البيوطيقا: سلطة التّقنية وتنافر القيم(5)

بات من المعلوم في عصرنا هذا مدى التطوّر الهائل الذي بلغه الطبّ سواء في الكشف وفهم أدقّ أسرار جسم الإنسان، أو في التقنيات والوسائل العلاجية أو الوقائية المتقدّمة التي تتناول هذا الجسم، إنقاذاً أو تحسيناً لقدرته، وصولاً إلى إيجاده واستنساخه إن لم نقل خلقه. وككلّ ما هو جديد، ومع تعدّد المناحي التي يتناولها الطبّ الحديث، طرحت الفتوحات العلمية والتطبيقية الهائلة في المجال الطبّيّ الكثير من القضايا والتساؤلات الإشكالية المفضية إلى مواقف متباينة، بل متناقضة، حول مدى مشروعيتها وكيفية التعامل معها أخلاقياً ومهنياً وقانونياً وبلا شك دينياً أيضاً، حيث لم يُفكّ الاشتباك بعد بين الدين والدنيا في حسم الموقف من هذه القضايا، سواء لدى اليهودية أو المسيحية أو الإسلام.

ما سنتناوله في هذا المقال هو الإسلام السائد واستحضاره لفقه سلفه الصالح لتقييم التعامل مع الطبّ، حيث يحرص دعاة الإسلام المنتشر في أيامنا ـ بشقّيه: السياسيّ والدعويّ ـ ومنظوروه من الإسلاميين على مختلف تلاوينهم، على احتكار فهم الإسلام من جهة، وتعميم فهمهم وفرضه ولو بالقوّة من جهة ثانية. وفي خضمّ سعيهم المحموم لتأكيد “شمولية الإسلام” و”قدرته على التصدّي لمشكلات العصر”، بل وصلاحيته التامّة “في كلّ زمان ومكان”، لا يكفّون عن إطلاق الفتاوى والأحكام الشرعية لكلّ كبيرة وصغيرة في الحياة، ولا يستثنى العلم عموماً والطبّ بشكل خاصّ من ذلك. يستعينون في كلّ هذا بتفسيراتهم لنصوص من القرآن، أو بالاستناد إلى الأحاديث التي ينبشونها من كتب التراث عند الطلب وحسب الحاجة ونوع الفتوى.

ونكاد نجزم بأن لا علم لطالب الفتوى بصحّة التفسير أو الحديث أو مدى ضعفه وتلفيقه، ناهيك عن عدم إمكانية اعتراضه أو مناقشته “لأولي الذكر من العلماء”، لتخرج الفتاوى متضاربة في الكثير من المسائل سواء باختلاف المذاهب (والمصالح السياسية أحياناً)، أو حتى ضمن المذهب الواحد تبعاً للموقف الشخصيّ وثقافة من تصدر عنه الفتوى. الضحية والحال هذه، هو المسلم العاديّ أوّلاً، الذي يتشظّى في مهبّ تناقضات الفقهاء، ويقع بين سندان حاجاته الواقعية ومصالحه الذاتية في حياته من جهة، ومطرقة التكفير التي تنتظر سحقه دنيا وآخرة فيما لو خالف حكم الشرع من جهة أخرى. والضحية ثانياً، هي المجتمعات السائرة في منحدرات التجهيل والتأسلم.

ولإضاءة نماذج من تلك الإشكاليات، سنتناول في هذا المقال مسألتين متعاكستين وهما على قدر كبير من الأهمية والانتشار، ويتعامل معهما الطبّ وتختلف فيهما وجهات النظر أو الفتاوى “الفقهية” بين تحليلٍ وتحريم، وهي تباعاً: الإجهاض والإلقاح الصناعي.

