
يمكن أن نقول إنّ فترة روّاد التّحليل النّفسيّ بمصر، وقد وقفنا عند بعض مميّزاتها ودلالاتها في [مقال سابق->http://www.alawan.org/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%91%D8%AD%D9%84%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%91%D9%81%D8%B3%D9%8A%D9%91.html]، لم تعقبها فترة مؤسّسيّة، كما هو الشّأن عادة، في أغلب البلدان التي انتشرت فيها حركة التّحليل النّفسيّ، نظرا لأهمّيّة الجمعيّات في التّكوين في هذه المعرفة الخاصّة التي من الصّعب تدريسها في الجامعات. فالجمعيّات والمعاهد التّحليليّة توفّر التّكوين النّظريّ والعياديّ لمن قطع أشواطا في تحليله الشّخصيّ وأراد المواصلة، وتنظّم عمليّة التّأهيل التي تختلف صيغها باختلاف الجمعيّات والمدارس، ممّا يضيق المجال عن توضيحه، لكنّ هذا التّأهيل يجب أن يبقى في كلّ الأحوال مختلفا عن الامتحانات الجامعيّة.
لم يتمّ إنشاء أيّ فريق بحث أو جمعيّة تحليليّة، ولم تظهر أيّ مؤسّسة تشرف على ترجمة أعمال فرويد، رغم صدور ترجمات لبعضها خلال هذه الفترة. إنّ كلّ ما تمّ إنشاؤه طيلة هذا “العهد الذّهبيّ” كان يدخل تحت في باب “علم النّفس” بصفة عامّة، لا في باب التّحليل النّفسي. مثال ذلك إنشاء قسم علم النّفس بعين شمس، حيث كانت بعض مداخل التّحليل النّفسيّ تدرّس في السّنتين الثّانية والرّابعة، وإنشاء “مجلّة علم النّفس الفصليّة” بين سنتي 1945 و1953، وقد أسّسها مصطفى زيور ويوسف مراد(1)، ومجلّة “الصّحّة النّفسيّة” سنة 1958، وكان رئيس تحريرها مصطفى زيور أيضا، وصدرت منها ثلاثة أعداد.
إنّ غياب التّمييز بين التحليل النّفسيّ وعلم النّفس يمكن أن نردّه إلى عدم انتشار أفكار جاك لاكان Lacan عن خصوصيّات التّحليل النّفسيّ. فهذا المحلّل هو الذي انكبّ منذ الخمسينات، على تمييز التّحليل النّفسيّ عن علم النّفس، وعن كلّ ما هو سلوكيّ يهدف إلى أقلمة الأفراد مع بيئتهم، وعن كلّ ما “يموضع” المعرفة بالذّوات، وهو الذي حرص على أن يكون في التّحليل النّفسيّ شيء ما غير قابل للتّصنيف، فليس هو تطبيقا لنظريّة، وليس “بروتوكولا تجريبيّا” قابلا للتّكرار إلى ما لا نهاية له، وليس ممارسة مقصورة على بعض “المريدين”، وليس تصوّفا(2). إنّه منهج خاصّ، ومعرفة خاصّة بالخاصّ.
ليس من العدل في شيء أن نحاسب المحلّلين المصريّين، لاسيّما الذين بقوا في مصر، على عدم مواكبتهم لأفكار جاك لاكان، أو رفضهم إيّاها. لكنّ ما يمكن أن نستغربه، أو ما يحقّ لنا استغرابه هو وجود عوامل تذهب في اتّجاه معاكس لأفكار فرويد نفسه، من حيث تحديد موقع المحلّل، ومن حيث إطار الممارسة التّحليليّة، ومن حيث القبول بتبعات التّحليل النّفسيّ والحدّ الأدنى من فرادته.
ثمّ إنّ غياب الطّابع التّحليليّ المؤسّسيّ لا يمكن أن يفسّر فقط بتعثّر البدايات، أو بهجرة أغلب المحلّلين.
