الثالوث غير المقدس : تآمر، تخوين، وتكفير

لم يخل المجتمع العربي في سياق تطوره القديم والحديث من إنتاج ثقافة الاختلاف، سواء طال الأمر القضايا السياسية أم الفكرية والأيديولوجية. وعلى غرار سائر المجتمعات التي عرفتها البشرية، كانت الصراعات السياسية والفكرية تجد ترجمة لها في أصناف من اتهامات الخصم بنعوت يرمى من ورائها إلى تحطيمه، ومن هذه الاتهامات ما يتصل بالتآمر والتخوين والتكفير، وهي تهم تمثل الذروة في هذه الصراعات، ويترتب عليها نتائج خطيرة على صعيد مصير الإنسان، تصل إلى حد إهدار دمه والإطاحة بحياته. تتسع الظاهرة أو تتقلص بمقدار ما تكون المجتمعات حققت حدًا من التطور الحضاري، تصل بموجبها إلى مرحلة الاعتراف بالرأي والرأي الآخر، وحق الاختلاف، والاحتكام إلى القوانين والعلاقات الديمقراطية في تسوية الخلافات، ومن دون رمي الآخر بالاتهامات التي تلغي فورًا منطق الاختلاف. إذا كان العالم العربي قد عرف الظاهرة التآمرية- التخوينية- التكفيرية في كل مراحل تطوره، إلاّ أنها اتخذت بعدًا خاصاً خلال النصف الثاني من القرن العشرين ومعه الفترة الراهنة، اتصالاً بالتطورات السياسية التي بدأت المنطقة العربية تعيشها، بدءًا من الهزيمة في فلسطين في العام 1948 وقيام دولة إسرائيل، وصولاً إلى الانقسامات السياسية الحادة التي ما تزال تعصف بالمجتمعات العربية، في صراعها مع بناها، ومع الخارج أيضا. تبلورت مفاهيم ونظريات حول هذا الثالوث غير المقدس، وطالت جميع مناحي الحياة السياسية والفكرية والثقافية، ومارسته أنظمة سائدة وأحزاب سياسية وقائمين على الحياة الفكرية والثقافية، هيئات أكانت أم أفرادًا، بحيث باتت الاتهامات أسهل الطرق لإنزال الهزيمة بالخصم والانتهاء منه مادياً أو معنوياً. وكلما تعمقت الهزائم واتسعت، ارتفعت معها وتيرة فعل هذا الثالوث وهيمنته، وجعله “الحكم” الناظم في حل الخلافات. وإذا كانت المجتمعات العربية متهمة اليوم بإنتاج العنف والإرهاب، وهو اتهام يحمل الكثير من الصحة، فإنّ هذا العنف هو الابن الشرعي لسيادة هذا الثالوث وترجمته العملية في الممارسة السياسية وفي الأفكار السائدة. فكيف تتجلى الهزيمة العربية في تصعيد هذا النوع من الثقافة، وما أبرز التجليات في ميادين متعددة؟

{{الأصول المشتركة لمنظومة ثالوث التآمر والتخوين والتكفير:}}

تتقاطع المفاهيم الثلاثة وتتشارك في التوصيف والمسلك والنتائج، تبدو كأواني مستطرقة، وكسلسلة متصلة ببعضها البعض. لذا ليس غريبًا أن تطلق مجتمعة ضد الخصم الموجهة له، رغم أنّ تهمة واحدة منها تكفي لتحقيق الهدف. يزخر العالم العربي بثقافة “متقدمة” لهذا الثالوث، بحيث تطغى تعابيره وتوصيفاته على كل خلاف أو اختلاف مهما كان حجمه أو طبيعته. يتغذى الثالوث من جملة عوامل بنيوية تتصل بتكوّن المجتمعات العربية والأنظمة القائمة فيها والأيديولوجيات السائدة والعصبيات المسيطرة، تتقاطع جميعها عند غياب ثقافة الديمقراطية والاعتراف بالآخر والعيش معا مختلفين، إضافة إلى رفض حقوق الأقليات ومنع الأصوات المعارضة.

أول العوامل وأهمها، تاريخياً، يتصل بطبيعة الأنظمة المتكونة خصوصا منذ خمسينات القرن الماضي، والثقافة السياسية التي استندت إليها، والقائمة على سيطرة الحزب الواحد أو العصبية الواحدة، سواء اتخذ هذا الحكم شكل النظام الجمهوري أم الملكي. كان على هذه الأنظمة اعتماد منطق الديكتاتورية والاستبداد السياسي لترسيخ سلطتها الأحادية. ولتكريس هذه السلطة، لجأت إلى القوة والأجهزة الأمنية لترسيخ نفوذها. منذ قيامها واجهت الأنظمة العربية قضايا تتصل بالمشروع الامبريالي- الصهيوني على المنطقة، وكان عليها مواجهته أو الاستعداد للمواجهة. شكل العنصر الخارجي – الداخلي مادة سمحت لهذه الأنظمة رفع شعارات تتوافق مع هيمنتها على السلطة، واستخدام هراوة القمع لمنع المعارضين. لم يكن القمع عاريا دائما أو غير مبرّر من وجهة نظر الحكام، بل كانت العدة الأيديولوجبة جاهزة لاتهام المعارض بالتآمر على المصلحة العليا، وبالعمالة للأجنبي والاستعمار، وهي تهم توصل مباشرة إلى الاتهام بالخيانة، ولا مانع بعد ذلك أن تقرن الفتاوى الدينية التهمتين بتهمة الكفر والإلحاد. ازدادت وتيرة استخدام هذا “الثالوث” بعد فشل مشاريع التحديث والتنمية، وبعد الهزائم العسكرية التي منيت بها هذه الأنظمة أمام العدو القومي، فارتفعت وتيرة التخوين والتآمر حتى باتت العدة النظرية التي ترميها الأنظمة في وجه كل منتقد لها أو مطالب بمحاسبة الحكام على النتائج المترتبة على سياستهم في إدارة البلاد. هكذا على امتداد العقود الماضية، ويوميا، تشدد السلطات الاستبدادية الحاكمة على وتيرة رفع سيف التخوين في وجه القوى التي ترى أنها تشكل تهديدًا، ولو بسيطاً، لسلطتها، وهي ثقافة تبدو اليوم النمط الذهني المسيطر والمشترك بين جميع التيارات السياسية والفكرية السائدة في المجتمعات العربية، رسمية أكانت أم غير رسمية.

يمثل انبعاث الفكر الأصولي والسلفي والمتجسد في حركات حزبية ونضالية عنصرًا مهماً في صعود هذا الثالوث وانتشار ثقافته في المجتمعات العربية. ترتكز الأصوليات الدينية على فكر يرى عماده الرئيس في الكتب المقدسة التي تشكل مصدر الحقائق وتحدد سلوك الإنسان على الأرض، وتسم كل أفكارها وسلوكياتها بطابع التقديس، بما يضفي عليها هالة من الرهبة الدينية. يقوم المقدس هنا برسم الحدود الواجب التزامها، بما يجعل كل خروج عنه مصدر تمرد على الله والدين والتعاليم الإلهية، بما يبرر اتهام الخارج عنه بالهرطقة والارتداد والكفر. تشكل الهويات الفكرية لهذه الأصوليات القاعدة التي تحكم وتوجه هذه الحركات في الممارسة العملية، وهي مفاهيم ترتكز على الاصطفائية وامتلاك الحقيقة المطلقة واحتكارها ورفض الآخر، وادعاء كل أصولية أنها “الفرقة الناجية”، فيما سيكون مصير الفرق الأخرى النار. ينسحب الأمر نفسه على أصوليات غير دينية لجهة تصنيف نفسها وحدها القادرة على فهم الوقائع واعتبار نظرتها تحمل التحليل الصحيح الذي يستوجب التزامه من دون الأخذ في الاعتبار الرأي الآخر. يشير الكاتب السعودي تركي الحمد، في كتابه :”السياسة بين الحلال والحرام” إلى هذه المسألة فيقول :”إذا كانت جماعات الإسلام الحزبي تستخدم على وجه القطع، ثنائية الكفر والإيمان، الحلال والحرام، في تحديد علاقتها بالآخر، الذي قد يكون جماعة إسلاموية أخرى، وفي الحكم على الأحداث والأشياء، فإنّ التيارات غير الدينية، بل والتي يضع بعضها نفسه أحيانا على طرف نقيض مع الخطاب الديني جملة وتفصيلاً، إنما تفعل نفس الشيء حين تلجأ إلى القطيعة في الإدراك، والحكم على أحداث وأشياء هي بطبيعتها من المتغيرات غير القابلة للحكم القطعي” (ص79-80).

إلى جانب الحركات الأصولية، شكلت الأيديولوجيات التي سادت ولا تزال مصدرًا آخر لمنظومة الثالوث غير المقدس، وهي أيديولوجيات اعتمدت القومية العربية والماركسية بتياراتها المتعددة، والنازية والفاشية المتوافقة مع التيارات القومية. مارست هذه الأيديولوجيات سياسة تشبه إلى حد بعيد ما تقوم به اليوم الحركات الدينية الأصولية، فرمت معارضيها بصنوف متنوعة من التآمر والتخوين والتكفير، وسلطت أبشع أنواع القمع والقهر على المخالف لفكرها وسياستها، واستخدمت أساليب كان أقلها الزج في السجون، فنفت وقتلت وأهدرت الدماء. تساوت، في المنهج، الأيديولوجيات التي لم تصل إلى السلطة مع الأيديولجيات التي حكمت واستبدت بشعوبها، فحملت الأحزاب السياسية منطق الإتهام المتعدد الجوانب إلى المخالف من الأعضاء لما تقول به القيادات النافذة، واستخدمت سلاح المؤامرة والخيانة للمشكك أو الرافض.

