
يبدو لي (1) أنّ مصر تمثّل حالة فريدة من نوعها في تاريخ حركة التّحليل النّفسيّ. فهي البلاد العربيّة الأولى التي أقبل بعض مواطنيها على ممارسة التّحليل النّفسيّ، منذ بداية الثّلاثينات من القرن الماضي، وهي الأولى التي دخل فيها التّحليل النّفسيّ الجامعة، عندما أسّس مصطفى زيور (1907-1990) (2) سنة 1950 قسم علم النّفس في عين شمس. وفي مصر أيضا بدأت حركة ترجمة أعمال فرويد، واستمرّت طيلة فترة الخمسينات وأوائل السّتّينات. وفيها كذلك، تمّت تسمية التّحليل النّفسيّ وصناعة مصطلاحته، واستجابت اللّغة العربيّة لهذه النّشأة المستحدثة على نحو بديع.
{{
“ركدت ريحه وخبت مصابيحه”:}}
لكنّنا إذا تأمّلنا المشهد التّحليليّ اليوم في مصر، كدنا نردّد ما قاله الحريريّ عن الأدب في زمانه : “ركدت ريحه، وخبت مصابيحه”. فاليوم يبدو لنا المهتمّون بالتّحليل النّفسيّ في مصر أشبه ما يكونون بالطّيور النّادرة، أو لنقل كما قال العرب، عزّ وجودهم فأصبحوا أندر من الكبريت الأحمر. إنّهم قلّة نادرة بالنّسبة إلى مجموعة سكّانيّة تتجاوز ثمانين المليون نسمة، وهم كذلك بالنّسبة إلى جموع “الدّجّالين” الذي يعالجون بالقرآن أو الإنجيل أو السّحر أو ممارسة استخراج الجان المعبّر عنها بـ”الزّار”. فقد أصدر “المركز القوميّ للأبحاث الاجتماعيّة والجنائيّة” بمصر تقريرا يقدّر عدد “الدّجّالين” بـ300000، أي بمعدّل دجّال لكلّ 240 مواطنا. ويقدّر التّقرير نفسه عدد المصريّين الذين يعتقدون بأنّهم ممسوسون، أي “يتخبّطهم” الجان، حسب العبارة القديمة، بمليون نسمة.(3)
ثمّ هل يمكن أن نتحدّث عن رسوخ التّحليل النّفسيّ بمصر، والحال أنّ “ركدت ريحه وخبت مصابيحه” تكشف عن مشهد خراب وقصّة فقدان وبيْن، هي أهمّ حدث تاريخيّ يذكره الشّاهد عن الغائب : كان هناك محلّلون نفسيّون في مصر، ورحلوا…
ولا بدّ أن نذكّر بهذا الحدث الصّدميّ الهامّ. ففي سنة 1959، امتدّت قبضة نظام جمال عبد النّاصر إلى الكثير من المثقّفين اليساريّين، متّهمة إيّاهم بالخيانة. اثنان من طلبة مصطفى زيور طالتهم هذه القبضة واقعيّا : قدري حفني (4)، وقد سجن من 1959 إلى 1964، وأحمد فائق (5) وقد سجن من 1968 إلى 1969. فهاجر مصطفى صفوان (6) وشفيق فهمي (7) وهوراس ويسة وصّاف (8) سنة 1959. ثمّ هاجر سامي علي (9) سنة 1965، واستقرّ أحمد فائق بالكندا سنة 1971. والنّتيجة هي أنّ عدد المحلّلين النّفسانيّين تضاءل كثيرا، فانتقلنا من سبعة محلّلين (أو تسعة حسب مصطفى زيور) إلى اثنين فحسب، هما زيور نفسه، وفائزة علي كامل (1936-1991؟). (10)
لكنّ اختزال كامل تاريخ التّحليل النّفسيّ بمصر في هذا القمع السّياسيّ وهذه الهجرة التي أعقبته، واعتبارهما العامل المحدّد الوحيد في ماضي التّحليل النّفسيّ ومصيره، قد يعدّ انسياقا وراء هواميّة الفردوس المفقود التي وقفنا عندها في [مقال سابق->http://www.alawan.org/%D8%B4%D8%AC%D8%B1%D8%A9-%D8%AA%D9%83%D8%B4%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%A7%D8%A8.html] عن ترجمة التّحليل النّفسيّ : فهل يمكن أن نعتبر فترة ما قبل الهجرة “عهدا ذهبيّا” عتيدا، وإذا كانت كذلك، فلماذا كان هذا الحدث المفاجئ ضربة قاصمة، ولماذا لا نكاد نجد من بقايا هذا العصر إلاّ ذكريات وأطلالا؟ لا شكّ أنّ التّكوين في التّحليل النّفسيّ شاقّ وطويل، وفقدان هؤلاء المحلّلين الذين تلقّوا تكوينهم في أوروبّا يعدّ خسارة كبرى لمصر. ولكن لا يمكن أن يتوقّف مصير التّحليل النّفسيّ في هذا البلد على هجرة مجموعة من محلّليه الأوائل الذين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة إلاّ إذا كانت هناك عطالة ما يراد إخفاؤها بإبراز هذا الحدث، أو إذا أسندت لهؤلاء الرّوّاد صفة الموضوع المفقود الذي لا يمكن تعويضه، ولا يمكن إقامة الحداد عليه، وكأنّهم آباء مفقودون ليتامى لا يريدون الكفّ عن بكاء موتاهم، فيكفّون عن الحياة وهم يبكون فقدان الحياة، على نحو ماليخوليّ.
