
منذ ميلادها والفلسفة لم تستطع الخروج عن سلسلة من الأسئلة النمطية من قبيل : “ما الذي أعرفه؟ “أو”من أكون؟” و”ما الذي بوسعي أن أعرفه؟ “بل و”ما الذي يمكنني أن آمله؟” وأحيانا أخرى “ما الذي علي أن أفعله؟” وهي أسئلة غالبا ما تُوجَز وتُخْتَصَر في سؤال : “ما الإنسان؟” وقد تنضاف إلى هذه القائمة أسئلة أخرى على مقاس “لماذا هنالك وجود بدلا من عدم؟”.
وسعيا منها إلى الجواب عن هذه الأسئلة، نورد دونما ترتيب الردود التالية: “الذات هي آخر” “الأنا ملعون”، “اللاوجود موجود”…إلخ، وهي ردود، تكاد تشفي غليل كل أولئك الذين يفضلون الكلام عن الصمت، والمقمقة (الكلام المنبعث من البطن) عن السكوت، مادام أن السلاح الوحيد الذي كان يعتمده أغلبية الفلاسفة في تناولهم لمثل هذه الإشكالات إنما هو البلاغة والخطابة لا غير.
لكن ما أضحى يتأكد اليوم إنما هو كون رهان الفكر لم يعد في شيء يتوقف على القواعد النحوية أو حبكة الاستعارات الجميلة، ولا على الألفاظ والكلمات الرنانة، أكثر مما يتوقف على وقائع بعينها وأفعال بحذافيرها. ذلك أن الطب مافتئ، في الوقت الذي يُبَشِّر فيه البعض بولوجنا عصر نهاية الخطابات وموت الفلسفة وسيادة العدمية السلبية وعودة الديني، يفتح أمامنا إمكانا غير مسبوق لانعتاق الفكر وتحرره من براثن تجار الماورائيات، لتنقلب الآية رأسا على عقب، ويغدو الطبيب فيلسوفا، على يده يُستعاد التفكير في الجسد على نحو اختباري، بناء على حالاته الصحية والمرضية، كما وفق لحظات انكساره وعنفوانه، وحزنه وفرحه.
فالجسد هو ما يرغمنا على التفكير، ومنطقه هو ما يسمح بتناسل الأفكار والمفاهيم وصياغة النظريات لا العكس. الجسد على حد توصيف نيتشه “هوالعقل الأكبر، سيد الأنا التي منها تنبعث المفاهيم”.. بدهي إذن أن تستعيد الفلسفة قوتها من خلال الطب، بل وأن يمنح الطب المعاصر بريقا لكل الفلسفات التي ظلت طي النسيان، من قبيل الفلسفة المادية والمتعوية والنفعية والريزوماتية… ليُعَاد بالتالي سبك الأسئلة السالفة الذكر من جديد، لكن هذه المرة، بفضل الأطباء والجراحة الذين لا يؤولون أكثر مما يجربون قدرات الجسد : ما الذي يستطيعه؟ وما إمكاناته الجديدة في الوجود؟ مستعيدين بذلك السؤال السبينوزي الشهير، لكن على نحو إطيقي لا على نحو أخلاقي : فسبينوزا كما أوضح دولوز لا يعظ il ne fait pas de la morale لسبب واحد هو كونه لا يتساءل أبدا عما علينا أن نفعله أكثر مما يتساءل عما نستطيعه و ما نقدر عليه.
لا عجب إذن أن يكون الإشكال الطبي بالمثل إشكالا إطيقيا لا إشكالا أخلاقيا، مادام يبحث مسألة المقدرة والقوة لا مسألة الواجب وما إليه. وعليه، فإذا صح القول بأن الطبيب لا أخلاقي بالمرة وعدو للمسيح بتعبير نيتشه الذي تأثر لهذا السبب بسبينوزا، فذلك ليس إلا لكونه مهووسا بكل ما يستطيعه الجسد ويقدر عليه، مع كل ما قد تنطوي عليه أو تحمله كلمة القدرة من معنى.
