
ثانيا: إشكاليّة الإقطاع في العالم الإسلامي
بناء على الأرضيّة السّابقة لتجميع المادّة التّاريخيّة من الكثير من المصادر المتنوّعة والمختلفة طرح الأستاذ إبراهيم إشكاليّة الإقطاع، مبيّنا الصّعوبات؛ التي واجهت القدامى في إعطاء تعريف دقيق للإقطاع، حيث اختلط عليهم ما هو فقهي بما هو سياسي، وكثرت الأسماء ممّا زاد في تعقّد الظّاهرة، فبرزت أسماء مثل نظام الإلجاء والتعزز والحماية، الإيغار، الطعمة، القبالة، الضّمان والالتزام… وانعكس ذلك أيضا على اختلاف آرائهم في أحكام الإقطاع وشروطه. والإشكال نفسه واجهته الدّراسات الاستشراقيّة ودراسات العرب المعاصرين، بين متحفّظ اقتصر على البعد الفقهي، أو إسقاط مفاهيم الإقطاع الأوربي على ما عاشه العالم الإسلامي، ورافض لوجود إقطاع إسلامي. فتاهوا جميعا في مصطلحات جاهزة كالقنانة، نمط الإنتاج الأسيوي والخراجي، دون الذّهاب علميّا في إعادة إنتاجها كأدوات معرفيّة محليّة، عوض التّركيز فقط على غياب الملكيّة الفرديّة. وبالموازاة مع هذا العرض قام الأستاذ إبراهيم بقراءة نقديّة لكلّ هذه الطروحات معتمدا المصادر التاريخيّة الملموسة للواقع التّاريخي، ليخلص في نهاية مناقشته إلى أن نتائج “أصحاب الاتّجاه المحافظ وكذا الرّافضون لوجود إقطاع إسلامي لم تقدّم حلولا بقدر ما زادته تعقيدا وغموضا.”20
لكنّه يرى أنّ هناك اتّجاها ثالثا قال بوجود الإقطاعيّة بناء على “ثبوت المصطلح في كتب التّاريخ فضلا عن وجود إيديولوجيات تتوافق مع النّمط الإقطاعي، ولكنّهم لم يحللوا عناصرها ويبينوا مقوّماتها وخصائصها.”21 والمؤلف يشير أكثر من مرّة إلى أنّ “إقطاع الأرض بدأ مع الرّسول الكريم”22 ، ثم حد منه عمر إلا أنّ عثمان استأنف الظاهرة فحاز هو نفسه اقطاعات ذكرها المسعودي، “كما وزّع الضّياع على الارستقراطيّة القرشيّة فكانت غلة طلحة بن عبد الله التميمي من ضياعه في العراق كل يوم ألف دينار. وهذا ما أعطى النمط الإقطاعي قوة مستمدة من قوّة الدّولة وسطوتها فعرف بذلك بذوره الأولى التي ستنتشر في العصور اللاحقة. “23 وهكذا تكوّنت فئة من الملاكين الكبار، فترسّخت الإقطاعيّة بفعل اكتسابها صفة التّوريث. الشيء فرض ضرورة وجود ديوان باسم المستغلات فانتعشت الإقطاعيّة في العصر العبّاسي خاصة. “في العصر العباسي الثاني بسبب تسلّط الأتراك، واتّخذت في الغالب طابعا عسكريّا”24 وما ظاهرة التّجزئة السياسيّة إلا دليلا على سيادة الإقطاعيّة اقتصاديّا واجتماعيّا، وما نتج عنها من ثورات اجتماعيّة من المشرق إلى الغرب الإسلامي. والسرّ في انتشار الإقطاع العسكري يكمن في فراغ خزينة الدّولة وتدهور النّشاط التّجاري والاقتصادي عموما، لذلك اضطرت الدّولة إلى إقطاع الأراضي للجند. والشيء نفسه ساد في الغرب الإسلامي، حيث صارت ملكيّة الأرض مقطعة إلى العسكر، ابتداء من النّصف الثاني من القرن الثالث الهجري، أي قبل مجيء البويهيين وإن تطوّرت وعظمت الظاهرة في عصرهم. “وفي العصر السّلجوقي بلغ الإقطاع العسكري مداه إذ آلت معظم الأراضي إلى الجند وساد إقطاع الرقبة الذي أصبحت تعترف به الدولة”25 واستمرت الإقطاعيّة إلى العصور الحديثة، وهي لا تزال راسخة في إطار البنية الاجتماعيّة الشاملة للكل المجتمعي الذي يهيمن فيه الإنتاج الرّأسمالي الكولونيالي كشكل تاريخي لتضافر العاملين الدّاخلي والخارجي للهيمنة الغربيّة الامبرياليّة.
فإذا كان الإقطاع عرف نشأته منذ بداية الفتح الإسلامي، فإنّ خصائصه عرفت تحوّلات وتغيرات. “يعني أنّ الإقطاع الإسلامي عرف تطوّرا في بنيته ومفهومه استجابة للواقع الاقتصادي متجاوزا روح الشّريعة الإسلاميّة. وبذلك ظل التّشريع الخاص بالإقطاع يعاني من عدم الثبات خاصة وأنّه صنع من طرف فقهاء لم يسايروا الواقع عكس الإقطاع الأوربي الذي تميّز تشريعه بتوافقه مع الواقع المتطور”26. فهذا التميّز هو الذي جعل المؤلف يدرس الخصائص التاريخيّة التي ميّزت الإقطاع الإسلامي، مع العلم بوجود قواسم مشتركة مع الإقطاع الأوربي، ومن نقاط التباين نذكر التوريث الذي أدّى إلى تفتيت الملكية، فانعكس هذا سلبيا على الفئة الاقطاعيّة. أمّا التشابه فيتمثل في النشأة باجتياح القبائل الجرمانيّة لأوربا والقبائل التركيّة للعالم الإسلامي، مما أنتج تجزئة سياسيّة حدثت بسببها حروب مدمّرة، كان الدّافع إليها اقتصاديّا. “وأخيرا ثمّة تشابه في أنماط البنية الفكرية التي أفرزتها الإقطاعيّة في كلا المجتمعين. فمعلوم أن السّلطة الكنسيّة في العصر الإقطاعي الأوربي حاربت كل أنواع الفكر الحرّ واعتبرته ضربا من الهرطقة. ورأت أن استخدام العقل في العلوم الدينيّة “أمر لا يمكن الصّمت عليه” وكذلك كان شأن الفقهاء في العالم الإسلامي… لقد ساد في – الأندلس كنموذج- المذهب المالكي المتشدد المتمسّك بالحرفيّة والتقليد مصداق ذلك قول أحد الفقهاء المالكيين -دعوا السنة تمضي لا تعرضوا لها بالرأي-.. وأكثر من ذلك فإنّ كل من اعتنق الاعتزال كان مصيره التصفية الجسديّة”27.
فقد وصلت سطوتهم إلى محاربة كل فكر دخيل حماية لمصالحهم كإقطاعيين مقنّعين بالدّين لتحقيق مآربهم الاقتصاديّة والسياسيّة.
ثالثا تجلّيات الإقطاع في البنى الاقتصاديّة والاجتماعيّة
1 – وضعيّة الأرض
في البداية يحاول المؤلف الوقوف على حقيقة الإقطاع الأندلسي، من خلال التّحليل النّقدي للآراء التي تؤكّد وجوده أو تنفيه، ثم ينتقل إلى ما هو أساسي انسجاما مع منهجه، فيسلط الأضواء على دراسة وضعيّة الأرض، وما عرفته من تحوّلات، مبتدئا بالأثر القوطي كتواصل تاريخي متجليّا في استمرار الوضعيّة الاجتماعيّة نفسها لهؤلاء، كواقع تاريخي خلال الفتح الإسلامي، أي استمر القوط كأمراء إقطاع إلى جانب السّادة والنّبلاء ورجال الدّين أهل الكنيسة. ووفق مقولة سيولة التّاريخ الإسلامي أيضا لم تكن الأندلس منعزلة عن تاريخ الشرق الإسلامي الذي عرف الإقطاعيّة، خاصّة وأنّ البيئة الطبيعيّة لعبت دورا بارزا في ترسيخها وسيادتها إلى جانب عامل قويّ تحدّد في الخليط من الأجناس؛ الذي وفر شروط موضوعيّة لبروز الزّعامات العصبيّة المتناحرة، كمظهر للصّراع الرّئيس السّياسي الاقتصادي الإقطاعي. وحجر الزّاوية في هذا كله هو الوضعيّة القانونيّة للأرض؛ التي تمت السّيطرة عليها منذ الفتح الإسلامي باعتماد قانون الغلبة والغصب والقوّة، المدعوم دينيا بآيات تسدل الشرعيّة الإلهيّة على حق الغنيمة. بمعنى أن العنف يولد العنف كقيم ثقافيّة اجتماعيّة، ومن الصّعب وضع حدّ لامتداداته في الحياة المجتمعيّة التاريخيّة. فمنطق القوّة في التملك تؤكده روايات كثيرة عرضها المؤلف، من ضمنها رواية ابن حزم والداودي، “إنّ أرض الأندلس لم تخمس ولم تقسّم غير أن كلّ قوم وثبوا على طائفة منها بغير إقطاع الإمام”28.
