التنوير والتربية: مسارات أولية المسار الفرنسي: من ثورة 1789… إلى نظام الجمهورية الثالثة (1870-1945)

{{تقديم}}

إذا كان التنوير في مضمونه العميق والدقيق – وحسب التحديد الكانطي الشهير- هو اكتساب حال الخروج من القصور إلى الرشد، وبالتالي، اكتساب الإنسان القدرة والجرأة على ممارسة التفكير العقلي [“لتكن لديك الشجاعة لاستخدام عقلك! ذلك هو شعار التنوير.”]،فمسألة التربية تحتل في هذا السياق موقعا معتبرا بل مركزيا وحاسما. ومن هنا – بدون شك- اقتران صفة الفيلسوف بصفة المربّي إلى حدّ نعت قرن الأنوار في فرنسا –مثلا- بقرن الفلاسفة وفي ألمانيا بقرن المربين أو البيداغوجيين، باعتبار أنّ هؤلاء وأولئك هم من عمل على نشر الأنوار الحديثة وإشاعتها ضد ظلام الجهل والتعصب الموروث عن العصور الوسطى…وهذا عمل فلسفي…تربوي… بيداغوجي… بامتياز.

لكن ماذا عن التربية في معناها المحصور من حيث هي بالأساس عملية تعليمية- تعلمية مؤطرة برؤية وقواعد ومؤسسات؟ وكيف حضرت كمسألة وقضية في فكر التنوير وتبلورت في سياق تبلوره التاريخي العام على امتداد القرن الثامن عشر بالخصوص وما بعد؟ وكيف تجسّدت في نماذج تربوية محددة يمكن إبرازها بهذه الصفة في القارة الأوروبية والأمريكية (= النموذج الفرنسي، النموذج الألماني، النموذج الأمريكي؟)

1- المسار الفرنسي:من ثورة 1789…إلى نظام الجمهورية الثالثة (187O-1945).

لقد ارتبطت ثورة 1789 في فرنسا بشعار “حرية، مساواة، إخاء” وإعلان “حقوق الإنسان والمواطن”، كما ارتبطت – وهذا غير معروف كثيرا- بوضع “المشاريع” التربوية و”البرامج” التعليمية من أجل “تحقق” الشعار و”تطبيق” الإعلان. وعليه، فقد احتلت المسألة التربوية/ التعليمية موقعا أساسيا وحيويا في فكر الثوار وممارستهم… . ويحضر هنا –على الفور-اسم كوندورسيه رئيس “لجنة التعليم العمومي” التابعة لـ”المجلس التشريعي”. كما أنه، وعلى امتداد العقود التالية (بالضبط من حكم نابليون بونابرت في 1798إلى نهاية الإمبراطورية الثانية في 1870)، عرفت المسألة التربوية/التعليمية في فرنسا منعطفات وارتدادات قامت “الجمهورية الثالثة” بحصرها وتجاوزها في نطاق ما دعي بـ”التعليم الجمهوري”.

–كوندورسيه Condorcet(1741-1794)

انخرط المركيز Antoine Caritat de condorcet في ثورة 1789 من موقع تشبّعه بفكر التنوير و”فلسفة الأنوار” (Crampe-Casnabet M : Condorcet, lecteur des lumières, Paris,PUF, 1985 ) حيث إنه كان –بالخصوص- قريبا من ديدرو ومشبعا بفكر “الموسوعيين”، وكان يرى في حدوث “الثورة” وعدا بقدرة “الأنوار” (=العقل) على الانتصار على “الظلام” (الاستبداد والتعصب). لذا وقف بكل ثقله المادي والرمزي في خندق المبشرين بقدرة الإنسان على تجاوز ذاته باستمرار، وبالتالي، إمكانية ميلاد “الإنسان الجديد” – الإنسان المستنير- عبر عملية التربية والتعليم التي ينبغي أن تكون في مقدمة مسؤوليات السلطة الثورية الجديدة. وعليه، سعى كوندورسيه من موقعه كرئيس لـ”لجنة التكوين العمومي” إلى وضع معالم مشروع تربوي تنويري تضمنه –بالخصوص- تقريره “حول التنظيم العام للتكوين العمومي” والمقدم إلى المجلس التشريعي بتاريخ 20و21أبريل 1792.