تشكل البنى العصبية المتمثلة بالقبائلية والعشائرية والطائفية والإثنية.. عنصرًا وازناً اليوم في ازدهار ثقافة الثالوث، ويتغذى هذا النمو لمفاهيم العصبيات من تدهور موقع الدولة في العالم العربي وانحسار تمثيلها العام والمشترك، وتراجع قدرتها عن حماية المواطن. إنّ الارتداد إلى موقع العصبيات التي تتشدد في الانتماء إلى منظوماتها وعاداتها ومفاهيمها السائدة، تلغي الحد الأدنى من المساحة الواسعة التي يتجاوز فيها المواطن- الفرد إطار الانغلاق الذي يفرضه منطق العصبية، نحو ولاء للعام الدولتي والمجتمعي على حساب الخاص الفئوي. يترتب على الانبعاث العصبوي الفئوي زيادة وتيرة التعصب والانغلاق والنظرة المشككة بالآخر، ناهيك عن “الإقفال” العقلي أمام رؤية تسمح بالتلاقي مع سائر القوى في المجتمع. يتمثل صعود العصبيات اليوم في التوترات والحروب الأهلية التي تشهدها المجتمعات العربية، والتي تحمل كل حالة منها منظومة فكرية متشابهة في اعتبار الآخر عدوًا يتوجب القضاء عليه.

{{منطق الجنون المؤامراتي:}}

لم تعرف اللغة السياسية العربية كلمة أكثر انتشارًا وابتذالاً من كلمة “مؤامرة “،بحيث لا يكاد سجال يخلو، مهما كانت نوعيته، من استخدام هذه الكلمة. مثلت المؤامرة في التاريخ العربي مشجباً علقت عليه الأزمات، وما تزال تشحن الجمهور وتخترق الصراعات السياسية والأيديولوجية وغيرها. وصف عبد الله القصيمي سابقاً العرب بأنهم “ظاهرة صوتية “، كما يمكن إضافة وصف آخر هو” الجنون المؤامراتي” المسيطر على عقولهم حكاماً واحزاباً وطوائف وعشائر وحتى مؤسسات أهلية.

تبدو المؤامرة بمثابة النسق الثابت في الصراعات العربية ماضياً وحاضرًا، بل هي تمثل دينامية العقل وفعاليته في هذه الصراعات. يتمحور قسم كبير من قراءة التاريخ العربي، على تفسير للأحداث وتعليل للهزائم بوصفها نتيجة المؤامرات التي تعرض لها العرب والأطماع الأجنبية في السيطرة على الأراضي والموارد العربية. فكل الأحداث التي شهدتها المنطقة العربية خلال القرن الماضي، من استعمار استوطن الأرض والمجتمع، إلى إقامة دولة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية، وصولاً إلى مجمل السياسات الأجنبية تجاه المنطقة، يجري تفسيرها في سياق المؤامرة المستمرة على العربي والمسلمين منذ الحروب الصليبية وصولاً إلى الزمن الراهن. تحمل هذه الإحالة في تفسير التاريخ إلى العوامل الخارجية أخطارًا وأخطاء فكرية وسياسية. لا يمكن بالتأكيد إغفال دور المؤامرات الخارجية في صنع الأحداث الداخلية أو التأثير فيها، وهو أمر يشهد عليه التاريخ، لكنّ هذه الإحالة في العقل السياسي العربي توظف في تغييب المسؤولية الذاتية وعدم تشخيص الأسباب الحقيقية للعجز التي تسمح للمؤامرة بالمرور والنجاح. هكذا يجري استحضار المؤامرة في تبرير انهيار الإمبراطورية العربية – الإسلامية بعد التوسع والازدهار الذي عرفته في القرون الوسطى. فالحقد الغربي على العرب والإسلام كان وراء الحروب الصليبية التي ساهمت في تدمير هذه الحضارة. يتجاهل العقل العربي أنّ الإنهيار لم تقتصر عوامله على التدخلات الخارجية فقط، إنما يعود في أسبابه الرئيسية إلى التناقضات والصراعات الداخلية على السلطة مما ساعد في إضعاف السلطة المركزية وبالتالي انحلالها. هذا إضافة إلى تراجع الموارد وتقلصها مما اثر سلباً على الاقتصاد، واقتران ذلك كله بانحطاط فكري وتخلف اجتماعي وسيادة الفساد والظلم والاضطهاد، وهي أمور أدت إلى “هرم الدولة ” وفق تعبير ابن خلدون وبالتالي انهيارها.

للعقل المؤامراتي تفسيره الخاص للسيطرة الإمبريالية على المنطقة العربية. لم يخف الاستعمار أهدافه التوسعية ماضياً وحاضرًا، لجهة السيطرة على موارد المنطقة خاصة النفط منها. كما أنّ هذا الاستعمار أقام دولة إسرائيل في إطار مشروعه للهيمنة على المنطقة وأعاق عمليات توحيد عربية. لكنّ العقل العربي يغيّب الأسباب التي مكّنت الاستعمار من النجاح في تحقيق أهدافه. يغيّب هذا العقل الأسباب العربية المتصلة بالبنى الداخلية التي شكلت دائما وما تزال الممرات اللازمة لاختراق السيطرة الامبريالية على المنطقة والقنوات الداخلية التي مكنتها من بسط نفوذها. وهو أمر تشهد عليه أحداث القرنين الماضي والحالي، خصوصاً بعد حروب الخليج واحتلال العراق وترحيب بعض القوى الداخلية بهذه الاحتلالات أملاً في خلاصها من الاستبداد العربي المهيمن. لكنّ الأغرب في هذا المجال كون العقل العربي وصل به هاجس المؤامرة إلى إسقاطها على الخارج، عندما ذهب كثيرون إلى نفي مسؤولية عناصر عربية عن تفجيرات 11 أيلول/سبتمبر عام 2001 واعتبار ما حصل مؤامرة أميركية صهيونية لتحميل المسؤولية إلى العرب والمسلمين.

جوبهت العلاقة العربية مع الغرب منذ مطلع القرن الماضي وحتى اليوم بتهمة المؤامرة. طرح رواد النهضة أواخر القرن التاسع عشر ضرورة الإفادة من علوم الغرب وحضارته، وشدد سائر الرواد على امتداد القرن العشرين على أهمية الدخول إلى العصر عبر الثورة العلمية والتكنولوجية كأحد شروط تجاوز تخلفنا. على رغم أنّ منجزات هذه الثورة باتت تخترق عوالمنا العامة منها والخاصة، إلاّ أنّ أصواتاً عربية واسعة ما تزال ترى في هذا التقدم العلمي مؤامرة لا وظيفة لها سوى تدمير ثقافتنا وقيمنا وحتى ديننا ، بل لا تتورّع هذه الأصوات عن الإصرار على وجوب القطيعة مع الغرب حفاظاً على موروثنا من القيم. كما يذهب كثيرون في هذا المجال في قراءتهم لأسباب التخلف العلمي والتكنولوجي في العالم العربي إلى مؤامرة أجنبية تسعى جاهدة على الدوام لمنع نقل التكنولوجيا إلى المجتمعات العربية، والتقييد على البحث العلمي، في وقت يدرك فيه كل مراقب طبيعة السياسة التي تنتهجها الدول العربية في تقليص الإنفاق على مراكز الأبحاث، والتعاطي مع نتاجها بالإهمال ومنع الإفادة من حصيلة معطياتها. ليس ضعف البحث العلمي نتاج مؤامرة بمقدار ما هو تعبير عن تخلف مجتمعي وبنى سلطوية تخاف من العلم ونتائجه على سلطاتها الديكتاتورية.

من أغرب ما ينتجه العقل العربي في علاقته مع التقدم الحضاري الجاري، هو نظرته إلى العولمة وكيفية فهمها والتعاطي مع منتجاتها. أدت العولمة إلى تعميق مأزق العقل العربي، فجرى التعاطي مع هذا المفهوم على أنه ذروة المؤامرة، لم يكلّف بعض هذا العقل العربي نفسه قراءة العولمة موضوعياً بوصفها مرحلة متقدمة من التطور البشري تعبر ثورة الاتصالات والتكنولوجيا والاختراعات العلمية المتقدمة عن أبرز وجوهها. يسعى العالم كله اليوم للدخول في العولمة كشرط لدخوله في العصر والتطور، من دون أن يغفل الآثار السلبية التي تصاحب كل تطور وتقدم، ومن دون أن يتجاهل أيضاً الاستغلال الأميركي لهذه العولمة في فرض سيطرته العسكرية والاقتصادية. بديلاً من بحث عربي يتناول كيفية توظيف منتجات العولمة في نهضتنا وتطورنا، نحا قسم غير قليل من العقل العربي إلى رمي العولمة بتهمة إلغاء الذات العربية والهوية الثقافية والدينية وإلحاقها بالثقافة الغربية. يبتعد هذا العقل عن تفسير هشاشة “ذاتنا العربية ” الخائفة دائماً من الاحتكاك بالآخر، كما يصعب عليه التجرؤ على نقاش سلبيات العولمة ليمكن تفاديها. لم تقتصر النظرة السلبية إلى العولمة على أوساط سياسية، بل تبنّى كثير من الذين يصنفون في خانة المفكرين هذه العولمة في وصفها مؤامرة امبريالية، مثال على ذلك ما يقوله محمد عابد الجابري في أنّ العولمة “أيديولوجيا تعكس إرادة الهيمنة..وهي نفي للآخر وإحلال للاختراق الثقافي محل الصراع الأيديولوجي” (العرب والعولمة ص300-301)، أو ما يشير إليه عبد الإله بلقزيز حيث يرى في العولمة “فعل اغتصاب ثقافي وعدوان رمزي على سائر الثقافات. إنها رديف الاختراق الذي يجري بالعنف، المسلح بالثقافة، فيهدد سيادة الثقافة في سائر المجتمعات التي تبلغها عملية العولمة” (العرب والعولمة ص318). فيما يذهب حسن حنفي أبعد من ذلك فيصف العولمة بأنها عودة للاستعمار الجديد، فيقول :”بعد انكسار حركات التحرر الوطني عاد الاستعمار الاقتصادي والسياسي والثقافي والاجتماعي من جديد في صورة العولمة بالاقتصاد الحر واتفاقية الجات والمنافسة والربح، والعالم قرية واحدة، والتبعية السياسية وتجاوز الدولة القومية، ونشر القيم الاستهلاكية مع الجنس والعنف والجريمة المنظمة” (ما العولمة، ص18).

