
ولربما كان العجز عن تحقيق التركيب بين الحدود المتقابلة في ذهن مفكري النهضة العربية هي السمة الغالبة على هذه المرحلة بأكملها، الأمر الذي يفسر لنا السبب في عدم عدم حدوث تقدم جدي على مستوى الفكر ولا على مستوى الواقع في جملة الأعمال التي صدرت عن أهم مفكري هذه الحقبة من تاريخ الثقافة العربية.
ولو أننا حاولنا الوقوف بصورة أدق على ماهية (الترقي)، لوجدنا أن الازدواج أو التضاد مهيمنان على تصور الكواكبي له. ففي نظر الكواكبي هناك نوعان من(الترقي)، أولهما(الترقي الإنساني)، وثانيها(الترقي الروحي).
وفي المجال الإنساني الطبيعي يرى الكواكبي أن هناك ستة أنواع من الترقي منتظمة داخل الترقي الإنساني:”أولاً الترقي في الجسم صحة وتلذذاً، ثانياً الترقي في القوة بالعمل والمال، ثالثاً الترقي في النفس في الخصال والمفاخر، رابعاً الترقي بالعائلة استئناساً وتعاوناً، خامساً الترقي بالعشيرة تناصراً عند الطوارئ، سادساً الترقي بالإنسانية وهذا منتهى الترقي” .
ومن البين أن هذا النوع الأخير من الترقي لا يمكن أن ينظر إليه على أنه صورة من صور التقدم أو الترقي الإنساني، بل هو في الحقيقة تأكيد لحقوق النقل داخل تفكير الكواكبي في مواجهة
العقل الذي يحاول أن يفرض نفسه ضمن هذا التفكير من غير أن يستطيع أن يؤكد سيادته على هذه الشخصية أبداً. وهكذا يتصادم هذان التصوران عن التقدم أو الترقي مرة أخرى تصادم الأضداد المتعاندة من غير أن يكون بوسع الكواكبي أن يحذف أحدهما أو أن يغلب الآخر أو أن يحقق صورة من صور التركيب فيما بينهما، مما يجعل الفكر يبلغ في تطوره نقطة ابتداء أشد تقدماً وأقل تناقضاً أو تضاداً فيما بين الحدود التي يعبر الفكر عن نفسه من خلالها.
ومها تكن وجهة نظرنا في (الإسلامية) التي يتحدث عنها الكواكبي، وعمّا فيها من أبعاد تجعلها ألصق بالإيمان القلبيّ منها بالبرهان العقليّ، فإنّها في نظر الكواكبي أبعد ما تكون عن أن توصف بالاستبداد، وذلك استناداً إلى الآيات الواردة في القرآن التي تحثّ على الشورى في مثل قوله:( وشاورهم في الأمر)، أي في الشأن، ومن مثل قوله: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، أي أصحاب الأمر والشأن منكم وهم العلماء والرؤساء على ما اتفق عليه أكثر المفسرين، وهم الأشراف في اصطلاح السياسيين” .
ومن ذلك نستخلص أن الكواكبي يفهم نظام الحكم في الإسلام على أنه يرتدّ آخر الأمر لا إلى الشعب بكليته، ولا إلى أقلية من الأرستقراطية المتحكمة، بل إلى مجموعة من العقلاء هم العلماء يضاف إليهم مجموعة من الارستقراطية النبيلة الذين يؤهلهم منبتهم لأن يكونوا قيمين على الحكم والحاكم في آن معاً.
يقول موضحاً ذلك: “إن جرثومة دائنا هي خروج ديننا عن كونه دين الفطرة والحكمة، دين النظام والنشاط، دين القرآن الصريح البيان، إلى صيغة إنا جعلناه دين الخيال والخبال، دين الانحلال والتشويش دين البدع والتشديد، دين الإجهاد” .