{{الإجهاض وحكمه:}}

تتعدّد الأسباب التي تدفع بالمرأة إلى التخلّي عن جنين تحمله في أحشائها. فمنها الأسباب الصحية البحتة وأبرزها: الخطورة التي يمكن أن تلحق بحياتها عند الولادة، أو أنّ المولود القادم سيكون مريضاً سقيماً أو مشوّهاً وغير طبيعيّ. هناك أسباب معيشية؛ كحالة الزوجين الذين يقرّران لضيق ذات اليد الكفّ عن الإنجاب، ويفشلان رغم ذلك في استخدام الأساليب الوقائية لمنع الحمل، ممّا يضطرّهما إلى الإجهاض. أمّا الأسباب الاجتماعية وهي الحالة الأخطر والأكثر تعقيدا، فتتمثّل في وقوع الحمل خارج إطار الزواج، ممّا يعرّض المرأة للقتل “غسلاً للعار وستراً للفضيحة”، سواء نتج ذلك عن ممارستها الجنس بإرادتها أو أنّها تعرّضت للاغتصاب، فجرائم “الشرف” كما نعلم في ازدهار مستمرّ في بلداننا؛ عدا عن الظروف الاجتماعية والمعاناة التي ستواجهها المرأة هي ومولودها فيما لو بقيا على قيد الحياة. لنر موقف الإسلام وحكمه في هذه الحالات:

يُعرّف “الفقهاء” الإجهاض بأنه: إلقاء حمل ناقص الخلق بغير تمام، سواء من المرأة أو من غيرها. وخلافاً للمالكية وفريق من الشافعية الذين يحظرون الإجهاض بشكل نهائيّ، يجمع الغالبية من فقهاء المذاهب الأخرى على جواز الإجهاض في الأربعين يوماً الأولى فقط من الحمل.

جاء فى كتب المالكية ومنها كتاب الشرح الكبير: “لا يجوز إخراج المنيّ المتكوّن في الرحم ولو قبل الأربعين يوماً”. ويقول الغزالي من الشافعية في إحياء علوم الدين ضمن مبحث العزل “بالتحريم لأنّ النطفة بعد الاستقرار آيلة إلى التخلّق المهيّأ لنفخ الروح” .

ويجيز الغالبية من الفقهاء أيضاً ـ خلا من استثنينا آنفاً ـ ولكن مع التشدّد في ذلك أن يتمّ الأمر (الإجهاض) قبل إتمام الشهر الرابع عند وجود ضرورة قصوى، كأن يكون في استمرار الحمل خطر على حياة الأمّ. أمّا وقد أتمّ الجنين شهره الرابع فقد أصبح من المحظور بشكل قطعيّ وبإجماع المذاهب وجمهور الفقهاء أن يتمّ الإجهاض حتى لو كان الحمل ناتجاً عن “الزنى”! يقول الرملي وهو من فقهاء الشافعية: “أما إذا نفخ الروح في الجنين إلى الوضع فلاشك في التحريم ولو كانت النطفة من زنى”. وحتى لو نتج الجنين عن الاغتصاب، وفي هذا يفتي أشهر فقهاء العصر يوسف القرضاوي “إذا تعرّضت للاغتصاب يجب ألا تنتظر أربعة أشهر أمّا بعد الأشهر الأربعة انتهى الأمر وأصبح إنسانًا، أتقتل إنسانًا؟” (برنامج فقه الحياة على قناة أنا الفضائية في الثاني من أيلول سبتمبر الفائت). ولا يقدّم الشيخ أية ضمانات لحماية من قد يهدر دمها في حالات كهذه حفاظاً على منظومات العفّة والشرف التي يكرّسها هو وأمثاله. ثمّ لو افترضنا نجاتها بنفسها هل يريد الإسلام منها أن تعيش مع مغتصبها/أب مولودها ؟!

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ العديد من التشوّهات أو الأمراض التي قد تصيب الجنين وتنذر بحياة سقيمة له قد لا تظهر أو تتأكد طبّياً إلا بعد انقضاء أربعة أشهر.

الفقر وسوء الأوضاع المعيشية لا يعتدّ بها شرعياً كموجب للإجهاض ولو كان ذلك قبل إتمام الأشهر الأربعة الأولى، ويستند التحريم هنا إلى نصوص القرآن: (وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ). يبدو أن القول الشعبي الساذج والشائع “يأتي الولد ورزقه معه” قد بني على نصوص كهذه.

هل يكفي “إنفاذ شرع الله” لتبرير زيادة أعداد الفقراء وتوسيع نطاقات البؤس والفقر حول المدن العربية؟ أم أنّ هذا سيضمن نموّ الخزّان البشريّ لدعاة التأسلم!