مع تكوّن النظام العربي في خمسينات القرن الماضي، اتخذت “المؤامرة ” لها وظائف أيديولوجية وسياسية، فباتت جزءًا من عقيدة السلطة. جرى تصنيف هزائمنا المتتالية والمتنقلة على أنها حصيلة مؤامرة استعمارية، فيما جرى تغييب العوامل الداخلية للهزائم، وبما أنّ هذه الهزائم فعل مؤامرة على النظام القائم وعلى حكامه، بات الإصرار على عدم المس بالنظام وقياداته والامتناع عن محاسبتهم أفضل وسائل إجهاض هذه المؤامرة. هكذا وجد النظام العربي ضالته في نظرية المؤامرة وسيلة لتكريس سلطة القمع والاستبداد ومنع أي تغيير. تحت حجة مجابهة المؤامرة الإمبريالية الصهيونية باتت الدعوة إلى الحرية والديمقراطية والمساواة مطالب مشبوهة تمس الأمن القومي، لأنّ هذه المطالب تحوّل الاهتمام عن تجنيد القوى الشعبية للتصدي لهذه المؤامرة. أمّا المظاهرات والتحركات الساعية إلى تحسين الأوضاع الاجتماعية فليست سوى مؤامرة هدفها تقسيم الشعب وزعزعة الوحدة الوطنية مما يستوجب قمعها بشدة. وينسحب منطق المؤامرة على العمل السياسي وحق الأحزاب في الممارسة، فيجري وسمها بالخطر لأنها تسمم أفكار الشعب بالمبادئ الهدامة المستوردة من الخارج. أمّنت المؤامرة و”فلسفتها” لأنظمة الاستبداد السياسي وظيفة خلق العدو والتركيز على خطورة دوره، وغالباً ما يكون العدو من أبناء الشعب والقوى الداخلية المعارضة.

لم يقتصر استخدام أيدولوجيا المؤامرة على الأنظمة العربية، بل كانت أيضا في صلب الخطاب السياسي للحركات الحزبية في العالم العربي. امتازت الحركات والأحزاب القومية واليسارية والدينية بقاسم مشترك في ما بينها، ألا وهو غياب الديمقراطية عن هويتها الفكرية وعن ممارساتها العملية. أدى هذا الغياب إلى مسلكين يصبان في هدف واحد، يتناول الأول العلاقات الحزبية الداخلية حيث ينظر إلى الاختلاف في الرأي أو معارضة القرارات الحزبية بمثابة تمرد تقف وراءه مؤامرة تستهدف وحدة الحزب والحركة، فيما يتصل المسلك الآخر بنظرة الأحزاب إلى بعضها البعض، وهي نظرة تضمر كل واحدة منها وجود مؤامرة تهدف تقليص الموقع أو الإطاحة به. هكذا صنفت الأحزاب القومية الدعوة إلى الديمقراطية، شرطاً لتحقيق الوحدة العربية، على أنها مؤامرة قطرية تهدف إلى منع تحقيق الوحدة. كما باتت كل مطالبة بنقاش عقلاني للصراع العربي الإسرائيلي وتعيين أسباب هزائم العرب ومحاسبة الذات، على أنها مؤامرة صهيونية أميركية تهدف إلى نشر اليأس والإحباط في نفوس الجماهير. وتحوّل كل نقد للمعسكر الاشتراكي قبل سقوطه إلى مؤامرة امبريالية تستهدف النضال الاشتراكي والدعاية للرأسمالية. كما بات أي نقد للأحزاب اليسارية والاشتراكية مؤامرة يقودها اليمين والرجعية لمنع التغيير الثوري. أما الأحزاب والحركات الدينية والأصولية فلا تجد حرجا في وصم كل دعوة إلى حرية الاعتقاد والتدين ومنع الإكراه فيهما مؤامرة ضد الدين ودعوة للعلمانية الملحدة. كما ترى هذه الحركات في سائر الأديان خطرًا يستوجب المحاربة.

لم تنج الحركات الثقافية والأدبية من التراشق بتهمة التآمر. قدم المشهد العربي نقاشات بين مفكرين ذوي أفكار متعارضة، فتحول النقاش بينهم تهجما وتجريحا واتهامات بالتآمر على بعضهم البعض. وعرفت الحركة الشعرية اتهامات التآمر عندما خرج بعضها عن المألوف التقليدي وكسر القوالب الكلاسيكية، فصنف هذا التجديد في خانة خيانة الأصول، مثال على ذلك المعركة التي دارت حول الشعر الذي رفعته مجلة “شعر” في الستينات من القرن الماضي، فخيضت حوله معارك تحولت إلى اتهامات بالعمالة وتدمير التراث العربي والانحراف وغيرها من النعوت. كما يقدم المشهد العربي سجالات أبعد ما تكون عن احترام حرية الرأي والرأي الآخر، أو التعاطي مع القيمة الفكرية التي يمثلها أصحاب المعارك الذين يفترض أن يكون دورهم تربوياً – تثقيفياً- تعليمياً للأجيال العربية. في هذا المجال الطويل يمكن الإشارة إلى بعض هذه المعارك التي دارت بين أدونيس وصادق جلال العظم، أو بين محمد عابد الجابري وجورج طرابيشي، أو بين طيب تيزيني وإدوارد سعيد، وغيرهم الكثير ممن تحفل بهم نوادي المثقفين والصحافة، من اتهامات وتراشق بشتائم أحياناً لا تليق مطلقاً بالموقع الذي يمثله المثقف. لم يقتصر منطق المؤامرة على التبادل الداخلي بين المثقفين، بل جرى ربطه بمؤامرة امبريالية ضد المجتمعات العربية. يقدم تركي علي الربيعو في كتابه “المحاكمة والإرهاب، عقلية التخوين في الخطاب العربي المعاصر” نماذج غير مشرفة” لطبيعة السجالات بين مفكرين ومثقفين وذهابهم بعيدًا في وسم نتاج فكري لبعضهم في كونه مؤامرة. أثار كتاب ادوارد سعيد “الاستشراق”، على سبيل المثال نوعاً من النقاش قاده مفكرون من أمثال صادق جلال العظم ومهدي عامل ونديم البيطار وطيب تيزيني، أعطوا حكماً قطعياً بالإعدام المسبوق بتهم العمالة والتخوين، في كون ادوارد سعيد يلعب دورًا طابعه التآمر على الساحة الفكرية العربية، وذلك في سياق المؤامرة الكبرى التي تقودها الامبريالية ضد الفكر اليساري والتقدمي في العالم العربي، كما وصل الأمر إلى اتهام سعيد بالأصولية. يشير الربيعو إلى كلام أورده طيب تيزيني في مجلة “العربي”، العدد 350 تحت عنوان “من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب الغربي” حيث يقول تيزيني :”إنّ الشعب العربي، بطلائعه التقدمة، يواجه حالياً هجوماً فكرياً أيديولوجياً مكثفاً من التشكيك في جدواه التاريخي على وجه الإجمال. هذا الهجوم تحمل لواءه قوى الاستعمار والصهيونية والظلامية في الوطن العربي. وفي سياق ذلك تبرز فئة من المثقفين والمفكرين والكتاب العرب لتجد نفسها- بصيغة أخرى- في معمعان الموقف وتعقيداته” (ص147،151).

سعت دراسات في ميدان علم النفس إلى تتبع المنطق المؤامراتي وتبيان عوامل انتشاره، ذهبت نظريات إلى القول بأنّ الضغوط الاجتماعية والسياسة الممارسة قسرًا على الشعوب العربية، تدفع بهذه الشعوب إلى استخدام الخيال والإسقاط “الرغبوي” الخاص في تفسير الأحداث بعيدًا عن المنطق العلمي. كما يصف محللون نفسيون التشبث بنظرية المؤامرة، بوصفها تعبيرًا عن وعي منحرف يحاول صاحبه إيجاد توليفة لفهم الواقع عبر استخدام “أدوات خاطئة” في التحليل. لذلك شكلت أيديولوجيا المؤامرة شماعة استخدمها العقل العربي في مستوياته المتعددة وسيلة لإعفاء نفسه من نقد الذات والبنى المتخلفة بوصفها العوامل الرئيسية لانحطاط العالم العربي وتدهور أوضاعه. إنّ إلقاء التهم على العدو الخارجي وعلى المؤامرة الاستعمارية الهادفة إلى إعاقة تطورنا تشكل أكبر إهانة لهذا العقل العربي المتجمد والمتكلس العاجز عن إعمال سيف النقد العقلاني ومواجهة المعضلات الداخلية وتعيين المسؤوليات الذاتية والموضوعية عن المآل الذي وصلت إليه المجتمعات العربية.