وقد ناقش الأستاذ إبراهيم كل الرّوايات؛ التي تحدّثت عن الوضعيّة القانونيّة للأرض، بطريقة علميّة في التّحليل النّقدي من كل الزّوايا، مستحضرا كل الوجوه والأسئلة التي يمكن أن تشكل أيّة ثغرة في التّناول النقدي للمعطى التاريخي. بمعنى أنّه تعامل مع النّصوص بعقليّة المؤرّخ النقدي؛ الذي يستبعد حياد النّصوص وبراءتها، ليخلص بعد جهد التحليل إلى أن الأرض لم تعرف التملك الشّرعي، بل تم ذلك انطلاقا من مبدأ القوة والغلبة في إطار صراع اجتماعي يسود فيه القوي. وهذا ما تؤكده النّصوص التاريخيّة.
“صفوة القول إنّ ملكيّة الأرض في الأندلس لم تخضع لقانون يتماشى مع روح الشريعة الإسلاميّة منذ الفتح وظل مبدأ القوة والغلبة هو القاعدة المتّبعة، واستمر كذلك في عصر الولاة نتيجة دخول قوى جديدة ساهمت في تعقيده. ولم تتغيّر الوضعيّة في عصر الإمارة بل زادت تفاقما في النّصف الثاني من القرن الثالث الهجري، لما طرأ في هذه الفترة من ظروف ساعدت على التملك اللاشرعي للأرض”29 وإذا نظرنا إلى أشكال الملكيات نجدها موزّعة بين العسكر والفقهاء والأمراء وأشراف القبائل في إطار الهيمنة الواضحة للعسكر؛ الذي استغل ضعف السلطة المركزيّة. وهذا فتح الباب واسعا لمزيد من اغتصاب الأراضي إلى درجة مكنتهم إلى حدّ ما من إعلان استقلالهم وانفصالهم السياسي عن السّلطة المركزيّة. ولا ننسى أيضا التأكيد على “أن الفقهاء اهتبلوا فرصة ضعف السلطة المركزيّة واستغلوا نفوذهم الرّوحي لاحتياز الاقطاعات التي عملوا على استثمارها، مما أهلهم لكي يلعبوا دورا سياسيا هاما”30.
كما عرفت الفترة إقطاع البيوتات الكبرى والجهاز الإداري. كل هذا يبين بالملموس أن الأساس الاقتصادي للإقطاع في الأندلس كان متمحورا حول الأرض، نظرا لقيمتها في إنتاج العلاقات والبنيات السياسيّة الاجتماعيّة والثقافيّة. والخلاصة التي يمكن أن نصل إليها هي أن “الأرض ظلت هي النواة التي تتحدد حولها العلاقات الاجتماعيّة، مما أفضى إلى تكريس الإقطاعية كنمط من أنماط الإنتاج التي وجهت تاريخها السياسي”.31
2 – مظاهر الإقطاع في النشاط الاقتصادي
بناء على الخلاصة السابقة لقيمة الأرض في المجتمع الأندلسي كنواة تتحدّد حولها العلاقات الاجتماعيّة نفهم لماذا “تجمع المصادر الأندلسيّة على اعتبار الفلاحة أهم قوى الإنتاج. فهي – قوام الحياة ومن أعظم الأسباب – و”العيش كله والصلاح كله”32.
إلا أنّ الإنتاج الزّراعي خلال المرحلة الإقطاعيّة في الفترة؛ التي يعنيها البحث هنا، أي منذ النّصف الثّاني من القرن الثالث الهجري، كان يحمل بصمات الإقطاعيّة المتجليّة في ضعف الإنتاج وانكفائه على ذاته فيما هو محلي استهلاكي. صحيح بأنّ الأندلس عرفت ازدهار إنتاج الحبوب والغروس، إلا أن الظروف الطبيعيّة كالجراد والجفاف والفيضانات إلى جانب الحروب بين الكيانات الإقطاعيّة أثرت بشكل سلبي على الإنتاج الزّراعي. “وساهم قادة العسكر المسيطرون على الأرض والحكم في هذا التدهور. فبجهلهم لأساليب الزّراعة وتقنياتها وإنابة وكلاء عنهم في ضياعهم أهملوا مرافقها كليّة ولم يعملوا على تحسين وسائل الإنتاج وتطويرها، إذ لم يهتموا سوى بريع الأرض والقيام بحروب توسعية على حساب الجيران”33. لذلك لم يكن من الوارد في ظل ظروف الحروب المدمّرة بين الكيانات الإقطاعيّة العسكريّة أن يزدهر الإنتاج الزّراعي بمختلف غلاته كالحبوب والغروس، أو الاهتمام بالمزروعات الصناعيّة كزراعة الكتان والقطن وقصب السكر. وكان لهذه النتائج الكارثيّة تأثير قويّ على ضعف الإنتاج الحيواني.
وإذا كان الإنتاج الزّراعي عرف هذا الانهيار الخطير في بلد مؤهل بيئيا لإنجاح القطاع الفلاحي، فإن المسؤوليّة التاريخيّة تقع على عاتق السّيطرة الإقطاعيّة العسكريّة؛ التي نشرت الدّمار والخراب بسبب الحروب المتواصلة، رغبة في التهام المزيد من الأراضي والحصول على الغنائم كمورد أساسي اعتمدته الإستراتيجيّة الإقطاعيّة النابعة أصلا من عقليّة الغزو والغنيمة الدينيّة، كريع جاهز. وهي عقليّة مسنودة بشرعيّة المرجعيّة الدينيّة الفقهيّة المتزمتة، ممّا حال دون وجود العقليّة الإنتاجيّة. وهذا يتجلى بشكل ملموس في تدهور النّشاط الصّناعي إلى حدود ما هو محلي استهلاكي. “بديهي أن يترك النّظام الإقطاعي بصماته في النشاط الصناعي. فتفاقم التجزئة الإقطاعيّة حال دون استخدام المناجم واستخراج المعادن بشكل جماعي. كما حال الفكر المالكي المتزمت دون انجاز نهضة علميّة قمينة بتحقيق تفوق صناعي” 34.
وبرزت ظروف صعبة أفرزتها الحروب الإقطاعيّة جراء انهيار الإنتاج الزّراعي والصّناعي، فاضطر الكثير منهم إلى الهجرة خارج الأندلس. وفي ظل هذه الأجواء من التسلّط العسكري لا يمكن الحديث عن نشاط تجاري مزدهر ومتطوّر، خاصّة وأن معطيات كثيرة تحول دون ذلك، من ضعف الفلاحة وتدهور الصناعة و خراب المدن والطرق التجاريّة وتفشي اللصوصيّة والفكر الفقهي المحتقر للتجارة باختلاقه لأحاديث نبويّة. فاقتصرت التّجارة على ما هو استهلاكي محلي كالجلود والزّيت والعسل والسّمن والقمح. أما تجارة الكماليات فتمثلت أساسا في الجواري والغلمان للهو والمتعة. “أمّا أهم سلعة عرفت الرّواج فهي تجارة العبيد لما وفرته الحروب الإقطاعيّة من أعداد هائلة. وإذا كانت كثرة النوازل تعكس أهميّتها. فإنّ ابن سهل ترك نصّا بالغ الأهميّة يبرز ظاهرة جديدة طرأت في هذه الحقبة، وهي تحويل الأحرار إلى عبيد قسرا وبيعهم في السّوق”35. وهذا ما فعلته اليوم الأنظمة الاستبداديّة في دفع شعوبها نحو الهجرة إلى الغرب كأدمغة تعرض في السّوق أو أيدي عاملة أو دعارة مقنّعة، أي عبيد وجواري…
ومثلما فرضت على الكثير من الصنّاع الهجرة، فإنّ أغلب التجّار هاجروا إلى المغرب في هذه الفترة وبعضهم اتّجه إلى “بجانة” التي استطاعت أن تتجاوز كإقطاعيّة تجاريّة أغلب سياسات الإقطاع العسكري. فحقّقت نهضة عمرانيّة وتعايشا بين مختلف الاثنيّات والدّيانات نتيجة تحرّرها من ثقافة الغنيمة والغزو اللصيقة بالفكر الإقطاعي الفقهي الدّيني المحافظ والمتزمت. “صفوة القول إنّ كافة مظاهر النشاط الاقتصادي من زراعة وصناعة وتجارة تأثرت بظروف الإقطاعية، ولذلك اتسم اقتصاد هذه الفترة بانغلاقه وتقوقعه واكتسى صبغة المحلية والطابع الاستهلاكي. وظلت الفلاحة تعتبر من أهم قوى الإنتاج. وهذا يعني أن ملكية الأرض هي التي سيكون لها الأثر الحاسم في تشكيل البنية الاجتماعيّة”36.