فالمسألة كلها تنحصر في استعادة النواقص المعطلة في الدين، وتهذيبه من الزوائد الباطلة التي هي في الأصل ليست منه، الأمر الذي ينتهي بالدين على يدي المصلح إلى العودة به إلى أصله المبين البري من كل زيادة أو نقص في المتن الإلهي، وهو تعبير عن الأصل الذي قيّد السلف به أنفسهم فجسدوا بذلك الحقبة الذهبية في التاريخ الإسلامي. وتوحي نصوص الكواكبي بأنّ تطهير الدين ممّا علق به من زوائد واسترداد الدين لبعض ما تمّ تعطيله منه عبر الزمان كافٍ لإنتاج عصر ذهبيّ جديد للمسلمين إذا ما نهضوا بتحقيق تلك الشروط. وعلى كلّ حال يكفي أن نقرّر بأنّ هذه الطريقة في التفكير هي إحدى طريقتين ثابتتين في عقل الكواكبي وهما طريقتان متعارضتان متضادّتان تماماً، وهو عاجز عن حلّ التناقض بينهما، أو إنتاج تركيب يؤلّف بينهما في مركّب أسمى منهما وأقل تناقضاً من كل واحدة منهما. وعلى ذلك فإنّ الإسلام أو(الإسلامية) يستحيل في يدي الكواكبي إلى شيء أشبه بالدائرة التي تدور حول ذاتها فتفقد نتيجة لهذا الدوران بعض عناصرها المكونة،كما أنها- وبحكم الدوران أيضاً – تجذب عناصر غريبة إليها في الوقت نفسه. فيترتب على ذلك أنه يصبح من الضروري في نهاية كل دورة أن تجلى هذه الدائرة من جديد باستبعاد ما لحق بها وليس منها، وباستعادة الأجزاء التي فقدتها بحكم توالي الدوران أو الحدثان حتى تعود إلى وضعها الأول السابق على كل شكل من أشكال الاتصال بينها وبين الزمان والمكان وحتى الحياة الإنسانية. وبذلك يصبح التاريخ عنصراً ثانوياً يتعين عليه التشكل في كل دورة من دورات هذه الدائرة وفقاً للماهية الأبدية لهذه الدائرة، ولكن دون أن تتأثر الدائرة نفسها بما تمليه ظروف الزمان والمكان أو العناصر التاريخية التي على الإسلام أن ينظمها ويفسرها، والتي يتوقع الحس السليم أيضاً أن تؤثر في الإسلام وتعدل من صياغته في دوراته المتتابعة. ذلكم هو العود الأبدي الذي تتركز فحواه في تكرار الأوضاع الإنسانية في تناهيها اللامتناهي، مما يحيلها بسبب هذا العود أو هذا التكرار إلى عناصر متناهية. وهكذا فإن كل نظرة تستند إلى التكرار أو العود هي نظرة تختزل التاريخ وتبتسره إلى مجموعة محدودة من العناصر تنتهي آخر الأمر إلى إفقار التاريخ بما تخلع عليه من تناهٍ وتكرار من شأنهما أن يجعلا الإنسان – عقلاً وإرادة وسلوكاً أو فعلاً – كينونة محدودة وفقيرة مهما كان طول الدورة مديداً، أو مهما كانت نقطة العود أو البدء من جديد بعيدة. إنّ جوهر نظرة كهذه في التحليل الأخير هو التناهي أو محدودية كلّ ما هو إنساني ضمن أفق أو دائرة لا يمكن تعديها أو تجاوزها أفقياً أو عمودياً، إلى الأمام أو إلى الخلف أو في أي اتجاه آخر محتمل. وربما كان من بين أهمّ ما يترتب على فكرة تكرار الدائرة أو عودتها المتكررة بصورة أبدية أن يصبح التاريخ نفسه عنصراً ثانوياً لكونه خاضعاً لعناصر أو لرؤية لا ينقطع تكرارها، هي من التاريخ بمثابة الماهية من الكائن أو النفس من الجسد.
وهو في هذا الضدّ الثاني الذي يضعه في مقابل الدين يقلّل من فاعلية العامل الدينيّ واعتباره العامل الأوحد الذي يلعب دوراً في نهضة الأمم وانحطاطها. بل هو يمضي إلى حدّ اعتبار الدين مجرّد عنصر قد يكون نافعاً إذا ما توافرت شروط معينة، لأنه بغير توافر هذه الشروط لا يكون له منفعة ولا جدوى في الترقي أو التقدم الإنساني، الأمر الذي يبرر أهمية التفكير العقلي في مقابل التفكير النقلي الذي جسده الضد الأول.ومن الغريب حقاً أن يلاحظ الكواكبي أنّ كل الأمم المنحطة من جميع الأديان ترجع انحطاطها السياسي إلى تهاونها في أمور دينها، وتجعل من تمسكها بعروة دينها شرطاً يتوقف عليه تحسن أحوالها، في حين أن الدين، كما تفهمه هذه الأمم، لا يزيد عن كونه قولاً ليس وراءه فعل على ما يرى الكواكبي. ولذا فـ ” أرض الدين هي تلك الأمة التي أعمى الاستبداد بصرها وبصيرتها وأفسد أخلاقها ودينها، حتى لا تكون تعرف للدين معنى غير العبادة والنسك اللذين زيادتهما عن حدهما المشروع أضرُّ على الأمّة من نقصهما كما هو مشاهد في المتنسكين.” وهذا يعني أن الكواكبي ينظر إلى الدين على أنه عائق في سبيل الترقي أو التقدم إذا كان الدين لا يعني شيئاً سوى العبادة، ولعل هذا ما يفسر لنا المواقف المتشدد التي يتخذها الكواكبي ممن يسميهم بالمتنسكين أو الصوفية الذين يتحول الدين لدى بعضهم إلى ضرب من اللهو أو ستار يتخفون وراءه لتحقيق مآرب لا علاقة لها بماهية الدين ذاته من قريب أو بعيد.
المصدر نفسه، ص 116
– المصدر نفسه، ص129
المصدر نفسه، ص129
المصدر نفسه، ص129
المصدر نفسه ص 129
المصدر نفسه، ص36-37
– المصدر نفسه، ص36
المصدر نفسه، ص36
المصدر نفسه، ص127
– المصدر نفسه، ص98
انظر الجزء الأول من هذا البحث.