{{التخوين في مواجهة الاختلاف:}}

تتقاطع مقولة التخوين مع مقولة التآمر في الثقافة العربية بل تتلازمان وتهدفان إلى غرض واحد يختزل بالإبادة. فالمتآمر خائن بالطبيعة، والخائن متآمر في الأصل. تتردد المفردة التخوينية بشكل واسع في اللغة العربية، ويجري إطلاقها لدى كل اختلاف في الرأي أو حتى في وجهة النظر. لا تأخذ العقلية العربية الغالبة بمشروعية الاختلاف بين البشر في الحكم على القضايا، سواء اتصلت بالسياسة أم الفكر أم الدين.. بل إنّ هذه العقلية لا تمانع في تحويل البشر إلى نسخ تكرر نفسها وتستنسخ بعضها البعض. كثيرًا ما تحوّل صاحب الرأي المخالف إلى عدو، وهو اتّهام يلقى جزافاً، أحياناً كثيرة، ويصل ذروته عندما يسود العجز عن إدارة الخلافات بأدوات الحوار وقبول الرأي والرأي الآخر. يصل التخوين في العالم العربي ذروته عندما يتصل الأمر بالقضايا الوطنية، حيث يتحول الاجتهاد أو المخالفة إلى العمالة والولاء للأجنبي المستعمر والصهيوني والامبريالي.. في كل الأحوال، لا تنفصل اتّهامات التخوين عن الفكر السائد في السياسة والثقافة العربيتين، والذي بطبيعته فكر يعبر عن عقلية شمولية واختزالية واحتكارية للحقيقة والصواب، وهي أفكار تلازم سلطات الاستبداد والتسلط سواء مارسته أنظمة سياسية، أم قالت به حركات سياسية على مختلف تنوعاتها.

شكل التخوين الذي مارسته أنظمة الاستبداد السياسي في العالم العربي أبشع وأقسى أنواع الاتّهامات. طالت التهم الحركات السياسية المعارضة من أحزاب وشخصيات، حيث كان التخوين أسهل الوسائل لإنهاء هذه المعارضات وزجها في السجون، وممارسة التعذيب عليها، وصولاً إلى إبادتها الجسدية. لم تكتف هذه الأنظمة باستخدام العنف العاري في قمع معارضيها، بل كست هذا العنف بغطاء أيديولوجي، سواء أكان ينتمي إلى الفكر القومي أم المدعى اشتراكاً. ساعدت طبيعة المعارك الوطنية والسياسية التي فرضت على هذه الأنظمة منذ منتصف القرن الماضي، وعلى الأخص منها المعركة القومية ضد المشروع الامبريالي والاستعماري والصهيوني، ساعدتها على اختزال طبيعة المعركة إلى جانب واحد، مما سمح لهذه الأنظمة تسليط سيف القمع على أخصامها في الداخل، من المطالبين بإصلاحات وتطوير الحكم ، إضافة إلى مطالب الحريات السياسية وحرية الفكر. تساوت الأنظمة في استخدام القمع الشديد، ولعب شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” دورًا مركزياً في استخراج شتى التهم بالخيانة ضد من يحاول تحويل الاهتمام عن المعركة القومية لصالح تغييرات في البنى الداخلية وتطوير المجتمعات العربية، فالمعارضون هم عملاء للصهيونية والاستعمار حكماً. “أبدعت” الأنظمة العربية في ممارسة العنف ضد المعارضين لسلطتها، يدل على ذلك أنواع الكتب التي صدرت في أكثر من قطر عربي تتناول السجون العربية وتعبّر خير تعبير عن العقلية السياسية للحكام العرب، وهي أوصاف قدمها مفكرون وسياسيون أمضوا قسماً وفيرًا من حياتهم في ظل سجون الاستبداد العربي، وقدموا نماذج عن الحياة فيها، من قبيل ما ذكره عبد الرحمن منيف، وفرج بيرقدار، وطاهر عبد الحكيم.. وغيرهم من “خريجي” السجون العربية والمتهمين بالخيانة، ليس للوطن، إنما للحاكم.

عرفت المنطقة العربية منذ الخمسينات من القرن الماضي نشؤ حركات سياسية ذات طابع قومي أو اشتراك أو إسلامي. تقاذفت هذه الحركات التهم المتبادلة في سياق التعبير عن الخلافات في مشاريعها السياسية، وكانت بعض هذه التهم تلامس التخوين، من دون أن يترتب على ذلك إبادات جسدية على غرار تهم الأنظمة الحاكمة ضد مخالفيها في الرأي. لكنّ الأسوأ تجلى في الصراعات الداخلية التي نشبت ولا تزال داخل هذه الحركات الحزبية والتراشق بتهم الخيانة لبعضها البعض. فعلى رغم انتماء الحركات القومية إلى ما يشبه المصدر الواحد في الفكر، على غرار حزب البعث الذي حكم في سوريا والعراق، إلاّ أنّ الخلافات التي نشبت بين أجنحته تحولت اتّهامات رهيبة في التخوين، ونجم عن ذلك تصفيات لآلاف الكادرات من المناضلين من هنا وهناك، خصوصاً أنّ هذا الحزب تولى السلطة وبرع في استخدام التصفيات الجسدية التي طالت أفراده وأخصامه على السواء، بحيث تحول البعث مجموعة “أبعاث” لم تتوقف عن التناحر والتراشق بالتخوين حتى اليوم.

لم تكن حال الأحزاب الشيوعية والاشتراكية أفضل من الأحزاب القومية في إطلاق التخوين، عندما كانت تحتدم الخلافات السياسية أو الفكرية بين الأجنحة الحزبية. فأي اجتهاد في النظرية الماركسية اللينينية هو خيانة لمبادئ ماركس ولينين ويصب في خدمة الامبريالية. وأي اعتراض على سياسة الإتحاد السوفيتي تجاه المنطقة العربية هو خيانة للاشتراكية والأممية. هكذا حفلت الأدبيات الاشتراكية بمنوعات من الاتّهامات لعدد من قادتها بالتآمر والتخوين لمجرد الاختلاف في وجهات النظر. وعندما سنحت الظروف لبعض هذه الأحزاب بممارسة حد من السلطة، تصرفت بشكل مماثل للأحزاب القومية في إبادة الخصوم والتنكيل بهم تحت حجة الخيانة، وهو أمر عرفه العراق أيام حكم عبد الكريم قاسم ، كما عرفته اليمن الجنوبية أيام حكم الحزب الاشتراك اليمني.

تنطلق الحركات الإسلامية الأصولية من حيث المبدأ في اعتماد التخوين تهمة جاهزة ضد سائر التنظيمات والحركات التي لا تعتمد مقولاتها في شأن الدولة الدينية أو كيفية فهمها للدين الإسلامي والشريعة الإسلامية. لا تخلو أدبيات حركة أو حزب إسلامي راهناً من تهم الخيانة ضد غير المسلم الذي تنطبق عليه تهم الكفر والخيانة في آن، وعلى المسلم العلماني أو الرافض لمقولات الحركات الإسلامية في السياسة والسلطة. تكاد هذه الوجهة في التعاطي تنطبق على جميع الحركات الإسلامية العاملة في السياسة، وتسعى إلى ترجمة هذه التهم هدرًا لدم المخالف وتنفيذ الإعدام به إذا ما أتيح لها ذلك. لكن الناظر اليوم إلى واقع هذه الحركات يلمس التراشق بين بعضها البعض بتهم التآمر والتخوين تعبيرًا عن الخلافات السياسية أو الأيديولوجية، ويطال الاتّهام حركات تسعى لأن تكون معتدلة في تقديم برامجها ومشاريعها السياسية، بعيدًا عن العنف والتطرف. ترمى هذه الحركات بنعوت تذهب حكماً بأصحابها إلى الموت، حيث تتعاطى معها الحركات المتطرفة، أحيانا، على أنها أشد خطرًا من الحركات غير الإسلامية المصنفة عدوًا في الأصل.

أفرز الصراع العربي الإسرائيلي حركات مقاومة مسلحة لعبت دورًا مهماً في الصراع ضد إسرائيل، وهو دور اضطلعت به جميع المنظمات وبشكل متفاوت. ومنذ هزيمة حزيران 1967، تحولت مشاريع التسويات حول القضية الفلسطينية إلى موضع صراعات وخلافات متعددة بين هذه التنظيمات. لم تتورع أي جهة مقاومة من إلصاق تهم الخيانة بجهة أخرى تقف على خلاف معها في التوجه الإستراتيجي أو التكتيكي. بل إنّ الأدب الفلسطيني السياسي يمثل الأعلى والأغزر في التخوين ضمن الحركات السياسية في العالم العربي. لا يقتصر التخوين على المنظمات المختلفة في الرأي والتوجه، بل يمتد إلى داخل الحركة الواحدة، من حركة فتح، إلى حركة حماس، إلى سائر الجبهات، حيث تنطلق تهمة التخوين ببساطة وسهولة وسلاسة على لسان أي فرد، قيادياً أكان أم مواطناً عادياً. لا تمنع التهمة، المفترض أنها عنوان قطيعة مطلقة، من عودة العلاقات الطبيعية والود أحياناً بين المتراشقين بهذه التهم. انسحب المنطق التخويني على حزب الله في لبنان، خصوصا بعد حرب تموز 2006 حيث اعتبر الحزب أنّ كل من يعترض على سياسته خائن وعميل للعدو الإسرائيلي. وفي خلال المعركة السياسية التي نشبت بين فريقي 14 آذار الممثلة لقوى تعترض على سياسة الحزب، وقوى فريق 8آذار الموالية للحزب، جرى استخدام تعبير التخوين بشكل عشوائي بحيث كان كل فريق يرمي الطرف الآخر بالتخوين، مما جعل الشعب اللبناني في مجمله يقيم في الخيانة.