3- البنية الاجتماعيّة
انسجاما مع الرّؤية المنهجيّة التي اعتمدها المؤلّف لم يقبل بما ذهب إليه أغلب الباحثين في دراستهم للمجتمع الأندلسي، باعتمادهم مقولات العصبيّة والطائفيّة كالمولدين، العرب، البربر والمستعربين. وهو يرى أنّ المعطيات الموضوعيّة للحقبة الإقطاعيّة غلطتهم بسبب مظاهرها العصبيّة والنعرات القبليّة، وأسهمت أيضا حدود المناهج ومحدوديتها؛ التي اعتمدوها في فشل تحديدهم الدّقيق للهرم الاجتماعي الذي يتشكل في قمّته من الطبقة الارستقراطيّة الإقطاعيّة العسكريّة والبيروقراطيّة والدينيّة. وتؤكّد هذا التّوصيف النّصوص التّاريخيّة مثل ما أشار إليه الخشني في كتابه “قضاة قرطبة”. لكن مع سيطرة واضحة للعسكر بمختلف فئاتهم كقادة الجند النّظامي وقادة الصّوائف ثم قادة العسكر؛ الذين أعلنوا انفصالهم عن السّلطة المركزيّة والجند المجلوب من الأطراف الهامشيّة. وقد تأتت لهم هذه الوضعيّة الممتازة نتيجة الاقطاعات التي منحت لهم مقابل الخدمة العسكريّة، كما اغتصبوا أراضي أخرى بالقوة والحروب. ومنهم من تصرّف في إقطاعيّته كأمير مستقل عن السّلطة المركزيّة. وتضمّ أيضا تلك الفئة الارستقراطيّة الأمراء؛ الذين حازوا ضياعا ومنيات وقصورا احتضنت البذخ والإسراف والجواري والغلمان والموسيقى كمظاهر لوجاهة ترفهم الاجتماعي، والمتمثّل أيضا في الأثواب المطرّزة والحلي والمجوهرات، ويمكن أن نضيف إلى هذه الفئة موظفو الدّولة. “ويأتي الفقهاء أيضا في مقدّمة الهرم الاجتماعي. ولا يتأتى فهم تواجدهم في هذا الموقع بمعزل عن تشابك مصالحهم مع الأمراء والعسكر؛ الذين كانوا يبحثون عن سند ديني، بغية تدعيم نفوذهم لمواجهة نقمة الطبقات المتذمرة”37. وقد عاشوا وضعيّة ممتازة زادت من تقاربهم مع العسكر بدافع المصالح الماديّة وليس كما ذهب البعض إلى ربط ذلك التّحالف بسبب حاجة الأمراء لهم في صراعهم ضدّ المسيحيين أو بسبب نفوذهم الرّوحي. “وتتحدّث كتب التّراجم بإسهاب عن وضعيتهم الممتازة (…) وتتجلى مظاهر ترفهم في إقامتهم بمنيات الأمراء مثل الرصافة، ومنية عجب، وبلاط مغيث، وفي تخصيص أموالهم لبناء المساجد، هذا في الوقت الذي اشتدت فيه أزمة السكن لدى الطبقات المستضعفة”38. أليس هذا ما يفعله اليوم الإسلام السياسي؛ الذي كان سباقا إلى إدانة ثورة البوعزيزي كما أدان الخروج في التّظاهر ضدّ الاستبداد واعتبر القهر والطغيان نعمة والاحتجاج فتنة والاغتيال السياسي منهاجا للأخونة والنّهضة؟
ولا ينسى الأستاذ إبراهيم أن يؤكّد القول في ما يتعلق بالتّديد الدّقيق للهرم الاجتماعي أن وضعيّة قادة العسكر والفقهاء ليست ثابتة ونهائيّة بل قابلة للتغيّر والتحوّل بفعل الحروب وتبدل الأمراء. كما يشير أيضا إلى وجود فئة ارتبطت بالإقطاعيّة تسمّى بالمصطنعين تمارس الولاء، وهي أقرب في لغتنا اليوم إلى ما يسمّى بالبلطجيّة والشبّيحة. “فقد تنافست الارستقراطيّة في امتلاك المصطنعين”39، سواء عند الأمراء أو العسكر.
ولم يكن الوضع الاقتصادي الفلاحي والصّناعي والتّجاري يسمح بظهور طبقة وسطى من صفوف كبار التّجار وأرباب الحرف وأصحاب الثروات…
صحيح أن فئة مكونة من الأطباء والتجار اليهود والشّعراء استفادوا بشكل انتهازي من ظروف المرحلة، فراكموا الأموال، لكن لم يستطيعوا التميز والتمايز كفئة مستقلة يمكن أن تطيح بالإقطاعيّة، بل انجرّوا وراء الإقطاعيّة فقاموا بتوظيف أموالهم في اقتناء الضّيعات، وبذلك انضموا إلى الارستقراطيّة الإقطاعيّة تاركين لها كل الأدوار السياسيّة.
“وفي أدني درجات الهرم الاجتماعي تأتي طبقتان: طبقة العوام وطبقة العبيد والأقنان. ضمّت الطّبقة الأولى قطاعات عريضة من الصنّاع والمياومين والعاطلين والفلاحين الأحرار وبعض الاقنان الهاربين من ضياع أسيادهم إلى المدن. ولسوء الحظ فإنّ التاريخ “الرّسمي” لم يحفل بهذه الطبقة الشعبيّة بل اعتبرها مجرد سفلة ورعاع وذكرها في شذرات متناثرة جاءت بكيفية عفوية خلال وصف صراعها مع الإمارة”40. وقد عاش كلّ هؤلاء ظروفا قهريّة صعبة من الفقر المدقع والجوع والأمراض الفتاكة، وعانوا من التجنيد الإجباري وأنواع مختلفة من الضرائب، كما تعرضوا للنّهب والابتزاز من قبل الارستقراطيّة خاصّة العسكر؛ الذين ازدادوا ثراء فاحشا، في وقت انخفض مستوى المعيشة والحياة بالنّسبة إلى عموم الشّعب.
ويسجل المؤلف تشابه الهرم الاجتماعي الأندلسي مع البناء الطبقي للمجتمع الأوربي، حيث نجد في قمّة الهرم رجال الدّين والمحاربون. كما يسجل أيضا إفادة مهمّة عرفتها هذه الفترة وهي خراب المدن وانحطاط العمران عكس ما ذهب إليه البعض. كما أن تلك المدن؛ التي شيدها العسكر المقطعون لم تكن لتخرج عما سمي “مدن الحصون”، المحاطة بالأسوار والقلاع وهي ظاهرة وجدت كذلك في الممالك النصرانيّة شمال الأندلس. “فالنصوص التاريخيّة المعاصرة تدل على أن الحملات العسكريّة المتوالية ضدّ المدن الثائرة أدّت إلى خرابها. ففي سنة 277هجرية غزا قائد العسكر ابن أبي عبدة كورة جيان لمحاربة أحد المنتزين فأحرق كثيرا من دورها. وبعد أربع سنوات اتجه القائد بدر بن أحمد بالصائفة نحو اشبيليّة فهدم عمرانها.
أما الهجوم الذي شنه أحد زعماء العسكر على ببشتر فقد أسفر عن دمارها وتحطيم ما حولها من بنيان. كما تعرضت البيرة لنفس المصير نتيجة الحروب الإقطاعية التي صورتها المصادر على أنها حروب عصبيات”41.
فما أشبه اليوم بالبارحة حيث كتائب القذافي وعلي صالح وعسكر بشار الأسد… تدمر المدن وتخرب العمران والوطن وتقتل الإنسان وتأتي على الأخضر واليابس في وقت تصورها منظمات ومؤسسات سياسيّة وإعلاميّة وحقوقيّة دوليّة وأنظمة القوى العظمى على أنّها حرب أهليّة طائفيّة، لأنهم يخشون انكشاف الأساس الاقتصادي والاجتماعي والسّياسي، للتّحالف الاستبدادي المحلي بالهيمنة الامبرياليّة؛ الذي ثارت ضدّه الشّعوب، وفي هذا السّياق من التّحكم في مصير الشعوب تخدم قوى الإسلام السّياسي الهيمنة الغربية بقدر ما تجهض الثورات بالتعمية عن الشروط التاريخية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة وإعطائها طابعا عنصريّا وطائفيّا دينيّا.