{{
مصطفى زيور : الأب، أو السّيّد الحامي}}
كان مصطفى زيور الرّائد الذي طبع تاريخ التّحليل النّفسيّ في مصر، بل ربّما في العالم العربيّ، لأسباب منها ما يعود إلى شخصيّته وتكوينه، ومنها ما يعود إلى أنّه لم يهاجر إلى أوروبّا، خلافا لأغلب المحلّلين من مجايليه أو من تلاميذه.
كان ولا شكّ مدرّسا وطبيبا ومثقّفا وكاتبا فذّا، وعلى درجة عالية من الذّكاء وسعة الاطّلاع والكاريزما. لكنّ معطيات كثيرة تبيّن لنا أوّلا أنّه كان في ممارسته للتّحليل النّفسيّ الفرويديّ الذي ينتسب إليه، وفي علاقته بطلبته أقرب إلى المعلّم-الأب منه إلى المحلّل النّفسانيّ. والحال أنّ المحلِّل لا يمكن أن يكون أبا أو أمّا إلاّ داخل العلاقة الخياليّة التي يعقدها معه المتحلّل، عندما يعيد إنتاج علاقته بأبيه مثلا، في ما يسمّى “الطّرح” transferance. وهذا الطّرح يجب أن يُحلّل ويُتجاوز، بل إنّ من شروط “إنهاء” التّحليل عند فرويد أو من مقوّماته وقوف المتحلّل على هذا التّكرار وخروجه من دائرته.
لا يمكن للمحلّل النّفسانيّ، وهو الملزم بالصّمت والانسحاب وترك المسافات، أن يقبل بلعب دور الأب أو الأمّ، أو أن يلتصق بهذا الدّور، إلاّ بصفة ظرفيّة، داخل مسرح المعالجة، ليستفيد من لعِب المتحلّل للسّيناريو الأوديبيّ -أو اللاّأوديبيّ- الخاصّ به، وليقدّم إنصاتا تأويليّا له.
ويتأكّد هذا الدّور الأبويّ الذي لعبه “الرّائد” ولزمه من خلال التّقديم الذي وضعه أحمد فائق لكتاب مصطفى زيور “في النّفس”، وهو مجموعة من المقالات والأبحاث التي جمعها “تلاميذه” (بيروت، دار النّهضة العربيّة، 1986)، إذ يقول مثلا : “ولكن هناك صفة في مصطفى زيور لم أجدها في غيره ممّن ظنّ فيه تلك النّدرة (كذا). صفة الأمومة والأبوّة معا. عرفت رجالا أحبّهم مريديهم (كذا) حبّ الطّفل لأمّه، وعرفت رجالا تطلّع إليهم معجبيهم (كذا) تطلّع الصّبيّ لأبيه. أمّا زيور فكان مزيجا نادرا من الاثنين.” (ص 11) إنّ إضفاء أحمد فائق البعد الأموميّ على أبوّة أستاذه، من شأنه أن يزيد في توسيع هالة مصطفى زيور ومن شأنه أن يزيد في تبعيّة تلاميذه، و”مريديه” : لم يكن فقط أبا حاميا، بل كان أمّا تمدّ كفّها الحنون لتقدّم الغذاء النّرجسيّ المطمئن. بل يمكن أن نقول إنّ هذا الأستاذ أصبح، حسب هذا الخطاب، كالإله حاويا للمبدأين الذّكوريّ والأنوثيّ، منفلتا من عالم الإخصاء الذي يفرض على البشر جنسا واحدا.
والنّتيجة، على أيّة حال، هي بقاء التّلميذ أو “المريد” -حسب عبارة أحمد فائق- طفلا كبيرا، لا يحلّل جروحه لتجاوزها، بل ينتظر كمّادات نرجسيّة تأتيه من السّلطة الحامية. ينتظر الرّفق والمساعدة من الأب الذي يظلّ أبا خياليّا بالأحرى، لا يخلع عن عرشه، وبيده كلّ السّلطة. وكيف يخلع عن عرشه، وقد ألصقت به متعلّقات الموضوع الأوّل، أي الأمّ؟
وعندما يظلّ “التّلاميذ” “مريدين” تحت مظلّة الأستاذ الزّعيم، لا تظهر الحاجة إلى إنشاء مؤسّسات قد تتنافر من حيث هيكلتها القانونيّة على الأقلّ مع الزّعامة الفرديّة، والصّيغة العلائقيّة الأبويّة.
