التنويع على فكر العبث، مسرحا وسينما، في “موت روزنكرانتز وغلدنست” لتوم ستوبارد

 في 11 أبريل من عام 1966 عُرضت للمرة الأولى مسرحية “موت روزنكرانتز وغلدينسترن” لكاتبها الشاب توم ستوبارد (آنذاك كان عمر ستوبارد 29 عاماً فقط) في مهرجان أدنبره في اسكتلندا ومنذ ذلك الحين تنبه النقاد وعشاق المسرح في كل مكان إلى ولادة نص مسرحي ممتع ومشوق، لافتاً الأنظار إلى بزوغ نجم كاتب مسرحي واعد بالكثير من إمكانيات التجريب والاكتشاف.



ولعل الأمر لم يطل بستوبارد ونصه المذكور ليصبحا تحت دائرة الاهتمام بعد أن تم عرضه على نطاق أوسع داخل بريطانيا وحظي بمزيد من الترحيب النقدي والجماهيري.



ومنذ ذلك الحين يتمتع نص ستوبارد هذا (وعلى الرغم من أنه كتب ما يزيد على العشرين نصاً مسرحياً بعده) بشعبية كبيرة تجعل منه دوما ًمادةً خصبةً للدراسات النقدية التي تبحث باستمرار في علاقته بالنص الشكسبيري من جهة وفي علاقته بأجواء مسرح العبث من جهة أخرى وربما تأثره أيضاً بالعديد من الأفكار الفلسفية وبعض النصوص الأدبية والمسرحية الأخرى وإن بشكل غير مباشر (أحدها بالتأكيد هو نص بيراندللو الشهير: ست شخصيات تبحث عن مؤلف).



وعاد النص ليحتل مكان الصدارة وليشغل المهتمين من جديد، مع إنجاز ستوبارد نفسه لشريط سينمائي في أول تسعينات القرن المنصرم نقلاً عن نصه المسرحي قدم فيه رؤية فنية ممتازة بعد مرور أكثر من عشرين عاما على كتابته النص المسرحي الأصلي، ليعود هو نفسه لمقاربة نصه المكتوب مستعيناً ببعض أفضل الممثلين السينمائيين (غاري أولدمان، تيم روث، ريتشارد درايفوس، إيان غلين وغيرهم) وليضع بين أيدينا تجربة سينمائية ممتازة قادرة على التعبير عن جودة النص المكتوب وفتح الباب واسعاً للمزيد من القراءات.



يقوم ستوبارد – وكما يتضح لنا من العنوان – بأخذ شخصيتين ثانويتين من التراجيديا الشكسبيرية الأشهر “هاملت” ليجعل منهما الشخصيتين الرئيسيتين في نصه المسرحي، والقراءة المتعمقة لنص ستوبارد ستُبنى على هذا الاختيار وعلى العلاقة مع النص الشكسبيري بكل تأكيد.



قراءة تتطلب الكثير من الجهد والبحث لفض مكنونات الفيلم/النص في علاقته مع النص الشكسبيري من جهة، وفي علاقته من جهة أخرى مع نص آخر سبقه بسنين قليلة هو نص صاموئيل بيكيت “في انتظار غودو” والذي يُعتبر بالنسبة للكثيرين النموذج الأكمل لمسرح العبث أو لفكرة العبث في المسرح الأوروبي الحديث، مع الحرص على عدم إغفال الغنى الكبير الذي يحتضنه عمل ستوبارد كتنويعات على النصين الشكسبيري والبكيتي، من فكرة الوجود إلى فكرة الهوية و معرفة الذات، إلى التطرق إلى معضلة عزلة الفرد في المجتمعات المعاصرة والبحث المضني عن المعرفة، وصولاً إلى فكرة الحتمية والإرادة الحرة.



هذه التنويعات على غزارتها ربما لن تفي رائعة ستوبارد حقها، الرائعة التي خلق فيها الكاتب الشاب والمتأثر دون أدنى شك بالتحول الذي شهده المسرح الإنكليزي آنذاك نحو مزيد من الاهتمام بالطبقة العاملة وأفكارها، الأمر الذي دفعه ربما لتقديم نماذج لمفهوم البطل العصري المضاد عبر نقل أجواء الأمير الدانماركي النبيل الذي يكبله عقله الكبير وروحه المترددة ،إلى أجواء من العبث تلف أبطالها المُسيَرين بسخرية مريرة.



من هنا تبدو العلاقة أشبه بالتناص مع رائعة بيكيت، إنها عبثية الوجود الإنساني برمته ولا جدوى محاولاته المضنية في البحث عن الهدف والمعنى، فبطلا ستوبارد (وما أشبهما ببطلي بيكيت) يجدان نفسيهما نهباً لمرور الوقت دون أن يملكان من أمر قرارهما شيئاً. بالطبع سوى تبادل السجالات الكلامية الحاذقة وغير المجدية أو اللهو هنا وهناك انتظاراً لأمرٍ ملكي ما أو لصدفةٍ تجمعهما بهذا أو ذاك في أروقة قلعة ألسينور لتدفع الحدث الذي لا يملكان أن يدفعانه نحو الأمام (ويا للسخرية نحو مصيرهما المأساوي).