توضيحا لذلك، ماذا لو استأنسنا بتجربة أحد الرواد الذي كان له الفضل في اختراع تعريفات جديدة للإنسان مُحَيِّنا بذلك السؤال الفلسفي السبينوزي على نحو لافت للنظر؟ إنه سيرج فورونوف الطبيب الذي هرب سنة 1885 من روسيا، مسقط رأسه، جراء الاضطهاد الذي عانى منه اليهود، ليحط الرحال بالكوليج دوفرانس حيث فتح مختبرا للجراحة، بعدما قضى بالإسكندرية بمصر أربعة عشر عاما، أجرى خلالها عملية زرع عظم خروف لشاب مثقوب العظم. كما قام بعملية استعضاء l’opothérapie لأحد المخصيين، بعدما لاحظ في وسط الحريم أن هؤلاء المخصيين سرعان ما يهرمون، مستنتجا أن الحيوية و الشباب واللطافة و الصحة الجسدية كما النفسية عند الأشخاص في ارتباط وطيد بالخصيتين، مما حدا به إلى التأكيد على فضائل حقن الإنسان بهرمونات حيوانية. واستطاع كذلك أن يُحَسِّن من حالة أشخاص حمقى بعدما زرع لهم غددا درقية مأخوذة من القردة. كما أجرى الرجل مابين 1917 و 1926 أزيد من خمسمائة عملية ازدراع سواء على أكباش أو ماعز و كذا على ثور واحد، زرع خلالها بويضات بعضها شاب لأخرى هرمة.
والنتيجة أن الحيوانات الطاعنة في السن استعادت تماما كل حيوية الشباب، مما انتهى بفرونوف إلى التوكيد على أن عملية زرع غدد القردة، علاج فعال للشيخوخة. وكانت أول عملية زرع “بويضات قرد” لـكائن بشري، قد تمت رسميا على يده في يوم 21 يونيو 1920، وتكللت بالنجاح، بحيث سرعان ما استعاد المعني قوته الجسمية، مثلما لوحظ عليه تحسن كبير سواء من حيث قواه العضلية أو من حيث قواه العقلية. مثلما امحت بعض الإنكماشات والتجاعيد من على وجهه وعاد الضغط الدموي إلى حالته الطبيعية وأضحت الرغبة الجنسية لديه مستثارة، ناهيك عن اللحية التي سرعان ما بدأت تنمو من على دقنه.
هكذا شرّع الاعتراف بخدماته العلمية رغم أنف الكنيسة ورجال الدين حيث صَفَّق له سنة 1923 أزيد من 700 مختص من كبار الجراحين في العالم حضروا أشغال المؤتمر الدولي المنعقد بلندن، مثلما اعتذر له الجهاز الطبي الأرتودوكسي سنة 1994؛ و في سنة 1998 كانت الشهرة التي نالها دواء الفياغرا مناسبة لحشد المزيد من الاعتراف بعبقرية الرجل، لتُعْتَبَر أعماله واكتشافاته سنة 2005 السند الرئيسي لتطوير تقنيات مكافحة الشيخوخة techniques anti-age المعاصرة.
إن فورونوف على هذا النحو خلص إلى صنع إنسان جديد بواسطة الخرفان والقردة مازجا مابين بويضات هذا وجسد ذاك وناقلا خلايا وغدد الحيوان لصنوه الإنسان معلنا بذلك انهيار التصنيف العمودي المتعالي الذي كان به يتميز الإنسان والذي يفترض بطبيعة الحال تراتبية يعلو عرشها اللاهوت منتصرا لمنظور المحايثة الجذرية التي باتت تتأكد رويدا رويدا. مما يستدعي انبثاق رؤية مغايرة للوجود يغدو فيها الحيوان سواء كان قردا أم كبشا، صنو الإنسان لا يقل عليه في شيء.
فضلا عما جاء به فورونوف، ثمة أيضا اسم بارز هو فلادمير ديميخوف المزداد سنة 1916، الروسي الجنسية، والذي نحن مدينون له، زيادة عن أولى عمليات زرع القلب التي أجراها على كلاب في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية أي سنة 1938، بعملية زرع رأس سنة 1948، لِنَخْلُص معه إلى ميلاد كلب برأسين اثنين ودورة دموية واحدة. هكذا تنتصر الكفاءة، كفاءة إنسان على شجرة الأنساب المعهودة.