وصل التخوين ذروته داخل الساحة الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة، عندما اندلعت “حرب أهلية” بين حركتي فتح وحماس، وخلال الجواب على المشاريع السياسية المطروحة، من دون أي مراعاة من قبل الطرفين لحرمة التاريخ النضالي والدم المراق دفاعاً عن القضية الفلسطينية وفي مواجهة المشروع الصهيوني، بحيث لم يوفر التخوين قيادات فلسطينية استشهدت وهي تقاتل المشروع الصهيوني. في نص بعنوان “عن بؤس خطابات التخوين ومحدودية أسسها” صدر في جريدة “الحياة”، يقول كاتبه ماجد الكيالي :”كانت الساحة الفلسطينية ، وبمناسبة الموقف من تقرير “غولدستون”، شهدت استعادة فجة لنمط الخطابات الشمولية التخوينية، التي لم تقف عند انتقاد هذه السلطة أو إدانة أدائها، وإنما ذهبت حد تخوين قيادتها والمطالبة باستقالتها ومحاكمتها. وتكمن مشكلة هكذا خطابات أنها تبدو كنوع من خطابات ثوروية، وتطهرية، وتذهب إلى الحد الأقصى في تصديها لمعضلة ما، بينما هي في الحقيقة مجرد خطابات قاصرة، كونها تبسّط، ربما بنوع من السذاجة، الإشكاليات والتعقيدات التي تحيط بهذه الساحة، وكونها تستمرئ، في نوع من المراوغة، الاشتغال على السياسة اليومية الشعبوية، على حساب السياسة الإستراتيجية. ومشكلة الخطابات التخوينية، أيضا، أنها شمولية، وإقصائية، تنبذ الآخر، وتتعمد تسخيف قيمته وتشويهه وصولاً لمحوه. وهكذا خطابات تختم النقاش، وتقفل التفكير، وتنهي المسألة برمتها بضربة واحدة، فلا يعود ثمة داع لا لحوارات مصالحة، ولا لاستعادة الوحدة الوطنية، ولا للانتخابات. فمن البديهي أنّ الحوار لا يتم مع خونة، وأنّ الوحدة لا تشملهم، وأنّ الحسم معهم لا يتم عبر الانتخابات، وإنما بوسائل أخرى. ثمة مهمة أخرى للخطاب التخويني، فهو فوق كل ما تقدم، خطاب عنفي، في لغته، ويستدعي العنف، في وسائله، مما يعني أنه خطاب غرائزي، تدميري، ويثير الشقاقات والاحترابات الأهلية، كما بينت التجربة. ولعل أخطر ما في الخطابات التخوينية أنها لا تفسر شيئا في الواقع، فالخيانة فعل فردي، لشخص أو مجموعة أشخاص، بمعنى أنه يمكن تعيينها، وحصرها في دائرة معينة، وبالتالي عزلها ومعالجتها، في حين أنّ الوضع في الساحة الفلسطينية أبعد من ذلك وأعمق وأعقد بكثير، بوجود حالة خيانية من عدم ذلك” (الحياة،17/10/2009).

يمثل التخوين الذي يمارسه مثقفون ضد بعضهم البعض نموذجاً فجاً للتخلف العربي وللعقلية المريضة على السواء. لم تتوقف سجالات الثقافة منذ عصر النهضة مطلع القرن العشرين، وهي سجالات اختلط فيها الخلاف الفكري والعقائدي بنزعة الذاتية والأنا، ورفض الاعتراف بالآخر، ودمج المقدس الديني مع الموقف السياسي، بما يربط التخوين بالتكفير. إذا كانت سجالات مثقفي النهضة الأوائل راعت حدًا من الأدب والحشمة في النعوت الملقاة، إلاّ أنّ مثقفي العصر القومي أو الاشتراك “تفننوا” في إطلاق النعوت المشبعة بالخيانة كل واحد ضد الآخر، منها ما يعود سببه إلى خلافات فكرية أو أدبية، ومنها ما يتصل بالمواقف السياسية. اتسمت معظم السجالات بالعصبوية والحدة وابتعدت عن الموضوعية في معظم الأحيان، مما يعطي صورة لا تدعو إلى “الفخر العربي” الذي يصر المثقف العربي على اعتماده تمييزًا له عن سائر الثقافات.

خلال السنوات الأخيرة، وفي أعقاب انهيار مشاريع التحديث العربية، وبدء انفكاك بنى الدولة لصالح العصبيات الطائفية والمذهبية والإثنية والعشائرية..تشهد المجتمعات العربية صراعات بين هذه البنى، تعبر عن نفسها بحروب أهلية متفاوتة الحجم والعنف. لم تتأخر هذه العصبيات في إنتاج مثقفيها ومؤدلجيها الذين تقوم وظيفتهم في التنظير لهذه العصبية وتبيان موقعها المتميز قياسا للعصبيات الأخرى. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف، يجري اللجوء إلى تسعير حال العداء وإثارة العصبيات والعصبويات إلى حدها الأقصى، فيتدخل التخوين والتكفير ليعبدا الطريق إلى هذا الموقع المتميز. هكذا تشهد الساحة العربية معارك يختلط فيها هدف السيطرة السياسية بسعي إلى تدمير القوى المخالفة أو المتمردة على هذه العصبويات. تستخدم في هذه المعارك كل “الأسلحة الأيديولوجية” المشروعة وغير المشروعة، ويجري استقدام المقدس وتوظيفه بما يعطي المعركة والتهم بالخيانة كل المشروعية الدينية المطلوبة لنجاحها، ويبرر استخدام وسائل الاستئصال والإبادة ضد الآخر المخالف.

{{التكفير سلاح الظلامية:}}

تقوم صلة وثيقة بين منظومتي التآمر والتخوين من جهة، ومنظومة التكفير من جهة أخرى. يرتكز التكفير، على غرار التآمر والتخوين، على إلغاء الآخر، وعلى إبادته معنوياً ومادياً، أو تهميشه. لكنّ التكفير ينطوي على أبعاد قد تكون أخطر في أحكامها ونتائجها على الإنسان، وذلك بالنظر إلى استناده بشكل أساسي على الدين والنص الديني، وما يعني ذلك من استخدام المقدس في تبرير إطلاق الأحكام. يتساءل نصر حامد أبو زيد في كتابه “التفكير في زمن التكفير” قائلاً :” هل من حق أحد تكفير أحد آخر لمجرد الاختلاف معه في الفكر أو الرأي أو السياسة؟ وهل يجوز لأحد في – مجال البحث العلمي- التفتيش في عقيدة الباحث ومحاكمة ضميره وشق صدره لردع اجتهاده العلمي، أو إطلاق الرصاص عليه؟” (ص19). ويذهب أدونيس في كتابه “الكتاب الخطاب الحجاب” أبعد من ذلك نحو تبيان الآثار السلبية التي يتركها التكفير على العقل العربي، فيقول :”أدت ثقافة التكفير إلى ثقافة الامتناع عن التفكير، أو على ما يمكن أن نسميه بثقافة الاجتناب. اجتناب الأساسي في كل شيء: في الدين، في الفلسفة، في العلم، في الشعر، في السياسة، في الطبيعة، وفي ما وراءها. لا مجال للإنسان في التفكير والمساءلة والكتابة إلاّ في ما “حلل”، وما “حلل” ليس إلاّ جزءًا يسيرًا من “جسد” العالم. هكذا لا يعود الجسد إلاّ مجرد مادة للنبذ والإقصاء والحجب” (ص10).

يقدم النص الديني، في الأديان التوحيدية الثلاثة، مادة استند عليها رجال الدين في تكفير غير الموافقين على أفكارهم وسلطتهم. عملت المسيحية منذ قيامها، وحتى القرون الأخيرة، على استخدام النصوص الدينية في تبرير فرض أحكام تعسفية على المسيحيين غير الملتزمين حرفياً طقوس وتعاليم السلطة الدينية، ويقدم التاريخ المسيحي صورًا رهيبة عن الاتّهامات بالهرطقة والكفر، وما تبعهما من تسليط سيف القتل على المهرطقين وإحراقهم أحياء، وملاحقة كل مجتهد في شؤون الدين. دفعت المجتمعات المسيحية أثمانا باهظة في سياسات محاكم التفتيش المسيحية والتنكيل الذي نجم عن أحكامها، والذي طال علماء وفلاسفة وغيرهم من أهل العلم والفكر. كما نجم عن أحكام الهرطقة حروب أهلية بين الطوائف والمذاهب الدينية ذهب ضحيتها مئات الألوف من أبناء الشعب المسيحي في أوروبا، ولم تتوقف إلاّ مع إنهاء سلطة الكنيسة على الدولة والوصول إلى فصل الدين عن الدولة.

لم يختلف الأمر كثيرًا في المجتمعات العربية والإسلامية حيث استخدم النص الديني أيضا في تشريع وتبرير الاتّهامات بالكفر و”الردة”، وما ترتب عليهما من أحكام بالقتل للكافر والمرتد. يحوي النص القرآني مجموعة من الآيات اعتمدت عليها المؤسسة الدينية ورجال الدين في تكريس سلطة تسمح لهم بإلقاء أحكام التكفير على من يرونه مخالفاً لآرائهم، فقد ورد في سورة التوبة :”فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، فخلوا سبيلهم إنّ الله غفور رحيم” (التوبة: 5). كما ورد في آية أخرى :”قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون” (التوبة:29). كما تمثل الآيات التالية مثالاً إضافيا على إعطاء النص الديني شرعية للفتاوى في التكفير والارتداد :”إنّ الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم” (آل عمران:177)، “إنّ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، شاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى، لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم” (محمد:32)، “يا أيها الذين آمنوا، من يرتد منكم عن دينه، فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله” (المائدة:54)، “كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أنّ الرسول حق، وجاءهم البينات، والله لا يهدي القوم الكافرين، أولئك جزاؤهم إنّ عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين” (آل عمران:86-87)، “ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين، نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا” (النساء:115).