رابعا: أثر الإقطاع في البنية السياسيّة والنّشاط العسكري
إنّ الوضعيّة الاقتصاديّة الممتازة للعسكر والفقهاء هي التي أهلتهما للسيطرة على الحكم وتجريد السّلطة المركزيّة من سلطاتها. وأدّت هذه الوضعيّة الجديدة إلى تجزئة سياسيّة وعلاقات سياسية وقانونيّة جديدة بين المركز والأطراف المستقلة بشروط شكليّة من قبل الدّولة. ويرى المؤلف أنّه كان لتضافر عاملين دورا كبيرا في هذه التحوّلات؛ التي طرأت على البنية السياسيّة للإمارة، وحصرهما في عامل أوّل تمثل في ضعف الدّولة وفراغ خزينتها وهشاشتها وعدم قدرتها على ومواجهة العامل الثّاني المحدد في العدوان الخارجي للقبائل البدويّة المتخلفة؛ التي كشفت ضعف الحكم المركزي مما اضطر الزعامات المحلية إلى الدّفاع عن نفسها. وفي الوقت نفسه فإن هذا الواقع الجديد “أرغم الإمارة على الالتجاء إلى العسكر المأجور للحفاظ على كيانها وردع الغزوات الخارجيّة، الشيء الذي أتاح لهم فرصة الظهور كقوة سياسيّة ساهمت في توجيه الأحداث، بشكل أدى إلى تغيير النظام السياسي برمته”42.
فشروط هذا الواقع وظروفه الجديدة بترابطاتها الجدليّة، بين العامل الدّاخلي والخارجي هو الذي سمح بظهور العسكر سياسيا وساهم في ترسيخ الإقطاعية. “وابن خلدون في مقدمته ربط ربطا جدليّا بين ضعف الدّولة وتطاول العسكر وسيادة الإقطاع”43.
وإذا كان أغلب الباحثين قد ذهبوا في دراساتهم إلى تحليل الأوضاع الجديدة باعتماد مقولات عنصريّة وطائفيّة وعصبيّة مثلما يحدث اليوم في قراءة الثورات، فإن الأستاذ إبراهيم يرى بأن التفسير الموضوعي لهذه التحوّلات يكمن في علاقته بالقاعدة السوسيو- اقتصاديّة؛ التي بينت لنا فيما سبق نوعيّة المكانة الماديّة؛ التي صار يتميز بها الفقهاء والعسكر، بسبب الاقطاعات التي منحت لهم أو التي سطوا عليها. لكن بسبب عقليتهم البدويّة لم يهتموا بتطوير الزّراعة وتحسين أساليبها، بل اتّجهوا إلى التحكّم في دواليب السّلطة، وهذا ما تأتى لهم من خلال ضعف الحكم المركزي الذي عجز عن دفع الخطر الخارجي. فكانت فرصة مواتية لظهور تسلط العسكر “الرّسمي” والمرتزق والمستقل. “وبمجرّد استيلائهم على الحكم وحصر كل السلطات بين أيديهم لم يخفوا تعنتهم وكبرياءهم. ونظرا لجهلهم بأمور السياسة فإنّهم لم يتورّعوا عن إظهار استبدادهم ومفاسدهم. فكل المؤرّخين يحملون هاشم بن عبد العزيز مسؤوليّة ما آلت إليه أوضاع الأندلس، فهو الذي أفسد الدولة، حتّى ملأ الصّدور من بغضه. وهو الذي أخذ يعين عمّال المدن؛ الذين شاطروه فساده وكانوا من أهل الشرّ والرّذيلة كما تنعتهم المصادر”44.
فشاع الظلم والفساد كما انتشرت عمليات السّطو والسّلب، غير أنّ الحل؛ الذي أخذ به الحكم المركزي لتجاوز أزمته، من خلال جلب العسكر المرتزق من الأطراف، فتح المجال لهؤلاء للسيطرة على الإمارة؛ التي لم “يخطر على بالها أنّها باعتمادها عليه لم تفقد سلطتها فحسب بل ساهمت في أزمة سياسية تمثلت في خلق بؤرة صراع بين العسكر “الرّسمي” والعسكر المجلوب… كانت وراء الحركات الانفصاليّة؛ التي عمت الأندلس خلال النّصف الثاني من القرن الثالث الهجري”45. وكانت النّتيجة تجزئة الدّولة سياسيّا وقانونيّا. كما أنّ هذا التسلّط العسكري هو جزء من ظاهرة شملت العالم الإسلامي، حيث كان الشّرق يرزح تحت تسلّط العسكر البدوي التّركي. وهذا التسلط للعسكر والفقهاء أدّى في الشرق والأندلس إلى التحكّم في دواليب السّلطة وخلق صراعات داخل البلاط وخارجه وتوجيه الأحداث السياسيّة وفق إرادته في الاغتيالات السياسيّة، وخلع الأمراء أي باختصار تصدروا الهرم السّياسي وتحكموا في السّلطات السياسيّة بمعزل عن الإمارة. الشّيء الذي يعني ترسيخ العسكر أيضا للإقطاعيّة السياسيّة.
“ولم يقل تسلط رجال الدّين شأنا عن تسلط العسكر خاصّة وأنّ الحقبة تميزت بسطوة الفقهاء على الصعيد الإسلامي بعد الردّة المتوكليّة وما نجم عنها من ارتقاء فقهاء السنّة إلى دفة الحكم وتبريرهم للأوضاع السياسيّة السّائدة عن طريق صياغة تشريعات تكرّس هذه الأوضاع. ولم تكن الأندلس بمعزل عمّا عرفه الجناح الشّرقي من العالم الإسلامي إذ عظم شأن الفقهاء المالكيين فأخذوا يتطلعون إلى السّلطة مرتكزين على ثرواتهم الماديّة واقطاعاتهم وعلى نفوذهم الاجتماعي والدّيني”46. فإن أساسهم الاقتصادي هذا خلق لديهم حاجة موضوعيّة للسيطرة السياسيّة. فقد حاولوا دسّ أنوفهم في الأمور السياسيّة إلى أن أسندت إليهم الدّولة الوظائف السياسيّة كالوزارات. ولم تكن تستغني عنهم في المشورة والتسيير خاصّة وأن الظّروف؛ التي أنتجها الإقطاع العسكري أدّت إلى بروز ثورات اجتماعيّة قمعت بشكل وحشي تحت غطاء ديني.
“وتعزى سطوة رجال الدّين من النّاحية السياسيّة إلى الثورات الاجتماعيّة؛ التي قضت مضجع حكومة قرطبة، فاستعملتهم كواجهة دينيّة لتبرير قمعها وذلك من خلال حملهم على إصدار فتاوي اعتبرت الثوار خارجين عن الجماعة الإسلاميّة، فوجدت فيهم سلاحا للتبرير ودعما كافيا لم تجده في جهة أخرى. ولذلك غضوا الطرف عن الجرائم المرتكبة من طرف الأمير عبد الله بل ذهبوا إلى حدّ تشجيعه على سفك الدّماء واعتبروا الثّورات الاجتماعيّة مثل ثورة ابن حفصون مصيبة من عند الله”47. وكانت نتيجة هذه السّيطرة المزدوجة للعسكر والفقهاء هي المزيد من ضعف وانهيار الحكم المركزي؛ الذي بقي شكليا ومتجاوزا في الكثير من الكيانات الإقطاعية السياسيّة. وكان هذا تعبيرا صريحا عن تفتيت سيادة الدّولة.
وهذا التدهور للحكم المركزي؛ الذي تجسّد في تجزئة سيادة الدّولة أدّى إلى ترسيخ الإقطاعية وسيادتها بأسماء مختلفة كإقطاع التّسجيل كإشراف سياسي يقوم به المقطع ممارسا كلّ السّلطات السياسيّة بمعزل عن السّلطة المركزيّة. كما ظهر أيضا إقطاع المفارقة؛ الذي لا يخضع مثل إقطاع التسجيل لأية شروط كالولاء والجباية والخدمة العسكريّة، بل يتأسس تبعا لقانون القوّة والغلبة؛ الذي يلزم المقطع بالجباية والولاء الشّكلي.
“صفوة القول إنّ البنية السياسيّة في الأندلس إبّان الحقبة الممتدة عبر النّصف الثاني من القرن الثّالث الهجري صيغت وفق أسس النظام الإقطاعي بخصائصه المعروفة= سلطة مركزية ضعيفة، سيادة مجزّأة، استحواذ العسكر ورجال الدّين على السلطة السياسيّة، علاقات تبعيّة واهية وأحيانا منعدمة بين الحكم المركزي والمقطعين. كل ذلك ساهم في انفراط الوحدة السياسيّة وتفاقم التّجزئة وظهور كيانات إقطاعيّة متعددة”48.