ومن جهة أخرى، فلقد انتهت حياة كوندورسيه نهاية مأساوية: اعتقل بتهمة “الخيانة” في عهد “الإرهاب الثوري الأعمى”، فتجرّع السم في سجنه حتى لا يعدم بالمقصلة، فأجهض مشروعه التربوي التنويري-كما أجهض الكثير من أحلام الثورة التي نعتها كانط بـ”الحادث الجلل” وحياها هيجل باعتبارها “فجرا جديدا”. والواقع أن قراءة متأنية في نص التقرير المذكور (النص موجود في: Ecrits sur l’instruction publique (2volumes),Paris,Edilig ,1989) تكشف عن تضمنه لما يمكن اعتباره “رؤية فلسفية وسياسية واضحة ومحددة” لكوندورسيه فيما يخص ثورة 1789 والنظام الجمهوري المنبثق عنها، وموقع مسألة التربية والتعليم في هذا الصدد.

” ليست الجمهورية هي الاستبداد المتنور ضدا على المساواة، كما أنها ليست، كذلك، “الإجماع على الطريقة القديمة” حسب روسوl’unanimisme à l’antique de Rousseau ضدا على القابلية للتحسين. وهكذا، وعلى الصعيد البيداغوجي، فكوندورسيه يستبعد التعليم الخصوصي Le préceptorat privé المنافي للعدالة، ويستبعد التربية العمومية المنافية لاحترام الأفراد وفكر التنوير: والتعليم العمومي هو الذي سيتجاوز هذه التناقضات البيداغوجية “”.( Charles Coutel : La République et l’école (textes choisis et présentés), Paris, Presses Pocket, 1991, p16.)

وهكذا، فكوندورسيه يدرك في التعليم الجديد [الجمهوري] ليس آليات للإخضاع الجديد أو التوجيه في منحى هذه العقيدة أو تلك، ولكن صورة ومضمون تعليم الأفراد وليس تربية الجموع. إن كوندورسيه يميز تمييزا دقيقا وصارما بين التعليم/التكوين instructionوالتربية éducation .ولا يعني هذا البتة أن التعليم/التكوين هو خال من كل تربية بمعنى أنه-مثلا-نفعي خالص.إن كوندورسيه هو –فكريا- “فيلسوف تنويري” خالص و-سياسيا- هو “جمهوري ديمقراطي” خالص: فما هو السبيل إلى بناء ذات الشعب المتنور بدون سلب الأفراد حقوقهم الأساسية (حقوق الإنسان) و بدون السقوط في وضع التسخير السياسي والعقائدي الفج.هذا هو الإشكال الذي تصدى له كوندورسيه رئيس لجنة التعليم العمومي التابعة للمجلس التشريعي “الثوري” مقترحا من أجل حله وتجاوزه مشروعا تعليميا/تربويا عاما يركز على ما يلي:

نقل المعارف وتمرين العقل.

تعليم إجباري وحر [لائكي]مستند إلى مبدأي المواطنة المستنيرة والانتماء إلى الإنسانية الشاملة.

منهج بيداغوجي يستبطن عناصر التفكير العقلاني (ديكارت) والتحليل التجريبي (لوك وكوندياك) والتركيب والتداخل ما بين المعارف (روح “الموسوعة”).

***

تراجعت أفكار الثورة التربوية والتعليمية مع تراجع الثورة ذاتها بحيث إن قانون 3برومير عام 4 (25 أكتوبر1795) لم يسع إلى تنظيم التعليم العمومي من داخل روح الثورة إذ أنه أهمل المدارس الابتدائية وركز على التعليم الثانوي والعالي. وفي نفس السياق سار نظام نابليون بونابرت منذ انقلاب 9نوفمبر 1799ملحقا المدرسة والنظام التعليمي عموما بنظام الدولة الذي كان هو على رأسه: “فالثورة نظرت إلى التعليم باعتباره واجبا على الدولة إزاء المواطن، ونابليون كان يعتبر مصلحة الدولة وحاكمها قبل كل شيء “.ومع عودة الملكية La Restauration في 1815عاد التعليم إلى حضن الكنيسة.ولم تطرح مسألة التربية والتعليم من جديد إلا مع قيام ثورة 1830لتحل حلا توفيقيا من خلال قانون1833 الذي أعاد بالخصوص طرح مسألة التعليم الابتدائي تاركا إياه على عاتق الجماعات المحلية Les communes بالإضافة إلى طابعه الاختياري. وبعد ثورة 1848 ستتقوى –بالخصوص- نزعة التعليم الشعبي بتأثير من تقدم الأفكار الاجتماعية و الاشتراكية –من جهة- وحاجة الرأسمالية ذاتها إلى أيدي عاملة مؤهلة نسبيا-من جهة أخرى Benigno cacérès : Histoire de l’éducation populaire ,Ed du Seuil, Paris, 1964.)