وهناك علامة دالّة في رأيي على بقاء الأب أبا، وبقاء التّلاميذ أبناء بلا مساءلة تحليليّة، نجدها في هذا الكتاب الوحيد الذي صدر لزيور وجمعه “تلاميذه”. فرغم ما في هذا المجموع من فائدة، ورغم ما يختصّ به أسلوب مصطفى زيور من أناقة ومتانة وإشراق، فإنّ القارئ يكاد يتعثّر في كلّ فقرة من فقراته، لكثرة الأخطاء المطبعيّة كثرة غير مألوفة. ولقد تبادرت إلى ذهني الخاطرة التّالية وأنا أطالعه وأفكّ طلاسمه : طبْع هذا الكتاب هو فعل إجلال وإكبار قام به الأبناء-التّلاميذ نحو أستاذهم وأبيهم، وهو يكشف عن ازدواجيّة وجدانيّة لم تحلّل إزاء هذا الأستاذ-الأب. لم تحلّل، لأنّ العلاقة الطّرحيّة به، ظلّت علاقة طرحيّة، وظلّ أبا أوديبيّا داخل التّحليل وخارجه، يمتزج حبّ أبنائه له بالكره. ولذلك كان هذا الكتاب بأخطائه هديّة شبه مسمومة، أو ديْنا نحو الأب، يعترف به الأبناء بيد، ويسحبونه بأخرى.
كان لا بدّ من تأسيس أيّ مجموعة تحليليّة صرفة، لا لضمان حسن التّكوين والتّاهيل فحسب، بل لإيجاد ثالث مؤسّسيّ، يحدّ من هيمنة العلاقات الثّنائيّة ذات الصّبغة الأبويّة. هذا الثّالث سيمثّل كما في الدّيمقراطيّة هيئة مجرّدة لا ترتبط بشخص معيّن، فيكون دورها مساءلة آثار عقليّة الجموع التي تتماهى بالزّعيم، ويكون بإمكانها تحقيق استقلال ولو نسبيّ عن السّلط الأبويّة بل والأموميّة التي توضع في مكان يجب أن يبقى شاغرا، هو مكان “الآخر” Autre. يقول مصطفى صفوان في تعريف للدّيمقراطيّة : “في النّظام الدّيمقراطيّ (…)، ما يوضع في مكان الثّالث، ليس شخصا بل دالاّ- إنّ هذا في رأيي التّعريف الأساسيّ للدّيمقراطيّة” (3).
فلا بدّ من شيء من هذه الدّيمقراطيّة التي تعوّض سلطة الأشخاص بسلطة رمز ما يوجد خارجهم، حتّى تتوفّر بعض شروط إمكان التّحليل النّفسيّ.
{{
“رائد علم النّفس التّجريبيّ”:}}
كان مصطفى زيور ذا اختصاصات متعدّدة، فهو فيلسوف وطبيب ومحلّل نفسانيّ، وكتابه المجموع يعكس هذا التّعدّد، فعنوانه الكامل هو : “في النّفس : بحوث مجمّعة في التّحليل النّفسيّ، الطّبّ النّفسيّ الجسميّ، الطّبّ النّفسيّ، الفلسفة.” إلاّ أنّ هذا التّعدّد صاحبه عدم تموقع خاصّ، بل والتباس في العلاقة بالتّحليل النّفسيّ. فقد كان زيور حسب شهادة أحمد فائق يفضّل علم النّفس التّجريبيّ على التّحليل النّفسيّ، رغم ما بين المعرفتين من اختلاف جوهريّ، يعي به أحمد فائق. فعلم النّفس التّجريبيّ يموضع الذّات، ويفترض ذاتا عارفة “موضوعيّة” منعزلة عن تجربتها، خلافا للتّحليل النّفسيّ الذي لا يموضع الذّات بل ينصت إلى خطابها عن نفسها، ولا يضع نفسه خارج عمليّة المعرفة، لأنّه يحلّل “مضادّ الطّرح”، أي ردود فعله اللاّشعوريّة على من يتحلّل في أريكته. نترك أحمد فائق يتحدّث عن تشكيك مصطفى زيور في التّحليل النّفسيّ، وقد قدّمه في سياق إعجابه