
{{لأطروحة الأولى : ما هو التنوير؟}}
لن نعيد هنا طرح هذا السؤال الحاسم ونحاول الإجابة عليه – مثلا- من خلال قراءة (أو إعادة قراءة) النص الشهير للفيلسوف الألماني إيمانويل كانط. فهذا العمل ليس متجاوزا ولكنه متيسر لمن له اطلاع أدنى على الفكر الفلسفي العام. وبالمقابل، فنحن نريد أن نجتهد ونسجل ملاحظات ثلاثا في هذا الصدد
الملاحظة الأولى : لا يقابل التنوير-حصرا وعلى عكس ما هو شائع- مجرد فلسفة القرن الثامن عشر في فرنسا ( = فلسفة الأنوار)، ولكن في القرن الثامن عشر –تحديدا- تم إرساء ما يمكن التعبير عنه بـ”رؤية فكرية” حديثة هي، من جهة، مرتبطة بتجربة أوروبا في التحديث (ما يدعوه ولارشتين Wallersteinب”الرأسمالية التاريخية)، وهي من جهة أخرى، نتاج نضال النخب الأوروبية (بالخصوص في هولندا و إنكلترا وفرنسا وألمانيا) في سبيل انتصار قيم العقل والحرية والتقدم وترسيخها ضد واقع الخرافة والاستبداد والجمود الموروث عن عصور “الظلام” أو القرون الوسطى في أوروبا… وهذا هو مضمون فكر التنوير بامتياز.
الملاحظة الثانية : هذه “الرؤية الفكرية ” الحديثة القائمة على أساس فكر التنوير وقيمه هي التي ستتحول إلى قاعدة التأسيس للفكر الأوروبي الحديث والمعاصر. ففي هذه الفترة سيغادر الوعي الأوروبي– وبمعنى من المعاني- دائرة “أزمته” التاريخية الطاحنة والحادة، وينخرط في مشروع التأسيس لحداثته. والتنوير ليس مقدمة الحداثة وحسب، بل هو أسّها ولبّها وزمنها المشرع وأفقها المفتوح دوما ودائما : فالعقل الأوروبي المنعوت تحديدا بالعقل الحديث أو الحداثي إنما هو كذلك باعتباره تأسس على قيم العقل والحرية والتقدم (= قيم التنوير بامتياز)، واستوعبها وبمعنى من المعاني-أصبحت هي “روحه” (هيجل -فنمنولوجيا الروح).
وبالتالي، فكل حديث في هذا الصدد عن النقد(نقد “الحداثة”)، فضلا عن القطيعة (فكر “ما بعد الحداثة”) يلزم تنسيبه وإدراك دلالته الفكرية والتاريخية الدقيقة والصائبة. فيورغن هابرماس كتب “الحداثة مشروع لم يكتمل” ونحن نكتب ونؤكد : “الحداثة مشروع تنويري لم يكتمل”.
الملاحظة الثالثة: ارتباط فكر التنوير تاريخيا بقيام الرأسمالية في أوروبا (انطلاقا من النصف الثاني من القرن الخامس عشر)… وتجربة التحديث الفكري والسياسي لمجتمعاتها التي قادتها –ظافرة- النخب الأوروبية في القرن الثامن عشر، لا يعني –ضرورة- انحسار فكر التنوير في دائرة خصوصية ثقافية وجغرافية بل و”عرقية” مزعومة. فالدراسات والبحوث التاريخية و السوسيولوجية المعاصرة حول “النظام الرأسمالي”مثلا، تطورت بما يكفي لتأكيد البعد العالمي المعقد والمتشابك لبروز الرأسمالية ونموها وهيمنتها من جهة، كدورة شاملة من دورات النمو الإنساني العام وليس كمجرد ظاهرة ومعزولة ؛ ومن جهة أخرى، بروز وترسخ واقعة “الاقتصاد العالمي” الرأسمالي Economie-Monde capitaliste. ومن هنا ضرورة مقاربة فكر التنوير بمنهاج شمولي منفتح ينتج عنه ما نسميه نحن بفكر التنوير الإنساني، باعتبار أن الحداثة ليست مجرد تحقيق لـ”روح” رأسمالية أوروبية مزعومة بنفس درجة أن الرأسمالية ليست -وحسب- تحقيقا لـ”أخلاق” بروتستانتية معينة (ماكس فيبر)، ولكنها، أي الحداثة، نقطة انصهار لمثال “النهضة” و أخلاقيات “الإصلاح الديني” وقيم “العقلانية” و “التجريبية”، بنفس درجة أن “النهضة” و”الإصلاح الديني” و”العقلانية” و “التجريبية” فعلت فيها فعلها مؤثرات ثقافية غير أوروبية(فلسفة ابن رشد الإسلامية العقلانية مثلا). وبالتالي، فالحداثة في مضمونها التنويري الدقيق والعميق هي معطى إنساني شامل شمولية مفاهيم الحرية والعقل والتقدم التي هي مضمون فكر التنوير بامتياز وبالتالي جواز حديثنا هنا عن فكر التنوير الإنساني عموما.