أليس الأجدر بدلاً من كلّ هذا إعمال العقل وأخذ الظروف الاقتصادية والمعيشية الواقعية لكل أسرة بعين الاعتبار.

{{الإلقاح الصناعي والإسلام:}}

لعلّ من الفضائل التي قدّمها الطبّ لمن يعانون من العقم، رجالاً أو نساءً، إعادة أملهم في إمكانية الحصول على الأطفال من خلال تقنيات التلقيح الصناعي أو ما يعرف بطفل الأنبوب.

لكن لو نظرنا إلى الموقف الفقهيّ من الموضوع فلعلّ أبرز ما يستوقفنا الفتوى الصادرة عن “رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والإرشاد في المملكة العربية السعودية” والقاضية بوجوب تحريمه بالمطلق. أمّا موجبات التحريم وأسبابه كما نقرأها في الفتوى “ما فيه من كشف العورة ولمس الفرج، والعبث بالرحم، ولو كان منيّ الرجل الذي هو زوج المرأة، وعلى الإنسان الرضا بحكم الله تعالى فهو من ((يجعل من شاء عقيماً)) الآية 50 من سورة الشورى”(اللؤلؤ المكين من فتاوى الشيخ ابن جبرين ص 56 ).

في المقابل، نجد هناك عدداً من الفتاوى التي أجازت التلقيح الصناعيّ جزئياً وميّزت بين التلقيح الداخليّ والتلقيح الخارجيّ. زيادةً في التوضيح سنبيّن معنى كلّ نوع ثم سنعرض للحكم الشرعيّ فيه.

التلقيح الصناعيّ الداخليّ يكون بإدخال منيّ الذكر إلى داخل الجهاز التناسلي للأنثى. وقد أجاز مجمع الفقه الإسلاميّ هذه الطريقة لكن ضمن شروط محددة لا بدّ من توافرها وهي: أن يكون التلقيح حصراً من منيّ الزوج وأثناء قيام الزوجية، وتحرّم الحالات التي يكون فيها الإلقاح بمنيّ محفوظ للزوج المتوفّى. ويجب أن يكون “انكشاف عورة المرأة لطبيبة مسلمة ثقة، فإن لم تجد فلطبيبة غير مسلمة ثقة، فإن لم توجد فلطبيب مسلم ثقة”. وهو ما تؤكّده فتوى منشورة على موقع الشبكة الإسلامية ـ إسلام ويب ـ مركز الفتوى. برقم 2646 تاريخ 1/6/1999 بعنوان (ضوابط لإجراء عملية طفل الأنابيب) حيث يجب أن يجريها طبيب يوثق به “هو الذي يخاف الله تعالى ويلتزم بشرعه، ولديه الخبرة الكافية في مهنته، واعلم أنه لا يقدم على هذه العملية إلاّ عند الحاجة الشديدة، وبعد أخذ سائر الاحتياطات اللازمة”، والمقصود هنا بالاحتياطات والثقة أن يضع الطبيب منيّ الزوج وليس غيره عند القيام بالإلقاح. كما أنه من الملزم أن تتمّ عملية التلقيح في وجود الزوج نفسه، وإذا لم تتوفّر هذه الشروط جميعاً فلا يسمح بإجراء هذه العملية.

يكون التلقيح الاصطناعيّ خارجياً عندما تؤخذ البييضة من المرأة، ويتم تلقيحها خارج جهازها التناسلي بالسائل المنويّ للذكر، وبعد أن يتمّ التلقيح تعاد البييضات الملقّحة أو ما يسمى (اللقائح) إلى رحم المرأة ذاتها أو رحم امرأة أخرى، حسب الحال. وهناك حالات عدّة تناولها الشرع الإسلامي في الإلقاح الخارجي نذكر منها:

أن يكون المنيّ الذي ستلقّح به البييضة من شخص آخر غير الزوج على أن تعاد البييضة الملقّحة إلى رحم المرأة. وقدّ حرّم الإسلام هذا النوع من الإلقاح الصناعيّ تحريماً مطلقاً استناداً إلى الحديث “أيما امرأة أدخلت على قوم نسباً ليس منهم، فليست من الله في شيء ولن يُدخلها الله الجنة. وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله عنه، وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين”، أخرجه الدارمي. كما أفتى بذلك يوسف القرضاوي في إحدى حلقات برنامج الشريعة والحياة على فضائية الجزيرة في نيسان أبريل 2001م.