بـ”موضوعيّة” الأستاذ : “بعد تخرّجي في القسم استجبت لإصراره على أن تكون دراساتي العليا في مجال التّجريب. أذعنت لهذه الرّغبة كارها، فأعددت رسالتين تجريبيّتين لنيل درجة الدّكتوراه. وما أن انتهيت حتّى ظننت أنّني قد أصبحت حرّا في أن أنمّي اهتماماتي بالتّحليل النّفسيّ وأن أعدّ نفسي للتّجريب عليه، مقتفيا أثر أستاذي، إلاّ أنّ ظنّي قد خاب. لقد بدأ معي مصطفى زيور حوارا غريبا في نوعه. لبس هو لباس التّجريبيّين يحاورني ويجادلني في التّحليل النّفسيّ متحدّيا اقتناعي بعلميّته. وكان حواره غريبا عليّ، فها أنذا أمام تجريبيّ متمرّس يعرف خبايا التّحليل النّفسيّ معرفة تفوق معرفتي به، يطلب منّي إقناعه بقيمة التّحليل النّفسيّ. وأصبح جدله معي طقسا لا يمرّ يوم دون أن أقوم به، وكثيرا ما كان جدله يثير فيّ الغضب عليه عتابا على تشكّكه هذا في التّحليل النّفسيّ.” (ص ص9-10).
وما نلاحظه هو أنّ الصّورة التي ارتسمت عن مصطفى زيور وتأكّدت هي صورة عالم النّفس التّجريبيّ. فالجائزة التي تحمل اسمه اليوم “جائزة مصطفى زيور للعلوم النّفسيّة”، وقد أسّست سنة 1995، تُسند، على حدّ علمي، إلى أخصّائيّين نفسانيّين تجريبيّين أو أطبّاء.
هل يمكن أن نقول إنّ مؤسّس التّحليل النّفسيّ بمصر لا يعتبر نفسه محلّلا نفسانيّا بالدّرجة الأولى، ولا يعتبره خلفه كذلك؟ هل هو إخطاءٌ ثانٍ، بعد أن أخطأ أوّل محلّل نفسانيّ بالبلد التّحليلَ النّفسيَّ، وحوكم لتشبّهه بالأطبّاء؟
لكنّ ممّا يزيد في تأكيد التباس علاقة مصطفى زيور بالتّحليل النّفسيّ هذه الشّهادة التي قدّمها حسين عبد القادر عن موقف زيور من التّحليل النّفسيّ الذي يمارسه غير الأطبّاء، والذي دافع عنه فرويد كما أسلفنا : “عندما تمّ الإعلان عن تنظيم الممارسة التّحليليّة الذي تمّ فرضه على علماء النّفس والمحلّلين، اختار زيور موقفا سلبيّا، ولم يتضامن مع علماء النّفس الذين رغبوا في الحصول على ترخيص للمباشرة. من هؤلاء عثمان نجاتي.” (4)
كان هذا نكوصا بالنّسبة إلى الأربعينات، عندما دافع القانونيّ المستشار محمّد فتحي بك عن التّحليل النّفسيّ لغير الأطبّاء، ورجع إلى كتاب فرويد في هذا الموضوع.
{{إسقاط النّموذج الجامعيّ على التّحليل النّفسيّ:}}
ونختم هذا العرض لعلاقة مصطفى زيور بالتّحليل النّفسيّ بهذه الملاحظة الأساسيّة التي تتعلّق مباشرة بالممارسة التّحليليّة، ولها مساس بالطّابع الأبويّ أو “المريديّ” الذي اتّخذته في مصر. إنّ مصطفى زيور، إضافة إلى اعتباره “أبا” من قبل “تلاميذه”، ولعبه هو لهذا الدّور، يحيل إلى النّموذج الجامعيّ في تعريفه لعمليّة التّحليل النّفسيّ، إذ تتمثّل هذه العمليّة حسب رأيه في “أن يُجرى على الطّالب تحليل نفسيّ يقوم به أحد أساتذته” (5). ولقد تكرّرت هذه العبارة، بصيغة الفعل المبنيّ للمجهول، ثمّ المنسوب إلى الأستاذ في كلّ ما كتبه. (6).