إنّ ما جرت الإشارة إليه يقطع بأنّ ثقافة التكفير وعقيدته إنما هي في الوقع ثقافة “قرآنية- نبوية”، تدل عليها نصوص الكتاب والسنة. يؤكد هذا القول أنّ كلمة “كفر” ومشتقاتها قد وردت في القرآن في أكثر من ثلاثمائة آية. جرى توظيف هذه الآيات منذ التاريخ الإسلامي في عصوره الأولى، عندما أدت الصراعات السياسية والاجتماعية في بلاد الإسلام إلى انشقاقات ونشؤ فرق دينية في الشكل، سياسية اجتماعية في الجوهر، وتسببت هذه الانشقاقات باندلاع نزاعات استخدمت فيها كل فرقة النص الديني بما يتناسب مع أهدافها السلطوية، وكفّرت كل فرقة الفرقة الأخرى واتهمتها بالارتداد عن الدين وإتباع الطريق الضال، بكل ما يعنيه من تبرير لتصفيتها. لعل المصير الذي أصاب فرقة المعتزلة خير شاهد على نمط استخدام النص الديني في رمي الآخر بتهم الكفر. لم يتوقف التاريخ العربي- الإسلامي حتى اليوم عن توظيف هذه النصوص في تكفير المصلحين والوصول إلى قتلهم في وصفهم مرتدين عن الدين. قدم أئمة كبار في التاريخ الإسلامي مبررات إضافية لرمي المخالفين بتهمة الارتداد، حيث يشار في هذا الصدد إلى الإمام الغزالي الذي كفّر الفلاسفة والقائلين بالمنطق، واستتبع ذلك حملة على القائلين بالعقلانية، فباتوا في قفص الاتّهام وأحرقت كتبهم، كما جرى إقامة الحد عليهم، وارتفع شعار “كل من تمنطق تزندق”، ولعل ما أصاب الفيلسوف الأندلسي ابن رشد خير شاهد على ذلك. وفي زمن غير بعيد أعطى ابن تيمية حكماً لا يقل عنفاً عن فتاوى الإمام الغزالي حيث يقول :”إنّ من سوغ اتباع غير دين الإسلام، واتباع شريعة غير شريعة محمد، فهو كافر”.

يتحمل النظام السياسي العربي مسؤولية رئيسة في نشر ثقافة التكفير وحمايتها. أدت الهزيمة أمام العدو القومي في العام 1967 إلى انكشاف هذا النظام وبروز هشاشة موقعه العسكري والسياسي. على امتداد أكثر من عقدين، كان النظام العربي، خصوصا في شقه القومي، يتغذى شعبيا من شعارات تبشر بتحرير الأرض المحتلة في فلسطين، وبناء دولة العدالة والازدهار الاقتصادي، والحد من الأمية عبر نشر التعليم، وإقامة مجتمع الديمقراطية والحرية السياسية.. وغيرها من الشعارات “التقدمية” بمفهوم ذلك الزمن. كانت الهزيمة صاعقة أصابت الجمهور العربي ومعه العقل أيضا، فلم تكن هزيمة عسكرية كما يحصل في الحروب، بمقدار ما تبيّن أنها هزيمة مجتمعية، أصابت المشروع القومي العربي بالصميم، وأظهرت خواء الشعارات المرفوعة والآمال المعلقة عليها. أفقدت الهزيمة النظام السياسي العربي تلك المشروعية التي قام عليها، واكتسب التأييد الشعبي بموجبها. كان على النظام العربي، وعلى رأسه النظام المصري بقيادة أنور السادات آنذاك التفتيش عن مشروعية أخرى، فوجد ضالته في التوجه الديني، فبات الرئيس السادات معتمرًا لقب “الرئيس المؤمن”، وأطلق العنان للأحزاب الدينية، خصوصاً منها حركة الإخوان المسلمين، ووظفها في صراعه مع بقايا النظام الناصري، وكرّس شرعية هذه الأحزاب وفتح لها الإعلام والإدارة لتمارس حريتها في الدعوة والتحريض ونشر الثقافة الدينية أو المتسترة بالدين، وأعلنت صراحة عن طبيعة مشروعها السياسي- الديني.

ترافق التوجّه الدينيّ للنظام المصريّ مع إعطاء سلطة أوسع للمؤسّسة الدينية، وسمح لها بالتدخّل في فرض تشريعات ذات طابع دينيّ، وتقليص القوانين ذات الطابع المدنيّ أو ذات الاتجاهات الليبرالية القائمة في مصر. وكان أخطر ما أقدم عليه النظام هو إطلاق حرية المؤسسة الدينية في الرقابة على الفكر والإعلام والنشر، فتجلّى ذلك في فتاوى متعدّدة تحرّم هذا الكتاب، وتكفّر ذلك الكاتب أو الصحفيّ، وتهدر دم من تراه يشكل في أفكاره أو كتاباته خطرًا على ما ترغب هذه المؤسسة في تلقينه للجمهور المحبط واليائس من الحال التي يعيشها. هكذا نشأ حلف غير مقدس بين المؤسسة الدينية والنظام السياسي، بحيث تسبغ المؤسسة الدينية الشرعية المفقودة أو المنهارة على النظام السياسي، فتعوّضه الشرعية الشعبية، ويقوم النظام بتوسيع دور المؤسسة الدينية وتسليط سلطتها على الفكر والإعلام والفنّ وكل ما يتصل بشؤون الثقافة والحياة الاجتماعية. في تلك المرحلة ازدهرت ثقافة التكفير وباتت سيفا مسلّطا على كل من يتعاطى ميدان الثقافة، ويتحدّث لغة غير متوافقة مع لغة رجال الدين. كما انتشر “المجتهدون” من مشايخ ودعاة وبات كلّ واحد منهم يتّخذ موقع المفتي فيحرّم ويحلّل كما يشاء، ويخوّن ويكفّر كلّ من لا تعجبه الآراء التي ينادي بها. تلك مرحلة “ظلامية” بامتياز دفع ثمنها مفكرون من أمثال فرج فوده ونجيب محفوظ ونصر حامد أبو زيد وسيد القمني ونوال السعداوي.. وغيرهم.

وإذا كان النظام المصري قائد الارتداد عن الشعارات القومية والمفسح في المجال للفكر الديني للحلول مكانه، فإنّ سائر الأنظمة العربية لم تكن في حال أفضل، بل سارت في الاتجاه نفسه، وسبق بعضها النظام المصري بخطوات، وكرّس المؤسّسات الدينية واسطة العقد مع الشعب، وخضع لضغوطها في تكريس الشريعة قاعدة للقوانين الناظمة للمجتمع. مما جعل المجتمعات العربية أمام شعارات جديدة وثقافة مختلفة عما تعلمته على امتداد عقود، وتقلص الفكر العلماني والليبرالي إلى أقصى الحدود. ومن الطبيعيّ في مثل هذه الأجواء أن تنتشر ثقافة تقوم على التعصب والكراهية ورفض الآخر المختلف، ونشر ركام من الأيديولوجيا التكفيرية التخوينية للفكر “المهزوم”، وطرح البدائل السياسية والثقافية للمجتمع الجديد.

في أجواء الهزيمة ومفاعيلها، وإفساح النظام السياسي للأحزاب ذات الطابع الديني بالفعل والممارسة المفتوحة، إضافة إلى الحلف الناشئ بين مؤسسات النظام والمؤسسات الدينية، كان طبيعياً أن تخرج الأحزاب الدينية كل ما تحويه في جوفها من فكر وتراث وأيديولوجيا متعصبة وإقصائية . وإذا كان النظام استعان بالأحزاب الدينية في صراعه مع أخصامه، فإنّ عليه الآن أن يرى المدى الذي ستذهب إليه هذه الأحزاب خصوصاً بعد أن خرجت من القمقم، فقدّمت نفسها بديلاً للنظام القائم بفكره ومؤسّساته، ورفعت الشعارات المتطرّفة، واستخدمت العنف وسيلة لتحقيق شعاراتها في كون “الإسلام هو الحلّ”، وفي ضرورة قلب القوانين القائمة وإقامة الدولة الإسلامية وحكم الله فيها. إذا كان النظام قد حاول بشيء من “التهذيب” تقديم توجّهه الدينيّ، إلاّ أنّ هذه الحركات الأصولية المنتشرة بكثرة، تغلّبت على النظام ومؤسساته في توجّهها الدينيّ من خلال استحضار النصّ الدينيّ المتمثّل بالقرآن والأحاديث النبوية، وأسقطت الآيات المتوافقة مع توجّهها على الواقع الراهن، وجعلت منها الحكم والحاكم، وسعت إلى فرضها قوانين على الشعب، ومارست شتى أنواع العنف من أجل وضعها موضع التنفيذ، فكان تكفير من لا يؤمن بها، سلاحاً مشرعاً وجاهزًا للاستخدام في كلّ لحظة. وفّرت آيات العنف الغطاء الأيديولوجي “لفلسفة التكفير” التي أبدعت هذه الحركات الأصولية في استنباط مقولاتها، واستخراج القوانين الواجب الالتزام بها. وهي ثقافة لا يزال نفوذها يسجّل صعودًا يوماً بعد يوم، كما لا تزال قادرة على لجم كل فكر متنوّر يسعى إلى الحدّ من مفاعيل أفكارها.