ومن الآثار الكارثيّة للتسلط العسكري هو دخول الجبهة الداخليّة للدّولة في حروب وحشيّة بين العسكر النّظامي والمرتزق. كما انتشرت حروب الغزو المتبادل والدّمار والخراب بين كلّ قادة العسكر المقطعين بدوافع اقتصاديّة توسعيّة على حساب بعضهم البعض، وإن اتخذت مظهر الحروب العصبيّة. لكن في العمق هذه الحروب الإقطاعيّة هي حروب اقتصاديّة. وما زاد في انغلاق الأندلس على نفسها هو انحسار النّشاط التّجاري بفعل سيطرة “دار الحرب” على مياه المتوسّط الغربي، وتكرّرت غارات النورمانديين على سواحل الأندلس بحثا عن موارد اقتصاديّة، اندلعت الحروب بين الكيانات الإقطاعيّة ممّا أدّى إلى خلق ظروف اقتصاديّة واجتماعيّة مزرية، زادتها الكوارث الطبيعيّة اشتعالا. وفي ظل هذه المستجدات التاريخيّة الماديّة تفكّكت السّلطة المركزيّة إلى مجموعة من الكيانات السياسيّة وانكمشت جغرافيّا بسبب حركة المدّ النّصراني؛ التي دفعتها أوضاعها الاقتصاديّة إلى التوسّع واقتطاع الأراضي الخصبة من دولة الأندلس، وفق سياسة عسكريّة محكمة كانت ترسم آفاق تمدّدها من خلال حركة الإعمار؛ التي نهجتها. وهذا الواقع الجديد جعل الإمارة تجنح نحو سياسة سلميّة مع أعدائها لكن غالبا ما كانت تسقط الهدنة كلما رغبت حركة المد المسيحي في توسيع مصالحها، وقد تأتى لها ذلك على حساب الحكم المركزي المهترئ اقتصاديا والممزق سياسيا بفعل ميزان القوى الذي كان في صالحها.
خامسا أثر الإقطاع في اندلاع الثورات الاجتماعيّة
وصل نظام الإقطاع العسكري الاستبدادي المسنود فكريّا ودينيّا من قبل الفقهاء إلى المرحلة الحرجة لانفجار التّناقض الرّئيسي بين الارستقراطيّة والسّواد الأعظم من سكان المدن والبادية، الفقراء والمعدمين والفلاحين والأقنان والعبيد… وكان طبيعيّا في ظل هذا الواقع؛ الذي استفادت منه أقليّة من الارستقراطيّة، في وقت كانت الظروف الطبيعية والتّسلط الاستبدادي الإقطاعي يعبثان بحياة أغلب الفئات الاجتماعيّة التي جمع بينها البؤس الاجتماعي والإرهاق المتزايد بالمغارم والضرائب وكل أنواع الاستغلال البشع أن تبرز حركات التمرّد والمعارضة حيث أخذت شكل الصعلكة كقطاع للطرق استهدفوا القوافل التجارية الحاملة للسّلع الكماليّة. كما هاجموا بيوت وضيعات المقطعين “مما يسمح بالقول إن حركتهم لم تكن سوى وسيلة من وسائل النضال ضد الإقطاعية السائدة. ومقاومة يائسة ضمت عناصر متعدّدة جمع بينها البؤس الاجتماعي، فصمّمت على خلق متاعب للارستقراطيّة الإقطاعيّة وإقلاق راحتها”49. إلا أنّ حركة الصعلكة هذه لم تستطع أن تطوّر نفسها وتحقّق أهدافها لأنّها كانت عفويّة وغير منظّمة بما يسمح لها بتخطّي الأهداف الآنية المتمثّلة في ضمان لقمة العيش لها ولأبنائها. كما أنّ الفكر الدّيني أسهم في إضعاف حركتهم. “فقد لعب الفقهاء دورا في تحريف مبادئها وتشويه أهدافها وبالتّالي إبعاد العوام عنها”50.
لكن في مقابل حركة الصعلكة، التي تموقفت منها الأدبيات الكلاسيكية بشكل سلبي ولم يعرها مؤرخو البلاط أدني اهتمام واقتصروا في وصمهم باللصوص والسفلة والمفسدين في الأرض، نجد الحركات الثورية المنظمة التي ذهبت بعيدا في حقدها وسخطها على الإقطاع إلى درجة تأسيس كيانات ثورية بفضل نضال الفلاحين؛ الذين قهرتهم الارستقراطيّة، وجعلت حياتهم جحيما وجوعا وموتا. ومن أبرز هذه الحركات نجد الحركة الحفصونيّة؛ التي كانت أكثر قوّة وتنظيما وانضباطا، ممّا جعل الكثير من أبناء الرّيف يشكّلون قاعدتها الأساسيّة رغبة منهم في التخلّص من استبداد الارستقراطية وقهرها وتسلطها واستغلالها؛ التي استأثرت بالخيرات والثّروات، وعاشت حياة البذخ والتّرف واللّهو على حساب السّواد الأعظم من الفلّاحين والأقنان والعبيد. “إنّ محاولات التحرّر من كافة هذه الأشكال هو الذي يفسّر كيف كان جنوب الأندلس مركزا للهبات الفلاحيّة. فالمنطقة كانت موئلا للجنود العرب؛ الذين أقطعوا الكور المجنّدة وعندئذ شعروا بالتفوّق إزاء الأهالي واعتبروهم مجرّد عبيد أنذال، وسلبوا منهم أراضيهم وثلث أموالهم، ثم احتفظوا بريع الأرض لأنفسهم. ورغم دخول جزء كبير من الأهالي في الدّين الإسلامي فإنّهم استمرّوا في النّظر إليهم بنفس النّظرة؛ التي يحرّمها هذا الدّين نفسه، ولذلك وجد الفلّاحون والعبيد الظروف الموضوعيّة المواتية فكانت انتفاضتهم تحت قيادة ابن حفصون أهم تلك الثّورات التي ناهضت الأوضاع التي كرسها الإقطاع”51. لكن للأسف أغلب الدّراسات الاستشراقيّة والعربيّة لم تربط نضال هذه الحركة بالظّروف؛ التي أنتجها الإقطاع العسكري، مع العلم أن ثورة ابن حفصون ليست الوحيدة التي عرفتها الأندلس، لكنها كانت الأبرز والأقوى. وبما أنّ تلك الأبحاث والدّراسات لم تكلف نفسها عناء البحث العلمي في رصد الواقع التّاريخي من كل جوانبه الاقتصاديّة والاجتماعيّة والفكريّة فقد استسهلت المقولات العنصريّة والعصبيّة، حيث ثم تشبيهها بحركة الموالي في الشّرق أي أنّها سعت إلى إسقاط حكم العرب بالأندلس. كما اعتبرتها تلك الأبحاث صحوة وطنيّة للاستقلال وإرهاص مبكّر لحركة الاسترداد. “ويدل تباين الأجناس؛ التي شكّلت لحمة ثورة ابن حفصون من بربر ومستعربين ومولدين إلى جانب المسحوقين من العرب على أنّها لم ترتكز على عصبيّة بقدر ما واجهت أقليّة عربيّة تتمثّل في الارستقراطيّة العربيّة. وهل من المنطقي أن تكون الحركة الحفصونيّة قد قامت على عصبيّة معيّنة في الوقت الذي نجد زعيمها المولدي يفتك بزعيم آخر من بني جلدته وهو خير بن شاكر ويتحالف مع بني الأغلب والأدارسة العرب”52
وقد ساهم المؤرّخون الرّسميون العرب في هذا التّغليط بكون الحركة الحفصونيّة هي ضد العرب، مستغلين نسب ابن حفصون المولدي، ولذلك لم يتركوا وصفا أو نعتا قبيحا إلا و ألصقوه به “الخبيث” و”الفاسق وجرثومة الضلال”. كما فعل ابن حيّان أكبر المؤرّخين موضوعيّة، والشّيء نفسه قام به الرازي أحد المؤرخين الأفذاذ. والغرض هو إفراغ حركته من مضمونها الاجتماعي كحركة مناهضة للارستقراطيّة العربية كنظام إقطاعي عسكري، خرب العمران والمدن ودمر الاقتصاد الفلاحي والصناعي والتّجاري ومزق البلاد سياسيا وجعلها تواجه المحن الاجتماعيّة والصحيّة والبيئيّة والأمنيّة. كما جعلها سهلة وفي متناول الأطماع الخارجيّة. لقد شوه المؤرخون “الرّسميون” حركته لذلك ليس من الموضوعيّة العلميّة الاعتماد عليهم بل ضرورة قراءة ذلك في ضوء طبيعة النّظام الإقطاعي اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وعسكريا وفكريا، كما يمكن الاسترشاد بما عرفه العالم الإسلامي في تلك الفترة من ثورات ضدّ الإقطاع، أهمّها ثورة الزّنج. وما يجعل هذا التّحليل سليما إلى حدّ ما هو أنّ الثّورة الحفصونيّة؛ التي عمّرت طويلا بنفس القوّة والشّعبيّة عرفت نهايتها مع بداية الانحلال المؤقّت للإقطاعيّة، أي مع بداية ما يسمّيه المؤلّف عصر الصّحوة البورجوازيّة في بداية القرن الرّابع الهجري. ويمكن تلخيص أهمّ النّتائج؛ التي أنتجتها الحركة “في إقامة حكومة ثوريّة شعبيّة لها نظامها الخاص ثم إقرار الأمن وتحقيق العدالة الاجتماعيّة وتخفيف الضّرائب عن الفلاحين وتحرير العبيد والأقنان وحماية المستضعفين”53.