فهناك أوّلا أحداث أخرى لا تقلّ أهمّيّة قد تركت أثرها في هذا التّاريخ، والحدث الصّدميّ يمكن أن يخفي وراءه أحداثا صدميّة أخرى. ثمّ إنّ ما يدعونا إلى الحذر من تضخيم هذا الحدث هو اختيار منهجيّ فرض نفسه علينا بتأثير وقفة تأويليّة بعديّة : كأننّا نقوم بتحيين الاستعارة التّحليليّة المتمثّلة في الانتقال من الصّدميّ إلى البنيويّ الكامن وراءه، لأنّ البنيويّ هو الذي يؤسّس الصّدميّ باعتباره حدثا نفسيّا. وللتّوضيح : يمكن لشخصين مختلفين أن يتعرّضا إلى صدمة من نفس القبيل، فلا يكون للصّدمة نفس الوقع عليهما، لأنّ الصّدمة تتفاعل مع بنية الشّخصيّة ومدى قابليّتها لاحتمال الهزّة وكأنّ شيئا لم يقع، أو عدم احتمالها بسبب هشاشة بنيويّة، بحيث تكون هذه الهزّة مهدّدة أو مدمّرة. ثمّ كان لا بدّ من الانتقال، في الوقت نفسه، من منطق الشّكوى من العوامل الخارجيّة المضطهِدة إلى موقف تحميل جزء من المسؤوليّة للممارسة التّحليليّة نفسها. وبعبارة مختصرة، كأنّنا في هذا البحث أخضعنا ممارسة التّحليل النّفسيّ إلى مسار تحليل نفسيّ : الذّات تكون شاكية من الآخرين، متّهمة إيّاهم، ملقية كلّ أوزارها عليهم، ثمّ إذا هي تكتشف تدريجيّا قسطا من المسؤوليّة على آلامها ومآزقها ومصيرها، وتكتشف أيضا مقدار تعلّقها هي بهذه الآلام والمآزق، نتيجة وجود مازوشيّة أساسيّة وقوى تدمير ذاتيّ لها صلة بالشّعور بالذّنب أو بقهر التّكرار، في علاقته بدوافع الموت كما بيّنها فرويد. هذا على المستوى الفرديّ، لكنّ الجماعيّ النّفسيّ في آليّات دفاعه واقتصاده النّرجسيّ غير بعيد عن الفرديّ.
إذا كان بوسعنا اعتبار الخمسينات إجمالا هي “العهد الذّهبيّ” للتّحليل النّفسيّ في مصر، فكيف كانت طبيعة نقل المعرفة التّحليليّة قبل هذا العهد وأثناءه وبعده، أي بين عودة أوائل المحلّلين الذين تلقّوا تكوينهم بأوروبّا وهجرتهم من جديد؟ ما الذي ورثته “الطّيور النّادرة” من المحلّلين الآن، بقطع النّظر عن التّكوينات الثّقافيّة التي سنتبيّنها والتي يمكن أن نقول إنّ مقاومة التّحليل النّفسيّ استندت إليها؟
سأحاول تقديم بذور إجابة عن هذه الأسئلة، مستعرضة ومسائلة في الوقت نفسه الفرضيّات والحجج التي تقدّم عادة لتفسير هامشيّة التّحليل النّفسيّ، إن لم نقل غيابه، في مصر والعالم العربيّ عامّة. هذه الحجج قلّ وندر أن تسائل الممارسة التّحليليّة نفسها، أي الموقع الذي يضع فيه المحلّل النّفسانيّ نفسه، وصيغ انتقال المعرفة التّحليليّة، بل إنّها تلقي التّبعة على قلّة الطّلب، أي قلّة إقبال النّاس على التّحليل التّحليل النّفسيّ، أو على التّناقض المفترض بين التّحليل النّفسيّ وبعض المظاهر السّياسيّة أو الثّقافيّة أو حتّى اللّغويّة للمجتمعات العربيّة.