حالة أخرى يطالها التحريم أيضاً، وهي أن يتمّ التلقيح بين منيّ الرجل وبييضة من امرأة أخرى غير زوجته بسبب خلل في مبيضها على أن تعاد البييضة الملقّحة إلى رحم الزوجة. سبب التحريم “أنّ اللقيحة متكونة من مصدرين غير متزوّجين، فهي تؤدّي إلى نسب منتحل غير مبني على الزوجية” (الشيخ مصطفى الزرقاء، التلقيح الصناعي، ص 27). وهو رأي مجمع الفقه الإسلامي في دوراته المختلفة الخامسة والسابعة والثامنة، حيث حرّم هذه العملية لما لها “من اختلاط للحيوانات المنوية مع البيضات من غير رابط شرعيّ يُقرّه الدين الإسلامي”. بل أكثر من ذلك فقد اعتبر الأزهر هذه العملية “صورة من صور الزنى”.

وحتى الحالة التي يكون العقم فيها لدى الزوجين ويلجأ الأطباء إلى لقيحة من منيّ وبييضة رجل وامرأة آخرين ـ ولو كانا متزوّجين ـ ثم توضع في رحم الزوجة ليتمّ الحمل فيه، فهذه الطريقة محرّمة بإجماع العلماء وهو ما أفتى به أيضاً مجمع الفقه الإسلامي في دورته المنعقدة عام 1985 م “لا يحلّ للزوجة أن تحمل أجنبياً عنها”.

بقي أن نشير إلى الحالة اليتيمة التي أجاز فيها بعض فقهاء الإسلام الإلقاح الخارجيّ، وهي حين يكون المنيّ والبييضة من زوجين شرعيين أثناء قيام الزوجية ثم إعادة اللقيحة إلى رحم الزوجة. والجواز هنا في حالات ضيقة وعندما يكون آخر الحلول مع التشديد على الضوابط المذكورة آنفاً.

من الواضح أنّ هذه الأحكام تفرغ عملية الإلقاح الصناعي كحلّ طبّي من مضمونها العمليّ، خصوصاً وأن الحالات الأكثر شيوعاً تحتاج إلى وجود طرف ثالث إلى جانب الزوجين سواء للتبرع بالبييضة أو المنيّ أو كليهما معاً، أو حتى الحمل كاملاً بزرع لقيحة من زوجين في رحم امرأة أخرى.

بعد ما تقدّم ألا يحقّ لنا القول ببعض التناقض في موقف الإسلام من هذه القضايا سواء في عدم وجود موقف واحد أو بالتساؤل ـ مثالاً لا حصراً ـ عن كيفية التوفيق بين اعتبار معظم وسائل التلقيح الصناعي محرماً بل ومن قبيل “الزنى” في الوقت الذي لا يجوز إجهاض من حملت سفاحاً من اغتصاب أو زنى؟!

أليس من المنطقيّ والواقعيّ أن تترك مسألة الإنجاب أو عدمه والطرق المناسبة لذلك لأصحاب العلاقة ونعني بهم الأزواج (سواء كانوا أزواجاً شرعيين أم طبيعيين) فهم الأقدر على اتخاذ القرارات التي تناسب ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية.

وإذا كان لا بدّ من التحديد والتقنين لمسألة التلقيح الصناعي فليكن معتمداً على قوانين وضعية عصرية تستند إلى الاعتبارات العلمية والطبية حصراً والمتعلقة بسلامة المرأة والجنين تحت إشراف الحكومات ممثلةً بوزارات الصحة، والتي يتوجب عليها الحيلولة دون وقوع من يرغبون بالإنجاب ضحايا للابتزاز والاحتيال والربح غير المشروع من قبل المراكز المشتغلة في هذا المجال.

آن الأوان ليعود الدين إلى دور العبادة ويفسح الطريق للعلم كي لا يضيع مجدداً الطريق إلى المستقبل.