ومثلما عرفت البادية حركات ثوريّة مختلفة الشدّة والحدّة والمدّة والتنظيم والتطوّر، فإنّ المدن برزت فيها هي الأخرى حركات معارضة، بسبب تفاقم المشكلات الاقتصاديّة وتسلّط العسكر وابتزازاته. صحيح أن بعض الباحثين تطرقوا لثورات المدن، لكن تم ذلك برؤية ضيّقة للصّراعات الاجتماعيّة إمّا بربطها حسب ما يرونه أساسا عنصريا للصراع العربي المولدي أو كما ذهب البعض الآخر إلى ما “أسماه الاستبداد العربي غير المحتمل”. وهناك من تناولها بمعزل عن الواقع عكس ما فعل “لويس ارشبالد”؛ الذي ربطها بوضوح غير كاف بالأحوال الاقتصاديّة.
إنّ الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة؛ التي أنتجها النّظام الإقطاعي بتسلطه العسكري الفقهي هي التي كانت وراء ثورات المدن مثلما هو الشأن في البادية. وأنّ محاولة قراءة الأدبيات الكلاسيكيّة في بعدها الصّراعي كعنف رمزي إيديولوجي سياسي في حق المستضعفين ينهض حجّة على حقيقة ما يسميه المؤلف “الصّراع الطبقي” الذي كانت الشعوبيّة غطاء له. أي إنّ تحليلنا للنّعوت؛ التي ألصقها المؤرّخون الرّسميون على الثّوار كالسّفلة، الأراذل، الأوباش، وأهل الشّقاق والنّفاق، والخارجون عن الجماعة، وأهل الشر… يفسّر بأنّ المقصود من هذه النّعوت ليس الفئات الميسورة من العرق غير العربي بل الفئات الشعبيّة المقهورة والمستغلة كالفلاحين والعبيد والأقنان والصنّاع والتجّار الصّغار والباعة المتجوّلين… ولعل قراءة نقديّة متأنّية وعميقة لنصّ ابن قتيبة؛ الذي أورده المؤلف كفيل بتوضيح طبيعة الصّراع الاجتماعي ونوع القوى الاجتماعيّة المتصارعة “ولم أر في هذه الشعوبيّة أرسخ عداوة ولا أشدّ نصبا للعرب من السّفلة والحشوة وأوباش النبط وأبناء أكره القرى، فأمّا أشراف العجم وذوو الأخطار منهم وأهل الدّيانة فيعرفون مالهم وما عليهم”54. وبقدر ما ينطبق هذا النصّ على المشرق فإنّه يفسّر أيضا الواقع الأندلسي. فإذا كانت البادية قد عرفت خرابا فلاحيّا فإنّ المدن قد شهدت انهيار الإنتاج الصّناعي والتّجاري، ممّا أدّى إلى تدهور خطير في حياة الصنّاع والتجّار الصغار والباعة المتجوّلين… وهذا التدهور لم يقتصر على لقمة عيشهم بل حوصروا وقمعوا بشكل رهيب من قبل الضّاغط أي ما يسمّى بالجلاد. “وأسفرت المجاعات عن تكاثر أعداد العاطلين وارتفاع الأسعار ارتفاعا مدهشا فانتشرت أعمال السّلب والنّهب وانعدام الأمن وعمّت البطالة وأصبح جو من التّشاؤم والخوف يعم المدن”55. فهذا الواقع الكارثي بالإضافة إلى التجزئة السياسيّة للإقطاع العسكري زاد من التفقير والتّجويع والقهر التسلطي الممارس من طرف عمال المدن والمقطعين حيث أكلوا أموال النّاس ظلما واغتصابا. فكانت هذه الأوضاع كافية لإشعال الثّورات؛ التي عمّت كلّ المدن الأندلسيّة. كما أنّ هذه المعطيات الموضوعيّة؛ التي أفرزها الإقطاع العسكري كافية لإظهار مدى هشاشة تحليلات الباحثين؛ الذين فكروا التاريخ الاقتصادي الاجتماعي السياسي بمقولات عنصريّة وطائفيّة وعصبيّة ودينيّة.
وقد خاض ثوار المدن حروبا سريّة ومسلحة ضدّ الإقطاعيّة إلى حد إضعافها. صحيح أنّ الإقطاعيّة بشرائحها المختلفة من عسكر وفقهاء وأمراء ارتكبت مجازر مروّعة في كلّ من طليلة ولبلة واشبيلية وخاصة قسطلة بزعامة “سوار” الإقطاعي الذي لم يغفر له الثّوار بشاعته الهمجيّة حيث ترصدوا خطواته فانقضوا عليه وفتكوا به كما فعلوا بالكثير من زعماء الإقطاع. ويذكر أنّ الثوار نكلوا بجثته حتى أن “الثكالى من نسائهم قطعن لحمه مزقا وأكله كثير منهن حنقا عليه”56. وعلى الرّغم من الهزائم؛ التي مني بها ثوار المدن وحركات الفتوة بزعامة أحمد بن معاوية المعروف باسم ابن القط، فإن نضالهم استمر ضد الإقطاعيّة. كما أنّهم تحالفوا مع الثورات الاجتماعيّة الأخرى في البوادي خاصّة ثورة ابن حفصون.
كما أنّ هذه الفترة عرفت حركة فكريّة سياسيّة ذات مضمون اجتماعي مناهض للإقطاعيّة، من خلال مناهضة الفكر الدّيني الرّسمي، وقد تزعمت هذه الحركة “الانتلجنسيا الأندلسية إذا جاز هذا التعبير كما يقول الأستاذ إبراهيم”؛ التي أسهم ابن مسرة في وضع أسسها. إلا أنّ اهتمام الدّارسين بهذه الحركة تم من قبل أهل الفلسفة والفكر الإسلامي دون أن يثير الباحثين في التاريخ ولهذا السبب تناول المؤلف هذه الحركة الفكريّة الدينية المستنيرة بالجمع بين رؤية المؤرخ ونظرة دارس الفكر، متوخيا الوقوف على طبيعة هذه الحركة الفكريّة السياسية، ودورها في تاريخ الحركات الاجتماعيّة. تشكلت أسس مدرسة ابن مسرة من تفاعل الاعتزال والتصوّف، أي الجمع بين الحريّة والعقل والعدالة الاجتماعيّة وبين تحول التصوف من العبادات والزّهد إلى المصالحة بين أهل الأثر والنّظر وصولا إلى التعبير الفكري والسلوكي كفعل نضالي ضد الإقطاعيّة وفكرها الديني المحافظ. هكذا صار التصوف إيديولوجية رفض للأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعية والسياسية والفكرية؛ التي أفرزتها الإقطاعيّة، بمعنى أنّه تحوّل من فكرة للخلاص الفردي إلى الخلاص الجماعي. “ما يجب تأكيده لإظهار الدّور السّياسي للحركة المسرية من خلال فكرها هو ذلك التلازم الوثيق بين الفكر العقلاني الاعتزالي وبين موقف المعتزلة الاجتماعي من قضية العدالة وابن مسرة أحد أقطاب مدرستهم. فقد كان رائدا في المناداة بالعدالة؛ التي انعدمت في ظل النّظام الإقطاعي معاديا لحكومة قرطبة العاجزة… والاختيار عنده لا يقوم على معنى فلسفي فحسب بل ينطوي على بعد سياسي هدفه مناهضة السّلطة وقادة العسكر الغالبين على أمرها وكل من يحيط بها من فقهاء ورجال إدارة. ويعتبر أنها هي المسؤولة عما ألت إليه الأوضاع فيجب أن تحاسب على مسؤوليتها”57.