إذا كان الغالب على ثقافة الحركات الدينية الأصولية نشر التكفير جواباً عن الخلاف في الرأي، فإنّ البعض من الأحزاب غير الدينية أو ذات الطابع العلمانيّ مارست وتمارس “تكفيرا” ضدّ مخالفيها في التوجهات والآراء. تتميّز الأحزاب ذات الأيديولوجيات الشمولية بسعة استخدامها لتكفير يطال الأعضاء فيها لا يقلّ شراسة في عنفه، أحيانا كثيرة، عما تعرفه الأحزاب ذات الطابع الديني. وفي الوقت نفسه، تنتشر ظاهرة التكفير بين أوساط مثقفة، وإن كانت غير ملتزمة حزبيا، فتكفّر بعضها البعض، وتمتنع عن الاحتكام إلى الموضوعية واحترام الرأي في علاقتها المتبادلة. يشير الكاتب السوري أدونيس في مقال له بعنوان “الأصول التي تعطل الحياة وتأسر العقول” بالقول :”أولئك الذين قاموا بالحركات الثورية، اتخذوا من فكر الثورة، كل بحسب اتجاهه “أصلاً”، لم يكن في العمق والممارسة، إلاّ شكلاً من أشكال الأصول الدينية. هكذا كان كلّ منهم يرى أنّ “الخلاص” كامن في الأصل الذي يؤمن به، ويدعو إليه، وليس الإيمان بغيره إلاّ طريقاً لا تؤدّي بصاحبها إلاّ إلى “الجحيم”. ربّما نجد في ذلك ما يفسّر صراع هذه الحركات، الذي كان صراع “تكفير” في ما بينها، لا صراع “تفكير” و”انفتاح” و”تآزر” في المشترك المعلن بينها، وهو العلمانية والمدنية على الأقلّ، وإنّما كان صراع “إقصاء وإلغاء”. ربما نجد فيه كذلك ما يفسّر اقتتالها، “الوحشيّ” غالباً، و”أكل” بعضها بعضاً، شأن “الفرق” الدينية”. (الحياة،9-9-2009).

منذ الهزيمة الكبرى في العام 1967، انتشرت “موضة” تكفير أصحاب الفكر والعلم والثقافة في مجمل البلدان العربية، خصوصاً بعد أن سادت لدى من يدّعون النطق باسم الدين، أنّ الهزيمة أتت عقاباً من الله، نظرًا لابتعاد الحكام عن الأخذ بشريعة الله. جواباً على طرح قدمه صادق جلال العظم تفسيرًا للهزيمة في كتابه “نقد الفكر الدينيّ”، تحرّكت المؤسّسات الدينية والقضائية فأحالته على المحاكمة ومنعت الكتاب من التوزيع. وكرّت سبحة المنع لنصوص أدبية أو فلسفية أو فنّية تحت حجّة المسّ بالذات الإلهية. كانت المجتمعات العربية تقدّم يوميا المزيد من الذين يأخذون على عاتقهم إصدار فتاوى التكفير سواء انتسبوا إلى المؤسّسة الدينية أم كانوا من خارجها، وكانت وسائل الإعلام، لا سيما منها القنوات الفضائية تقدم المنابر اللازمة لنشر الفكر التكفيريّ من قبل هؤلاء “المجتهدين”. هكذا سيشهد أكثر من بلد عربيّ صدور مثل هذه الفتاوى، وسيدفع الذين أصابتهم ثمنا في حياتهم أو في السجن أو التهجير. على امتداد العقود الماضية، أصاب التكفير جملة من أعلام الفكر أمثال: جابر العصفور وحسن حنفي وصلاح عبد الصبور ومحمد الفيتوري وغالي شكري وحنا مينه ومحمود أمين العالم وبدر شاكر السيّاب وقاسم أمين وخير الدين التونسي ومحمد سعيد عشماوي وخليل عبد الكريم ونجيب محفوظ ونوال السعداوي ومحمد أركون وعبد المجيد الشرفي.. وغيرهم من أهل الثقافة. تتميّز حالات ثلاث أصابها التكفير في كونها نموذجاً عمّا يمكن أن يصيب العالم العربيّ ومجتمعاته عندما يغمد سيف التكفير في رقاب المخالفين للمؤسّسة الدينية. هذه الحالات تتعلّق بحكم الإعدام الذي طال المفكّر الإسلاميّ السّودانيّ محمود محمد طه، والثانية تتعلّق بالحكم على نصر حامد أبو زيد، فيما تتصل الثالثة بفتوى “ابن باز” السعودي في تكفير القائلين بثبوت الشمس ودوران الأرض.

في 18 كانون الثاني /يناير من العام 1985 أقدم النظام السوداني برئاسة جعفر النميري على تنفيذ حكم الإعدام بحقّ المفكّر الإسلاميّ المتنوّر محمود طه، بعد أن أقيمت عليه وعلى بعض رفاقه “دعوى حسبة”، فأدانتهم المحكمة وأصدرت بحقّهم حكما بالإعدام شنقاً حتى الموت. ساهم في التحريض وإصدار الحكم الزعيم الإسلاميّ حسن الترابي الذي أباح دم الشيخ طه، متّهماً إياه بالردّة عن الإسلام، واعتباره “زنديقاً كافرًا خارجاً عن الملّة”. على رغم استئناف الحكم، إلاّ أنّ محكمة الاستئناف أعطت حكمها تحت الاعتبارات الآتية:

“تأييد الإدانة والعقوبة بالإعدام شنقاً حتى الموت حدًا وتعزيزًا على المحكوم عليه “محمود محمد طه”، على ألاّ يصلّى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، وأنّ أمواله فيء للمسلمين بعد قضاء ما عليه من حقوق.

2- “تأييد الإدانة والعقوبة على المحكوم عليهم الأربعة الآخرين بالإعدام شنقاً حتى الموت، على أن يمهلوا مدّة شهر كامل بفرض التوبة والرجوع إلى سيرة الإسلام.

3- “اعتبار جماعة “الجمهوريين” فئة كافرة ومرتدّة وتعامل معاملة طوائف الكفر في كافة المعاملات .

4- “مصادرة كلّ كتب ومطبوعات محمود محمد طه وكتب “الجمهوريين” من جميع المكتبات بغرض إبادتها مع منع تناولها وطبعها في كافّة المكتبات والمطابع.”

كان محمود طه قد أسّس “الحزب الجمهوريّ” في السودان في منتصف أربعينات القرن الماضي، فطرح فكرة “الجمهورية المستقلّة”، مع شعار “الحرّية لنا، ولسوانا”. كان طه تنويرياً في أفكاره، فرفض التعاليم والقوانين الجامدة للإسلام كما تقول بها المؤسسة الدينية، ونادى بالمساواة بين المرأة والرجل، ودافع عن حقّ المرأة في التعليم والمشاركة السياسية، كما وقف بقوّة ضدّ مفهوم “شيطنة النساء” التي تقول بخروج المرأة من بيتها ثلاث مرّات في حياتها: الأولى من بطن أمها إلى العالم، والثانية من بيت أبيها إلى بيت زوجها، والثالثة من بيت زوجها إلى القبر.

الحالة الثانية في “منجزات” التكفير طالت الكاتب المصري نصر حامد أبو زيد، الذي أقيمت أيضا في حقه “دعوى حسبة” قضت بعد محاكمات واستئنافات إلى اتّهامه بالردّة وتفريقه عن زوجته، ممّا دفع أبو زيد إلى ترك مصر والهجرة إلى أوروبا، تجنّباً لمصير محتّم قادم عليه بقتله على غرار ما أصاب الكاتب المصري فرج فوده أو نجيب محفوظ. اتخذت قضية أبو زيد منحى خطرًا في الاتهامات وإصدار الأحكام، خصوصاً أنها أتت في ذروة هجوم المؤسسة الدينية المتمثلة بالأزهر على أصحاب الفكر، ووضع قواعد صارمة على النتاج الثقافي مهما كان نوعه، والسعي إلى تعديل القوانين المصرية القائمة واستبدالها بقوانين إسلامية وفق ما تراه المؤسسة. وهو هجوم كان يفيد من موافقة ضمنية للمؤسسات السياسية، بل وبتشجيع من القائمين على السلطة، في سياق كبح أصوات المعارضين. أتت قضية أبو زيد لتكشف حجم الارتداد الذي أصاب المجتمع المصري وتراجعه عن الحد الأدنى من التنور والرحابة في صراع الأفكار. فرغم أنّ معارك فعلية خيضت في النصف الأول من القرن العشرين على يد رجال دين ومفكرين متنورين، مثل الشيخ علي عبد الرازق عندما كتب “الإسلام وأصول الحكم”، أو طه حسين في كتابه “في الشعر الجاهلي”، أو محمد أحمد خلف الله في كتابه “الفنّ القصصي في القرآن الكريم” وغيرهم من المخالفين للمؤسسة الدينية، إلاّ أنّ الأمر لم يصل إلى حدود استخدام العنف والقتل في إسكات الأصوات على غرار ما شهدته المجتمعات العربية بعد هزيمة حزيران 1967 وصعود الأصوليات والفكر المتطرف. يقدّم نصر حامد أبو زيد في كتابه “التفكير في زمن التكفير” نماذج من الكتابات التي تصدّت له وساجلته، نورد منها ما ذكره الكاتب المصري اسماعيل سالم في كتابه “نقد مطاعن نصر أبو زيد في القرآن والسنة والصحابة وأئمة المسلمين”، حيث يقول سالم :

1-“على كل مسلم غيور على دينه أن يرفع دعوى أو يشارك في إقامتها ضدّ الدكتور نصر أبوزيد لإيقافه عن التدريس، لأنه يدرّس الكفر في قسم اللغة العربية.

2-“على جميع الطلاب – طلاب الدكتور نصر أبو زيد- أن يمتثلوا أمر الله، فلا يجالسوه للعلم ولا للتلقي على يديه…فليمتثل طلاب أبو زيد أمر الله نفسه بعدم الجلوس بين أيدي المستهزئين بكتاب الله وآيات رسوله، وهذا ليس مستهزئا فقط بل طاعنا في الدين كله، وإلاّ صاروا كفارًا مثله.

3-“على كلّ مسلم غيور ممّن ابتلي بجيرة هذا الطاعن في القرآن والسنة والصحابة وأئمة المسلمين، بجيرة في المسكن أو العمل أو السفر، ألاّ يعامله بيعاً أو شراًء، أخذا أو عطاء.