{{معرفة آتية من عالم السّيّد المضطهِد:}}
إذا أردنا تجنّب الخطاب التّمجيديّ، وتعويض النّظرة الماليخوليّة الفاقدة الباكية بنظرة نقديّة، فإنّ تدقيقا أوّل يفرض نفسه على من يروم كتابة التّاريخ. فمصر هي ولا شكّ أوّل بلد من المنطقة النّاطقة بالعربيّة ظهر فيها التّحليل النّفسيّ. لكنّنا إذا وسّعنا دائرة النّظر، واعتمدنا مقاربة مقارِنة أوسع، تبيّن لنا أنّ هذا الظّهور متأخّر نسبيّا. عندما ننظر إلى نشأة التّحليل النّفسيّ في أقطار نائية جغرافيّا وثقافيّا، نكاد نعجب من سبقها إلى الأخذ بهذه المعرفة قبل أقطار أخرى تعدّ أقرب إلى أوروبّا. فالبرازيليّون مثلا بدأوا يتحدّثون عن فرويد منذ سنة 1899(11)، وفي الهند بدأوا يترجمون “تفسير الأحلام” منذ سنة 1911 (12)، أي قبل ترجمته بمصر بأكثر من 45 عاما، وفي اليابان، شدّ أحد اليابانيّين رحاله إلى الولايات المتّحدة ليتلقّى تكوينا تحليليّا فيها منذ سنة 1916، أي قبل أكثر من عقدين من سفر الرّوّاد المصريّين إلى أوروبا لنفس الغرض. (13) يحقّ لنا حينئذ أن نتساءل : لماذا يبدو المبكّر عندنا متأخّرا عند غيرنا، ولماذا كان أوّلنا تاليا، ولماذا تأخّر هذا القطر الذي لم يعقبه غيث منهمر؟
تكمن أحد عناصر الإجابة عن هذا السّؤال، حسب رأيي، في اوّل “فضيحة” صاحبت نشأة التّحليل النّفسيّ بمصر.
ففي سنتي 1936 و1943 تعرّض أوّل “محلّل نفسانيّ” مصر إلى المحاكمة. إنّه شكري أفندي جرجس (ت 1945)، وقد حوكم بتهمة ممارسة الطّبّ بصفة غير قانونيّة. لكنّ بعض المعلّقين اتّهمهوه في الوقت نفسه، بالانتماء إلى “الجمعيّة البريطانيّة للتّحليل النّفسيّ” (14)، أي إلى مؤسّسة تنتمي إلى البلد المستعمر. يمكن أن نستنتج من هذا التّفصيل أنّ ثنائيّة الاستعمار والاستقلال في البلدان العربيّة من الإحداثيّات التي لا يمكن لمؤرّخ التّحليل النّفسيّ أن يتجاهلها. وإذا كان ميلاد التّحليل النّفسيّ متأخّرا كثيرا في البلدان العربيّة، فإنّه أقلّ تأخّرا في مصر التي استقلّت منذ سنة 1936. لا شكّ أنّ عوامل أخرى يجب أن تدخل في الحسبان، منها ازدهار الفكر الحداثيّ المستلهم من فلسفة الأنوار في مصر في النّصف الأوّل من القرن العشرين، رغم ثقل مؤسّسة الأزهر ودورها الرّاسخ في المصادرة والعقاب، ومنها أنّ هذا البلد شهد بداية حياة ديمقراطيّة، وظهر فيه أوّل برلمان عربيّ، وظهرت فيه تعدّديّة حزبيّة وغير ذلك من مقوّمات الحداثة السّياسيّة. لكنّ الغرب المهيمن كانت له صورة السّيّد المضطهد في كلّ البلدان المستعمرة من الخليج إلى المحيط، وكلّ ما يمكن الاقتداء به من متعلّقات هذا السّيّد الغالب، هو القيم التّحرّريّة التي تمكّن من الاستقلال عنه. كانت هذه مثلا معركة المحامي المتخرّج من السّوربون، الحبيب بورقيبة، قبل أن يعتلي الحكم سنة 1956. كان من الصّعب الذّهاب إلى هذا الغالب لأخذ “الطّاعون” منه، إذا ما استعرنا التّعبير الذي يقال إنّ فرويد استعمله عندما وصل إلى نيويورك ورأى تمثال الحرّيّة، وقدّر تنافر العقليّة الأمريكيّة البراجماتيّة (« the american way of life ») مع التّحليل النّفسيّ، فقد قال : “إنّهم لا يعرفون أنّني آتي لهم بالطّاعون”. الطّاعون : لأنّ التّحليل النّفسيّ هو هذه المعرفة النّقضيّة المليئة بالمفارقات، لموضوع مبهم يطلب فلا يكاد يدرك، هو اللاّشعور.
