
قبل سنوات وتحديداً عام 2006، أجري استبيان طريف على الانترنت لحوالي ألفي شخص، خرج بنتيجة مؤداها أنّ الرجال عندما يصابون بالأنفلونزا يعانون أكثر من النساء، ويأخذون إجازات من أعمالهم أكثر مما تفعل النساء. وتسبب الأمر حينها بجدال واسع بين النساء الساخرات من الرجال "الجنس الأضعف" الذين يبالغون في شكاواهم البسيطة لتبدو كأمراض خطيرة، وبين الرجال الذين يؤكدون أن إصاباتهم بالفعل أكثر شدة وخطورة.
حتى هنا يمكن أخذ الأمر على محمل الطرافة والدردشة المقبولتين، لكن الذي حصل بعد ذلك أن الأمر تطور بفضل تدخل وسائل إعلامية واسعة الانتشار عالمياً وأخذ منحى جدياً ومبالغاً فيه بشدة. ففي عام 2009 كتبت صحيفة تيليغراف Telegraph عن الرجال الذين يستسلمون للأنفلونزا وعن مناعة النساء الأقوى. وسارت على خطاها صحيفة ديلي ميل Daily Mail وموقع البي بي سي BBC ونقلت عن تلك المنابر العديد من المنابر ومنها المنابر العربية كالعادة. لكن تبين بعد التدقيق أن الأمر ليس كذلك، وأنّ حقيقة الأمر تمثلت في دراسة كندية على الفئران التي تصاب بعدوى جرثومية، وجدت فروقات بين الجنسين في طريقة عمل أحد البروتينات العاملة على مقاومة العدوى الجرثومية. فلا ذكر فيها للبشر ولا للأنفلونزا التي تنجم عن عدوى فيروسية وليست جرثومية بالأساس، وفرق كبير بين مقاومة الجراثيم ومقاومة الفيروسات بالنسبة للجهاز المناعي. وبالتالي تبين أن كل ما نشر هو من باب التضخيم الإعلامي الذي يتعارض مع العقلانية، ناهيك عن المهنية والأمانة العلمية والدقة والموضوعية.
لكنّ المنابر الإعلامية الثلاثة لم تستسلم ولم تسلم بحقيقة الأمر، وعادت في عام 2010 للحديث عما أسمته "أنفلونزا الرجال" وعن مناعة النساء الأقوى، وذلك على إثر نشر دراسة جديدة أجريت في جامعة كامبردج حول "تطور الدفاعات المناعية المرتبطة بالجنس" معتبرة أنّ هذه الدراسة تحسم القضية نهائياً لأنها تؤكد وجود فروق في الاستجابة المناعية للعدوى بين الرجال والنساء. مع العلم أن تلك الدراسة المشار إليها لم تجرَ على بشر حقيقيين بل على نماذج رياضية، فهي أشبه بدراسة نظرية افتراضية من السهل نقضها، ربما، بإجراء دراسة أخرى على نماذج رياضية مماثلة مع افتراضات مغايرة قليلاً، فهي ليست حاسمة ولا نهائية، بل تكمن أهميتها في ما تثيره من أسئلة وليس في ما تقدمه من إجابات. وأمثال هذه الدراسات أساساً لا تقدم إجابات، بل تطرح الأمور بطريقة علمية قابلة للنقد والتطوير والإضافة، وهذا هو جوهر العقلانية التي آثرت المنابر الإعلامية المذكورة في مثالنا أعلاه أن تجافيها لصالح الإثارة والتضخيم البعيدتيْن عن العقلانية.
طبعاً هذا مجرد مثال، ومثله آلاف الأمثلة في المنابر الإعلامية المختلفة، ومنها بطبيعة الحال منابرنا الإعلامية العربية التي تقلد في معظم موادها العلمية ما ينشر في منابر غربية دون تدقيق أو تمحيص إلا فيما ندر، بل وتجتهد بعضها أحياناً في اختراع قصص خاصة بها، كما فعلت قبل فترة قصيرة صحيفة "تشرين" السورية التي نشرت تحقيقاً عن ولادتين مشوهتين مع صورتين لتشوهاتهما المأساوية، ومقابلات مع بعض الأطباء الذين تابعوا الحالتين وحالات مشابهة لهما، حيث أدلوا بآراء علمية منطقية عقلانية حول الأسباب المحتملة للتشوهات الجنينية، وهي ليست قليلة. وركزوا على أهمية المتابعة الطبية للحوامل وإجراء الفحوصات اللازمة للكشف المبكر عن تلك التشوهات خصوصاً وعن الأمراض عموماً. وبغض النظر عن أحقية أو عدم أحقية صحيفة عامة في نشر صور التشوهات المأساوية، وهو أمر موضع جدال ولا شك، (وإن كنت أرفضه شخصياً، وأقبله فقط في مجلات طبية أو علمية متخصصة) فإن المفارقة الكبيرة تمثلت في عدة أسطر على صدر الصفحة الأولى للصحيفة نفسها تروّج للتحقيق المنشور في صفحة داخلية، وتطلب الصحيفة في تلك الأسطر من القراء أن لا يقرؤوا الخبر لقساوته ( كذا بالحرف )، وتعتبر أنها تنشر الصور بسبب ما سمته "الضرورة المهنية" ومن أجل "تسليط الضوء على ما يمكن أن ينتجه زواج الأقارب كأحد الأسباب المساهمة لولادات مشوهة". مع العلم أن الحالتين المعنيتين ليستا ناجمتين عن زواج الأقارب, بل عن غياب المراقبة الطبية خلال الحمل. وهو ما كان ينبغي التركيز عليه تماشياً مع مضمون التحقيق والمقابلات التي ضمها. ومع إيماننا المطلق بأهمية التوعية بخصوص زواج الأقارب وما يمكن أن يؤدي إليه من نتائج مأساوية، إلا أن هذه الغاية النبيلة لا تبرر ليّ عنق الخبر وتضخيم جزء منه على حساب أجزاء أخرى أكثر أهمية وخطورة، في الحالتين المعنيتين على الأقل.
ليس هذا المثال، في النهاية، بعيداً عن المثال الأول المتعلق بأنفلونزا الرجال، لكن كليْهما ـ بطبيعة الحال ـ أدخل في أسلوب التضخيم الإعلاميّ الذي يخاطب الغرائز قبل العقول، والأهواء قبل الأفكار، وأبعد ما يكون عن العقلانية التي تعني في أبسط تعريفاتها ربط الأسباب بالمسببات والنتائج بالمقدمات.