ليس المشكل في أن يدرّس التّحليل النّفسيّ في الجامعة، رغم تحفّظات فرويد المعروفة على هذا الموضوع، وخوفه من التّقنين المسلّط من الخارج ومن التّبسيط والبقرطة والاحتواء. بل يمكن أن نلاحظ أنّ قسم علم النّفس بعين شمس كان مرفأً صغيرا منع اندثار التّحليل النّفسيّ كلّيّة. ففي أقسام علم النّفس الموجودة بالقاهرة يواصل بعض الأساتذة إلى اليوم توفير مداخل إلى التّحليل النّفسيّ للطّلبة، ويواصل التّحليل النّفسيّ استهواء القليل منهم، فيقبلون عليه أحيانا بدافع الرّغبة، وبقطع النّظر عن متطلّبات الدّيبلوم، ومتطلّبات سوق الشّغل التي تنفّر غالبا من هذا الاتّجاه. لكنّ المشكل يكمن في إسقاط نموذج التّعليم على عمليّة التّحليل النّفسيّ، مع استعمال هذه العبارة التي تفيد بصيغتها المبنيّة إلى المجهول، ثمّ المنسوبة إلى “أحد الأساتذة” وضع المتحلّل في موقع سلبيّ بالأحرى.
صيغة المفعوليّة هذه تعني أنّ المتحلّل هو الذي يستقبل بسلبيّة معرفة يمتلكها المحلّل عنه، كما في الدّرس الجامعيّ التّقليديّ، وهو إجمالا ما يسمّيه لاكان بـ”بخطاب السّيّد”. هذه المفعوليّة تخالف قواعد التّحليل النّفسيّ، الذي تتأتّى فيه المعرفة من الذّات المقبلة على التّحليل، لا من المحلّل. ثمّ إنّ الإطار الجامعيّ للتّحليل يطرح مشكل خلطٍ موضعيّ لا يمكن إلاّ أن يلغي التّحليل النّفسيّ من أساسه : إنّه تجربة يجب أن تقوم على الذّاتيّة والحرّيّة، ويجب أن لا تسندها سوى الرّغبة. لا الطّمع في الشّهادة، ولا الرّهبة من ممثّل للسّلطة، يكون هو المحلّل-الأستاذ-الأب-السّيّد.
كأنّ التّحليل النّفسيّ مرّ في نشأته بمصر عبر النّموذج الطّبّيّ أوّلا، في تجربة أوّل محلّل-غير محلّل مصريّ، ثمّ خرج من رحم الجامعة وعلم النّفس دون أن يفترق عنه بمؤسّسة خاصّة أو بأيّ فعل يتبنّاه جذريّاّ. إنّ التّحليل النّفسيّ لا يمكن أن “يتأتّى من” معرفة أخرى devenir، بل لا بدّ له أن ينبثق advenir ، وكأنّه فضيحة، أو قطيعة نتبنّاها ونقبل شروطها التي تكاد تكون مستحيلة، ونقبل بنتائجها : شيء من الغربة، وكثير من العمل المعرفيّ المنصبّ أوّلا على الذّات القابلة للتّعرّي والتّذكّر والسّرد والتّغيّر، والرّافض مع ذلك لكلّ تعميم مسرف أو قولبة أو موقف سيطرة.
{{ثغرة في اللّغة والممارسة:}}
هل يمكن لنا تبعا لذلك، أن نجرؤ على تقديم هذه الفرضيّة : أنّ نشأة التّحليل النّفسيّ بمصر، كان في الوقت نفسه “عدمَ انبثاق” للتّحليل النّفسيّ، وإخطاءً له، وأنّ هذا الخلط بين المواقع، بين موقع المحلّل وموقع الجامعيّ، بل موقع السّيّد، يتواصل اليوم، مع كلّ إغراءات التّقنين والسّيطرة والتّبسيط لقواعد التّحليل النّفسيّ؟
إلى اليوم يقال عن الذي يعيش تجربة التّحليل مع المحلّل النّفسانيّ “محلَّل” بصيغة المفعول به، بينما يعبّر عنه بالفرنسيّة والانجليزيّة بـanalysant، وهي صيغة تفيد الفاعليّة لا المفعوليّة.