لكن قيام الجمهورية الثالثة في سبتمبر 1870 هو الذي سيفتح الطريق واسعا أمام قيام نظام تعليمي فرنسي جمهوري إجباري مجاني ولائكي. وهنا لابد من التوقف عند الرواد الثلاثة الذين بنوا صرح هذا التعليم تشريعيا وسياسيا ونظروا له بيداغوجيا وفكريا: جول فيري، فرديناند بويسون، إميل دوركهايم.

جيل فيري Jules Ferry (1832-1893):

يمثل جيل فيري في شخصه وفكره ومساره السياسي كل تناقضات الجمهورية الثالثة بما جسدته من نزوع إلى التغيير من داخل المحافظة والحرص على أمن ووحدة وسلامة وضع المجتمع القائم. فلقد مر قرابة القرن على وقوع الثورة الفرنسية الكبرى بما رافقها من أحداث أليمة ودرامية كما تعاقبت على المجتمع الفرنسي سلسلة انقلابات وثورات وثورات مضادة في اتجاه “اليمين” أو “اليسار” نتج عنها اهتزاز شامل وجذري للمجتمع الفرنسي…وها هي فرنسا تنهزم هزيمة شنيعة أمام ألمانيا الناهضة نهوضا قويا بفضل وحدتها “القومية” القوية التي تستمدها أساسا من وحدتها “الروحية” و”الفكرية” الراسخة. إن ألمانيا لم تنجح –فقط- في إصلاحها الديني (الذي تم في سلاسة نسبية) ولكنها وفرت لنفسها نظاما تعليميا وتربويا نجح في بناء الفرد الألماني الموحد نفسيا وفكريا بالاستناد إلى فكرة الوطنية (و القومية) الألمانية ذاتها. وهكذا راج بأن “المعلم الألماني” هو الذي انتصر حقيقة في حرب 1870. وعليه انطلق في فرنسا –مع قيام الجمهورية الثالثة- مشروع وطني ومجتمعي شامل للتربية والتعليم ليس من المبالغة القول بأنه يرتبط تاريخيا باسم جيل فيري.

لقد كان ج.فيري محاميا وصحفيا لامعا وسياسيا ماهرا (انتخب نائبا برلمانيا في 1869 وعين وزيرا للتعليم من 4فبراير 1879 إلى 23 سبتمبر 1880، ورئيسا للحكومة من 23 سبتمبر 1880 إلى 10 نونبر1881) متشبعا بمذهب أوغست كومت الوضعي positivisme، وبالتالي، فهو كان يرى في تعميم التعليم والتربية فضيلة من شأنها الحد من أنانية الفرد الطبيعية وإدماجه في المجتمع الكلي(Claude Leliévre : Jules Ferry, la République éducatrice .Hachette Paris, 1999 , p 27.) لذا جاءت كل المبادرات والقرارات والقوانين التعليمية المرتبطة باسمه تصب في خانة التأسيس للمدرسة ” المجانية والعلمانية والإلزامية”-مع هذا التنبيه الضروري والهام: لم يكن ج. فيري ثوريا طوباويا يحلم بالمساواة التامة أو ماديا علمانيا يعادي الدين عداء جذريا. فجول فيري هو مدافع صلب عن تعليم الشعب (=التربية الشعبية أو التعليم العمومي)، ولكن من داخل “استقرار” الأوضاع والمراتب وليس قلبها. ف”المدرسة الابتدائية المجانية والعلمانية والإلزامية ” –التي تقع في قلب مشروع جيل فيري التربوي/التعليمي- يلزم أن تتجه أساسا إلى تكوين المواطن المندمج والمتشبع بقيم “الجمهورية”. وهذا مغزى رفع شعار “الجمهورية المربية” la République éducatrice .أما فيما يخص الدين فموقف جيل فيري واضح وصارم: نحن أردنا وخضنا الصراع ضد الأكليروس؛ أما الصراع ضد الدين [فلا نريده ولا نخوضه] أبدا.أبدا (من خطاب مؤرخ ب10يونيو 1881).بل تم تقرير عقوبات ضد المعلمين الذين يقدمون تعليما ضد الدين. إن وظيفة المعلم هي أولا وأخيرا تقديم صورة ونموذج “الأخلاق الجمهورية” La morale républicaine ،باعتبارها ما يؤسس لتربية وطنية مبنية على مفاهيم الواجب والحق، وبالتالي، استبدال التربية الدينية بالتربية الأخلاقية (من مذكرة حكومية مؤرخة ب17نونبر1883).