إنّ التّحليل النّفسيّ معرفة بذات اللاّشعور، لا بذات القانون، وسجلّها الرّغبة والمتعة، لا الحقّ والواجب. والسّجلاّن مختلفان وإن تقاطعا. ولذلك، فقد كان من الصّعب أن يتخطّى التّحليل النّفسيّ الحواجز السّياسيّة التي يضعها التّقابل بين المستعمِر والمستعمَر، بين المهيمن وطالب الحقّ. وسنرى أنّ ذات القانون، ستظلّ تلاحق ذات اللاّشعور، وتنعكس عليها مولّدة كلّ ضروب سوء الفهم والخلط والمصاعب.
{{الأوّل ليس أوّل:}}
لنعد إلى هذه الفضيحة الأولى لمساءلتها من حيث تاريخ ممارسة التّحليل النّفسيّ. لا شكّ أنّ هاتين المحاكمتين اللّتين تعرّض إليهما شكري أفندي جرجس يذّكّراننا بمحاكمة تيودور رايك Théodor Reik، سنة 1926 بالنّمسا، لنفس التّهمة، وهي الممارسة غير القانونيّة للطّبّ، وتذكّرنا بمسألة التّحليل النّفسيّ الذي يمارسه غير الأطبّاء، وقد تصدّى فرويد للدّفاع عنه بتأليفه كتابا في الموضوع عنوانه “مسألة التّحليل النّفسيّ الذي يمارسه غير الأطبّاء” (أو “اللاّئكيّ”، حسب العبارة الفرنسيّة والألمانيّة). فالمعروف أنّ فرويد يعتبر التّحليل النّفسيّ مختلفا عن الطّبّ، ويجب أن يبقى مستقلاّ عنه، بل إنّه يعتبر الإنسانيّات والأدب أكثر تأهيلا لممارسة التّحليل النّفسيّ من الطّبّ نفسه، رغم أنّه طبيب. لكنّ المشكل المطروح في قضيّة الحال هي أنّ شكري أفندي جرجس لم يدافع عن جدّة التّحليل النّفسيّ واستقلاله عن الطّبّ، بل أقحم التّحليل النّفسيّ في باب الطّبّ، وهو ليس طبيبا. فبالإضافة إلى عدم التزامه بأفكار فرويد وبمبادئ التّحليل النّفسيّ، لنشره تقارير باح فيها بأسماء المتحلّلين وتجاربهم وضمّنها رسائلهم إليه، انتحل جرجس لقب “دكتور”، وتجرّأ على كتابة وصفات دواء إلى بعض المرضى. وهذه التّهم يثبتها التّقرير الذي كتبه المستشار محمّد فتحي بك سنة 1946، ونشره تحت عنوان “مشكلة التّحليل النّفسيّ في مصر : دراستها من النّواحي العلميّة والاجتماعيّة والقضائيّة والتّشريعيّة” (مطبعة مصر، شركة مساهمة مصريّة). دافع محمّد فتحي بك عن حقّ جرجس في ممارسة التّحليل النّفسيّ، وعرّف بالتّحليل النّفسيّ، واعتمد التّرجمة الإنجليزيّة لكتاب فرويد المذكور، بعد أن جلبها من بريطانيا، وذكر في خاتمة كتابة أسماء المحلّلين النّفسانيّين من غير الأطبّاء في أوروبّا، ونجح في إثبات جدّة التّحليل النّفسيّ واستقلاله، لكنّه لم يستطع تبرير انتحال جرجس صفة الطّبيب ووظيفته، ولم يستطع تبرئته منهما.