هذا الثّقب في المصطلح، وهذه الخانة الفارغة تبيّن أنّ موقع المحلّل النّفسانيّ في اللّغة العربيّة، وفي العالم العربيّ لم يتّضح بعد.
وقد احترت وتردّدت كثيرا في ترجمة مفهوم analysant، واستشرت الكثيرين دون جدوى، واستهواني الاستعمال اللبنانيّ لكلمة “عليل”، لأنّها كلمة آتية من سجلّ العشق واعتلاله، كما فكّرت في ترجمته بـ”الصّابر”، وهي ترجمة حرفيّة لـpatient، إلاّ أننّي رأيت ضرورة تجنّب الرّواسب الطّبّيّة في معنى “العليل”، وخفت من المتعة المازوشيّة المتواصلة التي قد يحملها مفهوم “الصّبر”، رغم أنّ التّحليل يحتاج إلى الصّبر. فاخترت أخفّ الأضرار، أي هذا الحلّ التّوفيقيّ : متحلّل : اسم فاعل من صيغة “تفعّل” التي تفيد المطاوعة، لكنّها تفيد الفاعليّة صرفيّا. وقد تكون لهذه الصّيغة مساوئها، لأنّها قد توحي بـ”التّحلّل” بمعنى التّلاشي، وهذه المخاوف قد تكون حقيقيّة، فالتّحليل الكلاسيكيّ القائم على التّداعي الحرّ قد يكون خطيرا وباعثا على “التّحلّل” في حالات الذّهان. إلاّ أنّها صيغة يمكن أن نعتمدها في انتظار من يقترح صيغة أفضل منها، أو من يكرّسها في الاستعمال، حتّى لا تبقى الثّغرة مفتوحة على اللاّتحدّد، أو على خطاب السّيّد، مالك المعرفة عن الغير. ولذلك فتحنا هذا القوس.
{{إخطاء متكرّر:}}
ويبدو لي أنّ أفعال التّأسيس التي تمّت خارج الجامعة وخارج أقسام علم النّفس، قد كرّرت إلى حدّ الآن السّيناريو نفسه : سيناريو الإخطاء وعدم الانبثاق. ففي سنة 1993، صدرت “موسوعة علم النّفس والتّحليل النّفسيّ” (إشراف فرج عبد القادر طه، الكويت، دار سعاد الصّباح). في هذه الموسوعة نجد مجهودا لا يمكن نكرانه. إلاّ أنّنا نلاحظ فيها نفس التّبعيّة وعدم التّحدّد. نجد في هذه الموسوعة إغفالا تامّا، شبيها بالمحو، لتراجم كلّ المحلّلين النّفسانيّين المصريّين والعرب، ما عدا مصطفى زيور. ورغم ذلك فإنّ الموسوعة ضافية في مواطن أخرى، بما أنّنا نجد فيها على سبيل المثال ترجمة لأبي حامد الغزالي، ولا ندري لماذا، ولا ندري ما علاقة الغزالي بعلم النّفس أو التّحليل النّفسيّ.
وفي سنة 2004، ظهرت أخيرا المؤسّسة، أي ظهرت بعد حوالي سبعين عاما من بدء شكري أفندي جرجس ممارسة التّحليل النّفسيّ. إنّها “الجمعيّة المصريّة للتّحليل النّفسيّ”. لكنّ هذه الجمعيّة تواصل سياسة عدم تحديد مجال التّحليل النّفسيّ وشروطه، من حيث أهدافها وأنشطتها على الأقلّ (7). فأوّل هدف تذكره الجمعيّة هو تنظيم الدّورات التّدريبيّة حول الاختبارات النّفسيّة (الاختبارات الإسقاطيّة، واختبارات الشّخصيّة والذّكاء، ممّا يدخل في مجال علم النّفس التّجريبيّ خاصّة). الانتقائيّة تبقى هي الأساس، مع استسلام لإغواء المعرفة العلمويّة الموضوعيّة، مع ميل إلى البيوغرافيا النّفسيّة السّياسيّة، وميل إلى السّياسويّة والشّعاراتيّة المضادّة لأمريكا، ممّا يصعب إيجاد علاقة بينه وبين التّحليل النّفسيّ.