وعلى الرغم من رحلتهما التي كُلفا بها، وعلى الرغم من بحثهما المضني عن الهدف والمعنى لكل هذا، ومحاولة استقراء ما يحدث حولهما، يُمنع عنهما الفهم ويغيب عنهما المعنى الأساسي.



وفي إمعان منه ربما في السخرية القاسية من مصائرنا البشرية، يعمد ستوبارد إلى وضع بطليه (الضحيتين في واقع الأمر) في رحلتهما العبثية بحثاً عن الهدف والمعنى، أمام مواقف تحيلُ إلى الاكتشافات العلمية العظيمة التي عرفتها الإنسانية، كقانون الجاذبية الأرضية (مشهد سقوط للتفاحة، ومشهد لعبة الريشة والثقل الحديدي ) والمحرك البخاري (مشهد إبريق الماء الساخن) وقوة دفع الهواء والطواحين الهوائية، و كذلك دافعة أرخميدس وانزياح الماء (مشهد السفينة الورقية)، حتى – وبسخرية كبيرة – الهمبرغر، وجبة اللحم السريعة وأحد رموز هيمنة الثقافة الإميركية في عصر العولمة (نتذكرالمشهد الذي يقوم فيه “أولدمان” بصنع شطيرته في أول الفيلم) كل هذه المواقف التي يمر عليها بطلانا عابثين، وإن ولّد بعضها قليلاً من الفضول، فإن التهكم العالي الذي يختاره ستوبارد لهذه المواقف يزيدُ من التأكيد على فكرة اللاجدوى في مواجهة الحقيقة الأقوى:الموت ……وهو هنا تحديداً موتٌ حتمي بتفاصيل معروفة تنتظر الشخصيتين بمعرفة جميع من حولهم ومعرفتنا نحن، فقط روزنكرانتز و غلدنستيرن يجهلان هذا المصير!



ويبدو سؤال الهوية ومعرفة الذات سؤالاً أساسياً في عمل ستوبارد، لتكمن براعته في الاستفادة من شخصيتين ثانويتين، غير مكتملتي الملامح في النص الشكسبيري، بل وعاجزتين عن إغناء الفعل أو تطويره أو دفع مسار الأحداث، ليجعل منهما رغم كل هذا البطلين الأساسيين الآن، يدور حولهما وبشكل موازٍ عالم هاملت ومؤامرات كلاوديوس وبولونيوس ومعاناة أوفيليا. لكن ستوبارد يسبغ على بطليه نفس الصفات (التي تبدو أقوى منهما ومن قدرتهما على التمرد عليها): انعدام التميز أو اكتمال الشخصية بمعناه الدرامي والذي يُجسد حياتياً، وهي اللعبة التي دأب ستوبارد على القيام بها، لعبة مزاوجة الدرامي بالحياتي، وجعل المسرح حقاً رمزاً للحياة .



إنهما يواجهان إرباكاً ملحوظاً حتى في محاولة التعرف على اسميهما، الأمر الذي ينسحب بالضرورة على الشخصيات الأخرى جميعها، التي لا تنجح واحدة منها في التمييز بين روزنكرانتز وغلدنسترن.



وإن كان صديقانا قد واجها مصيراً مأساوياً في النص الشكسبيري وتم الاستغناء عنهما بكل سهولة ودون أن يظفرا باهتمامنا أو تعاطفنا، فقد تعمّد ستوبارد – رغم أنه أخضعهما لنفس المصير – أن يؤنسنهما إذا صح التعبير، أي أن يجعل منهم شخصيتين تنبضان بمزيد من الحياة وبالتالي تحظيان بتعاطفنا وشفقتنا ونحن نراهما يتأرجحان بين المعرفة والفهم دون أن يتمكنا أبداً من امتلاك هذا الأخير.



هي ربما شفقةٌ على أنفسنا إذن، ونحن نرى من يمثلنا ويمثل عجزنا أمام أسئلة الحياة الوجودية وضعف الإنسان أمام مصيره. لكن دون أن يعني ذلك أن ستوبارد قد جعل منهما شخصيتين مكتملتين بشكل كبير، فهو كما قلتُ سابقاً أبقى على ضحالة دورهما في تحريك الحدث في عالم ألسينور (قلعة الأمير هاملت)، أو حتى في معرفة مصيرهما الذي تعددت الإشارات لتنبئهام به لكن دون أي جدوى؟



في هذا السياق نتذكر فشلهما المتكرر في التعرف على المصير الذي ينتظرهما، حتى عندما قُدم لهما بشكل جلي في المسرحية الصامتة التي نُفذت أمام العامة، وحتى عندما أكد لهما الممثل الأول أن عدد الضحايا هم ثمان وليس ستّا فقط.