إذن كانت حركة ابن مسرة تتجاوز التّفكير المذهبي إلى التعبير السياسي الاجتماعي المناهض للواقع الاقتصادي والاجتماعي الإقطاعي، من خلال مناهضتها للتيّار الفكري الدّيني المتزمت؛ الذي أفرزه تفاعل الإقطاع بالردّة المتوكلية. وكان طبيعيا أن يشنّ الفقهاء حملة عنيفة ضد ابن مسرة فاتهموه بالزندقة وتحريف السنة. “غير أن هذه التهم وغيرها لم تكن سوى تلفيق خيال الفقهاء المقطعين الذين كانوا يخشون كل فكر لا يلائم فكرهم وبالتالي يزحزحهم عن مكانتهم”58.
وانطلاقا من هذا الموقف الايجابي لحركة ابن مسرّة في نضالها ضدّ الفكر الدّيني المتخلّف والوضع الكارثي لإقطاع العسكر والفقهاء والأمراء، اكتسبت شعبيّة عارمة من القوى الاجتماعية “البورجوازيّة التجاريّة” ومن طرف طبقة العوام. لأنّها تحمل أمل الحريّة والتحرّر من قدر هيمنة الإقطاع. ورغم أنواع التهم والمحن؛ التي عانتها حركة ابن مسرّة فإنّها استطاعت ببعدها الاجتماعي وفكرها المستنير أن تثبت جدارتها في الصراع ضد الإقطاع، خاصة في عهد الخليفة المستنير الحكم الثاني، ولذلك قال فيها باحث معاصر هو الحبيب الجنحاني “إنّما نعتقد أن هذه الحركة ذات المحتوى الاجتماعي تتجاوز بكثير الخلاف المذهبي؛ الذي تتحدّث عنه المصادر القديمة، فهي في نظرنا انتفاضة دينيّة-اجتماعية قمينة بالدرس والبحث من وجهة النظر هذه”59.
وماذا بعد؟
قليلا ما يعتقد دارس الفكر الإسلامي أنّه معني بالبحث التّاريخي، لذلك لم يخرج الكثير ممّا كتب من كتابات تخص الفكر العربي الإسلامي عن الرؤية الغيبيّة الأسطوريّة الجاهزة، حتّى ولو بدت تلك الكتابات في لغتها ومفاهيمها أبعد عن ذلك. فالجميل جدّا في مثل كتاب الأستاذ إبراهيم هو الارتباط بحركة التّاريخ وشروط تطوّره الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، بعيدا عن الإسقاطات العنصرية والطائفية والعصبية والدّينية الغيبية والأسطوريّة الجاهزة، كبديهيات تفسر حركة التاريخ بإلغائه وإعلان الحرب ضده، فتتحول إلى قوالب نمطيّة لمعاودة إنتاج صناعة المتخيل التاريخي الإسلامي، بدل البحث في الوجود التاريخي للمجتمعات والدول والثقافات، وما يؤسّسها من تناقضات هي ديناميات للفعل التاريخي البشري. وفي هذه العودة إلى الحياة الماديّة التاريخية إنتاج لمعرفة الواقع التاريخي واغناء له في الوقت نفسه. إن القارئ لهذا الكتاب، الذي حاول فيه صاحبه تسليط الأضواء على العصور المظلمة للغرب الإسلامي، والتي لا تختلف كثيرا عن العصور المظلمة للإسلام المبكر، حيث لا تزال الأسئلة تتحدى الباحثين باختلاف مشاربهم الفكريّة والفلسفيّة والعلميّة والإيديولوجيّة، قد يفاجأ بالحجم الهائل من الدّمار والخراب والعنف والقتل والظلم؛ الذي رافق تجربة الإسلام في الغرب الإسلامي، منذ عمليّة الفتح الإسلامي مرورا بالمآسي الإنسانيّة المرعبة؛ التي كان فيها الفكر الدّيني للفقهاء السّند والدّعم والمبرّر والأرضيّة الشرعية للاستبداد والقهر الاجتماعي السياسي على حساب الإنسان، خاصة في صفوف السّواد الأعظم من العامّة. إنّه مظهر تاريخي أشبه بعنف الدماء لانتشار الإسلام كما تحكي عنه السير والمغازي وكل الأدبيات الكلاسيكية.
وفي هذا السياق نتذكر كمثال أحد الكتب النموذجية المعاصرة – الفتنة لهشام جعيط – التي سقطت في فخ البحث التاريخي الأسطوري، المأسور بمقاربة المتخيّل الإسلامي الناجز والجاهز، وهي رؤية أقرب إلى الأصوليّة الدينيّة والاستشراقيّة. وبناء على هذا التّأسيس الموضوعي للبحث في تاريخ الأندلس، انطلاقا من الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسّياسي والثقافي، في ظروفه وشروطه التاريخيّة الداخليّة والخارجيّة، نقول بأنّه ليس هناك شيء اسمه “تاريخ المسلمين” بهذا المعنى الدّيني اللاهوتي، بل ما يمكن قوله علميّا إنّ الوجود المادي التّاريخي للشّعوب هو الذي حدد إسلاماتهم المختلفة من الحسدة وسلسلة السوء أي الفقهاء كما تسميهم الأدبيات الكلاسيكية إلى الطرقية والزوايا والمتصوفة…
وبعبارة أخرى ليس هناك نموذج إسلامي جاهز متناغم ومنسجم ومعطى بشكل نهائي يمكن من خلاله قراءة تاريخ وحضارات الشعوب المسلمة. ولمزيد من التّوضيح نقدم مثالا رائعا من خلال ما وقف عنده الأستاذ إبراهيم حول صعوبة قراءة الإقطاع العسكري واستحالة دراسته، من خلال ما ورد بشأنه في ما يسمى روح الشريعة الإسلاميّة، وما خطه الفقهاء بشأن الظاهرة الإقطاعيّة كواقع تاريخي. نخلص من هذا إلى أنّ تاريخ المجتمعات الإسلاميّة هو تاريخ اجتماعي اقتصادي سياسي بامتياز منذ بداية الإسلام، وما ساد تلك الفترة وبعدها من صراعات أخذت مظاهر دينية وعصبية وطائفية ضد “المشركين” و”المنافقين” وحروب “الردة” وما جاء بعد صراعات السقيفة… كل ذلك كان سياسيا في أسسه المادية الاقتصادية والاجتماعية، تحول فيها الدّين إلى فعالية مادية فاعلة في التاريخ وليس كشريعة روحية دينية إيمانية. وهذا الفهم المؤسس على تفكيك بديهية “تاريخ المسلمين” يحرّرنا من اللاتاريخ المتعالي والأسطوري، كما يخلصنا من أسر الرؤية الطبيعيّة والجوهريّة الثابتة والنمطيّة؛ التي شكلتها الأصوليّة، بمختلف ألوان طيفها من المعتدلة إلى الإرهابيّة، كما بلورتها الرّؤية الاستشراقيّة لأغراض وأهداف استعمارية تجدّد وتؤبد السّيطرة والهيمنة. إنّ إدراكنا للتّاريخ وإصرارنا على الدّخول فيه بعقلانيّة وعلميّة وبمنهجيات حديثة يحرّرنا من فزاعة الإسلام السياسي ومن عقدة الذّنب تجاه فوبيا الغرب الايديولوجيّة من الإسلام، أو من وصمه الجاهز لنا بالتخلف والبدائيّة والإرهاب، باعتماده المبيت على صناعة المتخيّل الإسلامي. كما أنّ هذا الإصرار يمنحنا مساحة جريئة في كيفيّة نقد المقدّس من أجل نقضه دون الخوف من الشّعور الكاذب بالمس بالمعتقد أو القواسم المشتركة للمجتمع. ويشجعنا أيضا على المطالبة بحق عيش حياتنا الملموسة بحرية المعتقد، من خلال الفعل كنمط تفكير وسلوك اجتماعي ورؤية للعالم. إننا بهذا نكتشف بأنّه ليس فقط نصوصنا المقدسة هي التي عرفت الوضع والصناعة بل أيضا ما يسمى “تاريخ المسلمين” وقد ساهم مؤرخو العائلات والبلاط والعسكر والحروب في صناعة “تاريخ المسلمين”، من خلال الانتصار لنفي التاريخ وطمسه وإفقار الواقع التاريخي. كم نحن في أمس الحاجة للحفر التاريخي قصد هدم أساس الوجود المتخيل التاريخي للهويّة والثوابت والأصول… ممّا يسمح لمجتمعاتنا للتخفّف من عبء عنف الدماء والكره والحقد. وبالتّالي لا نجبر على الانزلاق إلى مواقع الخصم الأصولي والاستعماري بإشهار هويتنا وإسلامنا وإسلام شهداء