–فرديناند بويسون Ferdinand Buisson (1841-1932)

شغل ف.بويسّون منصب مدير التعليم العمومي من 1879 إلى 1896، وبهذه الصفة كان مساعدا رئيسيا لجيل فيري إبان تولي هذا الأخير لمنصب وزير التعليم بالخصوص. لكن ف.بويسّون تجاوز بكثير منصبه الإداري الوظيفي إلى المساهمة الرائدة والحاسمة في بناء صرح التعليم الجمهوري الجديد- وهذا بالخصوص على مستوى إشرافه على وضع قاموس البيداغوجيا والتعليم الابتدائيDictionnaire de pédagogie et d’instruction primaire وطرحه التنظيري المتقدم لواقعة “المدرسة اللائكية” ومسألة اللائكية عموما.

لقد صدر الجزء الأول من قاموس البيداغوجيا والتعليم الابتدائي في مارس 1880 والجزء الرابع (والأخير) في أبريل 1878، مما مجموعه 1839 مقال منشورة في 5600 صفحة بمشاركة 359 كاتب. وعليه، نكون إزاء “موسوعة” تنويرية جديدة لكن خاصة بمجال التربية والتعليم.( Dictionnaire de pédagogie et d‘instruction primaire, Paris, Hachette, 1878-1887 ,4 volumes- Nouveau Dictionnaire de pédagogie et d’instruction primaire, Paris, Hachette, 1911.)

أما فيما يخص مسألة اللائكية عموما وواقعة “المدرسة اللائكية” خصوصا فيمكن –عموما- تسجيل ما يلي: يحدد بويسّون المدرسة اللائكية l’école laïqueفي عدم الخلط بين التعليم الابتدائي والتعليم الديني.ولا يعني هذا أن بويسون يعادي الدين أو أن اللائكية هي معاداة الدين. فالكلمة اللاتينية laïcus تحيل على الكلمة اليونانيةlaïkos المشتقة من الجذر laosالذي يعني “الشعب”. وقد استعمل هذا اللفظ –أول ما استعمل- من طرف الجماعات المسيحية الأولى -حيث بدأت معالم تراتب كهنوتي أولي في الظهور- للدلالة على الأشخاص الموجودين أو “المصنفين” –بالضبط- خارج التراتب الديني القائم…أي “العامة” و”الشعب”. وعليه، فالمعنى الحقيقي والدقيق للمدرسة اللائكية هو المدرسة “الشعبية”. والخصم الحقيقي للائكية هو سلك الكهنوت” أو “رجال الدين” le clergé وليس الدين.