هل يمكن أن نقول إنّ أوّل محلّل نفسانيّ في البلد، اعتبر نفسه طبيبا، وتجاوز أمر طبّ الأرواح إلى طبّ الأبدان؟ الأكيد أنّ جرجس، بسبب هذا الإخطاء الأوّل، لم يعتبر الرّائد ولا المؤسّس في نظر الخلف، وفي الخطاب السّائد عن تاريخ التّحليل النّفسيّ بمصر. بل ربّما تعرّض إلى النّبذ والمحو، فنحن لا نكاد نعثر على أي ذكر له بعد محاكمته وموته.
دور الرّيادة والتّأسيس سيسند إلى مصطفى زيور كما سنرى.
{{فرويد : جالب الغريب إلى الأصل يصبح موضوع كره الغريب:}}
في سنة 1939، دوّت فضيحة أخرى مرتبطة بالتّحليل النّفسيّ إثر صدور كتاب “موسى الإنسان والتّوحيد” لفرويد. وقد قدّم فتحي بن سلامة هذه الفضيحة على النّحو التّالي : “إنّ أهمّيّة موسى التي لا نظير لها في النّصّ الإسلاميّ تفسّر لنا ما حصل في ماي 1939 عندما نشرت صحيفة الأهرام اليوميّة الشّهيرة خبرا عن صدور كتاب فرويد “موسى الإنسان والتّوحيد”، بعث به مراسل الصّحيفة بلندن. فقد تلت هذا الخبر اعتراضات وردود كثيرة، متأتّية من الوسط الجامعيّ، ومعترضة على اعتبار فرويد موسى ذا أصل مصريّ. لقد كتب أحد هؤلاء الجامعيّين المصريّين قائلا : “هذا ما يقوله الأستاذ فرويد، وما من شكّ في أنّه انفرد، بين سائر العلماء والمؤرّخين في العالم، بهذا الاعتقاد الغريب الشّاذّ. ذلك أنّ كتب التّاريخ والكتب المنزّلة تؤيّد الاعتقاد السّائد منذ آلاف السّنين بأنّ موسى كان يهوديّا أبا عن جدّ، ومع أنّه تربّى وتثقّف في بلاط مصر، فقد قام مع أخيه هارون يناصر إخوانه اليهود ضدّ رعمسيس. ثمّ تولّى زعامة اليهود إلى أن أخرجهم من مصر.”(15)
هل يمكن أن نقول إنّ فرويد قد ظهر في الرّأي العامّ الثّقافيّ بمظهر الشّخص الذي يمدّ يده إلى السّرد المكرّس للأصول التّوحيديّة، ويأتي تبعا لذلك بـ”الطّاعون”؟ إنّ التّحليل النّفسيّ معرفة ذات بعد تقويضيّ أو تفكيكيّ لا تكاد تحتمله المجتمعات التّقليديّة، فيما يتعلّق بمسائل الجنسانيّة والأوديب. فما بالك به، إذا امتدّت طاقته التّفكيكيّة إلى الأساطير المؤسّسة للذّاكرة التّوحيديّة؟ وماذا لو امتدّ العمر بفرويد، فخصّ نبيّ الإسلام بكتاب آخر شبيه بكتاب “موسى الإنسان والتّوحيد”؟ ألا تكون عندها الطّامّة الكبرى؟
ثمّ هناك حدث آخر، صدميّ هو الآخر، أعتقد أنّه يمثّل منعرجا هامّا في تاريخ التّحليل النّفسيّ بمصر، هو هزيمة 1967، خلافا لكلّ التّوقّعات، وخلافا لكلّ شعارات المرحلة. لم يتقبّل المنهزمون الهزيمة ولم يبلوروها نحو تجاوز إبداعيّ ونهوض بالذّات، بل إنّهم لجؤوا عموما إلى الإنكار الذي حوّلها إلى “نكسة”، ولجؤوا إلى منطق هوويّ ازداد ضيقا على مرّ الأيّام : منطق لا يقبل بغيريّة خارج غيريّة “العدوّ”. غيريّة العدوّ، عندما تكون طاغية، مستبدّة بالتّفكير، لا يمكن أن تترك المجال للغيريّة التّحليليّة الأساسيّة، وهي غيريّة “الآخر” و”اللاّشعور”.