وبالطريقة التي استخدم بها ستوبارد اللغة وأدار الحوار بين الشخصيتين، عزز ببراعة من الاضطراب والحيرة التي تنتاب أبطاله أولاً، قبل أن تنتقل العدوى إلينا. فلغة ستوبارد جزء من اقتراب العمل من فضاءات العبث، حيث لا يؤدي الحوار عموماً الدور التواصلي المُناط به في المسرح، بل يعزز من عزلة الشخصية ويدفعها إلى مزيد من التخبط في عجزها عن الخروج من دوامة اللامعنى المحيطة بها، و هنا يمكن استرجاع المبارزة / اللعبة الكلامية بين روزنكرانتز و غلدنستيرن، لنجد أنها تعبر فقط عن الرغبة بالمراوغة والتملص دون أن تؤدي إلى تراكم إخباري سردي يزيد معرفتنا بالشخصيات أو حتى يزيد معرفتها بنفسها! كما نتذكر فشل الشخصيتين الذريع في مجاراة هاملت لأنهما ببساطة لا يستطيعان الكلام خارج النص. أي أنهما لم يستطيعا الكلام خارج سياق الحوار الشكسبيري، فأصابهما الارتباك واستطاع هاملت تضليلهما بكل سهولة (وهنا تذكير لا يمكن تجاوزه بمعضلة شخصيات بيراندللو الست الشهيرة).



إن ستوبارد بذلك يعزز فكرته القائلة: حقاً كم هو العالم غير مفهوم. هل هناك من معنى لأن يتكرر سقوط القطعة النقدية عشرات المرات على نفس الوجه (كما حدث في المشهد الأول) أم هي محض صدفة؟ وما هو الخط الفاصل في الحياة أصلاُ بين التعمد والصدفة، بين الفعل الإرادي والحتميات القدرية؟



ربما يتعمد ستوبارد (كما فعل العديد من كتاب العبث وكتاب المسرح الحديث بتنوعاته) ورغم كل سخريته وتهكمه، أن يمزج هذه السخرية بالقسوة، ليضع أمامنا صورة العزلة التي يعيشها إنسان الحداثة، عله بذلك يزيل أوهام الحقيقة والهدف الأسمى التي تُقحم في حياة الإنسان اليومية وتتعدد مصادرها (العقيدة الدينية أو الفكرية، التقاليد والأعراف، التيارات السياسية وشعارات الدولة الحديثة…) لربما ندرك وعبر تتبع تخبط روزنكرانتز وغلدنستيرن معضلاتنا الوجودية الحقيقة.



وبتنويعة ستوبارد الأصيلة هذه على فكرة العبث، يضع من جديد فكرة الإرادة الحرة على المحك، فعلى السطح يبدو لكل من روزنكرانتز وغلدنسترن أنهما يملكان حرية التصرف والاختيار، فنحن نراهما الآن يتجولان ويلهوان ويتبادلان الأحاديث على عكس النص الشكسبيري، لكننا ندرك أنهما لا يملكان في حقيقة الأمر سوى مرادفات الفعل وليس الفعل نفسه. قد يستطيعان التجول واللهو والأكل والاستحمام، لكن هل سيغير هذا من مصيرهما الحتمي وموتهما المجاني؟ بالطبع لا……تأتي الإجابة قاسية بوضوحها: لا مفر من حتمية النهاية المقررة.



ويمضي ستوبارد أبعد من ذلك، ليصور لنا قسوة هذا المصير ومجانيته، فالسفينة التي كانت ستحمل لهما الخلاص بعد تأدية الواجب الذي لم يكن لهما أي يد في قراره وصنعه، تصبح هي وسيلة ومكان الموت، ولا مفر من سطوة هذه الحتمية رغم عجزهما عن فهم وتأويل ما حدث، وإحساسهما بالغبن والظلم في مواجهة هذه النهاية، فالممثل لا يموت رغم أنه طُعن بكل قوة بالسكين لا لشيء إلا لأنه لم يمت فعلاً في النص الشكسبيري، ولم يواجه مثل هذه الحتمية.



في نصه يستخدم ستوبارد مسرحية شكسيبر التي تشكل مرجعية ثقافية وحتى شعبية واسعة، ويمزجها بأجواء العبث لتصبح أداة لاكتشاف أعماق الإنسانية المُجسدة أدباً، ونحن نعرف جيداً قدرة الأدب الرفيع على سبر أغوار النفس البشرية، ونعرف لاحقاً كيف تطورت العلاقة بين الأدب والتحليل النفسي، وكيف تحولت شخصيات روائية ومسرحية عظيمة (كأوديب وهاملت ودون كيشوت وفاوست وراسكولينكوف وغيرها) لتصبح نماذج إنسانية عامة، نشبهها بأنفسنا ونقيس أزماتنا ومصائرنا بمصائرها. لذا يبدو نص ستوبارد أشبه بلعبة المرايا المُتعاكسة، فالنص الأدبي يعكس الحياة، وستوبارد هنا عبر استحضاره وبحثه في نص أدبي يعكس الصورة المعكوسة ليعيدها إلى وضعها الأصلي، ليعزز ربما الاحتمال الساحر بأن تكون الخشبة أكثر قدرة على توصيف الوجود الإنساني والاقتراب منه من جميع النظريات الدينية والفلسفية والتنظيرات الفكرية .