فالجذر اللاتيني ل le clergéهو اللفظ اللاتيني clericus المقابل للصفة اليونانية klerikos المشتقة من المصدر kleros التي أصبحت تدل على معنى le clergé التي تحيل في معناها الأصلي على lot بمعنى حصة أو فئة.وعليه،فالذين ينتمون إلى klerosهم الذين يشكلون “الفئة الخيرة” le bon lot ، فئة “المختارين”، أي –في البداية- المسيحيين مقابل غيرهم، ولاحقا، داخل المسيحيين ذاتهم، القساوسة مقابل الذين ليسوا كذلك.والخلاصة: سلك الكهنوت ورجاله le clergé et les clercs هم هذا الجزء من المجتمع الذي يعتبر نفسه مختارا ويزعم أنه قد تلقى رسالة إلهية لتوجيه باقي البشر؛ والعقلية الكهنوتية l’esprit clérical هي إدعاء هذه الأقلية سيطرتها على الأغلبية باسم دين معين؛ واللائكيون هم الشعب أي الجماهير الكلية باستثناء رجال الدينles clercs ، والروح اللائكية هي مجموع أمال الشعب، اللاوس le laos، إنها الروح الديمقراطية والشعبية. وبالتالي، فالمدرسة اللائكية هي المدرسة الديمقراطية الشعبية حيث لا يتعلم التلميذ –وحسب- مبادئ القراءة والكتابة والحساب ولكن يتربى على أخلاق الحرية والمسؤولية والتفكير الحر la libre-pensée (أنظر:Ferdinand Buisson : article « Laïcité », Dictionnaire de pédagogie et d‘instruction primaire, 1édition, 1partie,pp 1469-1474 ; article « Laïque » , Nouveau Dictionnaire de pédagogie et d’instruction primaire, p939.

–إميل دوركهايم Emile Durkheim (1858-1917):

هو أحد رواد السوسيولوجيا العامة والمؤسس الحقيقي لسوسيولوجيا التربية باعتبارها فرعا سوسيولوجيا تخصصيا يهتم بدراسة أنظمة التربية والتعليم. فدوركهايم درس بالخصوص الظواهر الاجتماعية من حيث هي وقائع قابلة للملاحظة الموضوعية.وهنا منح للعلم الجديد الناشئ –علم الاجتماع- قاعدته العلمية (الوضعية؟) الصلبة. كما أنه درس النظام التعليمي والتربوي الفرنسي في مستوييه الدياكروني (الدينامي) والسانكروني (الستاتيكي) (L’évolution pédagogique en France Alcan, 1938 ; réed « quadrige » PUF, 1990.) فكشف عن العلاقة الوثيقة بين التاريخ وعلم الاجتماع، وبالتالي انخراط عالم الاجتماع –الذي كانه دوركهايم بامتياز- في قضايا الحاضر المجتمعية والسياسية.

فدوركهايم اختار موقعه –من جهة- كعالم اجتماع ملاحظ ومحلل-ومن جهة أخرى- كأستاذ مدرس بالخصوص لمادة البيداغوجيا (في معناها العام) ضمن الواقع الفرنسي (والأوروبي) الذي كان يمور بالوقائع والأحداث التاريخية الحاسمة. وبهذه الصفة الأخيرة ألقى الدروس والمحاضرات على المعلمين والطلبة ( – Education et Sociologie, Alcan, 1922 « Quadrige », PUF, 1992.-L’éducation morale, Alcan, 1924 ; « quadrige », PUF, 1992.)

فعلى غرار جيل المفكرين والسياسيين الذين بنوا صرح الجمهورية الثالثة كان دوركهايم يدرك الأهمية الحيوية بل والاستراتيجية للمسألة التعليمية خاصة والتربوية عامة. فالمجتمعات البشرية لا تتكون وتنبني كمجرد حصيلة حسابية لتجمعات عناصر ينضاف بعضها إلى بعض. فالمجتمع –أي مجتمع- هو غير المجموع الحسابي لعناصره المكونة الأصلية. ولكن خلال عملية تكون المجتمع- وهي عملية “تاريخية” مركبة – تنشأ وحدة جديدة ليست هي تماما مجرد المجموع العددي للوحدة الأصلية.فوحدة “عضوية”organique جديدة تبرز يسندها “وعي جمعي” conscience collective يعد هو العنصر اللاحم للمجموع الجديد. ومن هنا أهمية وجود القيم الإيجابية (قيم العقلانية والمواطنة) وهيمنتها في تكوين المجتمع السليم مقابل المجتمع المختل اللاقيمي أو الأنومي a-nomique.والتربية هي مجال وقناة انتقال القيم المجتمعية الإيجابية من الجيل الراشد إلى الجيل الناشئ. وهذه هي وظيفة المدرسة والمدرس بامتياز.

***

يميز دوركهايم –بداية- بين “النظريات التربوية” أو “البيداغوجيا” وبين “علوم التربية”.