ولذلك فإنّ بين التّحليل النّفسيّ والأنظمة والإيديولوجيّات الشّموليّة تاريخ طويل من سوء التّفاهم والتّنافر، هو الذي يفسّر إلى حدّ ما هجرة المحلّلين النّفسانيّين المصريّين، والعرب عموما.
وفي الحقل الثّقافيّ المتعلّق بتفنيد التّحليل النّفسيّ، ظهرت أدبيّات تشير بأصبع الاتّهام إلى أصل فرويد اليهوديّ، وتجعله ميسما بارزا، رغم أنّه ليس كذلك في منطلاقاته وفرضيّاته ومحتويات معرفته. بحيث أنّ الذي أدخل الغريب إلى الأصل – مبيّنا أنّ موسى لم يكن من بني إسرائيل- أصبح موضوعا لكره الغريب. والنّتيجة هي أنّ اثنين، على الأقلّ، من المهتمّين بالتّحليل النّفسيّ نبذا التّحليل النّفسيّ وتصدّيا لدراسة العلاقات المفترضة بينه وبين الصّهيونيّة. أحدهما صبري جرجس، وهو طبيب نفسانيّ كان يدافع عن التّحليل النّفسيّ ثمّ نشر سنة 1970 كتابا عن “التّراث اليهوديّ-المسيحيّ والفكر الفرويديّ : أضواء علي الأصول الصهيونية لفكر سيجموند فرويد”. والثّاني هو قدري حفني، وقد نشر مقالات تحت عنوان “فرويد بين العلم والصّهيونيّة” و”الشّخصيّة الإسرائيليّة”. ويواصل قدري حفني إلى اليوم عمله الحثيث من أجل “معرفة العدوّ”، إلاّ أنّه يواصل أيضا إقامة البرهان على فرضيّة تكاد تكون هاذية، هي وجود ارتباط وثيق بين التّحليل النّفسيّ والصّهيونيّة. هذه الهزيمة حرّكت سواكن مصطفى زيور نفسه. ففي 8 أيلول 1968، نشر في صحيفة “الأهرام” مقالا تحت عنوان “أضواء على المجتمع الإسرائيليّ.. دراسة في التّحليل النّفسيّ”. تجنّب زيور العنصريّة الفجّة التي انزلق إليها تلاميذه، في حديثهم عن “الشّخصيّة” الإسرائيليّة أو اليهوديّة، وعرض فرضيّة التّماهي مع المعتدي، عند النّاجين من المعتقلات النّازيّة.
وإلى اليوم، يمتزج فكر المؤامرة بالحقد على اليهود وبالخلط بين اليهوديّ والمستعمر الصّهيونيّ، ليولّد نتاجا ثقافيّا تستند إليه مقاومة التّحليل النّفسيّ في مصر خاصّة : إنّها أدبيّات لا تهدف إلى معرفة التّحليل النّفسيّ بفرضيّاته وتقنيته ومقوّماته الأبستمولوجيّة، بل تجتهد في إيجاد روابط، أوهى من خيط العنكبوت، بين الصّهيونيّة والتّحليل النّفسيّ ومؤسّسه.
{{وغريب التّحليل النّفسيّ.. أيضا:}}
ومن رفض فرويد باعتباره يلوّث نقاء الأصل التّوحيديّ المخيّل، ويُحلّ الغريب بالأصل، ومن رفضه باعتباره الغريب، يمكن أن ننتقل إلى رفض غريب التّحليل النّفسيّ. فقد ظهرت في مصر خطابات أخرى تفنّد التّحليل النّفسي، يحدوها في ذلك رفض المكتشفات التّحليليّة التي لا تحتمل : فكرة الخصاء، لا سيّما خصاء المرأة، وفكرة دوافع الموت، وفكرة انشطار الذّات نتيجة وجود اللاّشعور واللّغة. وسنذكر فيما يلي أهمّ هذه الخطابات المفنّدة :
-النّسويّة المضادّة لفرويد، عند نوال السّعداوي (ولدت سنة 1930). فنوال السّعداوي طبيبة نفسانيّة ومناضلة نسويّة جديرة بكلّ احترام وإكبار في نضالها. إلاّ أنّ المتتبّع لكتاباتها يدهش من فرط تحاملها على فرويد، ومن الخلط الذي تقيمه منهجا بين السّجلّين النّفسيّ والقانونيّ. فهي لا تتورّع مثلا عن مقارنة فرويد بلاهوتيّي محاكم التّفتيش الذين كانوا يطاردون السّاحرات، “ويبحثون بالإبر الطّويلة في جسمهـ(نّ) عن علامة الشّيطان” (16) ، وهي تنسب إلى فرويد أقوالا كاريكاتوريّة لا تذكر مصدرها، ولا نجد لها أثرا في كلّ ما كتبه عن المرأة وجنسانيّتها. وهذه مسألة تستوجب لأهمّيتها بحثا خاصّا.