وفي سنة 1962 سيزوره كريستيان برنار في مختبره. وما أن مرت خمس سنوات حتى أجرى الجراح الجنوب إفريقي أول عملية زرع للقلب. لهذه التحف النادرة نضيف اسما آخر هو روبير جون وايت، المستشار العلمي للبابوات الثلاثة الأواخر، والذي كان يوحنا بولس الثاني آخرهم. واستطاع هذا الأمريكي أن ينجح سنة 1973 في القيام بالعديد من عمليات زرع رؤوس لأجساد قردة ماكاك، إلا أن هذه الحيوانات كانت تعيش مدة أسبوع وتموت جراء مشكل المناعة لا غير.
والتقنية يمكن نقلها على المستوى الإنساني بحيث نزرع رأس إنسان مصاب بالشلل الرباعي مادم أن جسده ينهار يوما عن يوم ولا يقوى على أدنى حركة، لجسد إنسان آخر مات اكلينيكيا بعدما نتخلص من رأسه بحرقه لأن دماغه تعطل كليا. وبنظر “روبير وايت” فإن إجراء العملية ممكن ولا يستدعي منا إلا تبريد الجسد في 10 درجات حرارية لجعل عملية الاستقلاب بطيئة، ثم نوقف الدورة الدموية لمدة ساعة ونصف، فنقطع حتى مستوى عظم العمود الفقري ونشطر النخاع الشوكي مابين فقرتين ثم نسحب الجزء لنخيط العروق والأعصبة والأنسجة والجلد ثم نرسل المعني إلى قاعة الاستيقاظ حيث يفيق بجسد جديد ورأس قديم… العائق الوحيد الذي يحول دون نجاح هذه العملية إنما هو الشلل، لأننا مازلنا لا نتوفر على الآليات التي تسمح بالربط ما بين الأعصبة و إقامة الجسر العصبي ما بين الأطراف المنفصلة (النخاع الهابط من الفائق l’axis والنخاع الصاعد من العجُزle sacrum ). ولكن المشكل أقل حدة بالنسبة للمصاب بالشلل الرباعي لأن حاله بعد العملية يكاد يشبه الحال الذي كان عليه من ذي قبل.
إلى هنا يتضح أن الأطباء الثلاثة يطرحون إشكالات فلسفية كبرى من قبيل إشكالية الهوية، وماهية الروح والموت والذات والأنا… فهل نحن هنا، مثلا، أمام زرع للرأس أم للجسد؟ ومن يكون هذا الشخص الجديد حالما يستفيق؟ هل ينتسب لصاحب الرأس أم لصاحب الجسد؟ هل يكون لا هذا ولا ذاك، أي آخر؟ هل مايزال يُعَدُّ إنسانا أم أنه بالأحرى وحش ومسخ؟ كيف نناديه؟ وبأي اسم أو لقب؟ ومن يتحمل مسؤولية نسبه لشجرته العائلية؟ هل هو نموذج جدير بالاقتداء؟ هل يكون مثالا لما بعد الإنسان؟ وماذا عن حبيبة المصاب بالشلل الرباعي، هل تُقَبِّل الشخص الذي أحبته في يوم من الأيام أم أنها أمام تجربة حب جديدة؟ كيف سيعيش المعني بمعية هذا الجسد الجديد، بينما جسده القديم قد وُورِي الثراب؟ كيف إذن تتحدد إنسانية الإنسان؟ وما معنى الهوية في سياق هذه الاستشكالات المحض طبية، التي غدت تسمح باستبدال كل أعضاء الإنسان وإحلال بعضها مكان الآخر؟ وماذا عن فكرة الروح سيما عندما يُتْبَث رأس إنسان فوق جسدِ آخر؟ بأي روح يحيى الطرفان الملتحمان للتو؟ وعلى أي نحو سيُعاقب ويجازى دينيا، هذا الكائن ما إن يلقى حذفه؟ أي جزء من الجزءين يتحمل مسؤولية ما يأتيه من أفعال وما سيرتكبه من جرم؟