4-“على زوجة الطاعن في القرآن والسنة والصحابة وأئمة المسلمين، أن تعلم أنه يحرّم عند جميع الفقهاء، بلا استثناء، معاشرة الزوجة المسلمة لزوجها المرتدّ الجاحد بآيات الله، المتمرد على أوامره، فإن عاشرته بعد معرفة الحكم فهو زنا صراح، تعاقب عليه عقوبة الزاني المحصن.

5-“نهيب بالدولة وقضائها أن تطبق حد الردة على أمثال هؤلاء الطاعنين في عقيدة الأمة، وذلك بأن يستتابوا أولاً، فإن تابوا علناً وإلاّ قتلوا، مع إبعادهم فترة بعد التوبة، عن كل موقع يتوقع تأثيرهم في عقيدة الأمّة ودينها، وإن أصرّوا على كفرهم وجحودهم قتلوا، وأخذت أموالهم لبيت المال، حيث لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر”. (ص235)

في نهاية جدل امتدّ شهورًا، شهدت مصر خلالها نقاشات واسعة بين مدافع عن أبو زيد ومناهض له، صدر حكم المحكمة ضدّه متضمناً الفقرات الآتية:”..المعلن عليه (أبو زيد) قد ارتدّ عن الإسلام طبقاً لما استقرّ عليه القضاء وأجمع عليه الفقهاء، ومن المعلوم أنّ الردة شرعاً هي إتيان المرء بما يخرج به عن الإسلام، إما نطقاً، أو اعتقادًا، أو شكاً ينقل عن الإسلام، ومن أمثلة ذلك، فيما ذكره العلماء، جحد شيء من القرآن، أو القول بأنّ محمدا صلى الله عليه وسلم بعث إلى العرب خاصة، أو أنكر كونه مبعوثاً إلى العالمين، أو القول بأنّ الشريعة لا تصلح للتطبيق في هذا العصر، أو أنّ تطبيقها كان سبب تأخر المسلمين، أو أنه لا يصلح المسلمين إلاّ التخلص من أحكام الشريعة.

“وبناء على أقوال المعلن إليه الثابتة في كتبه وأبحاثه المنشورة على الملأ، وطبقاً لما أفتى به العلماء المتخصصون بعد دراستهم لهذه الأقوال، فإنّ المعلن إليه، وقد نشأ مسلماً، يعتبر بذلك مرتدًا عن الإسلام… ومن آثار الردة المجمع عليها فقها وقضاء، أنّ الردة سبب من أسباب الفرقة بين الزوجين، ومن أحكامها أنه ليس لمرتد أن يتزوج أصلاً لا بمسلم ولا بغير مسلم، إذ الردة في معنى الموت وبمنزلته، والميت لا يكون محلاً للزواج… وفقه الحنفية أنّ المرأة المتزوجة، إذا ارتدت انفسخ عقد زواجها، ووجبت الفرقة بين الزوجين بمجرد تحقق سببها، وبنفس الردة وبغير توقف على قضاء القاضي. وأما ردة الرجل فهي عند أبي حنيفة وأبي يوسف فرقة بغير طلاق (فسخ)، وعند محمد فرقة بطلاق، وهي بالإجماع تحصل بنفس الردة، فتثبت في الحال وتقع بغير قضاء القاضي، سواء أكانت الزوجة مسلمة أو غير مسلمة.

” ولا يصح التذرع في هذا الخصوص بالقول أنّ الدستور يكفل حرية العقيدة، فهذه مقولة حق يراد بها باطل، وقد استقر القضاء المصري بجميع جهاته ودرجاته، استقرارًا مطلقا على أنّ إعمال آثار الردة حسبما تقررت في فقه الشريعة الإسلامية ليس فيه ما يخالف أحكام الدستور، وليس فيه أي مساس بحرية العقيدة أو المساواة بين الأفراد في الحقوق والواجبات…. وخلاصة القول: أنّ المعلن إليه، وقد ارتد عن الإسلام طبقاً لما قرره الفقهاء العدول، فإن زواجه من المعلن إليها الثانية يكون قد انفسخ بمجرد هذه الردة، ويتعين لذلك التفرقة بينهما بأسرع وقت، منعا لمنكر واقع ومشهود.. وغني عن البيان أنّ هذه الدعوى من دعاوى الحسبة، بحسبان أنها طلب تفريق بين زوجين والأمر بكفهما عن معاشرة لا تحل لهما، فهي دعوى تدافع عن حق من حقوق الله تعالى، وهي الحقوق التي يعود نفعها على الناس كافة لا على أشخاص بأعينهم، لأنّ حل مباشرة المرأة وحرمتها من حقوق الله تعالى التي يجب على كل مسلم أن يحافظ عليها ويدافع عنها.” (ص272-276).

على رغم تقدم العلوم الفلكية وكشفها الكثير من الحقائق التي كانت مجهولة، والتي كانت قد ترتب عليها أساطير وخرافات ومفاهيم مغلوطة، ومنها ما هو متعلق بموقع الشمس والأرض في النظام الفلكي حيث أثبت هذا العلم دوران الأرض وثبات الشمس خلافاً لما هو سائد من وجهات نظر، فإنّ بعض رجال الدين في العالم الإسلامي يصرون على رفض هذه الحقائق العلمية، ويتمسكون بشكليات تصورات كانت لها ما يبررها قبل الثورة العلمية وما كشفته من حقائق تتصل بالعلوم الطبيعية. لعل الفتوى التي أصدرها رجل الدين السعودي “ابن باز” في كتابه “الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض وإمكان الصعود إلى الكواكب”، أبلغ دليل على الأخطاء الفادحة التي ترتكبها مؤسسات دينية تتدخل في شؤون علمية وتسقط فتاويها على منجزات علمية قاطعة. تشكل هذه المقتطفات نموذجا لعقل يرفض الاحتكام إلى منطق العلم الطبيعي، فيرمي المخالف بالكفر والهرطقة، وهو أمر شهدت عليه المجتمعات الأوروبية زمن الانحطاط حيث جرى اتهام كوبرنيكوس، الذي قال بثبات الشمس ودوران الأرض في مدار الشمس، بالهرطقة والكفر وجرى اضطهاده بناء على ذلك.

يقول ابن باز في فتواه :”فمن قال أنّ الشمس ثابتة لا جارية فقد كذب الله وكذب كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.. ومن قال هذا القول فقد قال كفرًا وضلالاً لأنه تكذيب لله، وتكذيب للقرآن وتكذيب للرسول، لأنه عليه الصلاة والسلام قد صرح في الأحاديث الصحيحة أنّ الشمس جارية وأنها إذا غربت تذهب وتسجد بين يدي ربها تحت العرش.. وكما أنّ هذا القول الباطل – ثبوت الشمس ودوران الأرض- مخالف للنصوص فهو مخالف للمشاهد المحسوس ومكابرة للمعقول، والواقع لم يزل الناس، مسلمهم وكافرهم، يشاهدون الشمس جارية طالعة وغاربة ويشاهدون الأرض قارة ثابتة… ثم هذا القول مخالف للواقع المحسوس، فالناس يشاهدون الجبال في محلها.. ثم أن الناس يشاهدون الشمس كل يوم تأتي من الشرق ثم لا تزال في سير وصعود حتى تتوسط السماء ثم لا تزال تسير، وانخفاض حتى تغرب في مدارات مختلفة بحسب اختلاف المنازل، ويعلمون ذلك علما قطعيا بناء على مشاهدتهم، وذلك مطابق لما دل عليه الحديث الصريح – حديث سجود الشمس- والآيات القرآنية، ولا ينكر هذا إلاّ مكابر للمشاهد المحسوس ومخالف لصريح المنقول..” (موقع الأوان ).

ليس من شك أنّ هذا الثالوث غير المقدس قد مارس، ولا يزال، دورًا معيقاً لتطور المجتمعات العربية وتلمّس طرق خروجها من التخلف المديد الذي تقيم به. ساهم هذا الثالوث الذي يرخي بكلكله على العقل والفكر والممارسة في إعاقة المجتمعات العربية عن الدخول في الحداثة والإفادة من منتجاتها. فبديلاً عن الرحابة في العلاقة مع الآخر والاعتراف به والتعامل معه ضمن الاختلاف، وبديلاً عن الانفتاح على الأفكار والاحتكام إلى صراعها وتناقضها وما تولده من جديد، فإنّ ثالوث التآمر – التخوين- التكفير، يقدم التعصب والكراهية ونبذ الآخر المختلف، وهي أفكار تجد، بالطبيعة، ترجمة لها في العنف المادي والمعنوي، بكل ما يعنيه من إثارة لمنطق العصبية والاضطهاد.

{{المراجع:}}

– أبو زيد، نصر حامد : التفكير في زمن التكفير، ضد الجهل والزيف والخرافة. دار سينا للنشر، القاهرة، 1995

– الحمد ،تركي: السياسة بين الحلال والحرام. دار الساقي، بيروت،2001.

– العظم، صادق جلال: ذهنية التحريم، سلمان رشدي وحقيقة الأدب. مركز الأبحاث والدراسات الإشتراكية في العالم العربي. نيقوسيا، قبرص، 1994.

– الربيعو، تركي علي: المحاكمة والإرهاب، عقلية التخوين في الخطاب العربي المعاصر. رياض الريس للكتب والنشر، 2001.

– الخولي ، أسامة: العرب والعولمة، بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية عام 1998. تحرير أسامة الخولي.

– حنفي حسن، وصادق جلال العظم: ما العولمة. دار الفكر المعاصر، دمشق، 2002.

– أدونيس: الكتاب الخطاب الحجاب، دار الآداب بيروت، 2009.

– www.alawan.org