{{الأطروحة الثانية: ما هي الثقافة؟}}
الثقافة قديمة قدم الاجتماع الإنساني، وبهذا المعنى فهي تفيد ما به تأسس ويتأسس الاجتماع الإنساني نفسه، وعليه تتعارض الثقافة مع الطبيعة. بل إن الثقافة لا تتأسس إلا بتجاوز الطبيعة و أنسنتها. ومن هنا تكون الثقافة ملازمة للشرط الإنساني اجتماعا وسلوكا وتفكيرا وإحساسا بالعالم المرئي والعالم ” اللامرئي “. فتتداخل هنا الثقافة مع عملية التنشئة الاجتماعية، أي تصير دالة لا على مجرد المعرفة والرأسمال الرمزي الذي تملكه – بحكم الموقع الاجتماعي والتكوين الثقافي –فئة محظوظة (المثقفون)، وهذا هو المعنى المحصور لكلمة أو مصطلح الثقافة، و لكن تدل على ما هو أوسع وأشمل : الرؤى والأفكار والتخيلات الموعى بها أو غير الموعى بها والتي من خلالها يتمظهر وجود الجماعة الفعلي والكامن مجسدا في مظاهر وسلوكات شتى. وهنا يصح الحديث عن تعدد الثقافات في منظور أن هذه الثقافات تتقارب أو تتباعد، تتنابذ أو تتحاور…
بتعبير آخر : إن الثقافات في العالم هي متعددة بتعدد أشكال الاجتماع البشري الخاصة وصيروراته التاريخية المختلفة، وبالتالي، فلكل شعب ثقافته الخاصة مجسدة في أنماط العيش وفي فنون التعبير وأنماط الأفعال وردود الأفعال المختلفة، ومن هنا ضرورة ومصداقية دعوة هذه الثقافات إلى الحوار فيما بينها كسبيل وحيد للتعايش في عالم واحد هو عالم الإنسان. ولكن هذا الإنسان له تاريخه الحضاري العام الذي مر بدورات تاريخية شتى لعبت فيها شعوب ومجتمعات بعينها أدوارا حضارية رائدة (من حضارات الشرق الأدنى إلى حضارة اليوم المعولمة)، وبالتالي، فالحضارة الإنسانية اليوم هي أو ينبغي أن ينظر إليها على أنها خلاصة هذه الصيرورات الطويلة من خلال إفرازها لقيم الحرية والعقلانية والتقدم (وهذه هي قيم التنوير بامتياز)، وإعلائها هذه القيم حد مرتبة الكونية والشمولية الإطلاقية. وعليه نسجل الخلاصة الحاسمة التالية: من جهة، تعددية الثقافات المدعوة إلى الحوار فيما بينها على قاعدة ما هو مشترك إنسانيا وكونيا أي قيم التنوير، ومن جهة أخرى، واحدية الفكر الإنساني واستمراريته مجسدا في قيم التنوير التي لا بديل لها إلا الظلاميات الجديدة وصراع البربريات عوض صراع الحضارات المزعوم.
–Wallerstein (I) : Le capitalisme historique ,Ed La découverte, Paris,1990 .
2 Paul Hazard : La Crise de la conscience européenne, Ed Boivin, 1935 :
3 – Habermas(J) : La modernité un projet inachevé, in revue Critique n413
–نشير هنا بالخصوص إلى عملين اثنين رائدين:
Fernand Braudel : Civilisation matérielle, économie et capitalisme, A colin, Paris, T1 (1967), T2 et T3 (1979)
Immanuel Wallerstein : Le système du monde du XV siècle à nos jours, 3tomes, Flammarion , Paris.