فالأولى –على غرار نظريات روسو و بستالوزي و فروبل مثلا- تهتم خاصة بما يجب أن يكون (= المثال التربوي) بينما الواقعة التربوية من حيث هي قائمة الآن وتعمل عملها في الحاضر هي ما يهم عالم التربية المتسلح بمنهج الملاحظة الموضوعية والقياس المقارن. كما أن الوقائع التربوية ليست موجودة في المطلق أو أنها تخضع في وجودها لإرادة فرد أو أفراد وتعمل بمنطق الرغبة والمزاج: ” في الواقع، فالتربية القائمة في مجتمع محدد ومنظور إليها في لحظة معينة من تطورها هي مجموعة من الممارسات وأشكال الفعل والسلوك والعادات التي تشكل مجتمعة وقائع تامة التحديد ولها نفس حقيقة الوقائع الاجتماعية الأخرى. فعلى عكس ما اعتقد لمدة طويلة من قبل، فالوقائع التربوية ليست إلى هذا الحد أو ذاك مجرد تركيبات عشوائية اصطناعية لا تدين بوجودها إلا لرغبات نزقة ومتبدلة باستمرار. إنها بالعكس تشكل مؤسسات اجتماعية حقيقية (…) ومن جهة أخرى، فكل الممارسات التربوية ومهما تكون الاختلافات التي فيما بينها فهي تشترك في طابع أساسي: إنها تنتج جميعها عن التأثير (أو الفعل) الذي يمارسه جيل [راشد] على آخر ناشئ بهدف إعداده للتكيف مع الوسط الاجتماعي الذي هو مدعو للعيش فيه. وبالتالي، فالوقائع التربوية كلها هي مجرد تمظهرات متباينة لهذه العلاقة الأصلية. وعليه، فهي وقائع من نوعية واحدة وتصدر عن ذات المقولة المنطقية مما يجعلها قابلة لأن تكون موضوعا لعلم واحد هو علم التربية”.

وهذا العلم – في منظور دوركهايم- لا يمكن أن يكون إلا سوسيولوجيا بامتياز: فمن أية جهة ننظر إلى التربية فهي تتقدم نحونا دائما بنفس الطابع [الاجتماعي] سواء تعلق الأمر بالأهداف التي تنشدها أو بالوسائل التي تستعملها فهي دائما لضرورات اجتماعية تستجيب وعن أفكار ورغبات اجتماعية تعبر.

فالمجتمع البشري هو بالأصل تجمع لأفراد وفئات وجماعات تعيش أو تتعايش فيما بينها بمنطق التعاضد والتدافع. وكل فرد هو ذرة (بنية عقلية وسيكولوجية) ، وكل جماعة هي وحدة علائقية ومصالحية. وكلما كبر حجم المجتمع/التجمع زاد تعقده وراحت تهدده نوازع التفكك والانحلال. فالنفسيات تتفرد أكثر والعلاقات تتشابك والمصالح تتميز. والمجتمع الذي هذا هو حاله لا يمكن أن يستمر في الوجود –فضلا عن الارتقاء والتطور السليمين- إلا إذا توفر عنصر الربط والالتحام بين تذرر الأفراد وسديمية الجماعات. وهذا هو دور الأفكار والتصورات الجماعية التي هي نوع من “الوعي الجماعي” الذي هو نوع من الاتحاد الشعوري communion ونوعية الإحساس بروابط الجماعة. فما يضمن عيش واستمرار المجتمع هو –أساسا- ما يضمن تماسكه المادي (= عوامل الإدماج) ووحدته المعنوية (عوامل الضبط و الانتظام) .وهذا ما تسنده إرادة في العيش المشترك تنتج عنها حالة نفسية جماعية وتترجمها مؤسسات اجتماعية تؤثر بدورها –ارتدادا- في الوعي الجماعي وهو ما ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار في مقاربة الوقائع الاجتماعية من حيث هي نظام تتشابك داخله المراتب البيولوجية والنفسية والجماعية.