الاغتيال السياسي كعنف اجتماعي اقتصادي ثقافي دنيوي له أسس ودوافع مصلحية مادية لا علاقة لذلك الاغتيال السياسي بفريضة الإسلام الجهاديّة إلا كمتخيل إيديولوجي سياسي “لتاريخ المسلمين”. أو نلزم بإعلان إسلامنا ضد تكفيرهما لنا بالكفر الدّيني من قبل الأول، والكفر بالقيم الإنسانيّة الكونيّة من طرف الثاني. وهما يهدفان معا إلى إبعادنا من التاريخ بما يجعلنا غرباء إزاء الحريّة والديمقراطيّة وحقوق الإنسان والدّولة الوطنية الحديثة… والسّقوط خارج التّاريخ بالعودة القسريّة إلى ما قبل التّاريخ وفق منطق ترسيخ التخلّف والاستبداد، حيث الشرق شرق والغرب غرب. أي العودة إلى أسطورة ما يسمّى “تاريخ المسلمين”، كصراع مع الكفار من المرتدين والتحريفيين من المذاهب والطوائف الأخرى، وضد الكفار من المشركين وأهل الذمة. هذا هو المتخيل التاريخي الإيديولوجي؛ الذي يلزم أتباعه بجهنّم التلازم البنيوي بين إسلامهم وجاهليّة الآخرين وبين إيمانهم وكفر الآخرين. بحيث يستحيل على المسلم تبعا لأسطورة المتخيّل التّاريخي أن يعيش معتقده دون تصوّره لوجود الجاهليّة والكفار. والدّين عموما هو تعبير عن هذا التناقض المأزقي في وجوده البنيوي. وهذا المتخيّل التّاريخي؛ الذي أريد له أن يسود كطوق يحاصر التّفكير الحرّ النّقدي في كون الصّراع الحقيقي اجتماعي اقتصادي سياسي، وليس صراعا بين المؤمنين والكفّار، كجوهر مطلق لصيق بهذا الدّين. لاشيء يحرّرنا من هذا الأسر وتحقيق القطيعة معه إلا الوعي التّاريخي بسيرورة وصيرورة مجتمعاتنا، ومدى دور حركة التّاريخ بشروطها الموضوعيّة في نشأة العلاقات الاجتماعية وتطورها، وفي رسم وتحديد وتوجيه آفاقها التّاريخيّة. فالشّروط الاقتصاديّة الاجتماعيّة والثقافيّة، التي سيطر فيها النّشاط التّجاري هي التي كانت وراء النّصوص المكّية، واختلال هذا الأساس المادي القائم على العلاقات التجاريّة هو الذي أفرز النّصوص المدنيّة لدولة المغازي وولادة إسلام الإقطاع العسكري. ولعل المعطيات الاقتصادية والاجتماعيّة والعسكريّة والسياسية، التي حدّدت التّاريخ السّياسي للأندلس كفيلة بتوضيح الفرق أيضا بين دويلات الإقطاع العسكري؛ التي أنتجت الخراب والدّمار والفوضى والتخلّف والتّجزئة والتزمت الدّيني لسلسلة السّوء واللاعقل، وبين مدينة بجانة الشّبيهة بجمهوريّة مستقلة، التي سادت فيها العلاقات التّجاريّة كنشاط مادي أساسي، محدّد للعلاقات المجتمعيّة والسياسيّة والثقافيّة. حيث ساد الإستقرار والأمن والعدالة والعقل والتّعايش بين مكوّنات الأجناس والدّيانات المختلفة، مع ما رافق ذلك من نهضة عمرانيّة وعلمية. والشّيء نفسه نشير إليه في بداية القرن الرّابع الهجري من المشرق إلى الغرب الإسلامي، فقد ساد النّشاط التّجاري ممّا أدّى إلى انهيار الإقطاع العسكري الفقهي، فحققت المجتمعات الإسلاميّة في كافة المجالات الماديّة والرمزيّة نهضة شاملة.
إن إعادة بناء تاريخنا وفق المقاربات المنهجيّة الحديثة يجعلنا أقرب إلى حياة الحركة التاريخيّة، كصراعات سياسية اجتماعية اقتصادية، وأبعد عن مظاهر الصراع في شكلها العصبي القبلي الدّيني الطائفي… أراده متخيّل “تاريخ المسلمين” جوهرا مطلقا وشرعيّا في هذا الدّين الإسلامي. ليست هناك حرب معلنة بشكل مطلق وبصورة ناجزة مسبقة بين المؤمن والكافر وبين المسلم والدّيانات الأخرى، بل هناك صراعات سياسيّة اجتماعيّة تأتي الثّورات تعبيرا عنها أي رفضا لواقع الخوف والظّلم الاجتماعي والتخلّف والفساد الاقتصادي والقهر السّياسي وطلبا للمبادئ والقيم الإنسانيّة الكونية: الحريّة والدّيمقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة وحقوق الإنسان…
“لقد عرف التّاريخ ثورة منهجيّة أحدثت هزة كبيرة في المناهج التقليديّة على مستوى الموضوع والأدوات المصدريّة والتوثيق. فعلى المستوى الموضوعاتي، عرفت الدّراسات التّاريخيّة قفزة نوعيّة تمثلت في إعادة الاعتبار للبنى التحتية وعقل الإنسان ومكوناته النفسيّة والفزيولوجيّة، فانحرف سهم بوصلة الاهتمامات التاريخيّة نحو معالجة المؤسّسات الاقتصاديّة والقضايا الاجتماعيّة وتاريخ الأفكار وأشكال العقليات داخل الكيانات المجتمعيّة المختلفة، وانتقل البحث التّاريخي من عهد “الزمن الفردي” للتّاريخ إلى “الزّمن الجغرافي” و”الزمن الاجتماعي” و”تاريخ الجماعات أو التجمّعات” ومن العهود القصيرة إلى “تاريخ الحقب الطويلة”؛ التي يكون بطلها الإنسان بجسده وغذائه ولغته وتخيّلاته وأدواته التقنيّة والعقليّة، الأمر الذي تطلب العودة إلى مصطلحات لم يألفها المؤرّخون التقليديون”60.
الهوامش:
1- إبراهيم القادري بوتشيش اثر الإقطاع في تاريخ الأندلس السياسي من منتصف القرن الثالث الهجري حتى ظهور الخلافة منشورات عكاظ – ص 40و41
2- المرجع نفسه ص
3- د محمود إسماعيل الإقطاع في العالم الإسلامي حوليات كليات الآداب الكويت ع 11س 1990 ص 21
4- د محمود إسماعيل الفكر التاريخي في الغرب الإسلامي منشورات الزمن ص13
5- إبراهيم القادري بوتشيش اثر الإقطاع في تاريخ الأندلس السياسي ص 37
6- المرجع نفسه ص 12
7- المرجع نفسه ص 16
8- المرجع نفسه ص 14
9- المرجع نفسه ص 16
10- و11 المرجع نفسه ص 19
12-و13 المرجع نفسه ص 20
14- سورة الأنفال الآية 41
15- إبراهيم القادري بوتشيش اثر الإقطاع في تاريخ الأندلس السياسي ص 22
16- المرجع نفسه ص 23
17- المرجع نفسه ص 26
18- المرجع نفسه ص 27
19- المرجع نفسه ص 33
20-و21 المرجع نفسه ص 44
22-و23 المرجع نفسه ص 45
24- المرجع نفسه ص 46
25- المرجع نفسه ص 48
26- المرجع نفسه ص 49
27- المرجع نفسه ص 55و56
28- المرجع نفسه ص 73
29- المرجع نفسه ص 80
30- المرجع نفسه ص 95
31- المرجع نفسه ص 97
32- المرجع نفسه ص 109
33- المرجع نفسه ص 111
34- المرجع نفسه ص 114
35- المرجع نفسه ص 119
36- المرجع نفسه ص 125
37- المرجع نفسه ص 140
38- المرجع نفسه ص 140و141
39- المرجع نفسه ص 142
40- المرجع نفسه ص 147
41- المرجع نفسه ص 154
42- و43 المرجع نفسه ص 170
44- المرجع نفسه ص 172
45- المرجع نفسه ص 173
46- المرجع نفسه ص 177
47- المرجع نفسه ص 178
48- المرجع نفسه ص 188و 189
49- المرجع نفسه ص 266
50- المرجع نفسه ص 267
51- المرجع نفسه ص 167و268
52- المرجع نفسه ص 269
53- المرجع نفسه ص 278
54- و55المرجع نفسه ص 290
56- المرجع نفسه ص 293
57-و58 المرجع نفسه ص 307
59- المرجع نفسه ص 308
60- د إبراهيم القادري بوتشيش اضاءات حول تراث الغرب الإسلامي وتاريخه الاقتصادي والاجتماعي دار الطليعة بيروت ط1 س 2002 ص 66