولوجية عابرة لتخوم الأيديولوجيات المذهبية في أوربا المسيحية, وكمخرج من دوامة الصراع الديني الذي استنقعت فيه الجدلية الاجتماعية لأوربا الإقطاعية..
ولم يقيض للعلمانية أن تتحول إلى ثقافة مهيمنة” أيديولوجيا ” لو لم تتلاق مع مصالح قوى وشرائح تحولت مع الوقت إلى حامل اجتماعي للعلمنة.حوامل اجتماعية التقطت من العلمانية توظيفاتها في الصراع من أجل تحسين شرطها السياسي أو الاقتصادي أو كليهما معا..و.. بمعزل عن هضمها وتمثلها للجانب المعرفي من العلمنة..ولذلك لا معنى لأحكام القيمة الموجهة للمصداقية العلمانية لهذه الفئة الدينية أو تلك خارج النطاق الشخصي.. وأظنه قصد ذلك..لقد ساعد التنوع الديني في شطر من العالم العربي , على إيجاد موطئ قدم اجتماعي للعلمنة ..ولكنه في المرحلة التالية تحول إلى عبء عليها..فحيث تم استنفار الأيديولوجية الدينية كخط دفاع عن الحق في المشاركة السياسية, انتقل الإستنفار إلى باقي الطوائف..مما وضع العلمانية في مأزق لجهة استكمال تحولها إلى أيديولوجيا مهيمنة..يكفي الإطلالة على واقع الأحزاب القومية والوطنية والشيوعية لجهة مستوى جاذبيتها الجماهيرية..
الطابع الديني للاحتجاج السياسي لم يهيمن فقط لأنه شغل فراغا تركته الأيديولوجيات العلمانية. بل وأيضا لأنه يملك تخوما للتمايز أكثر وضوحاً, وفيضاً من الرأسمال الرمزي تحت اليد وسهل التداول جماهيرياً..بهذا المعنى يمكن القول” أن العلمانية لم تكن متجذرة في بنية المجتمع السوري”لا لأن الأقليات “تمترست خلف العلمانية “ذلك يؤكده أن تحول الطوائف”أقليات وأكثرية” إلى بلوكات سياسية يجري بنفس الوتيرة والزخم..
لم تتجذر العلمانية لأن نقدا كافيا للدين كنسق معرفي وكتوظيفات له في مختلف الأنشطة البشرية, وأولها وأخطرها السياسة لكثرة تعشق مسنناتها مع باقي مسننات البنية الاجتماعية – الاقتصادية..وهو نقد لم تسمح به السلطات “العلمانية ” في مرحلتي القوة والضعف..ولم تتحمس له الانتلجنسيا الملتحقة باستراتيجيات هذه السلطات “العلمانية “…ولا تلك التي فضلت الاحتفاظ باستقلاليتها..إلا أن ما يدعو للتفاؤل: أن النقد العلماني للدين المنتج في عهد الرخاء أقل كما وتمكنا معرفيا مما ينتج في عهد الشدة الراهن..ولقد منحت ثورة الالكترونيات لهذا النقد منابر لم يكن يحلم بها وبنية تحتية نافذة, لجهة توصيل ونشر اللا مفكر فيه أو غير المسموح التفكير فيه ..
أما التشاؤم المبني على التفوق المالي للطرف الآخر لجهة القدرة على تغطية كلفة البنية التحتية “فضائيات, ومواقع الكترونية, ومطابع..الخ ” فسيعدله التفوق في المعنى الذي تراكمه الانتلجنسيا العلمانية في العالم العربي –الإسلامي من جهة..و من جهة أخرى:التماس الذي تتسع تخومه بين النخب الاقتصادية في العالم العربي والخطاب العلماني, في سياق يحفزه الاستيقاظ المتواتر لهذه النخب على الشطر الوظيفي للعلمانية..
مستقبل العلمانية في العالم العربي-الإسلامي تنحته في هذا الوقت وظيفتها أكثر منه جانبها المعرفي على أهميته التي ستتصاعد لا حقا للتحصين ضد النكسة..