وبحسب هذا الإمكان العلمي العملي يتبدى أن فكرة الروح المزعومة تيولوجيا لم تعد تسعفنا في شيء على تفسير ماهية الإنسان. إذ من يكون هذا الذي يجتمع فيه على الأقل طرفان متباينان؟ من أنا حالما أجدني بجسد إنسان آخر غير جسدي وبأطراف كائن لست إياه؟ ما معنى أنا؟ وما معنى الذات؟ بل وأكثر من ذلك، أين تتموضع هوية كل منا؟ هل تكون في الرأس الذي يشمل الدماغ؟ أم في الجسد مادون الرأس؟
وسعيا منا للإحاطة قدر المستطاع بمثل هذه التساؤلات، ماذا لو توقفنا عند تلك السلسلة من التأملات التي كانت الجرأة في بلورتها من نصيب الفيلسوف جون لوك في كتابه “مقال في الفهم البشري”(1694)، مفترضا في زمانه، لا احتمالية هجرة الأعضاء الجسدية فحسب، بل اختراقها للحاجز الطبقي حد تأمله افتراضا هزليا من قبيل : زرع رأس ملك لجسم إسكافي أو العكس؟
من ثمة راح يتساءل عمّ يكون هذا الكائن الذي قد يجتمع فيه رأس ملك بجسد اسكافي؟ أيهما يكون هذا الذي استيقظ على هذا النحو؟هل نعتبره الملك أم الإسكافي؟ هل نستطيع الجزم بأن أحدهما هو المتوفى؟ أم أن الاثنين بالأحرى يعيشان على نحو سكيزوفريني، منفصلين إلى جزئين: جزء ملكي وجزء من عامة الشعب؟ وهل نعتبر الإسكافي أبله، حالما يستيقظ مستدعيا وزيره الأول؟ هل يحق له أن يمتثل كرئيس للدولة؟ وما سنده في ذلك؟ أيُّ الاثنين يتقن فن الحكم؟ هل هو جسد الإسكافي الذي أتممناه برأس الملك؟ أم جسد الملك الذي أتممناه برأس الإسكافي؟ وأيهما هو مصلح الأحذية؟ وإذا أراد ثوريون أن يُعْدِموا الملك، أي رأس يجدر بهم قطعه؟ ومن منهم يستأهل الانفراد بالملكة؟ وكذا زوجة الإسكافي المحترمة؟ على هذا النحو، وبعد سلسلة من التأويلات، يصل لوك إلى القول بوجود هويتين اثنتين : الهوية الإنسانية و الهوية الذاتية. وإذا كانت الأولى تتحدد بالمعيار الفزيولوجي وتقوم على مسألة الوجود من أجل الآخر L’être-pour-autrui أي أنها تستند على المظهر و الهيئة و نمط التجلي، فالثانية تتحدد بالمعيار السيكولوجي، وتقوم على العقل والذكاء كما على الذاكرة والدماغ والمادة الرمادية، إنها الوجود في ذاته أو لذاته.
وإذا كان الوجود على مستوى الهوية الإنسانية، يفيد النحو الذي عليه نظهر le paraître : لذلك يكون جسد الملك هو الملك و جسد الإسكافي هو الإسكافي، فهو، بحسب الهوية الذاتية ما يتحدد داخليا : فنحن بمثابة ما ندرك و نعرف أننا عليه وفق بُعْدِنا الجواني، وكل واحد منا بالتالي هو دماغه، لا لشيء إلا لأن هذا الأخير هو قوام الإدراك والمعرفة. لكن لوك، على ما يبدو، يُعَقّْد المسألة أكثر مما يبسطها. لأنه بحسب تأويل أونفراي يستحيل الفصل مابين البعدين : السيكولوجي والفزيولوجي. من ثمة الحاجة الماسة لإضافة بُعْدٍ ثالث هو بعد تَشَكُّل الترسيمة (الصورة) الجسدية : على اعتبار أن كُل واحد منا له تصوره الخاص لجسده، وهو تصور يُنْحَث ذهنيا مع مرور الوقت، ووفق كل ما نتلقاه عبر التجربة والتربية. مما يفترض ضرورة القبول بالتغيرات التي تطرأ علينا وكذا التطورات التي قد تلحقنا. فكل ما نحمله في طياتنا من ذكريات وآراء هو ما ينتهي بنا إلى تأليف صورة شخصية عنا، تكون قارة وثابتة، من خلالها نسترسل زمانيا ومكانيا.