-خطاب الخصوصيّات الثّقافيّة أو الدينيّة الذي يقترح بديلا عن التّحليل النّفسيّ ضروبا من علم النّفس الأخلاقويّ المستوحى من مبادئ إسلاميّة، أو المنسجم بالأحرى مع القمع الجنسيّ الذي تتقاسمه عند التّحقيق كلّ الطّوائف الدّينيّة في هذا البلد. نجد في علوم النّفس هذه عودة إلى الحديث عن “الملكات”، مع ميل إلى تقديم المبادئ الأخلاقيّة والدّينيّة علاجا لكلّ علّة ومكروه. واستجابة لمتطلّبات “الحداثة”، ينتقل بعض أصحاب هذا المنهج إلى الحوامل الافتراضيّة، ويفتحون على شبكة العنكبوت “عيادات افتراضيّة”. في هذه العيادات غالبا ما نجد معالجين نفسانيّين يحاكون شيوخ الإفتاء بتقديم نصائح أخلاقويّة لأشخاص محتارين يسألون عن أسباب أعراضهم وأعراض ذويهم، ويبحثون عن حلول لها.
-الخطاب الذي يدعو إلى النّموذج الطّبّيّ الأمريكيّ، ويمدح المكاسب الطّبّيّة الحديثة، لدى أطبّاء مشهورين ولهم إشعاع في الحياة الفكريّة، منهم من أعرض كلّيّا عن التّحليل النّفسيّ واستبدله بالعلاج الكيمياويّ أو المعرفيّ-السّلوكيّ، ومنهم من تبنّي نموذجا فزيائيّا-نفسيّا-ديناميّا غائيّا لذات بشريّة خياليّة يفترض أنّها غير منشطرة، وغير خاضعة لدوافع الموت وقهر التّكرار.
كلّ هذه المقاومات التي تنتظم ثقافيّا وعياديّا هامّة. إنّها تبيّن أنّ التّحليل النّفسيّ لم يترسّخ في الثّقافة السّائدة، أو سرعانما فقد جاذبيّته الثّقافيّة والفكريّة لدى النّخب، ولدى الأجيال التي تلت جيل الرّوّاد.
لكن لنعد أدراجنا إلى الماضي، وإلى الفترة الذّهبيّة، فهي الأقدر من كلّ الأحداث والفضائح والمقاومات على تفسير ما وقع أو ما لم يقع حتّى يتحوّل البلد الذي أينعت فيه الزّهرة الأولى إلى صحراء تحليليّة قاحلة. إنّها العودة إلى البنيويّ الذي يؤسّس الصّدميّ، ويفسّر قدرته التّدميريّة، كما أسلفنا. أو لنقل إنّه البحث عن الدّودة التي كانت تنخر الثّمرة الذّهبيّة قبل سقوطها. فما الذي تكرّر إخطاؤه أثناء “العصر الذّهبيّ” وبعده؟ وما الذي يجعل باب الأمل مفتوحا، رغم كلّ شيء؟
{{الهوامش:}}
1- ترجمة وشرح لبحث قدّم في ندوة “الجمعيّة الدّوليّة لتاريخ التّحليل النّفسيّ” المنعقدة في باريس يوم 17/10/2009، تحت عنوان “تاريخ التّحليل النّفسيّ في المغرب والمشرق”.
2- حصل مصطفى زيور على الإجازة في الفلسفة سنة 1929، ثمّ قصد فرنسا سنة 1930، وهناك حصل على ديبلوم في علم النّفس سنة 1939، ثمّ على دكتوراه في الطّبّ سنة 1941، وعاد إلى مصر. كان تحليله النّفسيّ مع رونيه لافورغ René Laforgue بين سنتي 35 و 39، ثمّ مع ساشا نخت Sacha Nacht. وكان أوّل محلّل نفسانيّ عربيّ تقبل عضويّته بـ”جمعيّة باريس للتّحليل النّفسيّ” وبـ”الجمعيّة الدّوليّة للتّحليل النّفسيّ”.