تتواصل الانتقائيّة، ويتواصل عدم التّحدّد رغم أنّ السّياق الرّاهن يدعو إلى الدّقّة والصّرامة والتّحفّظ. إنّه سياق لا يتميّز برفض التّحليل النّفسيّ فحسب، بل كذلك باستخدام مفاهيم التّحليل النّفسيّ كما اتّفق، وباستغلال إعلاميّ لآلام النّاس الذين تعرض حياتهم الشّخصيّة على الأنظار تحت مسمّى “التّحليل النّفسيّ” أحيانا، في برامج لاأخلاقيّة، تبثّها فضائيّات عدّة.
هل يدلّ هذا الإخطاء المتكرّر على رغبة في تقديم التّنازلات لسياق معاد للتّحليل النّفسيّ، بالتّضحية بشيء منه؟ ولكنّ هذا الشّيء المضحّى به، أليس هو شروطه الدّنيا، وهو الرّغبة التّحليليّة نفسها؟ ألا يتعلّق الأمر بالأحرى، بمقاومة خفيّة للتّحليل النّفسيّ تعيد إنتاج الالتباس والخلط وعدم التّحدّد حيث لا بدّ من الاختيار والقطيعة، ولا تنهض بفرادة هذه المعرفة والتّقنية، حيث لا بدّ من النّهوض بعبئها؟
إنّنا لا نهدف من هذه الأسئلة إلى التّحامل أو التّشكيك في الجهود المبذولة، وفي مزايا مصطفى زيور، والدّور الذي لعبه في فرض العلوم النّفسيّة إجمالا، وفي الإشراف على ترجمة أعمال فرويد، بل نهدف إلى البحث في أسباب “التّصحّر” التّحليليّ الذي أصاب هذا البلد، ونهدف كذلك إلى بناء قصّة التّحليل النّفسيّ، حتّى تُسمع، وحتّى توضع الكلمات على المكبوت والمنبوذ والصّادم. حكاية قصّة الأصل على نحو تأويليّ هي إحدى أدوات هذه التّقنية : تقنية ترك وسائل الدّفاع، للإنصات إلى مسارات الرّغبة المختلجة، ومسارات تخبّطها وإخطائها.
{{
الهوامش:}}
1-يوسف مراد (1902-1966)، قدّم أطروحة في علم النّفس سنة 1940، بإشراف بول غيّوم Paul Guillaume. وناصر “علم النّفس التّكامليّ” منذ 1945. وإلى اليوم، نجد أخصّائيّين نفسانيّين يدافعون عن هذا التّوجّه.
2-انظر في ذلك توضيحات ألان فانييه Alain Vanier في كتابه عن “جاك لاكان”، باريس، ط4، 2006، ص13.
3-مجلّة لي سليباتير، مرجع مذكور، ص 14.
4-المرجع نفسه، ص 70. إلاّ أنّ عثمان نجاتي اتّبع فيما يبدو لنا وجهة أخرى ثقافويّة في كتاباته النّفسيّة، فقد دعا إلى “أسلمة علم النّفس”، ونشر كتبا من قبيل “القرآن وعلم النّفس” (القاهرة، دار الشّروق، 1982)، والحديث النّبويّ وعلم النّفس (القاهرة، دار الشّروق، 1989)، و”مدخل إلى علم النّفس الإسلاميّ” (القاهرة، دار الشّروق، 2002).
5-ثلاثة مقالات في نظريّة الجنسيّة، مرجع مذكور، تقديم مصطفى زيور، ص 5.
6-انظر مثلا كتابه “في النّفس”، ص58.
7-انظر في ذلك المطويّة التي أخرجتها الجمعيّة، وفيها تعريف بها، مع تذكير تاريخيّ بالحركة التّحليليّة المصريّة، ونوع من القانون الأساسيّ. وتذكر هذه المطويّة أنشطة أخرى للجمعيّة ذات طابع اجتماعيّ، منها تقديم الخدمات في مجالات الإعاقة والإدمان والانحراف.