فأنا لست إلا ما ينسجم وهذا الصرح النفسي وكذا العقلي والذهني الذي ساهمت في تشييده لذاتي. وكل عملية زرع بالتالي، لا بد وأن تُغَير لا محالة من هذه الترسيمة وعلى نحو متفاوت في الحدة، مادام زرع كِلْية ليس من حيث الدرجة مثل زرع قلب أو قرنية العين أو الدماغ أواليد…
وهكذا فالأعضاء تتفاوت سواء من حيث الوظيفة أو من حيث رمزيتها الحاسمة في تغيير الهوية الإنسانية. بناء عليه بوسعنا القول بأن زرع الدماغ هو بمثابة زرع للوجود كله، والأمر لا يختلف بالنسبة لزرع الرأس. من ثمة فما أن نقبل ونوافق على زرع عضو من الأعضاء حتى نكون على أهبة التغيير الجذري لماهيتنا كلها أو على الأقل لجزء منها وذلك بطبيعة الحال بحسب الجزء المستبدل، سيما وأن مبدأ الاحتفاظ في خضم التجاوز الذي قال به هيغل، قائم الذات هنا، اللهم عندما نكون أمام عملية زرع الرأس.
أما عدا ذلك فالإنسان قادر على استقبال واستدماج عضو من أعضاء غريبة عنه، وبالتالي تبنيه كما لو كان عضوه بالذات. صحيح أن التغير طارىء، لكن بالموازاة لذلك ثمة ردم لنقص، وتحول للجسد من مستوى قدرة أقل إلى قدرة أرقى. وكل إنسان على هذا النحو إنما ينشد الاكتمال، ويرغب في المزيد من السعادة والمرح، كما الرفاه والجمال. أي أنه يروم المتعة لا غير.
لكن ما المتعة؟ هل تكفينا هذه الألفاظ تحديدا لمفهوم المتعة؟ ما أظن. لأن المتعة تقتضي أول ما تقتضيه لا الجمال أو الاكتمال بل التخلص من الألم أساسا. إذ أن حضور الواحد نفي للثاني. فالجسد الذي يتألم مقطوع الصلة بالمتعة. إنه الجسد المنهار القوى، الذي تنتصر له الأديان جاعلة من الألم الخيط الرابط ما بين الروح والله، ومابين الإنسان ومسلسل القيامة. لكن العذاب كما الأنين لا يخضعان في شيء إلا لمنطق الجسد الأعمى وذلكم هو السر، الذي بموجبه ربّما يوجد كل الناس أيا كان انتسابهم إلى هوية من الهويات، ما أن يداهمهم خطر الموت و عذاب الألم، متلهفين أيما تلهف وراء المستجدات التقنية، طالبين خدمة الطبيب والجراح، غير مكترثين بالأوامر القطعية اللاهوتية التي تروم الإبقاء على المرض واسترسال الأنين.
إلى هنا يظهر أن الطب، مع الثورات الراهنة، إن كان يمتثل أفقا واعدا للفكر، فليس مرد ذلك أنه فحسب فن لمقاومة المثل الأعلى الزهدي بامتياز، بل لأنه أيضا، و بخلاف الفلسفة المثالية، لا يهمه أن يرسي نظرياته في الفراغ، ولا أن يبقي عليها دونما أسس، بقدرما يهمه استخلاصها اعتمادا على الملاحظة والتجربة. فهل ثمة من تعريفات لكل من الموت والروح والذات و الآخر توازي تعريفات الأطباء؟ هل ثمة من تعريف للحياة يضاهي تعريف “بيشا”؟ (الحياة هي مجموع القوى التي تقاوم الموت)، وهل هنالك من تحديد للمتعة يوازي تحديد الطبيب الفيلسوف “جيل أونفراي لاميتري”، صاحب كتاب “فن المتعة”؟ هل ثمة من تحديد للهوية والروح يعادل صفاء تحديد “فورونوف”و”روبير وايت” و” فلاديمير ديموخوف”؟ أليس الطب اليوم مع هؤلاء وغيرهم هو الذي يستطيع أن يخرج الفلسفة من عنق زجاجة المتعالي، ويجعلها بالتالي تحيد عن شجرة الأنساب الأخلاقية التي بدأت مع أفلاطون مسترسلة حتى معاصرينا الناقمين على الجسد، وذلك بطبيعة الحال تأسيسا لتصور متعوي، نحن أحوج ما نكون إليه في عصر تسوده العدمية؟