وتحتل الواقعة التربوية موقعا مركزيا ضمن نظام المراتب والعلاقات المتشابكة هذه ” باعتبارها الفعل الذي تمارسه الأجيال الراشدة على الأخرى التي ليست بعد ناضجة للحياة الاجتماعية. فهدف التربية هو إثارة وتطوير نوع من الحالات الفيزيقية والذهنية والأخلاقية لدى الطفل[وهي الحالات] التي يتطلبها منه المجتمع السياسي ككل والوسط الخاص الذي هو (أي الطفل) موجه للعيش داخله” فالتربية (في مفهوم التنشئة الاجتماعية) هي التي تعيد خلق الكائن البشري وتجعل منه إنسانا بالمفهوم الاجتماعي والأخلاقي للكلمة، بحيث تهيئ الفرد للانخراط ضمن المجموع المركب بدون أن يعني هذا البتة تحييده كموقف فضلا عن إذابته كذات. ففردانية الفرد من حيث هو إنسان هي معطى بارز بل ومقدس إلى حد أن دوركهايم كتب: “كل مس بحياة الإنسان وحرية الإنسان وشرف الإنسان يلهمنا إحساسا بالذعر شبيه بالذي يحسه المؤمن وهو يرى معبوده يدنس.”

وعليه، فإنسانية الإنسان هي واقعة جديرة بالتقدير والتقديس مثل وقائع أي دين سماوي أو أرضي مع هذا التمييز الفارق: إن الدين هنا هو دين المجتمع وقد تمثل الفرد قيمه الإيجابية (= قيم العقلانية والتضامن) بحيث يصح الحديث -في منظور دوركهايم- عن نوع من “الدين المدني”. وهذا ما يدعو دوركهايم تحديدا بالتربية الأخلاقية ويعني بها “التربية التي لا تستند إلى المبادئ التي تقوم عليها الديانات المنزلة، وإنما ترتكز فقط على أفكار ومبادئ يبررها العقل وحده،أي أنها في كلمة واحدة تربية عقلية خالصة”

ومهما يبدو التأثير الكانطي (أو بتعبير أدق الكانطي الجديد) هنا واضحا، فدوركهايم لا يغفل لحظة عن ربط الأخلاق بالمجتمع. وعليه، فهو يحدد عناصر الحياة الأخلاقية في اثنين: روح الخضوع للنظام la discipline و التعلق بالهيئات الاجتماعية (وهذا هو موضوع الجزء الأول من كتاب التربية الأخلاقية المعنون ب”عناصر الحياة الأخلاقية”، مقابل الجزء الثاني المعنون ب” كيف نكون العناصر الأخلاقية عند الطفل؟” ).

فالتربية الأخلاقية لا تتحدد أو تنحصر في ممارسة الوعظ والإرشاد أو إبراز قائمة طويلة للفضائل والتعهد ب”تربية” النشء عليها، فالأول عمل عقيم والثاني عمل فج ومثالي. والمطلوب هو “أن نبحث عن الاستعدادات الأساسية والحالات الذهنية التي تقوم عليها الحياة الأخلاقية…والاستعانة بالوسائل الملائمة [البداغوجية] لتنمية هذه الاستعدادات العامة بل لخلقها خلقا[ لدى الطفل]”. وفي مقدمة ما ينبغي أن “يتربى” عليه الطفل (= الناشئ) هو الانضباط والقدرة على التحكم في نوازعه الطبيعية والميل نحو الاعتدال. وهذه هي “الروح العامة” أو l’ethos التي ينبغي أن تهيمن كأخلاق تحل محل الدين القديم في القيام بصهر لحمة المجتمع الجديد الذي تفككت وحدته الأصلية [الميكانيكية] بفعل عملية التطوير والتحديث ويتجه راهنا، ومن داخل وحدته الجديدة [الوحدة العضوية] لتمتين وتحصين ذاته ضد أخطار التفكيك والأنوميا. وعليه، فالمهم بالنسبة لدوركهايم ليس هو نقل معارف أو إكساب التلميذ مهارات مهنية بقدر ما أن المهم هو إشاعة وتثبت “الروح العامة” الخاصة بمجتمع معين يعيش صيرورة الانتقال التاريخي وبالتالي ضمان حسن مآل هذا الانتقال إلى حد تقرير دوركهايم – مثلا- بأن الانضباط المدرسي كمنظومة من الواجبات و الإكراهات هو بنفس أهمية –إن لم يكن أكثر- مجرد نقل المعارف المدرسية.