3- يوجد ملخّص عن هذا التّقرير في www.annabaa.org
4- ولد سنة 1938، وأعرض عن التّحليل النّفسيّ بعد حرب 1967.
5- ولد سنة 1936، وكان من أوائل الأخصّائيّين النّفسانيّين المتخرّجين من جامعة عين شمس. قبل أن يهاجر إلى الكندا، بدأ تحليله بمصر مع هوراس ويسة وصّاف. وهو حاليّا عضو بـ”الجمعيّة الكنديّة للتّحليل النّفسيّ”.
6- ولد بالإسكندريّة سنة 1921، وقصد باريس سنة 1945، وبدأ تحليله مع مارك شلمبرغرغ Marc Schlumberger . ثمّ بدأ حصص المتابعة مع جاك لاكان سنة 1949، وظلّ أحد رفقائه الأوفياء. يعدّ صفوان من أبرز وجوه التّحليل النّفسيّ في فرنسا والعالم العربيّ، وله مؤلّفات عديدة منها ما ترجم إلى العربيّة. ([ينظر الحوار معه في الأوان->http://www.alawan.org/%D9%85%D8%B5%D8%B7%D9%81%D9%89-%D8%B5%D9%81%D9%88%D8%A7%D9%86.html]). وقد كانت ترجمته لتفسير الأحلام لفرويد (القاهرة، 1958)، ولا تزال، مرجعا أساسيّا للمهتمّين بالتّحليل النّفسيّ من النّاطقين بالعربيّة.
7-عضو بـ”الجمعيّة البريطانيّة للتّحليل النّفسيّ، تكوّن مع أنا فرويد Anna Freud. حصل على دكتوراه الدّولة تحت إشراف دانيال لاغاش Daniel Lagache، وعاد إلى مصر سنة 1958، ثمّ هاجر سنة 1959.
8- لم نعثر على أيّ ترجمة له.
9- تكوينه الأصليّ في الفنون التّشكيليّة، وهو الآن أستاذ متميّز في جامعة باريس 7، وقذ أسّس “المركز الدّوليّ للأبحاث السيكوماتيّة”. قبل أن يهاجر إلى فرنسا، ترجم “ثلاث مقالات في النّظريّة الجنسيّة” لفرويد (القاهرة، 1963)، وترجم بمعيّة عبد السّلام القفّاش “الموجز في التّحليل النّفسيّ” لفرويد (القاهرة، 1962)
10-انظر في هذا الصّدد مقال حسين عبد القادر “التّحليل النّفسيّ بمصر : بين ماض طموح ومستقبل غير موثوق”، مجلّة لي سليباتير Célibataire Le، عدد 8، ربيع 2004، ص ص 61-73.
ولم نجد أيّ ترجمة لفايزة كامل في المصادر المكتوبة المتاحة. إلاّ أنّ شهادات مختلفة من متحلّليها السّابقين تبيّن أنّها كانت أميل في ممارستها إلى الإرشاد النّفسيّ.
11-المعجم الدّوليّ للتّحليل النّفسيّ (بالفرنسيّة)، تحت إشراف ألان دي ميجولا، الطّبعة الجديدة، 2005، ج1/239 (مقال عن البرازيل، مريالزيرا بارسترلو).
12-أوليفييه دوفيل، “انتشار التّحليل النّفسيّ في عالم فرويد : كشف غير ضاف لمراحل وسبل امتداد الحركة التّحليليّة في حياة فرويد” (بالفرنسيّة)، مجلّة Che vuoi?، عدد 21، 2004، ص 67.
13-المصدر نفسه، ص 72.
14- عبد القادر، المرجع المذكور، ص 63. وقد نشر شكري أفندي جرجس مجموعة من الكتب، منها كتاب عن “التّحليل النّفسيّ” (مطبعة شمس، 1939)، وآخر عن “الطّبّ النّفسيّ”، وآخر عن “الغريزة الجنسيّة ومتاعبها” (مطبعة شمس، د. ت)
15- الإسلام والتّحليل النّفسيّ، ترجمة رجاء بن سلامة، دار السّاقي ورابطة العقلانيّين العرب، بيروت، 2008، ص ص 299-300. نقلا عن النّجّار عبد الوهّاب، قصص الأنبياء، دار العلم، القاهرة، د.ت.، ص ص 156-157.
16- نوال السّعداوي، دراسات عن المرأة والرّجل في المجتمع العربيّ، بيروت، ط2، 1990، ص 164، 170.
/sc>/sc>/sc>